← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(وَمَثَلُ الَّذِين كفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً). وقد تكلم المفسرون في هذا التمثيل البليغ، فقال بعضهم: إن ذلك التمثيل هو تمثيل لدعوة النبي ﷺ والذين كفروا كمثل الراعي الذي يرعى غنمه، فينعق: أي فيصيح بالغنم التي لَا تسمع إلا دعاء ونداء زاجرا لينتقل بهم من كلأ إلى كلأ، ولكن هذا التشبيه لَا يليق بدعوة النبي ﷺ ؛ لأنها لَا تسمى بهذا الاسم وهو النعيق. وقال بعضهم: إن ذلك تشبيه للذين كفروا في دعوتهم إلى أصنامهم التي لا تملك نفعا ولا ضرا، كمثل الراعي الذي ينادي غنما لَا تسمع إلا دعاء ونداء ما يزجره في الانتقال من كلأ إلى كلأ، وهذا تشبيه حنسن في ذاته، ولكن القرآن نسق واحد في البيان تأخذ كلماته بعضها بحجز بعض، وربما لَا يتقارب هذا التفسير مع

стр. 667

قوله بعد ذلك (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) لأ ن هذه أوصاف للكافرين وليست أوصافا للغنم. بقي التخريج الثالث للمثل وهو بأن يشبه الذين كفروا وما معهم من غنم يرعونها، يشبهون بالبهائم التي تنعق بأن تصيح بما لَا يسمع إلا دعاء إن كانوا في كرب، ونداء إن كانوا بعيدا. والكافرون مع غنمهم مثلهم كناعق ينعق بما لَا يسمع إلا دعاء ونداء، فأصوات الغنم تتبادل بنعيق لَا يفهم، وبصياح مجاوب للنداء، فالجميع يتصايح بالنعيق، والجميع لَا يفهم إلا دعاء ونداء. ولذا صح أن يوصف المشركون بالأوصاف التي ذكرها الله عنهم، فقال (صمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) أي أنهم في عدم سماعهم للحق الذي دعوا إليه كالصم الذين لَا يسمعون، وهو تشبيه حالهم المعنوية في عدم سماعهم لدعوة الحق إذا نادى المنادي به بحال الأصم الذي لَا يشمع شيئا، وفي عدم نطقهم بالحق، واستجابتهم له بحال الأبكم الذي لَا يتكلم. شبه عدم إدراكهم الحق الذي بدت معالمه، وظهر نوره بحال الأعمى الذي لَا يبصر (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصّدُورِ). وقد ختم الآية بقوله تعالى: (لا يَعْقِلُونَ) ما يدعون إليه، ويتفكرون فيه ويبدون وكأنهم لم يسمعوه، ولا يفكرون في الاستجابة بالإذعان والتسليم ولا يستضيئون بنوره. فتح الله قلوبنا للحق إذ نسمع داعيه، ورطب ألسنتنا بالحق لنجيب نداءه، وأنار بصرنا وبصيرتنا لنراه إنه سميع الدعاء. * * *

стр. 668

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) * * * بين الله أننا فيما أباحه الله لنا لَا نتبع خطوات الذي يغوينا بتحريم ما أحل لنا، وذكر حال المشركين في اعتقاداتهم ثم بين بعد ذلك ما أحله وما حرمه، فقال تعالى:

стр. 669

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وكان النداء إلى الناس الذين كان منهم من اتبع خطوات الشيطان، أما الآن فالخطاب للمؤمنين خاصة، وهم لَا يتبعون خطوات الشيطان إنما يتبعون شرع الرحمن. الأمر هنا للإباحة، والإباحة بالجزء، أي لنا أن نتخير من الطيبات، وعلينا أن نتناول ما نحب لَا ما لَا نحب، من غير أن نحرم على أنفسنا شيئا كما تلونا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وبالنسبة لمجموعة الأوقات فالأكل من الطيبات فرض، فهو وإن كان مباحا بالجزء مطلوب بالكل، ليس لأحد أن يترك الأكل من الطيبات فإن ذلك يكون حراما، ويؤدي إلى الهلاك كما ذكرنا في ماضي قولنا. والطيبات هي ما تستطيبه النفوس، ويكون حلالا، والأكل منه مطلوب لتقوى الأجسام ولتقوى العقول والنفوس في ذاتها، ولتقوى للجهاد في سبيله وبشرط أن تكون حلالا، وحرم الله الخبائث التي تكون في ذاتها مستقذرة كالخنزير والميتة أو التي تكون من كسب حرام كالربا والسحت، وأكل مال الناس بالباطل. وإن من

стр. 670

أعظم القربات بعد تقوى الله، طلب الطيبات الحلال. وقد روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها" (١). ولقد أردف الله الأمر بالأكل من الطيبات بالأمر بالشكر؛ لأن هذه الإباحة للطيبات نعمة، والنعمة توجب الشكر من المنعم، الذي أباح ومكن، والشكر يكون بترك المعاصي ولزوم الطاعات والتقوى والتقرب إليه ، وطلب رضوانه، ويقول سبحانه: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. . .)، ولقد قال رسول الله ﷺ : " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر " (٢). وإن هذه المباحات نعم الله تعالى في هذه الدنيا يُسأل عن حقها وعن شكرها، فقد قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، وإن الشكر هو الطاعات الكاملة، والعمل الصالح، وإن ذلك شريعة الرسائل الإلهية كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلونَ عَلِيمٌ). وقوله تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أضيفت الطيبات، وهي إضافة تشير إلى المصدر، وهو إنعام المنعم؛ لأن الطيبات مما رزق الله تعالى، ومما تمكن عباده منه، فكان هنا نعمتان أنعم الله تعالى بهما، وهما: نعمة الرزق والعطاء، ونعمة الإباحة للطيبات، وكان الشكر على النعمتين واجبا. ولذا قال تعالى: (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) أي اشكروا الله، وقد بينا أن " شكر " تتعدى باللام، وهو الأفصح، وتتعدى بنفسها، وإن الشكر ملازم للعبادة أو هو منها، أو

стр. 671

هو هي، ولذا قال تعالى: (إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) أي إن كنتم تعبدونه وحدي من غير إشراك غير، وتقديم الضمير على الفعل للإشارة إلى اختصاصه تعالى بالعبادة وحده، اللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمائك وراضين في السراء والضراء. بعد أن ذكر الله ما أحله من طيبات بين ما حرمه من حبائث سواء أكانت هذه الخبائث حسية أم كانت معنوية، فقال تعالى:

стр. 672

(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). حرم الله تعالى ثلاثة أشياء من الخبائث الحسية، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير، ومن الخبائث المعنوية ما أهل به لغير الله، أي ما ذبح لصنم ونحو ذلك. والميتة هي التي ماتت حتف أنفها من غير ذبح شرعي، وتشمل النطيحة والمتردية، ولذا قال في الخبائث المحرمة في سورة المائدة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ. . .). وإنه يدخل في الميتة كل ما مات من غير أن يُسالَ دمه ولو بسبب من العباد أو السبع، فيدخل في الميتة المنخنقة التي ماتت بالخنق من غير ذبح يسيل دمها، والموقوذة التي رميت حتى ماتت، والنطيحة التي ماتت بنطح ولم يسل لها دم، والمتردية وهي التي تردت في حفرة أو بئر فماتت بهذا التردي، ولم تذبح وما أكل السبع بعضه، ولم يذبح فإنه أيضا يكون محرمًا، وحرم الاستقسام بالأزلام وهي أقداح الميسر كما حرم الذبح على النصب، وحرمت هذه الأشياء لَا لخبث في ذاتها ولكن لما اقترن بذبحها وهو النصب، كما حرم الاستقسام بالأزلام فهي في ذاتها طيبة حسيا، ولكن لازمها خبث معنوي وهو ما يقترن بها من ميسر، والقرآن الكريم قد حصر التحريم في هذه الأشياء المذكورة فقال تعالى: (إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) وإنما أداة من أدوات القصر، أي حرمت هذه الأشياء من النعم التي هي البقر

стр. 673

والإبل والغنم وغيرها مما يشبهها آكلة العشب كالغزال والأوعال، أما سباع البهائم كالأسد والذئب وغيرها فهي محرمة بذاتها، لأن لحمها لَا يؤكل وتعافه النفوس المستقيمة، فالحصر في التحريم، إنما هو بالنسبة للنعم وما يشبهها من آكلة العشب، والمحرمات هي الميتة ويدخل فيها كما سبق من القول المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا أن يذكى بأن يبقى بعد أكله حيا، فيذكى والتذكية إسالة الدم. والميتة يبقى فيها الدم، فبمضي الزمن يفسد أجزاء جسمها وتتعفن ببقائه فيها فيفسد لحمها وتسارع إليها الجراثيم المفسدة، فتكون خبيثة وتتحول من لحم طيب إلى لحم خبيث، ويدخل في ذلك الموقوذة والمنخنقة والمتردية والنطيحة والدم، والمراد به الدم المسفوح، أي السائل، وليس المتجمد بأصل تكوينه وإن كان التكوين من الدم وهو الكبد والطحال، والدم المسفوح يسارع إليه الفساد وهو ثقيل الهضم وهو يفسد الجسم والنفس، وإنما قيد الدم بالمسفوح، لأنه صرح في آية الأنعام بأن المحرم هو الدم المسفوح فقال تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . .). ومن المقررات أن المطلق يحمل على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب، فيجمل الدم المذكور في الآية التي نتكلم في معناها على المقيد في آية الأنعام، والدم يسارع إليه الفساد وأكله يربي القسوة وهو ثقيل الهضم. ولحم الخنزير ذكر الله تعالى في القرآن أنه رجس أي قذر يحتوي على كل ما يضر البنية الإنسانية، وقد ثبت بالتجربة أنه أثقل طعام على المعدة، والمعدة بيت الداء، وثبت أنه يحوي من الديدان ما يضر الجسم، وأنه يحدث فقد الشهوة، ويوجد أعراضا عصبية، ويظن كثيرون أنه مورد من موارد داء السرطان العضال. وما أهل لغير الله تعالى به، والإهلال رفع الصوت بذكر الله تعالى عند الذبح، والإهلال لغير الله تعالى بأن يذكر عند الذبح أنه لصنم أو وثن أو نار أو نحو ذلك،

стр. 674

ويدخل في ذلك ما ذبح على النصب التي كانت تقام للأوثان وتذبح الذبائح عليها. وقد بين أن ذلك عند الاختيار، وأما عند الاضطرار فإنها يرفع عنها الإثم؛ ولذا قال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي من كان في حال ضرورة، بحيث تتعرض الحياة للهلاك إذا لم يأكل شيئا من هذه المحرمات، فإنه لَا إثم عليه إذا أكل، ويكون واجبا عليه أن يأكل إن لم يجد غيرها؛ لأن ضرر الموت أشد من ضرر الأكل، والضرر القليل يتحمل في سبيل دفع الضرر الكبير، ولقد بين النبي ﷺ حال الضرورة لمن سأله عن ذلك، فقال: " أن يأتي الصبوح والغبوق ولا تجد ما تأكله " (١)، ولقد قال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). ولقد قيد الله تعالى رفع الإثم، فقال تعالت كلماته: (غَيْرَ بَاغِ وَلا عَادٍ) أي غير طالب لها تبتغي إشباع رغبتك، كأن يكون في عطش شديد ولم يجد إلا خمرا، فيشربها مبتغيا لها لَا يقصد دفع الضرورة ولكن يرغب فيها، وكمن يكون في حال ضرورة فيكون بين يديه الميتة والخنزير فيبتغي الخنزير اشتهاء له ورغبة فيه، ولا عاد أي غير متجاوز حد الضرورة، والضرورة تدفع بأقل قدر فلا يتجاوزه، فيتعدى ما رفع الله تعالى الإثم عنه. وروي عن مجاهد وابن جبير أنهما قالا في معنى باغ وعاد، غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي الخارج على السلطان العادل وقاطع الطريق، وبهذا أخذ الشافعي في أحد قوليه فمن كان مضطرًا للطعام ولا يجد

стр. 675

إلا بعض هذه المحرمات وكان خارجًا في معصية فإنه لَا يترخص له في أكل واحد من هذه المحرمات؛ لأن وقوع الضرورة بسبب معصية، والمعصية لَا تحل المحرم. وأبو حنيفة ومالك وأحمد، والرأي الثاني عند الشافعي أن الرخصة قائمة وسببها ليس هو المعصية أو غير المعصية، وإنما سببها الاضطرار والخشية من الهلاك والمعصية في قتل النفس أشد من المعصية في الخروج على الأحكام؛ ولأن الجهة منفكة؛ فرفع الإثم لدفع الجوع والظلم في العصيان فلا خلط بينهما، ومن المقررات أن الظالم في معصية لَا يحرم من حقوقه في ناحية أخرى، وإلا كان ظلما والظالم لا يظلم، ولكن يقتص منه في موضع ظلمه، هذا وإن الرخصة نتيجتها أن يرفع الإثم لَا أن تباح الميتة وأخواتها، ولكن قرروا أنه في حال الضرورة هذا يكون الأكل مطلوبا طلبا حتميا بحيث يأثم إن لم يأكل، لأن عدم الأخذ بالرخصة قتل للنفس والله تعالى يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). ولقد ختم الله تعالى النص الكريم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ). هذا النص السامي فيه تسجيل لرحمة الله تعالى، ولغفرانه في الدنيا والآخرة ما يرتكب إن كان بقصد حفظ النفس من التلف، وكان من غفرانه أن رفع الإثم وسببه قائم عن المضطر إلى أكل المحرمات، وكان من رحمته أن أباح هذه الطيبات، وإن حرم الخبائث، فتحريم الخبائث لأضرارها، وإباحة الطيبات لنفعها من رحمته سبحانه، إذ إن الشريعة الغراء قامت على جلب ما هو نافع ودفع ما هو ضار، وكان من رحمته جلت قدرته أن رفع الإثم عند الاضطرار. وقبل أن ننتقل إلى آياته البينات نقرر أمرين. أولهما: ما قرره بعض العلماء ذوي النظر الثاقب أن الجوع الشديد يجعل الجسم يستطيع تناول هذه الخبائث الضارة إذ الجوع يذهب بأضرارها، أو لَا يجعلها تؤثر بالأذى في الجسم ما دام لَا يتعدى حد الضرورة، فإن تعداها كان الضرر المؤكد من هذه الخبائث. الثاني: إن هذه المحرمات إنما هي في حيوانات البر والنعم كما قررنا، أما صيد البحر فإنه حلال كما قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا. . .). جعل الله طعامنا حلالا طَيبا، وهنيئا مريئا. * * *

стр. 676

كتمان الحق (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) * * * بعد أن بين الله تعالى في كتابه الحكيم ما يحل وما يحرم، وذكر أن الشيطان يجيء بوسوسته فيما يحل فيحرمه، وفيما يحرم فيبيحه فهو يجعل المشركين يحرمون على أنفسهم بعض ما أحل، ويحملهم على أن يستبيحوا الزنى والقذف والخمر والقتل والغصب، بعد ذلك بين سبحانه أن ما جاء في كتاب الله تعالى يجب أن يبين، وما جاء في الكتب السابقة يجب ألا يكتم من بشارة بالنبي ﷺ وحلال وحرام في هذه الكتب، وأن من يكتم الذي أنزله الله سبحانه لغرض من أغراض أو هوى من هوى الأنفس أو رجاء رشوة أو سحت من المال، إنما يبيع الحق بثمن بخسٍ مهما يكن مقداره؛ ولذا قال تعالت كلماته:

стр. 677

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أوْلَئِكَ مَا يَأكلُونَ). الكلام في كل من يكتمون ما أنزل الله في الكتاب سواء أكانوا مؤمنين لَا يبلغون الدعوة إلى الله ويبينون ما اشتمل عليه الكتاب من الأحكام التي يجب إعلانها وبيانها للناس، أم كانوا من اليهود أو النصارى الذين يعلمون أمر النبي ﷺ وما يجيء به من أحكام ويكتمونها، وقد قال تعالى في ذلك: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتوبًا عِندَهُمْ فِي

стр. 678

التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ. .. ). وكان من المناسب ذكر كتمانهم، والقرآن الكريم يبين الطيبات التي أحلها، والخبائث التي حرمها، والأغلال التي رفعها، وقد كتموا أمر محمد ﷺ ورسالته. وقوله تعالىٍ: (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا) معناه يقدمونه في نظير قليل، وعبر سبحانه بقوله تعالى: (ويشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) لأن المشتري طالب لمقابل المبيع، فهم يتركونها طالبين ثمنها راغبين، وهو مهما يكن مقداره قليل، فهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، والثمن هو استعلاء واستكبار عن الاتباع، وإنكار وجحود، وعرض من أعراض الدنيا وقد بين الله تعالى سوء فعلتهم في الدنيا، وعذابهم في الآخرة، فقال تعالى: (أُوْلَئِكَ مَا يَأكُلُونَ فِي بُطونِهِمْ إِلَّا النَّار وَلا يُكَلِّمُهمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ). الإشارة إلى الذين يكتمون ما أنزل الله في الكتاب الحق، وتركوا الواجب في نظير قليل بالنسبة لما تركوه فهو زهيد مهما يكن مقداره بجوار الحق الذي باعوه، فقد باعوا غاليا بما لَا يكافئه مهما يكن قدره، الإشارة إلى هؤلاء الذين اتصفوا بذلك، والإشارة إلى الموصوف بصفة يبين أن سبب الحكم هو هذه الصفة. وقد حكم الله تعالى عليهم بأربعة أحكام: أولها أنهم ما يأكلون من الثمن الذي أخذوه إلا النار تلهب بطونهم، وقوله (مَا يَأكلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) مجاز فيه عبر عن حالهم بالمآل الذين يئولون إليه، فعبر سبحانه عن حالهم في الثمن الذي أخذوه شرها، طمعا وإيثارا للباطل، وتركا للحق بأنهم أكلوا نارا، نزلت في بطونهم وألهبتها ومزقت لحومهم، واختار التعبير بكون النار في بطونهم؛ لأن المال الباطل يطلب لأجل شهوة البطن وملذاتها والتعبير عن الجزء وإرادة الكل إذ المراد أن النار تعمهم، وتشمل كل أجزائهم، ولكن عبر بالجزء؛ لأن ذلك الجزء له مزيد من الاختصاص؛ لأن شهوتهم وشرههم هو الذي جعلهم يختارون ذلك الثمن الحقير وإن كان كبيرا فإن الذي تركوه من الحق أكبر وأعظم وهو الحق الذي كتموه.

стр. 679

والعقاب الثاني: أنهم ينالهم غضب الله تعالى، وغضب الله الواحد القهار فيه إيلام لأهل الضمائر وإنذار شديد لأهل الشر، لأنه غضب المقتص الجبار الذي لا يفلت منه أثيم، ولا تنفع عنده شفاعة الشافعين، ولا يغني أمامه شى في الوجود مهما يكن ومهما تكن صلته، (الأَخِلَّاءُ يوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. . .). والعقاب الثالث: أن الله تعالى لَا يزكيهم أي لَا يطهرهم من ذنوبهم فإنهم في كون الجزاء، لَا يخفف عنهم ولا يرجعون، يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا، ولكن لا يعودون، ولا يخرجون من النار التي تحيط بهم. والعقاب الرابع: أن لهم عذابا أليما أي مؤلما، نتيجة لغضب الله تعالى، وعبر عن غضبه عليهم بأنه لَا يكلمهم، وكأنه يقول لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون. وإن الآية كما يقولون نزلت في اليهود أو النصارى كذلك، فإن اللفظ أعم وأشمل فهو يشمل اليهود الذين كتموا الحق غرورا واستعلاء وكبرياء وطلبا للدنيا وما فيها من سيطرة وسلطة ويشمل كل من يكتم الحق من أمة محمد ﷺ فيشمل الذين تقاصروا عن الدعوة إلى الإسلام، وهم عليها قادرون، وتركوها استرخاء، وتقاصرا في الهمم وتركا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويشمل الوصف الذين لا يذكرون ما أحل الله تعالى وما حرم، تهاونا وكسلا، أو لينالوا مأربا من مآرب الدنيا، وهو الثمن البخس الذي تركوا الواجب لأجله. ويشمل الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تخاذلا عن الحق، ورضا بالباطل، ويشمل الذين يمالئون الحكام، ويخطون على هواهم، ويقررون من الأحكام ما يخالف النقل والعقل، كأولئك الذين يستبيحون الربا، والذين يدعون إلى قتل النسل، لإرضاء الحاكمين وتقربا وإزدلافا إليهم، ويشمل الذين يفتون الناس على حسب أهوائهم بأجر معلوم، أو رجاء معونة عند الحكام الذين ليس للدين حريجة في قلوبهم، وكل أولئك نراه في عصرنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 680

وإن أولئك الذين كتموا الحق الذي أنزله تعالى لغرض أو لمال أو لجاه، أو لرشوة وسحت أو لمنصب يريدونه أو يرجونه، هؤلاء تركوا الهداية وطلبوا الضلالة؛ ولذا قال تعالى مشيرا إليهم:

стр. 681

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ). الإشارة في الأولى إشارة للذين اتصفوا بكتمان الحق وقت الحاجة إلى بيانه، وأن ذلك الوصف هو سبب الحكم الذي تقرر عليهم، وهو أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، أي تركوا الحق، وهو المبيع الثمين لأنه هدى الله تعالى وهو الطريق، وهو الإعلام بالحق المبين تركوه، وباعوه بثمن حقير في ذاته بالنسبة لمقابله، فهو الضلالة، في مقابل الهداية، قد تركوا الطريق المستقيم وهو الهداية التي منحهم الله تعالى بحكم الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، تركوا ذلك الطريق المستقيم إلى متعرجات الشيطان فضلوا في صحراء هذا الوجود ضلالا بعيدا. وكما استبدلوا بالهداية الضلالة استبدلوا أيضا العذاب بالمغفرة، أي سلكوا الطريق الموصل إلى العذاب وتركوا الطريق الموصل إلى مغفرة الله تعالى، وقد عبر الله تعالى بالعذاب، والظاهر أنه أراد سببه والطريق الموصل إليه، إشارة إلى أنه موصل إليه لَا محالة، والمغفرة هي الثواب والنعيم المقيم الذي أعده الله تعالى للمهتدين، وعبر عن الثواب بالمغفرة، لأن المغفرة دليل الرضا أولا، وللإشارة إلى أن من يعمل صالحا يغفر الله له ما عساه يكون من سيئات؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات ثانيا، ولأن من ينال غفران الله تعالى من المقربين. وقد أكد الله تعالى دوام عذابهم بقوله تعالت كلماته: (فَمَا أَصْبرَهُمْ عَلَى النَّارِ) أي أنهم يأخذون في أسباب الجحيم، ودخول النار والبقاء، ويقال في مثل من يكون في حالهم ممن يسيرون سيرهم، ما أصبرهم على النار وهو من قبيل التهكم كما يقول القائلون لمن يرتكب أسباب العقوبة من حد أو تعزير: ما أصبرك على السياط تكوي ظهرك كيا، لأنه يتخذ أسبابها، وقد يقال إن الصبر بمعناه اللغوي وهو الحبس كقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ

стр. 682

وَجْهَهُ. . .)، ويكون المعنى ما أطول وأدوم حبسهم على النار يصلونها. روي عن الكسائي أنه قال: أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه، فوجبت اليمين على أحدهما فحلف فقال له صاحبه: ما أصبرك على الله أي ما أجرأك عليه. والمعنى على ذلك: ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها. . اللهم قنا عذاب النار، وألهمنا الصبر على النطق بالحق إنك أنت الرحمن الرحيم. وما كان ذلك الوجوب إعلام بإعلان الحق في الكتاب الكريم والعقاب على الكتمان إلا لأن الكتاب أنزل بالحق، والذين يختلفون فيه اختاروا المشاقَّة على الإيمان؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 683

(ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي أن الله تعالى نزل القرآن في مدى ثلاث وعشرين سنة بالحق الثابت الذي لَا مرية فيه، ولا شك أن من يكتمه ولا يبينه للناس ليستضيئوا بنوره، وليهتدوا بهديه - يرتكب إثما عظيما، يستحق عليه عقابا أليما، وهو الطريق المستقيم، ولا ينبغي لأحد أن يخالفه أو يختلف في شأنه وصدقه؛ ولذا قال عز من قائل: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاق بَعِيد)، فمن يؤمن ببعض ويكفر ببعض ويترك ما يدعو إليه، أو يجعله عضين مفرقا يفهمه غير مستقيم في فهمه بل يفهمه متناقضا على حسب هواه، لا على مقتضى نسقه الحكيم، من يفعل ذلك فشانه في شقاق بحيث يتخذ كل واحد شقة من القول، ويكون كل شق بعيدا عن الآخر، لَا يتلاقون أبدا فهم في خلاف وكل حزب بما لديهم فرحون. * * *

стр. 684

البر

стр. 685

(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) * * * كان أمر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام أمر هذه النفوس المؤمنة، والنفوس المشركة والكتابية وأثار جدلا وحماسة، فالمؤمنون تقبلوها بقبول حسن، لأنها بناء إبراهيم، وهو الذي سماهم مسلمين، وهو الحرم الآمن الذي جعله الله تعالى للناس مثابة وأمنا، وهو مزار العرب إليه يحجون ويعتمرون من وقت أن بناه إبراهيم ﵇، وهو عزهم، وأما المشركون من العرب فقد ظنوا أن محمدًا عاد أو سيعود إليهم وما علموا أن ذلك إيذان بذهاب دولة الأوثان، وإزالتها من حول الكعبة، وأما اليهود فقد أذهب أطماعهم في النبي ﷺ والمؤمنين، وعلموا أنه هو النبي الأُميّ الذي بشر به في التوراة يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وقد صدفهم الله تعالى. إن هذا الأمر الذي يشغلهم جميعا، إنه الأمر الأعظم، وهو مقصد الأديان كلها، وغاياتها، وهو الذي يهذب النفوس، والمجتمعات ويربيها ويقيمها على التعاون على البر والتقوى ويحميها ويدفع عنها وهو نسب الأديان كلها؛ ولذا قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أي ليس هذا هو البر

стр. 686

المقصود الجامع لكل معاني الخير، الذي حرص الدين عليه حرصا كاملا، بل هو إلى الشكل أقرب، أو هو الوسيلة وما يكون من الأمة هو الغاية العليا من كل دين جاء من الله تعالى لهداية البشر، وتوجيههم نحو الصلاح الإنساني آحاد وجماعات؛ صلاحا يمس نفوسهم ويملأ قلوبهم إيمانا، وليس في العبارة السامية ما يومئ إلى الاستهانة بأمر القبلة، بل إن فيها توجيها إلى الناحية التهذيبية والكمالية للإنسان في آحاده، وجماعاته؛ ولذا قال تعالى مستدركا مثبتا: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ). قال العلماء: إن " من آمن بالله " إن الكلام فيها على تقدير مضاف ومعناه، ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر. . وحذف المضاف إذا دل عليه المضاف إليه كثير في القرآن وهو من إيجاز الحذف البليغ كقوله تعالى: (وَاسْأَل الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا. . .)، أي أهل القرية، وكقوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيه)، أي فليدع أهل ناديه. وإن ذلك الإيجاز من دلائل الإعجاز، وإننا نرى أن حذف المضاف أو عدم تقديره يعلو بالكلام إلى أعلى درجات البيان، إن الكلام يكون دالا على البر بمفهوم الحال المكونة من الكلام كله، فيكون المعنى ليس البر المقصود من الديانات الإلهية أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر المقصود وهو الغاية من الديانات الإلهية هو الحال التي يكون عليها من آمن بالله واليوم الآخر. . وآتي المال على حبه ذوي القربى إلى آخر ما بينته الآيات، فهذه الحال المجتمعة من تلك الصفات، وهذه الأعمال المهذبة المربية لمجتمع فاضل هي البر، وعلى ذلك لَا تحتاج إلى تقدير، والبر كما يقول المفسرون هو المعنى الجامع لكل ما فيه نفع للنفس وللناس، وإني أراه مرادفًا في العرف الخلقي. وقد ذكر الله تعالى صنوف البر كلها في هذه الآية الكريمة، وكانت بحق آية البر، لأنها جمعت أطرافه، ونواحيه كلها، وهي من أجمع الآيات للتكليفات الدينية.

стр. 687

* وأول البر وسنامه وأصله الإيمان، وهو التصديق والإذعان، وأول من يجب الإيمان به الله، فالإيمان به هو لب الإيمان كله، وهو الخضوع والإذعان والعبادة له وحده لَا شريك له، وامتلاء النفس بذكره، بحيث لَا تذكر غيره في الغدو والآصال، وفي الصحو، وفي المنام، ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بأنه وحده الخالق للوجود، والإيمان بأنه وحده الموصوف بصفات الكمال، والإيمان بأنه وحده المستحق للعبادة، فليس في الوجود من يستحق العبادة سواه. والإيمان باليوم الآخر، ويشمل الإيمان بالبعث والنشور، والإيمان بيوم القيامة، وما يجري فيه من حساب وعقاب وثواب، وأن من أحسن فله النعيم المقيم، ورضوان من الله أكبر، وأن من خالف وغير وبدل فجزاؤه جهنم، وبئس المصير، وإن ذلك كله مادي حسي، وليس روحيا كما توهم بعض الكاتبين. وكان الإيمان باليوم الآخر تاليا للإيمان بالله تعالى، لأنه تصديق لما أمر الله به، ولأنه سلوان المحسن العابد وإنذار للمشرك المكذب، والمعاند المستكبر الجاحد، وقد تبين له الحق. ثم يلي الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالملائكة الأخيار الأطهار الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهو إيمان بالغيب الذي لَا يرى ولا يحس، وأول شعار المؤمن الإيمان، وهو الفيصل بين المسلم والزنديق، فالزنديق أو الملحد في دين الله تعالى لَا يؤمن إلا بالمحسوس، ولا يصدق ما لَا يرى ويحس، والمؤمن يعلم أن وراء المحسوس سرا خفيا، وقد أمرنا الله تعالى بالإيمان فحق علينا أن نؤمن بوجودهم، وهم مذكورون في كتابه الكريم، وفي الكتب التي صدقها، فالكفر بهم كفر بالله وبالقرآن، وذكر الله بعد ذلك الإيمان بالكتاب، وهو القرآن الكريم، والإيمان تصديق بكل ما جاء به ويدخل في ذلك الإيمان بالكتب السابقة؛ لأنه سجلها في قصصه، فهو سجل النبوة كله، فيه ذكر كتبها، وفيه بيان معجزات النبيين، فلولا قصصه الحكم الصادق ما عرف كتاب من كتب النبيين، ولا معجزة من معجزاتهم.

стр. 688

وذكر سبحانه وجوب الإيمان بالنبيين السابقين؛ لأن الإيمان الذي جاء به القرآن هو الإيمان الجامع بالنبوات الإلهية كلها، كما قال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦). هذا هو الإيمان الذي أمر به الله تعالى، وكانت حال المتصف به والقائم بما يأتي من تكليف، وأعمال، هي البر المطلق من الإنسان في كل دين. ولننتقل إلى بيان الأعمال التي هي بر في ذاتها، وحال القائم بها هي البر الخالص التي تأمر به كل الأديان التي جاءت من الله لَا من أوهام البشر: * في حال من آتي المال على حبه، ولقد قال تعالى فيه، (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) أي أعطى المال على حبه له فالضمير يعود إلى المال، والمعنى على حبه للمال ورغبته في اقتنائه، ولكنه آثر العطاء وعلى هذا السبب وذلك كقوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حبِّهِ مسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسيرًا)، وكقوله تعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمًّا تُحِبُّونَ. . .). ويفسر هذا ما رواه البخاري عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الصدقة أعظم أجرا؟ فقال ﷺ : " أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " (١). وقد فسر بعضهم بأن الضمير يعود على الإيتاء وهو المصدر المنسبك من آتى، والمعنى أعطى المال محبا للإعطاء راغبا فيه راضي النفس، طيبا بالعطاء، راغبا في رضاء الله به، وبذلك يجتمع له قربتان قربة العطاء في نفسه، وقربة الاتجاه إلى إرضاء ربه.

стр. 689

وهو في موداه لَا يختلف عن التقدير الأول، وإن كان الأول يدل على مجاهدة النفس في العطاء بين ما يحبه ويشح به، بين إرضاء الله بالعطاء فيؤثر إرضاء الله تعالى على شح نفسه، فتكون قربة العطاء، وقربة المجاهدة حتى يكون مطيعا لله تعالى متقربا إليه، طالبا رضاه، وهو الغني الحميد. وقد ذكرت الآية الكريمة من يخصهم بعطائه، أو من يؤثرهم بهذا العطاء، ويبدو من الذكر ومعناه ترتيبهم في العطاء وأن بعضهم يفضل في العطاء على بعض إن لم يتسع ماله لهم أجمعين. (أ) ذوو القربى؛ ولذا قال تعالى: (وآتى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) وهم قراباته، ويفضل الأقرب فالأقرب ويبدأ بالوالدين، كما قال النبي ﷺ ردا على من سأله من أحق الناس بحسن صحبتي: " أمك " كررها ثلاث مرات مع تكرار السؤال، ثم قال: ثم من؟ قال: " أبوك، ثم الأقرب فالأقرب " (١)، ولقد قال ﷺ فيما رواه النسائي: " إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة " (٢)، ولأن الإسلام أقام على دعامة الأسر المتحابة المتعاونة المتكاتفة، والأسرة مقصورة على الأبوين والأولاد، بل هي ممتدة إلى أن تشمل الأقارب؛ ولذا قال ﷺ : " من أراد منكم أن يبارك له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " (٣)، ولقد عد من ذوي القربى الزوج إذا كان فقيرا، فقد سألت امرأة عبد الله بن مسعود النبي ﷺ أيعد إعطاء زوجها صدقة؛، فقال ﷺ : " نعم " (٤).

стр. 690

(ب) والذين يلون أولى القربى في العطاء اليتامى، سواء أكانوا من ذوي القربى أم لم يكونوا، وإذا كانوا من ذوي القربى يكونون أولى من غيرهم من الأقارب إلا الأبوين. واليتيم هو الذي مات أبوه، وهو صغير، ورعاية اليتيم مما حرض عليه الإسلام في عدة أحاديث، وأوصى القرآن بهذه الرعاية في عدة من آي القرآن، وأنه يجب ألا يذل ولا يقهر؛ ذلك لأن اليتيم إن أهمل كان عضوا هداما في المجتمع، إذ يخرج إلى الحياة ناقما عليها متمردا لَا يألف ولا يؤلف، إذ إن تربية النزوع إلى الألفة تكون من الأبوين، ومن الشعور بالرحمة والحياطة والعناية وخصوصا من الأب الحاني الرفيق الحاني العطوف. فإذا حرم من ذلك فقد يتربى على النفور وعداوة المجتمع إن لم يجد من يحل محله في إلفه ومودته وحياطته؛ ولذا نهى الإسلام عن قهر اليتيم، حتى لَا يتربى فيه نزوع النفور، فقال تعالى؛ (فَأمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، وقال ﷺ : " خير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم، وشر بيوت المسلمين بيت يقهر فيه يتيم " (١) وقال ﷺ : " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى " (٢). وقال ﷺ : " من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإليَّ وعليَّ " (٣) وهو اليتيم.

стр. 691

(جـ) والمرتبة التي تلي اليتيم في العطاء، هو المسكين وهو من أسكنته الحاجة، وهذا يشمل الزمِن أي المريض بمرض مع الفقر، وعدم القدرة على العمل، ويشمل أولئك الفقراء الذين لَا يملكون شيئا، ويتعففون عن أن يسألوا الناس، ولقد قال النبي ﷺ في ذلك " ليس المسكين هو الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين هو الذي لَا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه " (١) وهو الذي ينطبق عليه قول الله تعالى: (لِلْفقَراءِ الَّذينَ أُحْصِروا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ. . .). (د) والذي يلي المساكين ابن السبيل وهو الذي انقطع عن ماله، وصار في مكان لَا يجد فيه ما يمده بأسباب الحياة من طعام يطعمه، أو مال ينفقه أو مأوى يأوي إليه، ولذلك أطلق عليه ابن السبيل؛ لأنه انقطع إلا عن السبيل الذي يسير فيه، وإن إيتاء المال لهذا يكون بإعطائه ما يسعفه من قوت، وبإيوائه حتى يئوب، وإعطائه قدرا يصل به إلى بلده، ويصح أن يسهم في إنشاء مضيف يأوي إليه أبناء السبيل الذين ينقطع بهم الطريق، ولا يجدون مأوى، ولقد قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، ومحمد الباقر: إن ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين، وهو لتعبير جدير ببني هاشم الأكرمين، فقد سماه ضيفًا يجب إكرامه. (هـ) ويلي ابن السبيل في المرتبة التي تؤتى المال على حبه فيها السائلون وهم الذين يسالون ما يقوتهم من طعام أو مال يشترون به قوتهم، وهم لهم حق على كل مسلم له غنى أو فضل مال، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حقّ مَّعْلُومٌ

стр. 692

لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ)، وقد روى الإمام أحمد عن الإمام الحسين أحد السبطين والثاني لسيدي شباب أهل الجنة (١)، عن النبي ﷺ أنه قال: " للسائل حق وإن جاء على فرس " (٢)، وإنه لَا يرتكب مذلة السؤال إلا عن حاجة، ومن اللؤم أن تسأله عن مقدار حاجته. هذا ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وقد كان هناك بيت مال يسد حاجة كل محتاج، ويبحث عن المحاويج ليعطيهم ما يغنيهم عن السؤال. وكيف تكون الحال، ولا توجد أية ناحية تبحث عن المحاويج لتغنيهم عن السؤال؟! إنه يكون إعطاء السائل أهم وأوجب، ولكن من الناس من يمنع الماعون عن هؤلاء؛ بحجة أن هؤلاء لهم مال ويتخذون تكفف الناس حرفة يحترفونها، ويؤثر المنع على العطاء، بل إنهم يذهب بهم فرط مغالاتهم في المنع إلى أن يحرموا العطاء، ولا حجة لهم إلا ادعاؤهم أنهم محترفون، فهل فتشتم عن حالهم، ونقبتم في بيوتهم، وكيف يفرون من أن للسائل والمحروم حقا معلوما كما في الكتاب السامي وقول النبي ﷺ فيما رواه أبو داود " للسائل حق ولو جاء على فرس " (٣) إنهم يظنون الظن، ويحكمون به من غير أن يستيقنوا في الأمر شيئا ولا حول ولا قوة إلا بالله. (و) المرتبة الأخيرة التي تؤتى المال على حبه هم العبيد ليفك عتقهم، وعبر عنهم رب العالمين بقوله عز من قائل: (وَفِي الرِّقَابِ) والرقاب جمع رقبة، والمراد العبد الذي تعلق به الرق، وعبر عن الرقيق بالرقبة من قبيل التعبير بالجزء وإرادة الجميع، وعبر عنه بالرقبة؛ لأن الرقبة هي مظهر الخضوع حسا، إذ يطأطئ العبد رقبته، خشوعا وخضوعا، وكان تعبير القرآن عن الرقيق بالرقبة مثل قوله تعالى:

стр. 693

(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)، وقال في كفارة القتل الخطأ (ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ مؤْمِنَةٍ. . .). وقوله: (وَفِي الرِّقَابِ) أي يؤتي المال على حبه في الرقاب أي في فكها، وذلك يشمل إعطاء المكاتِب وهو الذي تعاقد مع مالكه على أن يعطيه ثمنه أو ما تراضيا عليه على أن يعتقه، وقد أمر الله تعالى بالمكاتبة، فقال تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكمْ. . .)، وإيتاء المال بأن يعطيه ما يستعين به على ما تعهد به لفك رقبته. ويشمل الإعطاء في الرقاب أن يشترى عبيدا ويعتقها، كما يشمل الإعتاق إن كان له رقيق. وإن إعتاق الرقاب من أحب ما يطلبه الله تعالى من عباده إليه؛ لأن في ذلك صيانة لكرامة الإنسان من الابتذال، وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠). ولأن في الحرية كمال الإنسانية وكمال التكليف الاجتماعي، ولأن في الحرية قوة وتحمل الأعباء وأن يكون جزءًا من المجتمع يسيره إلى الخير. * ابتدأ في ذكر الخلال التي يتكون من مجموعها حال البر الذي هو غاية الغايات من الأديان الإلهية بالإيمان الجامع في معناه، ثم ثنى ببيان المحبة للخير والإنسانية بإعطاء المال عن رغبة ومحبة للمحاويج من الأقرب فالأقرب من بني الإنسان ثم ذكر التربية النفسية والاجتماعية في الآحاد، والجماعات، فقال تعالت حكمته: (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفًونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدوا). وإن هذه أمور تهذب النفس والمجتمع في الأمة، ومجتمع الإنسانية فإقامة الصلاة بأدائها على وجهها الذي شرعت له، وهو إخلاص النفس لله، وامتلاؤها بذكر الله، والإتيان بها مستوفية الأركان من قيام وقراءة وركوع وسجود، واستشعار خشية الله تعالى في كل حركاتها، بحيث تكون النفس مستحضرة عظمة الله في كل

стр. 694

حركة من حركاتها، وتلاوة للقرآن فيها، ويكون القلب مع الجوارح في معانيها، وتكون كلها ذكر لله تعالى وتفضي إلى غايتها، كما قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْر اللَّهِ أَكْبَرُ. . .). * وإيتاء الزكاة المفروضة، وهي التي تكون في المال النامي المنتج إذا بلغ نصابا مقدورا بنحو عشرة مثاقيل، أو يكون من أرض زراعية أو شجر مثمر، أو نحوهما بمقدار العشر صافيا من النفقات على ما هو مصرح به في كلام الرسول ﷺ ، ومستنبط من جملة الأحكام التي قررها النبي ﷺ . والزكاة يجمعها ولي الأمر وينفقها في مصارفها المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، فولي الأمر هو الذي يجمعها، وهو الذي يوزعها. وقد أجمع العلماء على أن في المال حقا غير الزكاة، وهو الذي أشار إليه الله في قوله تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) إلى آخر النص الكريم في موضوع إيتاء المال على حبه. وذلك لأن الزكاة مفروضة وموزعة بالحق وفي مصارف ثابتة منها الفقراء والمساكين وفي الرقاب، ومنها الغارمون وابن السبيل، وفي سبيل الله أولئك في نطاق علم ولي الأمر، أو ما يصل أمره إلى ولي الأمر، وفوق ذلك هناك واجبات غير الزكاة فإذا كان له ذوو قربى يحتاجون إلى ماله يكون إعطاؤهم واجبًا غير واجب الزكاة، فإذا كان له أبوان فقيران فمن الإحسان إليهما الإنفاق عليهما، وكذلك ذوو قربى القرابات القريبة. ومن اليتامى من لَا يعلم ولي الأمر حالهم فكل من يعرف يتيما يجب عليه أن يكرمه ويعزه، وكذلك أولئك المساكين المتجملون الذين لَا يسألون الناس إلحافا تعففًا وتجملا، وأولئك لَا يعرف أمرهم إلا الأقربون منهم، وأبناء السبيل حالهم تكون عارضة وتحتاج إلى إصلاح سريع، وسد حاجة، ومعاونتهم على إعادتهم.

стр. 695

ومن الناس من تضطرهم الحاجة إلى السؤال لصعوبة وصولهم إلى بيت المال، الذي يجمع الزكاة ويوزعها في مصارفها، ومنهم من يكون في صحراء بعيدا عن العمران فيكونون في حاجة إلى الإسعاف السريع. وكل هؤلاء وأولئك هم مصارف من يؤتى المال على حبه، والجزاء عند الله تعالى. * وذكر الله سبحانه الوفاء بالعهد، وهو يشمل الوفاء بالعقود التي تعقد بين الناس في بيوعهم وتجاراتهم والجماعات في تعاملها. وهي أظهر في معاملات الدولة الإسلامية في علاقاتها بغيرها من الدول والجماعات، فالوفاء بها تنظيم من الإسلام للعلاقات الإنسانية بين أهل الأرض، ولقد قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْئولًا)، وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢). فالوفاء بالعهد قوة، وهو أساس التنظيم بين الدول، ولقد قال النبي ﷺ : " لكل غادر لواء يوم القيامة، وأعظم لواء غدرة لواء أمير عامة " (١). * والأمر الأخير في الأمور التي جعلها الله تعالى قوام البر الكامل - الصبر، وهو ملاك الأخلاق الإنسانية كلها، فما من خلق كريم إلا كان الصبر قوامه، وهو قوة يقين تعين على كل ما ذكر في آية البر، فإيتاء المال على حبه يحتاج إلى الصبر، والصلاة والزكاة والوفاء بالعهد، كل هذا يحتاج إلى الصبر وضبط النفس، وقوة العزيمة.

стр. 696

ْوقد قال تعالى (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) وإن مقتضى النسق أن يقول سبحانه والصابرون بالعطف على الموفون بعهدهم إذا عاهدوا ولكن كان النصب على أنه مفعول لفعل محذوف هو أخصّ الصابرين فهي منصوبة على الاختصاص، لمعنى في الصبر وهو واحد في الفضائل وأفعال الخير السابقة. وهنا يسأل سائل، إن الجمل السابقة متعاطفة فقوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) عطف عليها (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ) فلماذا كان عند الكلام على الوفاء والصبر عبر بالوصف دون الفعل؟ والجواب عن ذلك فيما يظهر لي - والحقيقة عند منزل القرآن فعنده سر البيان الذي لَا نسمو إلى إدراكه - وهو أن إعطاء المال وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة أفعال مطلوبة في ذاتها، وهي تتجدد آنًا بعد آنٍ وإن كانت واجبة على الدوام، أما الوفاء فالفضيلة فيه أن يكون صفة دائمة لَا أن يكون فعلا ثم ينقطع، بل يكون حلية يتحلى بها المكلف، وكذلك الصبر المطلوب فيه أن يكون صفة مستمرة تظهر في كل أعماله من عبادات ومعاملات وأعمال، يصبر في كل أمر يقتضي الصبر على النعماء فيرضى ويشكر، ويصبر على الشديدة فلا يفزع، ويصبر على الضراء فلا يئن. وقد ذكر مواطن للصبر يختبر فيها النفس فلا تطيش ولا تضطرب؛ إذ الصبر ضبط النفس فلا تهلع ولا تتبرم ولا تجزع ولا تضطرب ولا تطيش. وقد ذكر الله الصبر في البأساء وهي الشدة التي تنزل من فقر مدقع، ومن طاغية يطغى، ومن نوازل تنزل، كخسف أو ريح عاصف، أو سوء معاملة أو نحو ذلك مما يصيب الإنسان في الحياة، والصبر فيها هو ألا يهلع، وأن يفوض أمره إلى الله تعالى، ويرجو كشف الغمة ولا تذهب نفسه شَعاعا، بل يكون مالكا لنفسه مدركا بقلبه ومبصرًا بما يدفع عنه الأذى راجيا من الله تعالى العون في هذه الشديدة النازلة.

стр. 697

والصبر في الضراء، والضراء ما ينال الجسم والنفس من مرض عارض أو من مرض مزمن، أو من فقد عضو من الأعضاء أو إصابته، والصبر في هذه الحال ألا يشكو ولا يئن ولا ييئس من رحمة الله تعالى، روي أن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله تعالى: أيما عبد من عبادي ابتليته في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خير من دمه، فإن قبضته فإلى رحمتي، وإن عافيته عافيته وليس له ذنب " (١). والموطن الثالث الذي يكون فيه الصبر، وفضله كبير لأنه يحمي الجماعة، وهو " حين البأس "، والبأس هنا هو الحرب وقال تعالى: " حين " إشارة إلى أن الحرب تجيء وقتًا بعد وقت، وليست مستمرة، وإن استمرت أمدا طويلا تبدل الرجال بعد الرجال، ولا يحارب الجيش كله. وأصل البأس الشدة، ومنه قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَفم بِعَذَابٍ بَئِيسٍ. . .)، أي شديد، وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة، وإن هؤلاء الذين كانت حالهم برا قد قرر تعالى حكمه فيهم فقال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمتَّقُونَ). الإشارة الأولى والثانية إلى الذين اتصفوا بالبر، حتى كأنهم هم البر في أعمالهم المؤلفة للقلوب، والمقربة للنفوس، وصفاتهم المثبتة لقوة الإيمان وحسن العمل، والإشارة إلى الأوصاف كما ذكرنا فيها إيذان بأن هذه الأوصاف هي علة الحكم وقد حكم الله تعالى الحكم وأكده بضمير الفصل " هم "، وحكم لهم بحكمين مؤكدين: أولهما: أنهم صدقوا، والثاني: أنهم المتقون.

стр. 698

وهم صدقوا في إيمانهم بأن كان إيمانا ساكنا في القلب، والنفس مذعنة خاشعة، وصدقوا في العمل، فكان عملهم منبعثا من إيمانهم، وصدقوا ما عاهدوا ْالله تعالى عليه، وصدقوا في عهودهم إذا عاهدوا، وصدقوا في الصبر من غير أنين ولا ضجر، ولا تململ ولا امتعاض، وصدقوا في الحرب فلم يفروا يوم الزحف وكانوا الصابرين من غير هلع ولافزع، وطلبوا إحدى الحسنيين النصر أو الاستشهاد، فكانوا بهذه الأعمال هم الصادقون. والوصف الثاني هو التقوى، فهم المتقون الذين وضعوا وقاية بينهم وبين العذاب، وادرعوا بطاعته فيما أمر ونهى، وهو العزيز الحكيم. * * * البرفى القصاص يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) * * * هذا كلام في البر أيضا، ذلك أن البر عمل موجب وعمل مانع، أو عمل يبني الجماعات فيكون موجبا، وعمل يحميها فيكون حاميا مانعا، والأول تبين بقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. . .)، إلى

стр. 699

آخر الآية، والآية التي نتعرض للكلام في معانيها الآن، هي لحماية الجماعة الإسلامية من الآفات التي تفتك في بنائها، وتحميها أيضا من الاعتداء وتفريق النفوس، وتأريث الأحقاد، فإذا كان من البر إعطاء المال على حبه للضعفاء، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصبر لأنه يؤلف القلوب، فمن البر أيضا الضرب على أيدي المفسدين، ومنعهم من أن يعيثوا في الأرض فسادا. ولذا كانت آية القصاص في ترتيب التنزيل وراء آية البر؛ لأن كليهما في بناء الجماعات الإسلامية، ونفي ما يهدد بنيانها، وإن العرب في الجاهلية كانوا لا يقتصون من الجاني، وإنما يثارون من القبيلة، والدماء فيهم لَا تتكافأ في نظر العصبية الجاهلية، فماذا قتل رجل من عامة الناس رئيس قبيلة لَا يقتل القاتل أو لَا يكتفي بقتله، بل يقتل من يكافئ رئيس القبيلة، وقد يقتل بالواحد مئات لكي يتكافئوا مع من قتل، وهكذا كان قانون الغلب، وقانون العصبية لَا قانون القصاص العادل هو الذي يحكم، وكان ذلك ناشئا من العصبية أولا، وفرض التفاوت ثانيا، والثأر الذي لا عدل فيه ثالثا. جاء القرآن الكريم ليمحو هذه العادة الجاهلية، وإثبات أن الناس جميعا سواء، وأن المسلمين كما قال النبي ﷺ : " تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم " (١)، وفي ذلك إشارة إلى أنهم لَا يكون أقوياء أمام من سواهم إلا بالعدل الذي لَا يفرق بين شريف وضعيف.

стр. 700

وجاءت هذه الآية الكريمة لرد هذه العادة الأثيمة فقال تعالى

стр. 701

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)، وكُتِبَ معناها فُرِضَ فرضًا مؤكدًا مسجَّلا، لَا مرية فيه، والفرضية على الجماعة الإسلامية كلها، فيفرض على الحاكم أن يقتص من القاتل أو المقتول بشكل عام، وفرض على القاتل أن يقدم نفسه، وفرض على ولي الدم أن يطالب بالدم، أو يعفو حتى لَا يُطَلُّ دم قط في الإسلام، وفرض على الجماعة كلها أن يعين ولي الدم ليقتص القاضي من المعتدي، ولو كان ولي الأمر، فقد قرر الفقهاء على ضوء هذه الآية أن ولي الأمر، ولو كان الجامعة الأعظم إذا قتل شخصا بغير حق، وأراد ولي الأمر القصاص وجب على الأمة مجتمعة أن تعينه على القصاص فإنه لَا يُطَلُّ دم قط في الإسلام كما قال إمام الهدى علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه (١). والقصاص مصدر قاص، وهو المساواة وتتبع الأثر، وقد كتبه الله تعالى بأن يؤخذ الجاني بما جنى، وتكون العقوبة مساوية للجريمة، وأساس الإسلام في قواعده العامة، وإن ذلك هو العدل، وهو أردع للجاني؛ لأنه إذا علم أنه سينزل مثل ما نزل بالجاني، فإنه يتردد في الارتكاب ثم يعدل، ولقد قال بعض علماء الاجتماع والقانون: إن العقوبة إذا اشتقت من الجريمة كانت رادعة إذ تجعل المجرم يحس بأنه نازل به مثل إجرامه. وقد فصل الله تعالى حكم القصاص، فقال تعالت كلماته: (الْحرُّ بِالْحُرِّ) أي الحر يقتل في مقابل الحر، (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) والعبد يقتل في مقابل العبد، (وَالأُنثَى بِالأُنثَى) والأنثى تقتل في مقابل الأنثى. هذا هو العدل، وهو رد على الجاهليين الذين كانوا لَا يسوون في الدماء، فالعبد إذا قتل حرا من قبيلة أو الحر إذا قتل حرا من قبيلة، وكان الأول من دهماء

стр. 702

الناس، وكان الثاني من أشرافهم لَا يقتل به بل يبحث عمن يكافئه وربما لَا يكافئه واحد، وذلك من العصبية الجاهلية، ومن نظام التفاوت الذي لَا يزال يسري بين الناس مقيتا، وإن كان مألوفا. وبين القرآن حال المساواة في الوصف من حرية ورق، وذكورة وأنوثة، ولم يذكر إذا اختلف الوصف أو الجنس بأن قتل الحر العبد، والعبد الحر، والمرأة الرجل، والرجل المرأة، وذلك لأن النص سيق لإبطال العادة الجاهلية التي كانت تقتل غير القاتل، وتتعدى القاتل إلى قبيلة، وغير الشريف في زعمهم إذا كان هو القاتل إلى شرفائها، فرد الله تعالى زعمهم، وصحح الأمر في هذا المقام بالقصاص العادل. أما التساوي في النفوس لَا في الأوصاف، فقد ثبت بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهِا أَن النَّفْسَ بالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوح قِصَاصٌ. .. )، (فَمَن جَاءَهُ مَوْعظَةٌ من رَّبّه فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ. . .). وثبت أيضا بقوله تعالى بعد أن ذكر قصة ولدي آدم حين قتل قابيل أخاه هابيل لأنهما قدما قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، (قَالَ لأَقْتلَنَّكَ. . .)، إلى أن قال: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَه. . .)، بعد هذه القصة التي تصور الاعتداء في أقبحِ صوره، قال الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. . .). وقد تقرر بذلك القصاص على أساس تساوي النفوس، وعلى ذلك يقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، والعبد بالحر، والحر بالعبد. ولكن ترد هنا أسئلة من حيث شمول هذه الآية، والآيات التي تلونا للصور الآتية: أولا: تكافؤ الدم بين المسلم والذمي، أيقتل المسلم بالكافر؟، قد اتفقوا على أن الكافر إذا قتل المسلم قتل به، ولكن كان الأكثرون على ألا يقتل المسلم بالكافر لما

стр. 703

ورد عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يقتل مسلم بكافر " (١) ولعدم التكافؤ بين دم في أصله مباح، ودم في أصله حرام. قال أبو حنيفة والثوري: يقتل المسلم بالكافر إذا قتله عمدًا بمحدّد؛ وذلك لأننا أخذنا عليهم العهد بأن يكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولأننا أعطيناهم العهد بحقن دمائهم ولو لم يقتص لهم لكان في ذلك إخلال بالعهد، ولأنهم وقد عقدوا الذمة معنا صار دمهم حراما كدمنا، ولأننا إذا وجد من يسرق الذمي قطعنا يده، ومؤدى ذلك أن ماله غير مباح فبالأولى دمه. ثانيا: إذا قتل الحر العبد أيقتص منه؟ قال جمهور الفقهاء: لَا يقتص لأنهما ليسا سواء فالعبد مملوك والحر مالك ولأنه لَا ند، والعبد شيء يقوم بقيمته فإذا قتل به الحر وهو ليس بمال لَا يكون عدلا، لأن الإنسان لَا يقتل في نظير مال. ولكن قال الإمام أحمد ونُفاة القياس والثوري وبعض الكوفيين: إن الحر يقتل بالعبد إذا قتله؛ لأنه نفس والإسلام جعل أساس القصاص المساواة في النفوس، وقال ﵊: " النفس بالنفس " وهؤلاء الذين قالوا إن الحر يقتل بالعبد قالوا: إن المالك يقتل إن قتل عبده، لما ذكرنا، ولقول النبي ﷺ فيما رواه النسائي وأبو داود: " من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن أخصاه خصيناه " (٢) وقد أخذ به البخاري وارتأى ما اشتمل عليه الخبر صحيحا، فكان تصحيحا ضمنيا له (٣).

стр. 704

ولما ورد عن النبي ﷺ من إكرام للرقيق، وفوق ذلك فإن الأساس هو المساواة في النفس، وهي ثابتة فكان القصاص حقا على الحر إذا قتل عبدا، وعلى المالك إذا قتل عبده. ثالثا: إذا قتل الجماعة واحدا فهل يؤخذون به؛ فجمهور الفقهاء أقروا على أنهم يقتلون به لأنه ما داموا قد اشتركوا في القتل فقد قتل كل واحد منهم فيؤخذ بحكم القصاص، وإن تعددوا، وبهذا الاعتبار يكون التساوي لَا بين الجماعة مجتمعين، بل بين كل واحد منهم، واستحق كل واحد منهم القصاص عليه. ولأنه لو لم نقتل الجماعة بالواحد، لأهدرت الدماء، وإذا رأى واحد قَتْل شخص فقد تضافر مع غيره من الآثمين فيقتلون، وإن الآثار من الصحابة قد أقرت قتل الجماعة بالواحد، وقد روي عن الإمام عمر رضي الله تعالى عنه أن سبعة قتلوا واحدا، فقتلهم به، وقال كلمة حازمة: لو تمالأ أهل صنعاء عليه لقتلتهم به. وقتل علي كرم الله وجهه جماعة من الخوارج لقتل عبد الله بن خباب بن الأرت، فإنه عندما أخبر الإمام علي بذلك قال الله أكبر، فدعاهم وقال لهم: أخرجوا إلينا قاتل عبد الله، فقالوا: كلنا قتلناه، ثلاث مرات، فقال الإمام لأصحابه: دونكم القوم. فما لبث أن قتلهم. واقتص علي كرم الله وجهه بذلك من قتلة عبد الله بن خباب بن الأرت، هذا ما نرى أن الأخذ بالقصاص في الآية ينطبق عليه، وثمة فروع في القصاص كقتل الرجل ولده وعدم جواز القصاص بتركه، لأنه ليس تطبيقا للآية، ولكنه أخذ بحديث (١). والقصاص بإجماع الفقهاء كما قرر القرطبي في أحكام القرآن يتولاه ولي الأمر بطلب ولي الدم، لقوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣).

стр. 705

(العفو) والآية الكريمة فتحت باب العفو، وهو من سلطان ولي الدم، فقال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ). وفى هذا النص تحريض على العفو، لكيلا تنهار دماء المسلمين، ولكيلا تتأرث الأحقاد، ولينسل البغض ويعود التسامح بين المسلمين، ولأن جعل الحق للولي في القصاص يرهب الجاني، وقد يكون القصاص ضارا لولي الدم، كرجل قتل أخاه، وولي الدم أبوهما فإنه إن كان القصاص، وأغلق باب العفو، فإن الأب المكلوم يفقد الولدين معا. ولذلك كان من التخفيف والرحمة أن يكون حق القصاص قابلا للعفو، وإنه إذا كان العفو كانت الدية كما قال كثيرون من الفقهاء، ودل على ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ غفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) وهذا يدل ضمنا على وجوب الدية، ولقد قال ﷺ : " أيما عبد أصيب بقتل أو خَبْل - أي جرح - فله إحدى ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه " (١). وقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يدل على ثلاثة أمور: أولها: التحريض على العفو بذكر الأخوة الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء؛ لأنها برباط الله تعالى فلا يفكه العبد. ثانيها: أن أي قدر من العفو يسقط القصاص، فلو تعدد الأولياء في درجة واحدة، وعفا أحدهم سقط القصاص.
следующие страницы →