← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ

стр. 8262

الْعَذَاب ... (٥) الإشارة إلى المتصفين بعدم الإيمان باليوم الآخر، وتزيين العمل السيئ لهم، فحسبوه حسنا، وما هو بحسن، وهذه الأحوال هي سبب العذاب لأن ذكر الإشارة إلى الصفات يومئ إلى أن هذه الصفات هي سبب الحكم، وسوء العذاب هو العذاب الذي يسوء النفوس، ويشوي الوجوه، وهو النار الدائمة، والعذاب المقيم الدائم ما شاء الله تعالى أن تدوم، خالدين فيها أبدا. وقال اللَّه تعالى في بيان حالهم: (وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) الأخسرون جمع أخسر، وهو أفعل تفضيل على غير بابه، أي هم الذين خسروا خسارة ليس فوقها خسارة أبدا، وفيه تأكيد للقول الكريم، وقد أكد ثانيا بـ (هم) التي تكررت، وأكد ثالثا بالقصر لتعريف الطرفين، أي هم وحدهم الأخسرون، ولا يخسر أحد سواهم. بعد ذلك بين اللَّه تعالى معدن الهداية، وهو القرآن الكريم فقال:

стр. 8263

(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) وتلقى معناها يلقى إليك بقوة فتلقاه راضيا بقوة متحملا ما يوجبه تحمله وتلقيه من صبر دائم، وجهاد مستمر ومصابرة لأعدائه، وتلقيه هو من عند اللَّه تعالى الحكيم الذي يعطي كلاما هو صالح، وهو عليم بالنفوس يطب لأدرانها بما يزيل أسقامها. وهو وصف للقرآن الكريم باحكم الصفات وأعمقها في معناها. فهو أولا من عند اللَّه، ولا يجيء من عند اللَّه إلا ما هو خير، وقد شرفه اللَّه تعالى بذلك الذي لَا يقدر قدره، وهو الحكيم الذي يشرع للناس ما يصلحهم في معادهم ومعاشهم، وما يجمع ويصلح، ولا يفرق ويشتت، وهو العليم بكل شيء، قد أحاط بكل شيء علما. وقد أكد اللَّه تعالى القول، بخطاب النبي، وحمله عبء القرآن الكريم. * * *

стр. 8264

إشارة إلى بعض قصة موسى ﵇ قال تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) * * *

стр. 8265

إذ: ظرف دال على الزمان، وهو متعلق بـ (تُلَقَّى) في الآية السابقة، أي أنك تتلقى القرآن من خكيم عليم صادق في الوقت الذي جرت فيه أحداث قصة موسى وفرعون، فهي قصة صادقة من لدن حكيم عليم، هو اللَّه سبحانه الذي أحاط بكل شيء علما. ونجد أن قصة موسى هنا في جملتها ليست مكررة مع غيرها، وقد فصلت جزءا لم يفصل في موضع آخر، فصل فيه بعض حياته مع أهله، وفصل فيه لقاءه

стр. 8266

بربه، والكلام الذي كان بينهما، وذكر ارتباطه بالرسالة، ودليلها وهو العصا وإخراج اليد من الجيب بيضاء من غير سوء، وكونها في تسع آيات قدمها لفرعون برهانا على الرسالة، وإذا كانت بعض الأمور ذكرت مكررة كالعصا؛ فلأن المقام اقتضاها، وليست ثابتة بالقصد الأول، بل هي جاءت تابعة لإثبات الرسالة لموسى نفسه، لَا لإثباتها لغيره، وهو فرعون وقومه، أي لإثبات أن الذي يخاطبه من وراء الشجرة ربه، لَا أحد غيره. كان موسى وأهله في ليلة ليلاء قرور شديد بردها، يلتمسون ما يستدفئون من نار، فنظر في الجو، فحسب أنه رأى نارا فقال لأهله: إني آنست نارا أي رأيت نارا قال وهو يتمناها، ويرعاها، كقوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)، (سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَاب قَبَسٍ) أي إني ذاهب إليها لعلِّي آتيكم منها بخبر نستفيد منه علم ما لم نكن نعلم، أو شهاب، والشهاب هو الشعلة المشتعلة من نجم أو نار أو نحوها - وقبس بدل أو عطف بيان، والقبس هو القطعة من جذوة النار، أي آتيكم بقطعة من النار شديدة الاشتعال فنلقيها حول أحطاب نستدفئ منها، وهذا معنى (لعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي تستدفنون بها، فيقال من صلى قلبت التاء طاء؛ لأنها من حروف الإطباق أي رجاء أن تستدفئوا، ومؤدى ذلك أنهم كانوا في برد شديد، وهكذا عاش من تربى في بيت فرعون فهو يذوق الحر والبرد في صحراء، في هذا الوقت، وفي هذه الشديدة، بعث موسى ﵇.

стр. 8267

(فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) (مَن) هنا للعاقل، فالبركة ليست في شيء يتعلق بما يلهبها، إنما البركة والنماء والزيادة فيمن هو ذاهب إلى النار، ويوشك أن يكون فيها، وهو كليم اللَّه تعالى موسى ﵇؛ ولأنها بقعة مباركة فيها الملائكة، واختار اللَّه تعالى أن يخاطب نبيه الكليم الأمين فيها، عليه وعلى نبينا أزكى السلام.

стр. 8268

ومن حولها من ملائكة أطهار، فهي أرض طاهرة مقدسة منها كانت رسالة موسى، كما كانت رسالة عيسى ﵇ من ساعير، ورسالة محمد ﵇ في فاران. وهي، كما ترى ذلك في التوراة حتى بعد تحريفها في هذه الأيام، وهذه البقعة المباركة. كما صرح سبحانه بذلك في سورة القصص (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠). والبركة نماء الخير وزيادته، وجعلت البركة في النار؛ لأن النار سبب مجيء موسى إليها، فهو جاء على أنها نار، وليست شجرة مباركة خضراء، ولذا فسر بعض المفسرين النار بأنها النور، وكذلك كانت تلك الشجرة الخضراء نورا إذ بعث فيها رسول من أولي العزم من الرسل، وهو موسى ﵇. وختم اللَّه الآية الكريمة بتسبيح اللَّه الواجب على عباده، فقال (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي التسبيح الخالص للَّه رب العالمين الخالق والمنعم عليهم بربوبيته الكاملة سبحان، ولا يدركها إلا العالمون العقلاء المدركون إن استقامت مداركهم، واتجهوا إلى الحق وحده غير مضطربين، ولا معوجين، وأن في قوله (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) هي تفسير للنداء من الحق ﷻ ، فالنداء هو ذكر اللَّه تعالى لهذه البركة النامية المتجددة في كل حين.

стр. 8269

(يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) النداء المتكرر من اللَّه تعالى لكليمه موسى ﵇ ليؤنسه بذاته العلية، وليشعر بنصرته له أمام من سيرسل إليه، وهو فرعون طاغية الأرض في عصره، ومن تأله، وملك أخصب أرض اللَّه تعالى، وكان يقول أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من حولي. الضمير في (إِنَّه) ضمير الشأن (أَنَا اللَّه) تدل على قصر الألوهية على ذاته العلية، وذلك بتعريف الطرفين، فليس فرعون الذي تذهب إليه إلها أو شبه

стр. 8270

إله، كما يدعى لنفسه بين المصريين، ويقول مستخفا لهم (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ووصف ذاته العلية بقوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، أي القوي الغالب على كل شيء، الحكيم الذي يدبر الوجود كله على مقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء علما، وفي ذلك إشعار بأن فرعون الطاغية لن يرهبه، ولن يفزعه، إذا احتدم الأمر. ولكن موسى يود أن يطمئن إلى أن اللَّه تعالى هو الذي يخاطبه ويمنحه ذلك الشرف، ولذا أمره بأن يلقى عصاه حجة تدل على أن اللَّه تعالى هو الذي يخاطبه، فقال:

стр. 8271

(وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) كان موسى في حال من يكون في حيرة من أمره، يخاطبه اللَّه، فاللَّه ﷻ أزال عنه هذه الخشية، بدليل قاطع يدل على أن اللَّه تعالى يخاطبه، وأنه رسول من عنده، بالعصا - ألقاها، فتحولت العصا إلى شيء يهتز ويضطرِب كأنه حية تسعى، والجان هنا حية تهتز وتتحرك، فلما رآها كذلك (وَلَّى مُدْبِرًا)، أي سائرا إلى الخلف، وظهره كأنه وجهه ولم يعقب، أي لم يرجع، كالجندي الذي يقاتل يرتد إلى الوراء ليحسن الهجوم، فيعقب على خصمه يضربه، ولكن رجوع موسى ﵇ كان رجوع الخائف الفزع الوجل، ليس من شأنه أن يقدم بعد إحجامه، بل يحجم لغير غاية، ولذا قال تعالى عالما بخوفه: (لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) أمره سبحانه بألا يخاف تأنيا له وتقريبا، وبيانا له بأنه كالئه وحاميه، ولا يخاف من اللَّه ناصره، وقال تعالى ما هو بمنزلة السبب للنهي (إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) إني لَا يمكن أن يخاف عندي المرسلون؛ لأني مانع كل شر عنهم، ولا يمكن أن ينالهم عندي إلا الأمان الذي لَا يكون بعده أمان، فكيف تخاف، وأنت في حضرة المولى ﷻ ، ثم فوق ذلك أنت مرسل من قبلي للدعوة إلى الهداية، وكيف يخاف مرسل أرسله مع المرسلين.

стр. 8272

ولكن موسى ﵇ كان قد قتل مصريا مناصرة لإسرائيلي، وقال شاعرا بخطئه: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكونَ ظَهِيرًا لِّلْمجْرِمِين)، وإن هذه الفعلة هي التي ألجأته إلى مدين، بين اللَّه تعالى أنه غافرها، ما دام قد عمل حسنا بعدها، فقال:

стр. 8273

(إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) الاستثناء هنا استثناء منقطع، فما كان ثمة في الآية السابقة رمي بسوء حتى يكون الاستثناء، فيتعين أن يكون منقطعا بمعنى لكن من ظلم، بقتله نفسا بغير حق، ولكن كانت ظالمة عاتية، ثم تاب عما ارتكب، ولم يكتف بالتوبة المجردة، بل اتجه إلى الخير مستقيما مدركا، وبدل حسنا بعد سوء، أي وضع في تصرفاته مكان السوء حسنا فإن اللَّه يغفر له لأنه غفور من شأنه المغفرة الدائمة لمن تاب، رحيم دائم الرحمة بأناس ومن شأن الرحيم أن يتقدم عباده لعباده بفعل الخير رحمة بالناس لكي يسود الخير بينهم. والفاء في قوله تعالى: (فَإِنِّي غَفورٌ) واقعة في جواب مَنْ؛ لأنها شرط أو في معنى الشرط، و (ثم) للتراخي، لأنه ثمة تراخ بين الظلم والغفران. وذكر سبحانه معجزة أخرى لموسى ْ

стр. 8274

(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) هذه آية أخرى ليأنس موسى ربه، وأنه الذي خاطبه، وأنه رسول من رب العالمين إلى الناس، وهي أن يدخل يده في جيب قميصه بلونها الطبيعي الظاهر، المتوافق مع سائر جسمه، ويخرجها من الجيب فيراها بيضاء ناصعة البياض من غير سوء من بهق أو نحوه، وتلك آية أخرى هي واحدة من تسع آيات إلى فرعون وقومه، ثم ذكر ما يدل على العناية بهم في الاستدلال بتسع، إنهم كانوا قوما فاسقين، و (كانوا) تدل على استمرارهم في التوغل في الفسق، وهو الخروج عن كل معقول، ورفض كل مقبول، وأنهم قوم لَا يفقهون حديثا.

стр. 8275

وفى ذكر هذه الآيات عند بعثه إلى فرعون وقومه دلالة على أنه يذهب إليه مزودا بآيات تترى آية بعد آية وكل آية حجة عليهم، ودليل قاطع، ولكنهم أصروا على كفرهم حتى أغرقوا. (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)

стр. 8276

الفاء: للإفصاح، أي أنهم لما جاءت الآيات التسع مبصرة موضحة مبينة كأنها الأبصار التي تبصر، وهي ذاتها بصائر بينة واضحة، قالوا هذا سحر مبين، ومبين معناها واضح بين، وذلك لقصر مداركهم، وقد كانوا يظنون العصا سحرا، وجمع السحرة في المدائن حاشرين، وأيقنوا أنها آية اللَّه وليست بسحر، ثم كان اختبارهم بالقمل والضفادع، والدم آيات مفصلات، فهل كانت سحرا، لعلهم لغلبة الأوهام عليهم، ولعدم إيمانهم ولعدم إدراكهم الفرق بين الحق والباطل قالوا أيضا: إنها سحر، فقد كان غالبا على تفكيرهم، ويعدون السحرة علماء لهم. وهم في هذا الادعاء كانوا ضالين يدركون الحقائق، وتذعن أفهام لها، ولكنهم يجحدونها، وهي بينة واضحة يذعن لها أهل الحق، ولذا قال تعالى في حالهم

стр. 8277

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ... (١٤) والجحود نفي ما يثبت في العقل، وإثبات ما ينفي في العقل، فهؤلاء يجحدون الحق بعقولهم وأقوالهم، ولكن نفوسهم مستيقنة لأنها لَا سبيل لها لأن تنكر وتجحد، فهم بتوارد الأدلة المختلفة، وتكاثرها؛ ولأن نفوسهم فطرية يستيقنون ويذعنون ولكن يعارضهم جو عام وبيء، فنفوسهم مستيقنة بالحق، وتذعن له لولا مقاومة التيارات الفاسدة التي تدفعهم إلى الجحود دفعا. وقد بين ذلك مشيرا إليه بأنه الظلم، فقال: (ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، وهما مفعول لأجله، من فعل (وجحدوا)، أي جحدوا وأنكروا، وخالفوا نفوسهم، وفطرتهم، لأجل الظلم، أي استمرارهم في الظلم والطغيان، ومعاضدتهم لفرعون في ظلمه وعدوانه وإرادتهم العلو في الأرض، وقد أدى ذلك

стр. 8278

الطغيان الآثم، والعلو الباطل إلى فساد الأرض، وإلى غرضهم، ولذا قال تعالى (فَانظُرْ كيْفَ كانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِين)؛ أي انظر كيف كان مآل الفساد، وهو الخراب والغرق، والفساد كان في الظلم، وإرادة العلو بالباطل، إنه لَا يفسد الجماعات إلا الظلم أولا، والتعالي بالباطل ثانيا، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهو الغرق والهلاك، وهو عاقبة الجحود الظالم المستعلي المفسد. * * * من قصة سليمان قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ

стр. 8279

أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)

стр. 8280

فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) * * * أتينا بما ذكر القرآن الكريم من قصة سليمان في سورة النمل، وقد ذكرناها كلها جملة واحدة، وقد ذكر سبحانه قصة سليمان وأشار إلى قصة أبيه داوود ﵉، وكانا ملكين قد أعطاهما اللَّه تعالى سلطانا وعلما، ليعلم ما يجب أن يكون عليه الحكام من أخلاق، قال تعالى:

стр. 8281

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) الواو لاستئناف قصة نبيين من الأنبياء امتازا بتمكين اللَّه تعالى لهما في الأرض بما لم يكن مثله لأحد من الأنبياء قبلهما، فقد كان إبراهيم وأبناؤه من الأنبياء يقاومون الملوك الظالمين، وقد رأينا فيما قصه اللَّه تعالى علينا من قصة موسى كيف كان يقاوم فرعون، وأتاه بتسع آيات بينات فما ارتدع وآمن، حتى أغرقه الله، فقال عند الغرق الآن آمنت برب هارون وموسى وبني إسرائيل، وليست هذه توبة (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨). أما داوود وسليمان فقد كانا ملكين، وإذا كانت الملوك الذين بعثا فيهم الأنبياء صورة للعصاة المنحرفين عن الحق فقد كان داوود وسليمان صورة عالية للملك الذي يخاطبه الوحي ويهديه ويرشده، كما قال تعالى لداوود: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا) أكد اللَّه سبحانه أنه أعطى داوود وابنه سليمان علما، باللام وبـ قد فإنها تدل على التحقيق، ونكَر سبحانه (عِلْمًا) للإشارة إلى أنه علم عظيم لَا يقدر قدره، فقد أعطى داوود علم القيادة، وعلم إدارة الدولة، وعلم صناعة أدوات كما قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ)، وأعطى سليمان علم منطق الطير، كما ستشير الآيات لذلك، وعلم الابن ثمرته تعود على الأب، فهو شخصه ممتد، وكسبه كَسْبٌ له كما هو مقرر بحكمِ الفطرة، ولذلك حمدا اللَّه على ما آتاهما من فضله: (وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) وكان التفضيل أولا بالعلم، وثانيا بالسلطان والحكم، وهذا يستوجب الحمد والشكر لَا الظلم والطغيان، ونقول إن اللَّه أعطاهما الذي أعطاه، وهو نعمة، وتكليف، فالمؤمن يحسب النعمة تكليفا، والتكليف بالنسبة للحكام العدل، وقد قص سبحانه وتعالى

стр. 8282

قصص سليمان الذي ورث ملك داوود بالموارثة الملكية فقال:

стр. 8283

(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) ذكر اللَّه تعالى وراثة سليمان لأبيه في ملكه، فقد ورث هذا السلطان، ولم يرث الرعية، فالرعية لَا تورث ولا يمكن أن تورث، وهذا خطأ بعض الذين تولوا الملك بالوراثة، فحسبوا أن الرعية شيء يورث، إنما الذي يورث هو الحكم ولا يكون إلا بوراثة يقرها الشرع، كوراثة سليمان لداوود، وقد أباحها الحكم الرباني ليجتمع شمل بني إسرائيل أمام من ظلموهم، وأرهقوهم من أمرهم عسرا. أخذ سليمان يبين لقومه ما أعطاه اللَّه تعالى من مؤهلات الحكم، وما اختصه فقال: (يَا أَيُّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ)، أي علم لغة الطير، وعرف ما تدل عليه أصواتها من معان تقصدها وتريدها، وذلك يدل على مقدار تمكين اللَّه تعالى له في ملكه وفي سلطانه عليهم، وأن الطير والدواب أمم أمثالنا لها لغة ولها منطق وعبارات مفهومة، كما قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨). وقد ذكر الضمير ضمير الجمع لبيان مكانته من السلطان، وما أعطاه اللَّه من قوة، وذكر أنه لم يؤته اللَّه تعالى منطق الطير فقط، بل آتاه من كل شيء ولذا قال اللَّه تعالى عنه: (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) أي من كل شيء علما، فعلمنا منطق النمل، ومنطق الأحياء كلها، وأوتينا علم القيادة، وعلم الحكم العادل، والضمير ضمير الجمع لبيان سيطرة السلطان العادل، وقيل الضمير له ولأبيه، ولكن لم يرد في القرآن ما يدل على معرفة داوود منطق الطير، والنمل، وغيرهما من الأحياء، واللَّه ذو الفضل العظيم، ولذا قال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) أي أن هذا العلم لهو الفضل الواضح المبين للحق والسلطان، وقد أكد سبحانه فضل اللَّه تعالى عليه، وعلى أبيه من قبله بـ أن، وباللام، وبضمير الفصل. جمع سليمان جنده، وقال تعالى في هذا الجمع:

стр. 8284

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حشر: أي جمع لسليمان جنوده، ولم يكونوا من الإنس فقط، بل كانوا من الجن والإنس، والجن هم من العالم الذي لَا يرى في الظاهر، ولا غرابة في ذلك فإن الذي علمه منطق الطير، يمده بالجن والإنس، وقد يقال: إن المراد بالجن طوائف من الناس ليسوا في أرضه، ولكنهم جاءوا إليه مناصرين له، فهم يوزعون، الفاء: للإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر، أي إذا اجتمعوا فهم لم يكونوا مفرقين غير محكومين ولا مضبوطين، بل كانوا مدفوعين، إلى التجمع المنظم طوائف، بل كانوا متحرفين للقتال: جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في كلمة وزع: قال وزعته عن كذا كففته عنه قال تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ) إلى قوله تعالى: (فَهُمْ يُوزَعُونَ) فقوله (يُوزَعُونَ) إشارة إلى أنهم مع كثرتهم وتفاوتهم لم يكونوا مهملين، ومبعدين، كما يكون الجيش الكثير المتأذى بمعرفتهم، بل كانوا مسومين ومقموعين، وقيل في قوله يوزعون أي حبس أولهم على آخرهم. والمعنى الجملي لهذا أن هذا الجيش الذي جمع القريب والبعيد والمؤتلف والمختلف قد كان مسوسا، ملسِّما بقيادة حكيم، وقد سار الجيش سيرا حثيثا، وأحس به النمل، فتكلم ليرتب أمره، فقال تعالى عنهما.

стр. 8285

(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) أتوا: بمعنى أقبلوا على وادي النمل، ولذا كان التعدي بـ على، وقالوا إنه واد بالشام، ونقول: إن كل أرضي فيها النمل، ويتخذ له مكانا يقيم فيه، ويكون كالوادي له، وحطم معناها كسر، ومعنى (لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وجُنُودُهُ)، أي ليسير من فوقكم، فيحطم عظامكم، وقد أكدت النملة القول بما يشبه القسم، ولذا كانت اللام وكانت نون التوكيد الثقيلة، وأسندت الحطم أولا لسليمان باعتباره قائد

стр. 8286

الجند، والجند جنده، فهو الذي يسند إليه الحطم أولا وبالذات، ولغيره بالتبع، وهم لَا يشعرون بما يمرون عليهم من نمل. سمع سليمان كلامها:

стр. 8287

(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ... (١٩) و (ضَاحِكًا) حال مؤكدة لمعنى القسم، وهو يتضمن معنى التعجب من حرصها واهتدائها إلى النتيجة لمرور الجيش عليها، وعلى صواحبها، وإن ذلك دفعه لأن يتجه إلى ربه الذي أعطاه وأباه ما أعطى فقال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ). لم يغتر، ولم يفخر، ولم يفاخر، بل عرف حق النعمة واتجه إلى شكرها، ودعا ربه ثلاثا. أولا: ضرع إلى ربه أن يدفعه، فقال أوزعني أي ادفعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها على، وعلى والديَّ، فإن هذه نعمة تحتاج إلى الالتجاء إليك لأتمكن من شكرها، وهي عليَّ، وعلى والديَّ فقد كان نبيا آتيته ما آتيت ولده سليمان، فكان ما أنا فيه نعمة عليَّ وعليه. ثانيا: دعا ربه أن يوفقه للخير فقال: (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)، أي أن أعمل عملا هو صالح في ذاته وأن ترضاه بأن يكون خاليا من كل غرض غير رضاك سبحانك، إنك أنت المعطي، والمانع. ثالثا: أن يكون في ضمن عباد الله الصالحين، فقال: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)، أي أن الدخول في الصالحين من عباده سبحانه هو برحمته سبحانه، لَا بعمل قدمه، فكل عمل هو من فضله، وكل جزاء هو من رحمته. رأى من النملة ما رأى، وكان بعد ذلك الطير. (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) يظهر أنه كان عند طائفة من الطير يتعهدها، ويسألها عن مآل أمرها،

стр. 8288

فتفقدها بتعرف حالها، فلم يجد من بينها الهدهد وسأل عنه، وهذا قوله تعالى عنه:

стр. 8289

(وَتَفَقَّدَ الطيْرَ) أي تعهدها، وتعرفها وتعرف حالها، فلم يجد الهدهد، فقال متعجبا (مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ)، وكان حفيا يأن يعرف، ويسأل ما لي لَا أرى الهدهد أهو غائب عن عيني متخف بين إخواته من الطير (أَمْ كانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) بأن كان غائبا عن جماعة الطير التي كانت في حوزته، وتحت قبضته، وإن له عقابا،

стр. 8290

(لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأتِيَنِّي بِسُلْطَان مُّبِينٍ) فـ (أو) لبيان تنوع المعاملة بتنوع الحال مثل قوله تعالى لذي القرنين، (إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، فإذا كان قد غاب مستهينا مستهترا فإني أعذبه عذابا شديدا، وإن كان متمردا فإني أذبحه، وأكد العذاب والتذبيح بما يشبه القسم وباللام وبنون التوكيد الثقيلة، وإن كان غائبا لحاجة، فليأتيني بسلطان مبين أي بحجة بينة مبينة لأمر جديد. والفاء في قوله تعالى: (فَقَالَ) هي فاء الإفصاح، أي إذ تعهد الطير لم يجد الهدهد وإذ لم يجده فقال: ولكن الهدهد كان ماكثا في مكان غير بعيد. (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)

стр. 8291

(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ)، الفاء: عاطفة ما بعدها على ما قبلها، أي فمكث غير بعيد أو زمانا غير بعيد، أي لم يقض وقتا طويلا مديدا في مكثه، بل جاء فور التهديد الذي هدد به نبي اللَّه سليمان ﵇، وجاء إليه يقول له: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) أي علمت علم إحاطة ومعاينة، لأمر لم تحط به، ولم تعلم به علم معاينة، وهكذا كان حظ الطير الضعيف أن يخاطب العظيم الذي أوتي كل شيء بالحرية وبالحق، ليعلم الحكام الجهلة، أن من واجبهم أن يواجهوا الحاكم بكل ما يعلمون وفيه مصلحة الدولة، وأن عليهم أن يتقبلوا شديد القول كما يتقبلون لينه (جِئْتكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ).

стр. 8292

النبأ: هو الخبر العظيم الشأن البعيد الأثر، وهو يقين في علمه، إذ علمه عن عيان ومشاهدة، وحضور، والنبأ الخطير الشأن العظيم، هو أنه وجد امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء، أي أن قومها آتوها من كل أسباب الحكم بالخضوع والطاعة، والاستسلام ما جعلها ملكة عليهم، ولها في هذا الملك عرش عظيم ذو أبهة ورونق، وإشعار بعظم السلطان، وهذا قوله تعالى في كلام الهدهد

стр. 8293

(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وقد أكد كلامه باللام وقد، وقال إنها تملكهم للإشارة إلى أن خضوعهم لها كخضوع العبيد لمن يملكهم، وبني للمجهول إيتاؤها كل شيء، وهذا يفيد أن قومها آتوها أمرهم، ووضعوا رقابهم تحت سلطانها. وسبأ من خير أرض اللَّه تعالى وأمكنها بخيراته، وقد قال تعالى فيها وفيهم: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)، ويقول الحافظ ابن كثير: وسبأ هم حمير وفيهم ملوك اليمن والمرأة التي كانت تحكمهم. هي بلقيس بنت شرحبيل وكانت ملكة لسبأ. وقال الهدهد الخبير الصادق الأمين: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)

стр. 8294

كان في هذا العصر أقوام عظموا الشمس لما فيها من دفء، ومن أشعة تحيي زرعهم، ولذلك شاعت عبادة الشمس في أهل مصر، لأنهم أهل زرع، وفي سبأ؛ لأنهم أيضا أهل زرع وأهل حدائق غلب، فشاعت فيهم عبادة الشمس ضلالا

стр. 8295

لعقولهم، وفسادا لتفكيرهم، واستجابة لدعاة السوء بينهم، وفعلوا هذه العبادة من دون اللَّه، أي إنهم عبدوها دون أن يعبدوا خالقها الذي خلقها، وخلق كل ما يكون مما جعلها اللَّه تعالى سببا لنمائه، وهو وحده الخلاق العليم. وذلك لاستيلاء الشيطان على قلوبهم، ولذا قال عز من قائل: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ). إنه من الحقائق النفسية الثابتة أن أول الشر استحسانه، فالشيطان يزين أعمال السوء للفاعل ويحسنها له، ويظن أنها الخير وحدها، وأن ما عداها باطل، وفرق بين المهتدي وغير المهتدي، أن من هداه اللَّه يميز الخبيث من الطيب، فلا يتردى في باطل، وإن تردى فيه سرعان ما يعود إلى الحق، ولا يقبل وسوسة الشيطان بالشر، وليس قلبه موضع لتزيينه، ثم قال (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)، أي أنهم بسبب تزيين الشيطان لهم قد مكنوه من أنفسهم، فصدهم عن السبيل، أي لعلهم يعرضون عن الطريق المستقيم في ابتدائه، ومن ضل في أول الطريق سار في ضلال إلى آخره، ولذا قال مرتبا على ذلك: فهم لَا يهتدون، أي فهم يسيرون في ضلال غير مهتدين إلى الحق إلى النهاية، حتى يكون الحساب والعقاب: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) يصح أن نقول إن قوله تعالى:

стр. 8296

(أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) حرف جر محذوف، وحذفه كثير قبل أن وما بعدها. والمعنى كان ذلك التزيين والصد وعدم الاهتداء في ذاته لأن لَا يهتدوا إلى عبادة الخالق الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض. ويصح أن نقول: إنه متعلق بـ (زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) أي أنه حسن ذلك في قلوبهم ليصرفهم عن السبيل، ويكون التركيب هكذا زين لهم ألا يهتدوا إلى عبادة اللَّه تعالى الذي يخرج الخبء. . إلى آخره.

стр. 8297

و (الخبء) ما ستره اللَّه تعالى حتى يخرجه للناس، فخبء السماوات مطرها، حتى يحين حينه، ويدرك إبانه، وكل شيء عند ربك بمقدار. . عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. وصف اللَّه تعالى المعبود بحق بثلاث صفات هي أعلى الصفات لواجب الوجود، وكل صفاته عليا. الصفة الأولى: أنه هو الذي يخرج خبء السماوات بالمطر الذي ينبت الزرع والنخيل والأعناب، ويخرج به خبء الأرض، بفلق الحب والنوى، وإخراج المتراكب الذي يكون به غذاء الأحياء. الصفة الثانية: أنه يعلم ما يسر وما يعلن الإنسان، فهو عليم بحاله في حركاته وسكناته، وما يفعل من خير وشر، ومجازيه على كل ما يفعل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفيها تبشير بالجزاء، وإنذار بالعقاب. الصفة الثالثة: أنه لَا إله إلا هو، فهو وحده المتصف بصفات الكمال التي توجب عبادته، وهو صاحب السلطان رب العرش العظيم. . صاحب السلطان الكامل في هذا الوجود. سمع سليمان الملك العظيم الذي آتاه اللَّه تعالى علم منطق الطير والنمل، وسائر الأحياء كما يبدو من عظم حكمه، وتكميل اللَّه تعالى لسلطانه، فلم يحكم بمجرد السماع، بل قال كما حكى اللَّه تعالى عنه:

стр. 8298

(قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) كان سليمان ملكا حكيما لا يجعل علمه قيما يقضى فيه من سمعه فقط، فإن ذلك أضل الملوك، وهو الذي يوصف بأنه أُذُنٌ فتكون الحاشية وليه الذي يسيطر عليه، ولذا قال للهدهد: سننظر أي أننا نؤكد أننا سننظر في حقيقة ما جئت به إلينا، أصدقت أم كنت من الكاذبين. الاستفهام فيه إيماء إلى تغليب

стр. 8299

الكذب؛ لأنه في معادلة الكذب تكلم بما يوهم أنه ربما يكون كاذبا، فقال (أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين)، فقد ذكر احتمال الكذب بما يفيد قربه، فأكده بالوصف بالكذب، وبـ كان الدالة على الدوام، وبكونه أن يكون من صفوف الكاذبين. وانتقل نبي الله الملك، إلى مقام التيقن فقال له:

стр. 8300

(اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) كما كان الهدهد هو المخبر بحالهم جعله حاملا رسالته إليهم قال له: (اذْهَب بِكتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ) والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقدير القول فيه، فَأَلْقِهْ موصلا له إليهم. ولم يتعرض القرآن لبيان طريق توصيل كتاب سليمان إليهم، وقد قيل إنه أوصله من الكوة التي تشرق عليها الشمس منها لتعبدها فيها، وقيل: إنه جاء إلى جمعهم، وألقى الكتاب المختوم بخادم الملك لسليمان، فألقاه عليهم وهم يجتمعون، واللَّه تعالى وحده العليم كيف أوصل إليهم الكتاب، ولا نتعرض لبيانه، لأنه لو لم يعلمنا به اللَّه فحق علينا التوقف، كما قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ)، ثم قال تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) العطف بـ (ثم) في موضعه، أي ألقه متأكدا، وصوله إليهم، وبعد تأكد ذلك تول عنهم وانصرف غير بعيد لتكون مترقبا ماذا يرجعون، أي ماذا يرجعون أو يردون ذلك الخطاب، والواقع أنهم لَا يرجعون الكتاب، إنما يرجعون ما تضمنه الكتاب من دعوة لعبادة اللَّه وحده، والاستسلام لسليمان والخضوع لحكمه كما يبين مضمون هذا الكتاب عند استفتاء قومها. وصل إليها الكتاب، فعرضته على قومها:
следующие страницы →