Полный текст (8 373 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.
стр. 8191
يتضمن نوعين من النهي: أولهما - ألا يكون الميزان غير منتظم في رفعه وخفضه، والثاني - ألا يتعمد الخلل فيه، فيخفضه ويرفعه كما يريد كما يكتال ظالما، وكما يكيل ظالما، وإن ذلك إفساد للثقة التي هي أساس التعامل العادل، وأكل لمال الناس بالباطل، وظلم مبين، وإفساد للعلاقات الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض.
стр. 8192
(وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)
الأموال من حيث تقديرها تنقسم إلى قسمين: أموال مثلية وحداتها متحدة في القيمة إذا توافر اتحاد الجنس والنوع والصفة في جودة أو رداءة، وهذه تقدر بالكيل أو الوزن، وقد نهى سبحانه على لسان نبيه شعيب ﵇ من التطفيف فيها.
والقسم الثاني أموال قيمية لَا يحد قيمتها الكيل والوزن، ولكن يحد قيمتها تقويم المقومين، وهنا يجري فيها البخس والشطط، ولقد نهى سبحانه في هذا النص عن البخس بأن تقوَّم بأقل من قيمتها، وكل نقص في القيمة هو نقص في المالية فيكون فيه الظلم، وأكل أموال الناس، ولذا قال اللَّه تعالى على لسان (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
أي لَا تنقصوا قيمة ما عند الناس، والمعنى الظاهر لَا تبخسوا أشياء الناس، ولكن عبر ذلك التعبير القرآني السامي العميق لفائدتين جليلتين - أولاها - أن بخس قيم الأشياء بخس للناس أنفسهم، فمن بخس تقدير القيم، فقد ظلم، وأعظم الجريمة. الفائدة الثانية - أن في ذلك إبهاما ثم بيانا، فيكون ذلك توكيدا للمعنى فضل توكيد.
وبعد أن نهى عن تطفيف الكيل والميزان، وبخس قيم الأشياء. نهى عن الاعتداء بشكل عام، فقال عز من قائل:
(وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
стр. 8193
وذلك يشمل إفساد زرع غيره، أو منع الماء عنه، أو إتلافه، أو ألا يعطيه حقه من الماء، أو ما يجري بين المختلطين من مساحة، والعثى أو العثو، الفساد النفسي أو المادي، ونميل إلى العثى النفسي، والمعنى القصد إلى العثو مفسدين حال مؤكدة لمعنى العثو، لأن العثو يؤدي إلى الفساد في الجماعة، فيتقاطعون، ويتدابرون.
стр. 8194
(وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)
الواو عاطفة، أي خلقكم وخلق الجبلة الأولين، والجبلة الجماعات المجبولة على سير وأخلاق سبقوا إليها، سواء أكانت خيرا أم كانت شرا، والسياق يقول اتقوا الله، واملئوا قلوبكم بالخوف منه، أنتم والذين سبقوكم، وجبلوا على ما سلكوه واتبعوه، والأمر بالتقوى لهم، ولمن جبلوا عليه، ليصادرهم في دعواهم، إنهم يتبعون ما كان يعبد آباؤهم، فالتقوى مطلوبة منكم، وممن سبقوكم، وإن كانوا يجأرون بالشرك فإنهم مطالبون بالتقوى كما تطالبون.
دعاوى واضحة في إقامة العدل في المعاملات الإنسانية التي تقوم عليها المعيشة ليستقيم أمر الناس في هذه الحياة العاملة الكادحة، والتي يقرها أهل العقول جميعا، ولكن قومه يقولون متمردين:
стр. 8195
(قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)
الْمُسَحَّر - الذي سحر أي صار مسحورا بقوة، والتضعيف لتشديد وقوعه تحت السحر، كما قال تعالى عن بعض الرسل (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا).
وقيل: المسحَّر الذي يملأ سحرته وهي الرئة، وبذلك يشيرون إلى أنه محتاج إلى طعام يأكله، ولذا كانت كل أوامره في الكيل والوزن.
والأول هو الواضح الأوضح، وأكثر الأنبياء لقوة نفوسهم، وسيطرتهم على العامة من أقوامهم رموا بالسحر، وقد رمي به محمد ﷺ ، (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا).
стр. 8196
(وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... (١٨٦)
أي لست أنت إلا بشرا مثلنا، وكيف تكون من بيننا رسولا ونبيا، أي أنه في نظرهم لَا يكون الرسول منهم أو مثلهم يأكل مما يأكلون منه، ويشرب مما يشربون، وذكروا النتيجة، وهي أنه ما دام منهم أو مثلهم فليس نبيا، ولذا قالوا بعد ذلك (وَإِن نَّظنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِين) إن هنا هي المخففة من الثقيلة، واسمها هو ضمير الشأن والحال أي إنه الحال والشأن نظنك لمن الكاذبين، والدليل على أنها مخففة من الثقيلة اللام في قوله تعالى لمن الكاذبين، وقد أكدوا رميهم له بالكذب بـ إنْ وباللام، وبعده في صفوف الكاذبين البهاتين.
والظن هنا معناه العلم القطعي، ولكن عبروا بالظن أو باقي القول، وإن أرادوا العلم، وكان من أدب العرب في القول أن يؤثروا الظن على القطع، وإن كانوا ظالمين.
وطلبوا معجزة، فقالوا:
стр. 8197
(فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)
الكسف، جمع كِسْفَة أي قطع من السماء، فلم يطلبوا رسالة مع ملك أو نحو ذلك، بل كانوا قساة من طبعهم ماديين، طلبوا أن ينزل عليهم قطعا من السماء، وقد أشبههم في هذه من بعدهم كفار قريش، فقالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)، وإن ذلك أشد الحمق وأفحشه، فكانوا مثلهم.
أجابهم اللَّه تعالى بعذاب شديد من جنس ما طلبوا وهو سحابة كانت من ورائها صيحة شديدة، فكانوا في ديارهم جاثمين، ولقد قال لهم نبي الله مفوضا الأمر إلى ربه
стр. 8198
(قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)
وهذه الجملة السامية فيها تفويض وتهديد، أما التفويض فهو أنه قال: ربي أعلم بما تعملون، فهو يفوض الأمر للَّه سبحانه.
وأما التهديد فهو أيضا في هذه الجملة السامية من حيث إنه يعلم وحده بكافة ما تعملون من تطفيف في الكيل والميزان، وبخس للناس أشياءهم وعثو في
стр. 8199
الأرض فسادا بالاعتداء على حقوق العباد وأموالهم في زرع يزرعونه، وغرس يغرسونه، وماء يسقون به زرعهم، ما يعثون فيه بفسادهم وظلمهم وضلالهم. وقد جعل اللَّه تعالى عقابهم من جنس ما طلبوا، إذ طلبوا كسفا من السماء.
والفاء في قوله تعالى: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا) للإفصاح، أي إذا كانت مرسلا وأنت بشر مثلنا، (فَأَسْقِطْ) وهو طلب دال على الاستهانة بالرسالة.
أنزل اللَّه العذاب من جنس ما طلبوه، فقال:
стр. 8200
(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)
الظُّلَّة: السحابة التي تكون مظلة لما تحتها، وقد تكون ذات حرارة شديدة، كقوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) وإن السحابة إذا كانت حارة فيها نار يكون العذاب شديدا، والألم مريرا، لأنه تكون النار حيث يرجى الظل لَا الحرور، وقالوا إنه في يوم الظلة أحسوا بالحر، فلجئوا إلى ظل سحابة، فكانت الظلة القاتلة، ووراءها الدمار، فأصبحوا في عذاب وبذلك كان العذاب الساحق الماحق من جنس ما طلبوا، وهو كسفا من السماء.
وكانت هذه آية من اللَّه مرشدة هادية لمن يعيشون مثل عيشهم ظلما وعدوانا، وأكلا لمال الناس بالباطل والعدوان، والعثو في الأرض فسادا، وهي دالة على أن شعيبا كان يدعوهم بالحق، وهم المبطلون.
وإذا أنزل عليهم هذه الساحقة ما أنزلها على كثرة مؤمنة، بل أنزلها على كثرة فاسقة ضالة ظالمة، ولذا قال: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ).
وإن ربك الكالئ الحافظ القائم على خلقه بربوبيته هو العزيز الغالب القوي الرحيم الذي يرحم عباده، ولا يسوى بين المحسن والمسيء، وقد أكد سبحانه عزته ورحمته بـ إِنَّ، وباللام وبضمير الفصل.
* * *
стр. 8201
القرآن عربي مبين
قال تعالى:
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)
* * *
كان هذا القصص الكريم الذي شمل بعضا من قصة موسى الكليم وإبراهيم الخليل، وقوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الأيكة مصورا لطبائع المفسدين ومقاومة النبمنِن، وطلب المعجزات المادية واستجابة اللَّه تعالى لهم في معجزاتهم، وكفر أكثرهم من غير ارتداع، أخذ يبين سبحانه من بعد ذلك المعجزة الكبرى الخالدة، وهي القرآن الكريم، فقال:
стр. 8202
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)
الضمير في قوله تعالى: (إِنَّهُ) يعود على القرآن الكريم؛ لأنه وإن لم يكن له ذكر في اللفظ هو مذكور في نفوس المؤمنين والمشركين، أما ذكره في قلوب المؤمنين، فلأنها عامرة به سامعة لتلاوته وتقشعر أبدانهم لسماعه، ويطمئنون بتلاوته، وأما ذكر الجاحدين له فلأنهم في حيرة من بلاغته، وأصابت قلوبهم
стр. 8203
فصاحته، وهم في ردهم له يخالط نفوسهم بحلاوته وجلاله فهو مذكور عند المؤمن به، والجاحد له.
وقد وصفه اللَّه بثلاث صفات معلية له مشرفة بنسبته فوق شرفه الذاتي من بلاغة وشمول الشرع.
الأولى - أنه تنزيل من رب العالمين، والتنزيل النزول جزءا بعد جزء منجما مقطعا، ليسهل حفظه، وليرتل ترتيلا، وليعلم النبي قراءته وتلاوته، ويتعلَّمها منه أصحابه، وبذلك تكون تلاوة القرآن مرتلا متواترة، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقد أشرنا إلى ذلك في عدة مواضع عند ذكر معاني الذكر الحكيم.
стр. 8204
الثانية - أنه نزل بالوحي نزل به الروح الأمين على قلبك، الروح الأمين هو جبريل، وهو روح القدس، نزل بهذا القرآن،
стр. 8205
وكان نزوله على قلبك، فاتصل به ووعاه، وحفظه مرتلا (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) لأنك تعلمت علمه وأوتيت حكمته، وعلمت شريعته لتكون من المنذرين أهل الضلالة عن غوايتهم، ودعوتهم إلى التوحيد، ولما ذكر المنذر دون المبشر، وهو بشير ونذير، لأن هداية المشركين تكون أولا بالإنذار، والتبشير يكون بالإقلاع عن الشرك، ولذلك كان أول دعوته بالإنذار، إذ قال: (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)، عندما استجاب لقوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) وقد كان النبي ﷺ يقول: أنا النذير العريان.
الثالثة - أنه باللغة العربية، ولذا قال عز من قائل:
стр. 8206
(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)
اللسان هنا اللغة، لأنها تكون باللسان، وهو متميزها، وأداتها، وأطلق اللسان وأريد المسبب له وهو اللغة، وكل لغة تخص لسانا في أدائها ونغمتها وصوتها. وأداؤها في القرآن الكريم كان باللغة العربية فليس بقرآن ما لا يكون باللغة العربية، فترجمة القرآن إن كانت ممكنة (وهى ليست ممكنة) ليست قرآنا، وقوله: (مُّبِينٍ) أي واضح في تميزه ومعانيه، ومقاصده، ومعانيه وهي في أعلى درجات الإعجاز بهذا البيان، ولغيره مما اشتمل عليه.
стр. 8207
الرابعة - أن أكثر ما فيه من معانٍ وقصص، وشرائع في زبر الأولين، أي أن القرآن الكريم بعضه في كتب الأولين، والزبر جمع زبور، وهو الكتاب، وإن ذلك يكون على أن الضمير يعود إلى الكتاب ومقتضى السياق، ويكون المعنى على هذا إن هذا الكتاب مشار إليه في الكتب السابقة، وهو مهيمن عليها مبين للصحيح، كما في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).
ويصح أن يكون الضمير عائدا على النبي ﷺ ، لأنه مبشر به في التوراة والإنجيل، كما قال تعالي: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧).
(أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)
стр. 8208
الواو عاطفة على فعل، وسياق القول الحكيم أينكرون، ولم يكن لهم آية تدل على الصدق أن يعلمه علماء بني إسرائيل وهم أهل علم بالكتاب، والضمير يعود إلى القرآن في (يَعْلَمَهُ) أي إذا كنتم مدعين جهلكم أو لم تكن عند دلالة على الصدق أن يعلم خبره علماء بني إسرائيل، وما كفروا به إلا عنادا وطغيانا، أو نقول كما قال بعض التابعين: المراد من علماء بني إسرائيل العدول الذين آمنوا واهتدوا كعبد الله بن سلام، وقيل: وسلمان الفارسي، وابن عباس اختار التعميم حتى يشمل من آمن، ومن لم يؤمن، وقد قال تعالى في بني إسرائيل: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا
стр. 8209
أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠).
فهم كانوا يعلمون القرآن ومحمدا، وكانوا يستفتحون به جيرانهم من أهل المدينة الذين كانوا يشركون.
وقيل أن الضمير في (أن يَعْلَمَهُ) يعود على محمد ﷺ ، ولكن الأظهر هو ما قررنا.
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)
стр. 8210
وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩).
الضمير يعود على القرآن الكريم، لو نزله الله على بعض الأعجمين الذين لا يعرفون العربية لكان أعجميا بغير العربية، فقرأه عليهم بالأعجمية ما فهموه وما آمنوا به، واستمر عدم إيمانهم به، وتقديم الجار والمجرور (به) على متعلقه لبيان أهمية عدم الإيمان، وإن عدم الإيمان لسببين: أولهما أنه جاء من رجل أجنبي عنهم، ومن نعم اللَّه أن كان الرسول منهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨).
الثاني أنه لَا ينزل عليهم بالعربية فلا يفهموِن كما قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤).
стр. 8211
(كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)
المشبه هو ما عليه الشرك من تكذيب وجحود، وسلكناه أي أدخلناه، والظاهر، أن المعنى، كهذا الجحود والكفر والتكذيب أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، فهم لَا ينظرون إليه نظرة هداية واسترشاد وتعرف للحقيقة وأوجه إعجاز، بل ينظرون إليه نظرا فيه عور لَا يعرفون حقيقته، ولا يدركون الغاية، ولا يعرفون الحق لاعوجاج نظرهم.
ومن كان هذا نظرهم لَا يمكن أن يؤمنوا، ولذا قال تعالى في أمرهم.
(لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)
стр. 8212
قال تعالى:
стр. 8213
(لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) أي إن ذلك شأنهم، ولذلك كان النفي داخلا على المضارع، لأن فيه تصويرا لعدم إيمانهم، إذ هم ماديون حسيون لَا يؤمنون إلا بالحس، وما يشبهه، هذا معنى قوله: (حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) المؤلم الشديد في إيلامه؛ أي لَا يؤمنون إلا بما يحسون، وكذلك شأن الكافرين لَا يؤمنون بالغيب، بل يؤمنون بما يرون ويحسون فقط، والفرق بين الإيمان والكفر هو الإيمان بالغيب، فالكافر لَا يؤمن إلا بالحس والتجربة المحسة.
قوله تعالى:
стр. 8214
(فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)
الفاء فاء السببية، أي يترتب ما بعدها على ما قبلها، وهي عاطفة على يروا، أي أنهم في جهالتهم عمون عن الحق لَا يدركونه، ولا يتوقعونه، (فَيَأتِيَهُم) والضمير يعود إلى الساعة؛ لأنها في أذهانهم جميعا مؤمنين بها أو جاحدين لها، فهي مستولية عليهم إيمانا أو استغرابا، فتأتيهم مباغتة لهم حيث يستمرئون الحياة الدنيا وما فيها من متع غافلة غير شاعرة، وقد ألهتهم لواهيها، وتكاثرها.
وإنهم إذ يكونون في الآخرة يحسون بطلب العودة، وقال تعالى في حالهم
* * *
قال تعالى:
(فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)
* * *
стр. 8215
يأتيهم العذاب من حيث لَا يشعرون، ولقد كانوا وهم في غرور الدنيا ولهوها يكذبون النبي الذي يخوفهم بعذاب الله ويتحدونه، فيستعجلونه، كما قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ)، ولكنهم في الآخرة وقد رأوه عيانا يطلبون التأجيل، ويعجبون من الاستعجال، فيقولون:
стр. 8216
(فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)
الاستفهام هنا يدل على التمني، أي يتمنون أن يكونوا منظرين، أي مؤجلين، وقد كانوا يهددون ويخوفون في الدنيا أن يكون ما يرون تهديدا وتخويفا، وينظرون فيه حتى يكون منهم أحر، ويستدركون ما فاتهم، ولكن لات حين مناص، ويترتب على رجائهم الانتظار والتاجيل التعجيل بالعذاب، فيقولون
стр. 8217
(أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)
والفاء دالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقدم، وتقدير القول فأبعذابنا يستعجلون أي يترتب عن تمني الانتظار التعجب من الاستعجال، والاستفهام الثاني لاستنكار التعجيل، وبعذابنا تتعلق بالاستعجال، وتقدم عليه، لأنه يخيل إليهم أن الاستعجال خاص بعذابهم وحدهم، ونسوا ما فعلوا من ظلم، وما اجترحوا من سيئات.
وإن ذلك العذاب منطقي، فقد متعوا سنين وأوعدوا، وذكر لهم ما يوعدون، وهذا وقت الجزاء، ولذا قال:
стр. 8218
(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)
يذكر سبحانه العجب من حالهم، وإنكارهم ما ذكروا به في تمتعهم سنين، والفاء مؤخرة عن تقديم الاستفهام، لأن الاستفهام له الصدارة دائما، والاستفهام للتعجب، والمعنى فأريتهم كيف متعناهم بزخارف الدنيا سنين مهما تكثر فهي معدودة محدودة، وإذا تحقق ما يوعدون من عذاب يطلبون التأجيل، ويعجبون من التعجيل أو الاستعجال، ولا استعجال أبدا بل كل شيء في وقته المحدود وأمده المعلوم، وقوله تعالى:
стр. 8219
(ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)
العطف بـ (ثُمَّ) له معناه فإن ما بين البعث والتمتع سنين محدودة كبير في نظرهم، والتفاوت بين المتعة والعذاب يسوغ التفاوت والبعد بـ (ثُمَّ)، ونحوها؛ لأنه ثمة فارق وتفاوت بين المتعة وما ينزل لهم من عذاب دائم مقيم.
стр. 8220
وإن المتعة التي يعقبها عذاب أليم لَا تجدي ولا تنفع ولا ترفع، ولقد كانوا يتوهمون أن ما هم فيه من تمتع يكفيهم، ولكن
стр. 8221
(مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)
(مَا) هنا موصول حرف، وليست موصولا اسميا بمعنى الذي، لأن الصلة في الموصول الاسمى يجب أن تشتمل على ما يربطها بالاسم من ضمير، أو نحوه، ولا ضمير يربطها، فهي إذن موصول حرفي يكون وما بعده مصدرا منسبكا، وتقديره: وما كان تمتعهم هذه السنين طالت أو قصرت مغنيا عنهم في الآخرة رافعا عذابهم الشديد النازل بهم، كما كانوا يتوهمون أنه لَا بعث، وأنه إن كان بعث فليس بمعقول أن يعاقبوا، وأن يكون أولئك الضعفاء المرذولون والعبيد المهينون هم المثوبين، وكانوا دائما معتمدين على دوام تمتعهم في السنين المحدودة والأمد المعلوم.
وأنهم قد أنذروا، فالملام في عقوبتهم عليهم هم وحدهم، ولذا قال عز من قائل:
стр. 8222
(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)
أي ما أهلكنا أي قرية، والقرية المدينة العظيمة أو القبيل، ومن دالة على عموم النفي واستغراقه، إلا كان لها منذرون بالعذاب الشديد من رسلِ اللَّه تعالى الذين يتكلمون عن اللَّه تعالى، وقد قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، وقال تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّة إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). وإن الرسول يذكرهم دائما، وتبقى في رءوس المعتبِرين منهم ذكرى دائمة باقية حتى يجنبهم ما أنذروا به، ولذا قال تعالى:
стр. 8223
(ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)
أي أن ذلك الإنذار على ألسنة الرسل تذكير لهم أن اعتبروا واخشوا وخافوا، وأكد سبحانه أنه لَا يظلِمهم، فيأتيهم بالعذاب من غير إنذار، فقال تعالى: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) (كان) هنا دالة على النفي الدائم، أو نفي الشأن، أي وما كان من شأننا الظلم، كما قال تعالى في آية أخرى، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)، ولقد قال في إنذارهم (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤).
стр. 8224
ولقد كانوا يتوهمون أن القرآن قول كاهن، ولم ينزل من الله، ولكن نزل من الشياطين، كما ينزلون على الكهان، وذلك زعم باطل في أصله، وفي تطبيقه على القرآن الكريم، ونفى اللَّه ذلك نفيا مؤكدا فقال:
стр. 8225
(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)
لقد ادعوا أن القرآن قول كاهن، وأقوال الكهان تتنزل بها الشياطين، وهي جمع شيطان وهم إخوان إبليس أو أتباعه وزمرته، وقد نفى اللَّه تعالى ذلك بثلاثة أمور.
أولها - أنه ما ينبغي لهم؛ لأنهم محرضون على الفساد، والقرآن هاد مرشد، وذلك احتجاج عليهم بحقيقة القرآن، فلا يمكن أن يتلاقى مع وساوس الشياطين ومفاسدهم، فما يصح أن يكون منهم.
والثاني - أنهم لَا يستطيعونه، لأنه معجز، وهو يعجز الجن والإنس كما قال اللَّه تعالي: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨).
والثالث - أنهم لَا يمكن أن ينقلوه أو يسرقوه، ويتنزلوا به على أهل
الكهانة، لأنهم معزولون عن ذلك، وهذا قوله تعالى: (إِنَّهمْ عَنِ السَّمْع لَمَعْزُولُونَ)، وقد أكد عزلهم بـ إن الدالة على التوكيد، وباللام، وبالجملة الاسمية.
ولقد تكلم الحافظ ابن كثير في هذه الأمور الثلاثة المانعة من أن تتنزل به الشياطين، فقال ﵁ " ذكر سبحانه أنه يمتنع عنهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ما ينبغي لهم، أي ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم، لأن من سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى:
(وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ ... (٢١١)
стр. 8226
وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ)، أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك. قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته ما وصلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل حين استماع القرآن حال نزوله؛ لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة نزول القرآن على رسول اللَّه ﷺ ، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد، ولم يجد منه لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمته بعباده وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولذا قال تعالى:
стр. 8227
(إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)
وكل هذا على أن الضمير في (به) من قوله تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) يعود على القرآن، وهو في النفوس المؤمنة يملؤها، والمشركة يساورها، ولا احتمال سواه.
* * *
التوحيد لب الإيمان
قال تعالى:
(فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)
* * *
стр. 8228
الفاء للإفصاح عن شرط وتقديره إذا كان القرآن هو الحق، وهو يدعو إلى التوحيد،
стр. 8229
فلا تدع مع اللَّه إلها آخر، والدعاء هنا الالتجاء إليه والعبادة أي لا تعبد مع اللَّه إلها آخر، وتلجأ إليه (فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ)، أي فتكون بسبب ذلك من المعذبين، الفاء للسببية، ولذا نصب الفعل بعدها، ولقد كان النهي موجها إلى نبي الوحدانية، ليقتدي به غيره، وليعلم كل إنسان أن العذاب لاحق بمن يعبد مع اللَّه إلها آخر، فقلب العبادة: الوحدانية، ولب الإيمان ألا يكون مع اللَّه إله آخر.
بعد ذلك أمر أمرين متعلقين بالدعوة، فقال:
стр. 8230
(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)
العشير القرابة القريبة، والأقربين جمع أقرب، وهو الأشد قرابة، وقد جاء في مفردات الراغب ما نصه:
والعشير أهل الرجل الذين يتكثر بهم، أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشرة هي العدد الكامل، والمعنى أن العشير الأقارب الذين يعتز بهم، ويحس بأنه منهم، وأنهم منه، أنه ﷺ قد جاء في كتب السيرة وكتب السنة أنه عندما نزلت هذه الآية داعية إنذار عشيرته صار النبي ﷺ إلى الصفا، ودعا قريشا، ومنهم من حضر بشخصه، ومن لم يحضر بشخصه وبعث من يسمع عنه وقال لهم: " يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي: أرأيتم لو أخبرتكم بأن عيرا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
دعاهم ﵇ هذه الدعوة، وهي أولى الدعوات، وكانت الدعوات قبل ذلك دعوات خاصة للزوجة والأهل والأصدقاء، فهذه أول دعوة عامة، أو شبه عامة وعمومها جزئي على أي حال.
هذه دعوة من لم يكن مؤمنا، وقد أرشده سبحانه إلى الرفق بالمؤمنين، لأنهم قوام ألدعوة، وعماد الحق، وقد تعرضوا للأذى باتباع النبي ﷺ فقال له
следующие страницы →