(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) الجناح هنا الإثم؛ وأصله من جنحِ إذا مال؛ يقال جنحت السفينة إذا مالت؛ وقال تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. . .). ولما كان الإثم ميلا متطرفا نحو الباطل صارت كلمة الجناح تطلق على الإثم لما فيه من معنى الانحراف المائل عن الحق، والابتغاء: الطلب الشديد. والفضل أصل معناه الزيادة وهي تكون في الخير وفى الشر، ولكن يعبر عن الزيادة القبيحة بأنها فضول، وعن الزيادة في الخير بأنها فضل؛ فزيادة العالم على الجاهل فضل، وزيادة المصلح على المفسد فضل، وزيادة الأعمال والمقاصد الخيرة على غيرها فضيلة.
وتطلق كلمة فضل ويراد بها المال الحلال من التجارة التي لوحظت فيها الفضيلة، ولقد جاء ذلك في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)، وقد تطابقت كلمة المفسرين على أن الفضل في هذه الآية الكريمة هو المال الحلال المكتسب من التجارة أو غيرها؛ لأنه جاء في السنة النبوية التصريح بذلك؛ فقد كان الناس يتأثمون من الاتجار في عشر ذي الحجة الأولى (١)؛ لأنهم يحسبون أن تلك الأيام تكون للعبادة خالصة لَا يخالطها أي أمر من أمور الدنيا؛ وكانوا يسمون من يتجر في هذه الأيام الداج لَا الحاج؛ لأنهم أعوان الحجيج في غايتهم الروحية، فنزل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن
стр. 807
رَّبِّكُمْ)، ولقد روى أن رجلا سأل ابن عمر فقال: إنا قوم نكري، أي نستأجر، فهل لنا من حج؛ فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكمْ) (١).
والمعنى على هذا: ليس عليكم إثم أن تبتغوا رزقا حلالا في أيام الحج، على أن تكونوا في طلبكم وأخذكم بالأسباب معتمدين على الله الخالق المنعم الذي رباكم، وأنشأكم ونماكم؛ فإضافة الرزق إلى الله ليس معناه أن نطلبه بالدعاء والتفويض، بل معناه أن نأخذ في الأسباب ونسعى، ثم نفوض أمور المقادير إلى مدبر الكون العليم الخبير.
وإباحة طلب المال في الحج لايقتصر على الاتجار الآحادي، أو طلب المال من الآحاد فقط، بل يشمل العمل على التبادل الجماعي، ونمو الاقتصاد بين الأقاليم الإسلامية؛ فأهل الخبرة بشئون المال من الحجاج يتصل بعضهم ببعض من الأقاليم المختلفة، ويعرف أهل كل إقليم ما عند الآخرين من فاضل الرزق الذي تخرجه أرض الله، وما ينقصهم من أسباب الحياة، ويتبادلون الفائض، ويسدون النقص وهو ما يسمى في لغة العصر الحاضر التبادل التجاري؛ فيعم الخير، ولا يكون إقليم من الأقاليم الإسلامية في نقص من الموارد، وآخر في الكثير منها.
وهذه تكون إحدى منافع الحج المادية التي اشتمل عليها قوله تعالى: (لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهمْ. . .).
ولقد قال بعض العلماء: إن الاتجار وطلب المال هو من قبيل الرخصة؛ لأن الله لم يطلبه بل نفَى الإثم، فقد قال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جنَاح) ونفي الإثم يشير إلى أنه
стр. 808
عفو، لَا مباح، أي أن الأولى تركه، ونحن انخالف أصحاب هذا الرأي لأن الرخصة تقتضي أن تكون هناك عزيمة مانعة من الكسب، ولم يقم دليل على منع الكسب، فيبقى على الإباحة الأصلية، وجاءت الآية الكريمة مؤكدة لهذه الإباحة بنفي الإثم، ولأن النبي ﷺ خَطَّأ الذين يتوهمون أن الاتجار مانع من الحج؛ ولا يكون الفعل من قبيل العفو إلا إذا كان موضوعه غير مباح، ولكنه لأحوال خاصة نفَى الإثم نحو كل لهو باطل إلا لعب الرجل بقوسه. . إلخ. وطلب المال الحلال أمر مباح بإطلاق؛ ولقد قال رجل لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج فقال ﵁: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟!
وفوق ذلك أن المعنى العام الذي يهيئ له الحج وهو التبادل التجاري بين المسلمين أجمعين، بأن يقدم كل إقليم فائض ما عنده لأهل الإقليم الذي ينقصه؛ هو أمر مطلوب يقوي الوحدة الإسلامية، وهو إحدى منافع الحج المذكورة في قوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهمْ. . .)، كما نوهنا؛ فما نفَى عنه الإثم هنا ذكر فائدة هناك، فكان مشروعا على سبيل الإباحة من الآحاد؛ وأحسب أنه مطلوب على سبيل الوجوب من الجماعات الإسلامية، فهو من قبيل المباح بالجزء المطلوب بالكل، أي أنه مباح للآحاد أن يتجروا في الحج، وواجب على جماعة كل إقليم وأهل الخبرة منهم أن يقيموا أسباب التبادل التجاري، فالحج فرصته المهياة لهم، ولا فرصة سواه، أو تبلغ درجته.
(فَإِذَا أَفَضتمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُروا اللَّهَ عندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) الفاء هنا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل في قوله تعالى: (فَمَن فَرَضَ فيهِنَّ الْحَجَّ. . .) إلخ. والإفاضة السير متدافعين في جمع متزاحمينَ، وذلك تشبيه لهم بالماء إذا أفاض ودفع بعضه بعضا فانتشر وسال من حافتي الوادي أو الإناء. وعرفات هو الجبل المعروف الذي اتفق الفقهاء على أن الوقوف عنده هو ركن الحج الأكبر حتى لقد قال ﵇، كما ذكرنا من قبل: " الحج عرفة " وسمي اليوم التاسع يوم عرفة؛ لأنه اليوم الذي يقف فيه الحجيج في ذلك الجبل الذي شرفه الله ذلك التشريف، وقد اختلف في السبب في تسميته عرفات مع اتفاقهم على أنه اسم مرتجل لَا منقول؛ فقال بعضهم: لأن إبراهيم ﵇ عرفه بمجرد أن وصف له.
стр. 809
وقيل لأن إبراهيم ﵇ علمه جبريل فيه مناسك الحج، فكان يقول: عرفت، عرفت. وقيل لأن آدم وحواء تعارفا فيه. وقيل لأن عرفات من عرف بمعنى طيبه الله بالعرف بخلاف منى، فإن فيها الذبح وأفراث الذبائح. وأحسن تعليل للتسمية ما جاء في الزمخشري: قيل لأن الناس يتعارفون فيها. وهذا ما أختاره، وإن كانت الأسماء لَا تعلل؛ ذلك لأن عرفات يجتمع الناس جميعًا عليه في وقت واحد، فيجري التعارف بينهم، وليست هذه الخاصة في غيره من المناسك، فغيره يؤدي أفرادا أو جماعة، أما هذا فيؤدي في جماعة زاخرة، هي جماعة الحجاج أجمعين.
والمشعر الحرام: هو المزدلفة؛ وسمي كذلك؛ لأنه من معالم الحج التي لا يصح أن يعمل فيها إلا ما ورد به النص، وهو منسك له حرمة وتقديس، وقد سمي المزدلفة؛ لأن الحجيج يزدلفون إليه من عرفات، كما سمي جمعًا؛ لأنهم يجتمعون فيه، ولأنهم يجمعون فيه بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، كما يجمعون بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم في عرفات. ووقت الوقوف بعرفات عند الجمهور (١) من بعد زوال اليوم التاسع إلى فجر اليوم العاشر؛ والوقوف بمزدلفة بعد فجر اليوم العاشر.
وقد روى المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: (أما بعد فإن هذا اليوم الحج أبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس، إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك " (٢) ويبين ذلك عمل النبي ﷺ
стр. 810
فقد كان يدفع من عرفات بعد الغروب ويدفع من المزدلفة قبل الشروق، بينما المشركون كانوا يدفعون من عرفات قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع.
والوقوف بالمزدلفة ليس شأنه في الحج شأن الوقوف بعرفات، فجمهور الفقهاء على أن من تركها لَا يفوته الحج (١).
وعرفات لها امتدادات أربعة؛ فهي تمتد في أولها: إلى طريق المشرق، وثانيها: يمتد إلى حافة الجبل الذي وراءها، وثالثها: إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع: وادي عرنة، وليس منها؛ ولذا لَا يصح الوقوف فيه.
والمزدلفة تمتد من عرفات إلى وادي محسر، وليس منها، بل هو في أصله مسيل ماء، وقد استوت أرضه الآن (٢).
وإن الآية الكريمة تشير إلى ذلك العمل الإجماعي الذي يقوم به الحجيج، وقد وقفوا في عرفات تهز أعطافهم، وتنير قلوبهم ابتهالات جموعهم الضارعة، وتلبيتهم نداء الله الجامع، وتعلو الأرواح، وتسمو عن منازل الأشباح، تنادي الألسنة رب العالمين، وتناجي القلوب علام الغيوب؛ حتى إذا قضوا الساعات في تلك المشاهد الربانية، وتلك المدارك الروحية، أفاضوا مسرعين إلى المشعر الحرام، سائرين حيث سار محمد النبي الكريم ﷺ ، ومن قبله أبو الأنبياء إبراهيم، وقد طولبوا بالذكر الحكيم، بأن يذكروا الله وهم في المشعر الحرام بالقلوب المبتهلة الخاشعة،
стр. 811
وبالألسنة الجاهرة التي تقرع أجواز الفضاء بذكر الله العلي العليم (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر لَا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد).
(وَاذْكرُوهُ كمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِينَ) الخطاب في هذه الجملة الكريمة، إما أن نجعله خطابا خاصا بالذين صاحبوا النبي ﷺ إذ أنجاهم ربهم من ضلال الوثنية ورجسها إلى نور الوحدانية وسموها، ويكون المعنى اذكروا الله وقوموا له بحق العبودية، واملئوا قلوبكم وألسنتكم وأعمالكم بذكره دائما، واجعلوه مقترنا بكل ما يكون منكم في وجودكم الإنساني؛ فقلوبكم لَا يملؤها سواه، وألسنتكم لا تضرع لغير الله، وأعمالكم لَا يقصد بها إلا وجه الله؛ فإن ذلك ثمن الهداية، وأجر التوفيق؛ ولذا قال: (وَاذْكرُوهُ كمَا هَدَاكُمْ) أي في مقابل هدايتكم، فالكاف التي تفيد في أصل معناها التشبيه تقتضي أن يكون المعنى اجعلوا الذكر لله مشابها ومساويا للهداية الربانية التي فاض نورها عليكم، وإنكم لتعلمون ذلك الفضل السابغ، وإشراق الهداية إن تذكرتم ما كنتم عليه من قبل ذلك النور الذي قذف الله به في قلوبكم؛ ولذا ذكر حالهم (وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِينَ) إن هنا هي المخففة من الثقيلة؛ أي إن حالكم أنكم كنتم من قبل هدايته من زمرة الضالين وجماعتهم، فاعرفوا ماضيكم من حاضر أولئك الذين ما زالوا على ضلالهم ووازنوا بين حالكم وحالهم؛ فإن تلك الموازنة تريكم نعمة ربكم عليكم، وتريكم حالكم كما كنتم من قبل، ولذا عبر عن حالهم الماضية بالوصف إذ قال: (وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِينَ) أي من هذه الزمرة الضالة التي ترون حالها، ولم يقل إنكم ضللتم من قبل.
وإذا كان الخطاب للصحابة الأولين فعلى غيرهم أن يعرف فضل الهداية، وإن لم يسبقها ضلال، فليذكر الله إذ وفقه من أول الأمر، وكان في الإمكان أن يكون من الضالين.
وإن جعلنا الخطاب في الآية لجماعة المسلمين عامة الماضين واللاحقين الذين توارثوا الهداية الإسلامية ولم يسبق إليهم شرك، ولم يكونوا من أهل الوثنية، يكون الذكر لأن الله جنبهم إياها، فباعد عنهم أسبابها؛ فإن معنى الهداية هو إنقاذ
стр. 812
نفوسهم من وساوس الشيطان؛ فإن له على كل قلب لمة؛ فإن أصابت من كتب الله عليه الضلال انحدر فيه، وإن أصابت من كتب الله عليه الهداية تذكر الله وعظمته، فساق الله إليه هدايته؛ ويكون المعنى اذكروا الله ذكرا مساويا لهدايتكم مشابها لها، وبقدرها، وإنكم لولا هذه الهداية كنتم من الحائرين، ولولا نور الحق لبقيتم في حيرتكم أو لسرتم في مخارف الشيطان.
стр. 813
(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ... (١٩٩) بعد أن أشار سبحانه إلى الوقوف بعرفة والإفاضة إلى المزدلفة، وذكر الله فيهما، بين طريق الإفاضة فقال هذه الجملة الكريمة، واستعمال " ثم " لبيان الترتيب والتراخي البياني أو المعنوي؛ ففي الأول ذكر مطلق الإفاضة، ثم ذكر طريق الإفاضة وكيف تكون، كمن يقول أحسن إلى الناس ثم لَا تحسن إلى غير كريم؛ لبيان التفاوت بين مطلق الإحسان وتخصيص الكريم بالإحسان؛ وكذلك هنا كان التعبير بـ (ثُمَّ) لبيان التفاوت في الفضل بين مطلق الإفاضة، والإفاضة مع الناس وفي جمعهم الزاخر المتدافع ليشعر كل مسلم بأنه في منزلة واحدة مع غيره من المؤمنين، فيستوي السوقة والأمير، والكبير والصغير، والغني والفقير والحاكم والمحكوم؛ فتصقل هذه الزحمة القدسية قلوب المؤمنين، وتشعرهم بالمساواة أجمعين.
فهذه الجملة عامة في خطابها تشمل الحجاج أجمعين إلى يوم الدين؛ فهم جميعا مطالبون بأن يفيضوا مع الناس، ومن حيث يسيرون، لَا يختص أحد بطريق، ولا يمنع لأحد طريق ولا يكون لفريق مسلك، وللناس مسلك، ولا يمنع الناس حتى يمر بعض الناس؛ بل الجميع في المرتفع والمهبط، والسير والموقف سواء، لأنهم في ساحات رب العالمين الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.
ولقد قال بعض مفسري السلف: إن الخطاب في هذه الجملة خاص بقريش وحلفائها؛ لأنهم في الجاهلية كانوا يسمون أنفسمهم الحمس يقفون بالمزدلفة، ولا يقفون مع سائر الناس بعرفة، فأمرهم الله سبحانه بأن يقفوا كما يقف كل الناس، ويفيضوا كما يفيض كل الناس.
стр. 814
وعندي أن الخطاب عام، ويدخل فيه النهي عن هذه الحال التي كانت من قريش " ومرمى الآية في معناها العام أو الخاص هو التسوية المطلقة بين الناس في تلك البقعة المباركة وفي ذلك المنسك المعظم.
(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) ختم سبحانه الآية الكريمة التي تشتمل على آخر منسك من مناسك الحج، إذ يكون بعده التحلل، وإن بقيت بعض العبادات الأخرى، بالأمر بالاستغفار وهو طلب المغفرة من الله القدير؛ وطلب المغفرة فور العبادة أمر توحي به النفس المؤمنة البرة؛ وذلك لأن العبادة تطهر قلب العابد، وتزيل أدرانه، فتجعله يحس بما كان منه قبلها، فيضرع إلى المولى أن يستره بستره، ويصفح عنه بعفوه، ولأن المؤمن الخالص الإيمان كلما أرهفت مشاعره وقويت روحه، أحس بأنه مقصر أمام المنعم، لَا يصل إلى الوفاء بحقه، فيلجأ إلى الاستغفار عن التقصير، ولأن الاستغفار نفسه عبادة، وهو أبر الطاعات، ولذا يقول بعض الصوفية: رب معصية أورثت ذلا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت دلا واستكبارًا.
والاستغفار ثمرة الحج، لأنه التطهير النهائي للنفس، فيعود الحاج الذي لم يفسق ولم يرفث كيوم ولدته أمه، ولقد ذيل الآية الكريمة بقوله: (إِنَّ اللَّهَ غفُورٌ رحِيمٌ) أي أن الله كثير المغفرة، وأن الغفران وصف له سبحانه في معاملته لعباده؛ والسبب في ذلك أنه رحيم بالناس؛ ومن الرحمة بهم أن يغفر للمذنب " ليعطيه فرصة النجاة من ماضيه واطراح مآثمه، واستقبال حياة جديدة نزهة يخم فيها بالطهر وينتفع منه الناس؛ وذلك رحمة به وبالناس؛ فالمجتمع يستفيد من كثرة التائبين، ولا يستفيد من كثرة اليائسين من رحمة الله، إذ يستمرون في غيهم يأسا من غفران ربهم؛ ولذا قال سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم).
стр. 815
(فَإِذَا قَضيْتُم مَّنَاسكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كذكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذكْرًا ... (٢٠٠) المناسك: جمع منسك وهو العبادة؛ أي إذا أديتم عباداتكم التي بينها النبي ﷺ على وجهها،
стр. 816
وكما شرعها ربكم، فاملئوا قلوبكم بثمرتها، وهي ذكر الله دائما وعمران القلوب به، فهو غاية العبادة ومرماها؛ وذكر الله دائما في كل الأعمال والأقوال هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر؛ فإن المرء إذا عمر قلبه بذكر ربه آناء الليل وأطراف النهار - ما أقدم على معصية، وما آذي مخلوقا، وما أفسد مجتمعا، وما ظلم وما بغى؛ ولذلك قال سبحانه: (إِن الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكر اللهِ أكبَرُ. . .).
ولذلك طالب سبحانه الحجاج بأن يذكروا الله كذكرهم آباءهم، فإن المرء لا ينسى أباه، وإذا كان لَا ينسى أباه لأنه كان السبيل الذي وصل به إلى هذا الوجود، فليذكر خالق أبيه وخالقه وخالق كل مَن في هذا الوجود.
وإن ذكر الله سبحانه يقتضي أن يغضب المؤمن لعصيان الله في الأرض؛ لأن ذلك اعتداء على محارم الله؛ ومن اعتدى على محارم الآباء قوتل فمن اعتدى على محارم خالق الآباء أولى أن يقاتل ويحارب؛ وقد سئل ابن عباس عن قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) فقيل له: قد يأتي على الرجل اليوم ولا يذكر أباه فقال ابن عباس: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما، ففسر ابن عباس ﵁ الآية بلازمها ونتيجتها وغايتها إذ إن نتيجة ذكر الله دائما الغضب عندما تنتهك محارم الله ، وإن الله طالب بأن نذكره كذكر آبائنا أو أشد ذكرًا أي اذكروه سبحانه كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا من آبائكم، و " أو " في معنى الإضراب والترقي، أي أنه يطالبهم سبحانه بأن يذكروه كما يذكرون آباءهم، ثم يترقى في معاني التقرب منه، فيطالبهم بأن يكونوا أشد ذكرًا له من آبائهم؛ وكأن لطالب الهداية درجتين: أولاهما، أن يكون ذكره لله كذكره الآباء، فيغضب لمحارمه كما يغضب لشتم أبويه، ثم تترقى حاله في مراتب التهذيب الروحي والنفسي، فيكون أشد ذكرًا لله فيغضب لمحارمه أكثر مما يغضب لشتم الآباء.
وفى الآية فوق هذه المعاني السامية تعريض بما كان يفعله أهل الجاهلية من قيامهم بعد يوم النحر في الأسواق يتفاخرون بالأنساب والآباء؛ كما تروي كتب
стр. 817
الأدب عما كان يجري من المسابقات الشعرية في الفخر والغزل في سوق عكاظ.
ولقد استبدل النبي ﷺ بهذه المفاخرة خطبة استعرض فيها أمر الإسلام وذكر بعض أحكامه ليقتدي من بعده الأمراء فقد روى الإمام أحمد من حديث أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ في وسط أيام التشريق، فقال: " يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لَا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ (١).
(فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُول رَبَّنَا آتِنَا فِي الدنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) بعد أن بين ما يجب على الناس أن يذكروه عقب القيام بمناسك الحج، وهو أن يذكروه هو وحده، وينسوا أهواءهم وشهواتهم ويغضبوا لمحارم ربهم، بين ما يقع من الناس؛ فذكر أنهم طائفتان: طائفة تذكر الدنيا، ولا يدعون الله بعد مناسك الحج إلا بما يشبع رغباتهم وأهواءهم، ولا يذكرون الآخرة، كان العبادة في نظرهم ليست إلا ذريعة لطلب الشهوات أو الرغبات، أو مصالحهم الشخصية في الدنيا؛ وفريق يذكر الدنيا والآخرة؛ وقد ذكر الفريق الأول بقوله: (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) الفاء هنا للإفصاح، أي إذا كان ذلك أمر الله فالناس ليسوا جميعا سواء في طاعته، فمنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا، وقد حذف المفعول للفعل آتنا للدلالة على تعميم المطلوب، فهم يطلبون كل ما يمكن أن يصل إليهم؛ ومن طلب الدنيا لَا يفرف بين هوى يرديه، وصالح يقيمه؛ ومعنى (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) أي لَا نصيب لهم. وخلاصة المعنى: أن هؤلاء يلجأون إلى ربهم لينيلهم حظهم من الدنيا، راغبين في كل ما فيها لأنها همهم، ولا شيء سواها في نفوسهم، ولاغاية عندهم غيرها، وليس لهم أي نصيب في الآخرة.
стр. 818
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) هذا هو الفريق الثاني؛ ليس همه الدنيا وليست مطالبه مقصورة عليها بل مطالبه ثلاثة:
أولها: حسنة في الدنيا، أي حال حسنة في الدنيا، فلا يذل للئيم، ولا يرام بضيم، ولا تكرثه كوارث الحياة، ولا يبتلى في دينه ومروءته وخلقه، ولا يسلط عليه حاكم ظالم أو متسلط غاشم؛ وهكذا يعيش آمنا في سربه عنده قوت يومه، ينفع الناس ويصل رحمه، فكل ما يؤدي إلى الاطمئنان والبعد عن الحرام فهو حال حسنة في الدنيا.
والمطلب الثاني: حسنة في الآخرة، أي حال حسنة في الآخرة، بأن يكون من المرضيِّ عنهم من رب العالمين، فلا تلحقه آثام من آثام الدنيا. والمطالبة بالحال الحسنة في الآخرة هي مطالبة بأن يجنبه السيئات في الدنيا، ويوفقه للطاعات فيها، لأن حال الآخرة مبنية على حال الدنيا، فإن كان قائما بالطاعات نافعا للناس فيها غير ظالم ولا متكبر، لَا يعيث في الأرض فسادًا، فحاله في الآخرة حسنة؛ وإن انهوى في الشر وركبته الآثام في الدنيا، وأحاطت به خطيئته، فليست حاله في الآخرة حسنة.
والمطلب الثالث: أن يقيه عذاب النار، وقد ذكر ذلك مطلبا قائما بذاته مع أنه داخل في حسنة الآخرة؛ إذ إن حسنة الآخرة تقتضي ألا يكون في النار، لأن المؤمن الخاشع الخاضع يُغلِّب الخوف على الرجاء، فكلما ازداد قربا من الله ازدادت خشيته ورهبته، وكلما أكثر من الطاعات استصغر ما صنع في جانب ما أنعم عليه الكبير المتعال، ولذلك كان الصديقون والنبيون أخوف لله من غيرهم لأنهم أقرب إليه، وأدنى منه، ومراتب الناس في الخوف من العقاب هي كمراتبهم في الطاعات لا كدركاتهم في المعاصي، لأن أهل المعاصي في لهو شاغل، أما أهل الطاعات فهم في ذكر لله دائم، وقد وصف الله الطائعين بقوله: (الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ).
стр. 819
ولقد وصف القاسم بن عبد الرحمن ذلك القسم الذي يطلب حسنة الدنيا والآخرة، فقال: من أعطى قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا صابرا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولقد كان أكثر دعاء النبي ﷺ " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (١).
ولم يذكر قسم ثالث وهو الذي يطلب الآخرة فقط، ولا يطلب الدنيا؛ لأن الإسلام لَا يرضى أن ينسى المسلم حظه من الدنيا؛ ولأن من يطلب الآخرة يطلب الأعمال الحسنة في الدنيا؛ لأنها قنطرة الآخرة، ولأن الإسلام لَا يقر الانقطاع عن طيبات الدنيا لحظ الآخرة لأنه لَا يرضى بتعذيب الجسم لتهذيب الروح كما يزعم الذين يسلكون ذلك المسلك.
ولقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ عاد رجلا من المسلمين صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : " هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : " سبحان الله!! لَا تطيقه، أفلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (٢).
стр. 820
(أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) في هذا بيان لجزاء الذين يتجهون إلى ربهم داعين أن يوفقهم لما فيه حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة، ويقيهم عذاب النار. والإشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم؛ وقد بين أن الجزاء هو نصيبهم مما كسبوه من عمل الخير والقيام بالحق الواجب عليهم، وفي هذا التعبير الذي يفيد أن النصيب مأخوذ مما كسبوه من أعمال إشارة إلى أمور ثلاثة:
стр. 821
أولها: إن هؤلاء الذين دعوا ربهم بالتوفيق لابد أن يقرن دعاؤهم بإِرادة قوية عاملة متجهة إلى تحقيق ما يبغون وما يدعون الله في التوفيق له، وإن لم يكن عمل فالدعاء أماني وأحلام، ولا يتحقق فيها القصد الكامل والضراعة الخاشعة لرب العالمين؛ لأنَّ الدعاء مخ العبادة؛ فإن كان صادقا فالإرادة تتجه نحوه.
الأمر الثاني: الذي يشير إليه التعبير الكريم: أن الجزاء ليس على الدعاء، وإنما الجزاء على العمل، فيجب أن يعملوا؛ فليس الدعاء وحده بمستحق جزاء إن كان العمل ينافيه.
الأمر الثالث: أن كسب العبد لعمل الخير يطوي في ثناياه جزاءه، وكذلك كل عمل للأنسان جزاؤه مشتق من منهاجه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر؛ فمن أسدى إلى الناس معروفا، فقد قدم بهذا الإسداء لنفسه؛ ومن أعان مكروبا، فقد كسب الجزاء ساعة عمل، وكذلك من قتل نفسا، فقد قتل نفسه إذ استحق ذلك الجزاء، ومن سرق فقد قطع يده، ومن زنى فقد رجم نفسه، وهكذا (كلُّ امرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين).
وقد ذيل الله الآية بقوله الكريمة (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وسرعة حسابه كناية عن تحقيقه، وتحقق يوم القيامة وقربه، وعلمه بإِحسان المحسن وإساءة المسيء؛ لأنَّ تطويل الحساب يكون من جهل المحاسب، فيبطئ ليعرف؛ فإذا كان المحاسب هو العليم الحكيم الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإن حسابه يكون كريما؛ إذ لَا تخفى عليه سبحانه خافية.
وفى هذا التذييل إشارة إلى عقاب الذين ليس لهم في الآخرة من خلاق على ما يرتكبون من موبقات ما داموا قد جعلوا الدنيا كل همهم، وغاية أمرهم، ومقصد وجودهم.
стр. 822
(وَاذْكروا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ معْدودَات ... (٢٠٣) هذا ذكر لله خاص في أيام مذكورة بعد قضاء مناسك الحج؛ وقد أمر الله في الآية السابقة بالذكر العام، وفي هذه الآية ذكر
стр. 823
خاص، والأيام المعد ودات التي يصحبها ذكر خاص، أيام التشريق الثلاثة، وقد نقل القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن عن أبي عمر بن عبد البر الإجماع على أن الأيام المعدودات في الآية الكريمة هي أيام منى، أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وهي أيام أكل وشرب. وذكر الله الخاص في هذه الأيام بالتصدق على الفقراء من الذبائح التي ذبحوها في يوم النحر، ورمي الجمار فيها، بعد أن يكون الحجيج قد رموا جمرة العقبة في يوم النحر؛ وفي رمي الجمار يكبر عند كل حصاة يرميها؛ وهذا بلا شك ذكر خاص.
ورمي الجمار على ذلك الشكل في أيام منى الثلاثة عملي حسي مادي يقترن به عمل نفسي وجداني، وهو إشعار القلب بعظمة رب المالمين، وتلك الحركات الجسمية هي للدلالة على التعلق القلبي بالأرض التي بارك الله فيها، وبالتالي التعلق بمن شرفها بالانتساب إليه، فسماها حرمه المقدس، وبيته الآمن. وكون الحركات على هذا الشكل وبهذا الوضع ليس من الأمور التي تحلل، كما أن محاولة معرفة العلة في كون الصلاة على هذا الشكل محاولة في غير جداء، إنما هذا أمر توقيفي، قد ارتضاه رب المالمين على لسان النبي الكريم سبيل الزلفى إليه، وتوجه القلوب نحو ذاته العلية التي لَا يحدها مكان، ولا يجري عليها الزمان.
وقد أشار النبي ﷺ إلى أن هذه الأيام هي أيام منى بما روى الدارقطني والترمذي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديا فنادى: (الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) (١).
وإن هذه الأيام يحرم الصوم فيها عند جمهور الفقهاء؛ فقد روي أن النبي ﷺ قال: " أيام التشريق أيام كل وشرب وذكر لله " (٢).
стр. 824
(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى)
هذه الأيام هي التي يكون بعدها النفير إن كان قد أدى الحاج كل الأركان، وقد بين القرآن الكريم أنه لَا يلزم أن يبقى الأيام الثلاثة بمنى فإن شاء بقي يومين يرمي فيهما الجمرات، ونفر قبل فجر اليومِ الثالث؛ وإن شاء بقي اليوم الثالث؛ وهذا معنى الجملة الكريمة (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يوْمَيْنِ) أي سافر معجلا في اليومين الأولين فلا إثم عليه في التعجيل (وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي من بقي إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه.
وقد قيد الله سبحانه نفي الإثم بقوله (لِمَنِ اتَّقَى) للإشارة إلى أن العبرة بتقوى القلوب فتلك الحركات الحسية من التزام مكان معين في زمان معين، ورمي الجمار الثلاث لكل جمرة سبع حصيات؛ كل هذا لَا غاية له، ولا ثمرة إلا تربية التقوى وتنميتها في القلوب، لتتهذب النفس، ويربى الوجدان ويخشى العبد الديان، فيراقبه في كل الأفعال وكل الأقوال، فيكون مجتمعًا مهذبًا كاملًا صالحًا قويًا؛ لأن تهذيب الآحاد تقوية لبناء الجماعة، فلا تتنافر أجزاؤها، ولا تتباعد آحادها، وتقوم على تقوى من الله ورضوان.
وإن هذه الأيام التي يقوم فيها الحجيج بذلك الذكر في البقعة المباركة، يشاركهم فيها المسلمون في كل بقاع الأرض في بعض أفعالهم، وذكرهم؛ فالحجيج ينحرون ليتحللوا، وسائر المسلمين ينحرون ليضحوا، ويشاركوا وفود الله في صدقاتهم؛ والحجيج يكبرون ويرمون الجمار، والمسلمون في الأمصار يشاركونهم في التكبير عقب الصلوات.
وقد اتفق الفقهاء على أن المسلمين يسن لهم أن يكبروا عقب الصلوات من صبح يوم عرفة وهو اليوم التاسع إلى ما بعد صلاة العصر يوم عيد الأضحى؛ واقتصر أبو حنيفة على ذلك وتبع في ذلك عبد الله بن مسعود، ولكن أبا يوسف ومحمدا مع جمهور الفقهاء على أن التكبير لَا ينتهي عقب صلاة عصر يوم النحر، بل يستمر إلى عصر اليوم الثالث من أيام التشريق، أي اليوم الثالث عشر من ذي
стр. 825
الحجة؛ وأن تكبير المسلمين جميعا إشعار لهم بأنهم جميعا مع الحجيج بقلوبهم وذكرهم؛ وأن المجتمع الأكبر في حرم الله هو جمعهم أجمعين، وأن أولئك الضيوف الذين حلوا في ساحة الكريم المنان هي وفودهم إلى ذلك المؤتمر الأكبر، وأن المؤمنين مهما تتباعد الديار كلهم على قلب رجل واحد في رفع راية الإسلام ونشر مبادئه الفاضلة.
(وَاتَقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ختم الله آيات الحج التي أشار فيها إلى مناسكه، وذكر فيها بعض أعمال الحجيج الواجبة فيها، بهذه الجملة السامية، وبذلك الأمر الجازم القاطع، وهو الأمر المكون من عنصرين أحدهما: تقوى الله، وثانيهما: العلم اليقيني بالحشر، وأنه سيكون إلى رب العالمين؛ وفي هذا إشارة إلى خلاصة التدين وثمرة العبادات بكل أنواعها وكل طرقها، فإن لم تؤد أية عبادة إلى هذين الأمرين، فهي صورة لَا روح فيها، وشكل لا ثمرة منه، فإن لم ترب العبادة قلبا خاشعًا، وعقلا خاضعًا، وهوى ممنوعا، وترقبا خائفا، فهي عبادة جوفاء، وإن نسي الشخص لغفلة في نفسه أو غفوة من عقله؛ أو غشيان الضلال على قلبه - الحشر والحساب والعقاب والثواب فقد ضل ضلالا بعيدا. . إن الإيمان باليوم الآخر هو لب الدين، وهو الفاصل بين المهتدي والضال، فمن حسبها دنيا لَا آخرة بعدها، فقد خسر خسرانا مبينا؛ خسر نفسه، فضل وأضل، وخسر حياته ففهمها أجلا محدودا لَا غاية وراءها، ولا سمو بعدها، وخسر العزاء الروحي الذي يجعله يرضى بشدائد الحياة رجاء لما وراءها؛ ولذلك قال الله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ. . .).
وفى الجزء الثاني من الأمر تهديد بالعقاب، بعد الترغيب في الثواب، وعند الله حسن المآب.
* * *
стр. 826
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)
* * *
بين الله سبحانه وتمالي في الأيات السابقة بعض العبادات التي تطهر النفوس وتزكي القلوب، وتحمي الجماعات وتوجهها نحو الخير العميم؛ فذكر الصدقات ثم ذكر الصوم، ثم ذكر الحج الذي تتلاقى فيه القلوب وتلتقي فيه وفود الجماعات الإسلامية من كل فج عميق في الساحة الربانية؛ وقد ذكر في طيِّ الكلام أصناف الناس في أدعيتهم التي تكشف عن خبايا قلوبهم، وأن منهم من يطلب الدنيا، ولا غاية له وراءها، ومنهم من يقول: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
والعبادات أيا كان نوعها دواء الجماعة وبلسم القلوب الشافي، وبعد أن ذكر الله ذلك الدواء الناجع ذكر سبحانه داء الجماعات المستحكم، ومرضها الممض، وهو النفاق، وخلابة اللسان مع فساد القلب والمظهر الحسن مع القصد السيئ، ومحاولة اجتذاب الناس بالقول المعسول مع فعله المرذول حتى إذا نال ثقتهم ملأ الدنيا بالشر، وظهر الفساد في البر والبحر.
стр. 827
وهكذا يذكر الله سبحانه دواء القلوب، ويذكر داءها، ليطب كل امرئ لنفسه بما يداويها، وتطب الجماعة لنفسها باجتثاث الشر من بين ربوعها، ونفي الخبث عنها كما ينفي الكير خبث الحديد.
وهذا التداوي يقوم به فريق الخير الذي نصبه الله سبحانه حجة للحق ومنارًا للشرع، وهذا ما ترمي إليه الأيات الكريمات:
стр. 828
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى آخر الآيات المذكورات.
وقد ذكر الله سبحانه في هذه الآيات أن الناس فريقان: فريق الشر أهل النفاق، وهم الداء، وهم درن الأمة، بل السرطان الذي يقضي عليها، إن لم يجتث من أصله. والفريق الثاني، وهم الذين يتولون العلاج وهم الأخيار الذين شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله.
وقد ابتدأ سبحانه بذكر الداء، ليعلم أهل الخير مقدار ما يبتلون به، وقد ذكر صفات أهل الشر؛ فكانت ثلاثة:
أولها: حسن البيان والقول الحلو. وثانيها: كثرة الحلف الكاذب.
وثالثها: اللدد في الخصومة.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) هي الصفة الأولى، وهي أصل الداء القاتل وقوته، فإن خلابة اللسان المنافق، وقوة البيان الكاذب، وحسن العرض للقول الباطل، هي المعاول القوية التي يرفعها المبطلون لهدم الفضائل؛ فهم بمعرفتهم بمأتى القول ومورده يثيرون الإعجاب بحسن تأتيهم، وينالون الاستحسان العظيم بلطف مداخلهم، أو بزخرف القول وزوره، ويسترعون ألباب بعض أهل الخير الكرام؛ فالمؤمن كريم، والمنافق خب لئيم (١).
стр. 829
وقوله تعالى: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إما أن يكون متعلقًا بالقول، ويكون المعنى يعجبك قولهم الذي يكون موضوعه الحياة الدنيا، إذ يفهمون ما فيها ولا يدركون سواها؛ لأنها خِلْب أكبادهم، وغاية أمورهم، ومن أحب شيئًا أحسن القول فيه، ومن كانت الدنيا همه أحسن حكاية أمورها، حتى إن قوله فيها ليكون عجيبًا؛ أما الآخرة فلا يحسن القول فيها، لأنه لَا يبتغيها، فإن تكلم في أمر يتعلق بها اعترته حبسة وعي وحصر.
وإما أن يكون (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) متعلقًا بالإعجاب، أي أن قدرته على إثارة الإعجاب والاستحسان لبيانه إنما يكون ذلك في الدنيا فينتج ثمرته حيث يكون الحكم للظاهر، ولا ينقب عن القلوب والسرائر، كما قال عمر ﵁: أيها الناس إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم هذا أمر الدنيا، أما الآخرة فالحكَم فيها علام الغيوب الذي يعلم ما تخفي الصدور، فلا سبيل للخديعة بالقول، فالله يكشف مستور القلوب، ويحكم عليه بمقصده وغايته، لا بقوله وإجادته.
ونحن نختار أن يكون متعلق الجار والمجرور لَا القول؛ لأنه الذي يتفق مع السياق؛ إذ إن السياق في بيان الذين يخدعون الناس في الدنيا وقلوبهم مريضة لا بيان حال من يجيدون القول فيها، وإن بعض الذين يجيدون القول في الدنيا أخيار لا أشرار.
هذا أول حال من أحوال الذين يظهرون ما لَا يخفون، ويقولون ما لا يفعلون.
أما الصفة الثانية فهي قوله تعالى: (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) أي أن هذا الذي يثير إعجاب الناس في الدنيا بخلابة لسانه وقوله الحلو المعجب المطرب، إن رأى الناس يتشككون في قوله أقسم بصدقه؛ لأنه قد يبدو من فحوى بيانه ما يدل على جنانه كما قال تعالى سبحانه في شأن المنافقين ومن في قلوبهم مرض: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. . .)، فإذا لمح المخادع من النظرات التي
стр. 830
توجه إليه استغرابًا لدعاويه، أو استبعادًا لها، وثقها بأن أشهد الله على أن ما في قلبه يوافق ما يجري على لسانه.
فمعنى قوله تعالى: (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) أنه يقسم بالله تعالى إن ما جرى على لسانه هو نفس ما يختلج في قلبه، أو ما يؤمن به ولقد قرر علماء اللغة أن من ألفاظ القسم: الله يعلم أني فعلت كذا، أو الله يشهد أني قلت كذا؛ فهذا توكيد بالأيمان معروف في لغة العرب، ولقد قرروا أن الحلف على هذا النحو أوكد وأوثق من القسم الصريح، وقال بعض الفقهاء: إن من يقول كاذبا: الله يشهد بكذا أو يعلم بكذا، مؤكدا كذبه بذلك، يعتبر مرتدا، لأنه كذب على الله، أو رماه بالجهل، وعندي أن ذلك لَا يعد كفرا لعدم القصد إلى ذلك المعنى الإلحادي؛ ولكنه على أي حال مستهين بحق الله عليه كشأن كل حالف بالكذب، سواء أكان الحلف بلفظ صريح في الحلف، أو بلفظ يؤدي إليه.
أولئك المخادعون الذين يخدعون الناس ولا يخدعون الله هم الذين يقطعون أوصال الأمة، وبهم تبتلى، وبسببهم تنزل الفتن ويثور الشر، وتذهب الثقة بين الناس، وتقوم العداوة بينهم مقام المودة، والبغضاء محل الإخاء، لأنهم بخديعتهم للناس، ثم تكشف أحوالهم بمرور الأيام تضيع الثقة؛ ثم الذين يعمدون إلى تلك الأساليب الماكرة لَا يبغون خيرًا، بل لَا يبغون إلا شرا، لأن الأخيار لَا يحتاجون إلى إخفاء نياتهم، وما يجول في قلوبهم؛ إنما الذين يبدون ما لَا يخفون هم الذين توسوس نفوسهم بالشر والهوى، ولا يريدون أن يطلع عليه أحد؛ ولذلك عرَّف النبي ﷺ الشر بأنه: " ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس " (١)، فالشر لا يعيش إلا في كِنٍّ مظلم والنور يقتله، والخير يزيده النور وضوحا وقوة ونماء " ومن كان الشر غايته فهو عنصر مخرب مفسد مهلك؛ وهو بلاء لأمته وجماعته وأسرته " بل بلاء على نفسه في الدنيا عندما يعلم أمره، وفي الآخرة له عذاب أليم.
стр. 831
ولذلك كان أخوف ما يخافه النبي ﷺ على أمته من بعده: رجلا عليم اللسان منافق القلب (١)؛ فإن ذلك النوع من الرجال يثير التظنن بالصالحين، ويفسد الأمر على المحقين؛ ويجعل بأس الأمة بينها شديدا، ولقد روى ابن جرير عن بعض الصالحين أنه قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب؛ ويقول الله : فعليَّ يجترئون وبي يفترون، وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران (٢).
ومهما يكن من أمر ذلك الخبر، فإن معناه متحقق سجله الإسلام، وأثبتته الوقائع، فما من أمة ابتلاها الله بهيمنة هذا النوع من الرجال إلا فسد أمرها، واضطرب حالها، وسارت في طريق أوله نفاق وفساد، وآخره فتنة وخراب.
(وَهوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) هذه هي الصفة الثالثة الملازمة للمخادعين الذين يستلبون قلوب الناس من جنوبهم بحسن بيانهم وكذبهم على الله بايمانهم، والألد من معناه في اللغة: العوج، وفسر بعض العلماء قوله تعالى: (وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا).، أي عوجًا، والمنافق ألد دائما لأنه أعوج دائما.
واللدد من معناه اللغوي أيضا: الشدة في الخصومة والمغالبة فيها، ويقال رجل ألد وامرأة لدَّاء، وقد لَددَ يَلُدُّ - كفرح يفرح - لددا؛ أي صار ألد، ولدَدْته ألُدُّ كنصر ينصر إذا جادله فغَلبه، وقال الزجاج في أصل اشتقاق اللدد بمعنى الشدة في الجدل والخصومة إنه مأخوذ من لديدي العنق، وهي صفحتاه؛ وتأويله أنه من أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الجدل غلب.
стр. 832
والخصام - إما أن يقال إنه مصدر خاصم أي جادل أو عادى؛ أو تقول جمع خصم كضخم وضخام؛ وقال أبو عبيدة الأول أي أنه مصدر خاصم، وقال الزجاج الثاني.
والمعنى على الأمرين: أن ذلك النوع من الناس الذي يحاول أن يخدع الناس بحلو لسانه، ويضلهم بقدرة بيانه، فيه طبع ملازم له، وهو شدة الخصومة، ويصح أن نفسر الخصومة بالعداوة، كما يصح أن نفسرها بالجدل والمغالبة البيانية في ميدان المناظرات.
وعلى الأول يكون المعنى إنه شديد العداوة واللجاجة في الخصومة، فليس هينا لينا قريب الرضا سهل الرجوع، بل إنه لحب نفسه وكراهيته لخير الناس، لا يصفح عمن ينال منه ولو بالحق فهو قد أكل الحقد قلبه، واعتركت في نفسه حسكة (١) الحسد؛ وكذلك كل شرير؛ لَا يحب الناس، ولا يظهر لهم المودة إلا برئاء القول: بل ذلك شأن المجرمين؛ ففي طبيعة كل مجرم بغض للمجتمع، وكأن بينه وبين الناس ثأرا لَا يطل، وترات (٢) يجب استيفاؤها؛ وكلما انحدر في جريمة وتلقفته يد العدالة ازداد للناس كرها وعاد إلى مثلها أو أكثر؛ وكذلك أولئك الذين في قلوبهم مرض، وفي ألسنتهم حلاوة يخدعون بها الناس: يبغضون الناس ولا يحبونهم إلا بمقدار ما ينالون من أرب فيهم، ولا يصفحون عمت ينالهم بالقصاص العادل، ويتبعون العورات؛ وهكذا هم في خصومات قلبية بينهم وبين الأخيار؛ يظهرون القول الحسن ليستمكنوا من الرقاب، ثم يشفوا غيظهم.
وعلى الثاني، وهو أن يكون الخصام بمعنى المجادلة والمنازلة البيانية، يكون المعنى: أن هؤلاء الذين يخادعون الناس بالقول الحلو، يثيرون الإعجاب بحسن بيانهم، ويوثقونه بالأيمان المغلظة، ويجادلون عنه بقوة وعنف وغلب؛ فالكلام
стр. 833
يكون كله في بيان منهاجهم في خدع الناس، وسلب ثقتهم بقول الزور؛ ولذلك كان هذا المعنى أنسب للسياق.
واللدد في الجدل في ذاته صفة ملازمة للمراء والمهاترة؛ لأن من يكون همه الجدل يندفع إلى تأييد مذهبه بالحق وبالباطل، إذ لَا يهمه الحق بمقدار مايهمه انتصار فكره، وغلبه في ميدان النزال البياني؛ ولذلك كان مبغضا إلى الله، وإلى الذين يدعون إلى الحق المجرد؛ ولقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " (١) ولقد كان الإمام مالك ﵁ يقول: كلما جاء رجل أجدل من رجل نقص مما جاء به محمد ﷺ .
وفى الحق إن أولئك الذين يحاولون أن يكسبوا قلوب الناس ليتمكنوا من رقابهم بالقول المعسول الخادح فيهم الأمران السابقان: فيهم البغض الشديد للناس، وفرضهم أعداء وخصوما، ولا يفرضونهم أولياء وإخوانا؛ وفيهم اللدد في الجدال ومحاولة الغلب بالحق وبالباطل.
بل إن بغضهم للناس، أو على الأقل عدم نظرتهم إليهم نظرة أخوة واصلة، ومودة مقربة، هي التي جعلتهم يحاولون خديعتهم بالقول البراق، واليمين الغموس، والجدل الذي تبرق فيه الألفاظ، ويختفي فيه نور الحق وتنقطع به أسباب اليقين؛ ولو كانوا يفرضون الأخوة الرابطة بينهم وبين الناس، لأحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم، ولكرهوا ما يكرهون لهم، ولكشفوا عن نيتهم واضحة بينة؛ فالحق دائما أبلج، والباطل لجلج (٢)؛ فحيثما كانت خديعة فثمة هوة فارقة، لَا أخوة جامعة؛ وحيثما كانت لجاجة فثمة حق ضائع وباطل رائج.
стр. 834
(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) في هذه الآية الكريمة بيان الغاية التي تغياها من يريد أن يخدع الناس، فهو يخدعهم ليمكن لأهوائه وشهواته. وإذا تمكنت الأهواء والشهوات واندفع الشخص في اجتراعها، يشتار عسلها (١) من غير دين رادع، ولا حكم زاجر - سرى الفساد في جسم الأمة كما يسرى الداء العضال في جسم المريض، وبذلك يهلك الحرث والنسل، أي يهلك الزرع والحيوان، وفيهما جماع حاجات بني الإنسان، فما من أمر يحتاج إليه الإنسان في مقومات جسمه إلا كان من الحيوان أو من النبات، وهلاكهما كناية عن الخراب العام، والضيق الشديد، والفساد المستحكم، وضياع المصالح.
والحرث: مصدر حرث يحرث؛ بمعنى أثار الأرض لإعدادها للزراع ثم أطلق وأريد به المحروث وهو الأرض نفسها، ثم أطلق وأريد به ثمرات الحرث وهو الزرع الذي حان حصاده، والثمر الذي آتي اكله؛ والمراد به هنا ذلك.
والنسل في أصله: مصدر نسل ينسل بمعنى خرج وسقط، ومنه قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) وقوله تعالى: (مِّن كلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ)
، أي يخرجون، ثم أطلق على خروج الحيوان (٢) من بطن أمه وولادته، ثم أطلق وأريد به ذات الحيوان الوليد.
وفى التعبير بهلاك الحرث والنسل بسبب استحكام الشهوات وسيطرة أهل الأهواء، إشارة كما قلنا إلى عموم الفساد في المدائن والقرى، وبين أهل الزرع وسكان البوادي، أي بيان عموم الشر للحاضرة والبادية؛ لأن هلاك النسل رمز لهلاك ما تقوم عليه البادية وما به قوام حياتها؛ إذ إن رأس مال البادية النعم من الإبل والبقر والغنم وأخواتها، وقيام الثروة في سواد الأرض الزرع وما تنتجه
стр. 835
الأرض، فإذا هلك الأمران بسبب استحكام الأهواء والشهوات، فقد عم الفساد؛ وهلك العباد.
وقوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَ) قد قال العلماء فيه إن التولي يحتمل أحد أمرين: إما أن يكون معناه الانصراف والذهاب بعد أن خدع الناس بحلو القول وأقسم بالأيمان المغلظة الكاذبة وجادل وناضل فيما يدعيه من حب للخير والإصلاح، وإما أن يراد به التولي بمعنى الولاية والإمرة على الناس، ولقد قال العلماء إن الآية الكريمة تحتمل الأمرين كما نوهنا.
وعلى الأمر الأول يكون المعنى والله أعلم بمراده: إن ذلك الذي يدعى الصلاح والإصلاح، وحب الخير والمنفعة، ويعلن ذلك بحلو اللسان، ويقسم عليه الأيمان، ويجادل عنه بأبلغ البيان - إذا تفرقت المجالس، وانصرف إلى العمل، بدت طويته، وظهرت نيته، وانكشفت سريرته، فاندفع في الشهوات ينال منها؛ وقد ترك قوله دَبر أذنه، وما قال ما قال إلا ليكيد أو ليخفي حقيقة أمره، فيكون منه الشر والفساد، وإذا كثر من على شاكلته فسدت الحال، وكانت العاقبة السوءى.
وعلى الأمر الثاني، وهو أن يكون معنى تولى صار واليًا: أن هذا الذي اجتذب ثقة الناس بالأماني البراقة، والأقوال الخادعة والأيمان الكاذبة واللسن في الجدل إذا تحققت بغيته، ونال طلبته، وصار واليًا على الناس، لَا يسعى لنفعهم، ولا يقيم الحق بينهم، بل يسعى لإشباع رغباته، ويحكم الناس لنفسه لَا لهم، والفاصل بين الحكم العادل والحكم الظالم، أن الحاكم العادل يعتقد أنه تولى أمر الناس لتكون ثمرة الحكم للناس، كما كان الشأن في أبي حفص عمر ﵁، وأما الحاكم الظالم فهو الذي يحكم الناس لتكون الثمرة له ومن معه، وأمثلة ذلك في التاريخ كثيرة لَا يحصيها العد.
وهذا الخادع الكاذب المجادل المرائي يكون حكمه الناس لنفسه لَا لهم، ومن ثم تحكم رغباته وأهواؤه، ومن حكمت رغباته وأهواؤه فإن لممعيه لَا محالة يؤدي إلى الفساد، لَا إلى الصلاح، لأن الطمع يلد الطمع، والهوى يلد الهوى فتتسلسل
стр. 836
الأهواء في سلسلة أولها إعجاب بالنفس وزهو وخيلاء، وآخرها ضياع وفساد، وهلاك للحرث والنسل، ثم ذل واستخذاء.
واللام في قوله تعالى: (لِيُفْسِدَ فِيهَا) هي التي يسميها العلماء لام العاقبة أي أنها تشير إلى أن العاقبة - في عمل المتولي الذي يحكم الناس لنفسه ولرغباته وأهوائه لا لمصالحهم ونفعهم - هي الفساد في الأرض، والهلاك العام لكل ينابيع الثروة في البلاد، والله يتولى برحمته العباد.
ونحن نختار أن يكون معنى التولي هو صيرورته واليًا؛ لأنه ذلك هو الذي يتفق مع الآية الآتية، وهي قوله تعالى:
стр. 837
(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ).
وقد ذيل الله الآية الكريمة بقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) وذلك لعدة أمور:
أولا - لبيان أن الله لَا يحب ذلك الصنف من الناس الذي يخدع الناس ويكذب على الله، ويجادل ويمارى، ويضل عن بينة، ويسعى في الأرض بالفساد؛ إذ الله لَا يحب الفساد فلا يحب المفسدين، ومن لَا يحبه الله فهو بعيد عن رحمته، معرض لنقمته.
ثانيا - ولبيان أن الله لَا يريد بما فرض من عبادات إلا مصلحة الناس ودفع الضر عنهم، فهو الغني الحميد الذي لَا يكسب من عبادة عابد؛ ولا يضار من فسق فاسق؛ إنما الأمر في ذلك إلى مصلحة الناس ودفع الضر عنهم.
ثالثا - وفوق ذلك هذا التذييل يدل على أن شرع الله كله أساسه إقامة المصلحة ودفع المضرة، فما من أمر شرعه الله إلا فيه جلب نفع أو دفع ضرر، وأن دفع الضرر، مقدم على جلب النفع، وأن دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص، وأن جلب المنفعة العامة مقدم على جلب المنفعة الخاصة.
رابعا - وإن هذا التذييل فوق ذلك يشير إلى أن الله سبحانه استخلف الإنسان في هذه الأرض ليَعْمُرها لَا ليفسدها، فأولئك الذين يبذلون الجهود العقلية ليصلوا
стр. 838
إلى ما يدمر الأرض ويخربها ويجعلوا عاليها سافلها قد ضلوا عن سنة الله، وخرجوا على قانون الفطرة وهم بعيدون عن محبة الله؛ لأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) هذه حال الطغاة يرتكبون ما يرتكبون، وينزلون بالناس ما ينزلون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنًا، وإذا كانت النوازل تنزل بالضعفاء لم يلتفتوا إليها لعماية الطغيان وفساد البصر والمدارك، فإذا تقدم أحد الناس مرشدًا واعظًا نهروه، وربما امتدت إليه أيديهم بالأذى، وأخذتهم العزة؛ أي الاستعلاء الجاهلي وحماقة الكبرياء؛ ودفعتهم الجرائم إلى إثم آخر فوق إثم الطغيان، وفوق ما ارتكبوا من آثام، وما أنزلوا بالضعفاء من آلام.
والباء في قوله تعالى: (بِالإِثْمِ) إما أن تكون بمعنى المصاحبة والاقتران، والمعنى على هذا أخذتهم العزة واستولت عليهم مقترنة بالإثم مصاحبة له، فهي ليست عزة محمودة، بل كبرياء مبغوضة؛ أو تكون الباء للسببية بمعنى لام التعليل، ويكون المعنى: أخذتهم العزة الغاشمة والعنجهية الظالمة بسبب الإثم الذي استغرق قلوبهم وأحاط بنفوسهم، أي أنهم لفرط ما ارتكبوا من آثام، قد أحاطت بهم خطيئاتهم فسدت مسارب الهداية إلى قلوبهم، فإذا سمعوا كلمة الرشاد لم يتقبلوها، وأنغضوا رءوسهم حاسبين أن ذلك إهانة لسلطانهم؛ وإصغار لشأنهم، وما هو في حقيقة الأمر إلا حماية للسلطان، وإكبار للأمر، وخصوصًا إذا كان من ناصح أمين.
وإذا كانت تلك حالهم فلا صلاح لهم في الدنيا؛ وهم في إحدى حالين، وكلتاهما نتيجتها السوءى: إما أن يديل الله منهم في الدنيا، ويجعلهم عبرة المعتبرين، ويذيقهم وبال أمرهم في الدنيا، وتمامه في الآخرة. . وإما أن يمهلهم ويملي لهم حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويلقي بهم في نار جهنم؛ ولذا قال سبحانه: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)، الفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانت هذه حال ذلك الطاغي الفاجر: لَا يقيم الحق، بل يفسد،
стр. 839
ولا يطيع الناصح بل يؤذيه، وربما يقتله؛ فالله كافيه ومتوليه، وهو العزيز المنتقم الجبار، والله سبحانه ينزل به العذاب الأليم، بإلقائه في نار الجحيم؛ فمعنى (فَحَسْبُهُ جَهَنَّم) أي جهنم هي التي تكفيه، بدل كلمة الحق التي كانت تؤذيه، (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) اللام هنا تنبئ عن قسم مقدر وهي داخلة على جوابه، والمهاد جمع مهد، وهو المكان المهيأ للنوم، والتعبير عن جهنم بأنها بئس المهاد لَا يخلو من تهكم بأولئك الفاجرين، كما يقال: (تحية بينهم ضرب وجيع) وكقوله تعالى: (فَبَشِّرْهم بِعَذَابٍ أَلِيم).
وبعد، فإن أول مظاهر الطغيان صم الآذان عن سماع كلمة الحق؛ ولعل الأمارة الظاهرة للحاكم العادل هي سماعه النقد والملام، فضلا عن الوعظ والإرشاد؛ وأمارة الحاكم الطاغي تبرمه بنصح الناصحين ونقد الناقدين فضلا عن لوم اللائمين؛ والمثل في التاريخ كثيرة مستفيضة؛ يروى أن رجلا قال لعمر بن الخطاب أمثل الحكام: اتق الله، فقال بعض الحاضرين أو تقول لأمير المؤمنين: (اتق الله) فالتفت الفاروق، وقال: ألا فليقلها، لَا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها! وعمر هذا هو الذي صاح عندما تولى: من رأى منكم فيَّ اعوجاجا فليقومه فقال أعرابي: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا! فقال أبو حفص: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوِّم عمر إذا اعوج! ولو تنزلنا عن مقام عمر مقام الصديقين لوجدنا من بعض الحاكمين حتى في عصور الاستبداد من يستمع إلى كلمة الحق أحيانًا؛ يروى التاريخ أن يهوديا له حاجة تلقى هارون الرشيد، وهو خارج، وقال له: اتق الله يا أمير المؤمنين وذكر حاجته، فنزل هارون عن دابته وخر ساجدًا، ثم أمر فقضيت لليهودي حاجته؛ فقيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي! قال: لَا، ولكن تذكرت قول الله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).
وبجوار هذه الذكريات العطرة، توجد صور معتمة؛ ومن ذلك ما قاله أحد ملوك بني أمية: من قال لي: اتق الله قطعت عنقه.
стр. 840
بل إن هذه الصورة المعتمة هي التي يسود بها تاريخ المستبدين، فإن لم يقولوها بلسان المقال قالوها بلسان الفعال، وهو أقوى أثراً وأبعد طغيانا؛ ولذلك كان من الجهاد في سبيل الله: أن يقول المؤمن لهم كلمة الحق؛ وقد قال ﷺ : " أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائر " (١).
стр. 841
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) بعد أن ذكر الله سبحانه بعض الناس الذين يعدون داء الجماعات التي تؤدي إلى الفساد، وإلى الهلاك، وحالهم إذا تولوا حكم الناس - ذكر أهل الفضل الذين يعدون دواء هذا الداء، وعلاج ذلك المرض الفتاك، وصلاح ذلك الفساد؛ فإنه إذا كان طغيان بعض الولاة هو الذي يؤدي إلى هلاك الحرث والنسل، فأولئك الأبرار الذين يجاهدون الطغيان هم الذين يقفون تياره، ويصدعون بأمر الله، وهم الذينِ باعوا أنفسهم مجاهدين ناطقين بكلمة الحق؛ ولذا قال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ من يَشْرِي نَفْسَه) أي يبيع نفسه لله سبحانه؛ فيفدي دين الله والحق بنفسه وماله وكل ما يملك وفي ذكر الفريق المقابل لأهل الشر بذلك الوصف الذي يشعر بأن أخص حالهم بذل النفس والنفيس، لا مجرد الإخلاص والبراءة من النفاق - إشارة إلى عظم المهمة الملقاة على عاتقهم، وهي مجاهدة الشر والتغلب عليه، وإزالة أوضاره؛ فإن ذلك يقتضي التعرض للأذى، بل للتلف، ومن قتل في سبيله قتل شهيدًا، بل إنه يكون أفضل الشهداء، كما صرح بذلك النبي ﷺ (٢).
стр. 842
وإن هذا الذي يبيع نفسه لله سبحانه، ويفدي الحق بنفسه وماله، لَا يطلب إلا ثمنا واحدا، هو أعلى الأثمان، وهو رضا الله ؛ ولذا قال سبحانه فيما يطلبه: (ابْتِغَاءَ مرْضاتِ اللَّهِ) الابتغاء: الطلب الشديد والرغبة القوية الصادقة؛ ومرضاة مصدر ميمي بمعنى الرضا، ولا شك أن التعبير بالمصدر الميمي دون المصدر الأصلي له معنى يدركه السامع بذوقه، ولم نجد النحويين ولا البلاغيين تعرضوا لبيان التفرقة بين التعبير بالمصدر الميمي وغيره؛ والذي يتبدى لنا ونظنه تفرقة بينهما أن المصدر الميمي يصور المعنى المصدري واقعا قائما متحققا في الوجود، أما المصدر غير الميمي فيصور المعنى مجردا؛ فإذا كانت كلمة مقال بمعنى القول، فإن التعبير بالقول يصور معنى مجردا من غير نظر إلى كونه تحقق وجوده أو لَا، أما كلمة مقال فتصور معنى وجد وتحقق، أو في صورة الوجود المتحقق؛ وعلى ذلك يكون معنى (ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) أنهم يبيعون أنفسهم طالبين طلبا موثقا رضا الله سبحانه حقيقة واقعة مؤكدة، ويتصورون رضاه سبحانه حقيقة قائمة قد حلت بهم، فيشتد طلبهم، وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم.
وأولئك الذين باعوا أنفسهم لله، وافتدوا الحق بأموالهم وأنفسهم، هم حجة الله القائمة في عهد الظلم والظلمات؛ وإذا كان الله يبتلي الجماعات بأهل الشر والطاغوت، وحكم الظالمين؛ فإنه يرسل في هذا البلاء أولئك الذين ندبوا أنفسهم للحق يدعون عليه، ويجهرون به، ويجاهدون في سبيل الله لرفع مناره، وجعل كلمة الله هي العليا؛ وعندئذ يكون معهم كل من يميل إلى الحق قلبه، وبين هؤلاء قوم لَا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وبذلك يكون الناس أربع طوائف:
أولاها - أهل الشر الطاغون، الظالمون.
стр. 843
وثانيتها - أهل العدل الذين يفتدون الحق بأنفسهم وأموالهم، ويطرحون كل هوى لهم في سبيل رضا الله وإقامة الحق.
وثالثتها - أولئك الذين يتبعونهم وإن لم يبلغوا شأوهم، ولم يفتدوا الحق مثل افتدائهم.
ورابعتها - أولئك الذين ينظرون، ويتبعون الفريق الغالب في هذه المعركة التي تقوم بين الخير والشر؛ وأولئك هم الذين سماهم النبي ﷺ الإمعة؛ وقد نهى ﷺ عن مسلكهم، فقال: " لَا تكونوا إمعة؛ تقولون إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا " (١).
(وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) ذَيَّل الله الآية الكريمة بتلك الكلمة السامية؛ للإشارة إلى أمور ثلاثة وصلت إليها مداركنا:
أولها - إن الله من رحمته بعباده جعل الخير القوي بجوار الشر المندفع، فهدى الله أهل الخير الأقوياء إلى مدافعة أهل الشر الطغاة، ولولا ذلك لعم الفساد، وهلك العباد، (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ. . .).
وثانيها - الإشارة إلى أن الغلب للحق دائما؛ لأن ذلك من دواعي رأفته ورحمته بعباده، والحق الذي يجيء بالمغالبة حق قوي عزيز يعض عليه بالنواجذ؛ وفيه إعلان لغلبة المعاني الإنسانية على النواحي الحيوانية.
وثالثها - إن من رحمة الله بعباده ألا يمكن للظالمين، وأن يمكن للعادلين؛ فإن الحكم العادل يكون رحمة بالناس ورفقا بهم؛ والحاكم العادل ظل الله في أرضه، ورحمته بخلقه؛ وتسليط الظالمين من أمارة غضب العلي الحكيم.
стр. 844
ثم في تذييل الآية ذلك التذييل فوق ما سبق دعوة إلى الرحمة بالناس والرفق بهم والحدب عليهم، ولقد قال ﷺ : " اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن وليَ من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به " (١) اللهم هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)
* * *
стр. 845
بين الله سبحانه في الآية السابقة على هذه الآيات حال أولئك الذين يفرقون بين الجماعات، ويعيثون في الأرض فسادا، ويهلكون الحرث والنسل، وفيهم لدد وعنف وخصومة تغري بالعداوة، وتنشر الفرقة والانقسام؛ وكل هذا ضد مبادئ الإسلام؛ ولذلك ناسب بعد أن بين عمل المفسدين، أن يبين واجب المصلحين؛ وهو السلم بين بني الإنسان، والوحدة بين أهل الإسلام، ولذلك قال سبحانه: