← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 8366–8373 · переход к 8371.

стр. 8366

(لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) هذه الآية تدل على أن المشركين في مكة كانت عندهم بقايا من الديانات، وخصوصا ملة إبراهيم، ولكن نفوسهم مرنت على الإنكار واستمرأت الجحود، واستغرقتهم المادة، فلا يؤمنون إلا بما يوائمها ويوافقها، وذلك بقولهم (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ)، أي قبل أن يجيء محمد، وأكد الوعد باللام، وبـ قد، وينتقلون من الإنكار المطلق إلى ادعاء كذب هذا الوعد، وكان من أبيهم مكان شرفهم الذي يعتزون، به ويقولون (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (إنْ) نافية، والمعنى ما هذا إلا أساطير الأولين اكتتبها، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. وهكذا يشتطون في القول حتى ليصلوا إلى اتهام إبراهيم مناط شرفهم وعزتهم بأنه يأتي بأساطير. بقي أن يذكرهم سبحانه بما نزل بمن كانوا على إنكارهم فقال عز من قائل:

стр. 8367

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) الأمر للنبي ﷺ ، وهو أمر للتذكير بالعذاب الذي نزل بإخوانهم، وقريب منهم آثار عاد وثمود وأصحاب الأيكة، وقوم لوط وغيرهم.

стр. 8368

والسير في أراضي هؤلاء للاعتبار والعظة، والعلم بما أنزله اللَّه تعالى بهم، ولذا قال تعالى: (فَانظُرُوا) نظرات عظة واعتبار ومعرفة بأنه سينزل بهم مثل ما نزل بهؤلاء لأنه إذا تساوت الأسباب فالنتيجة واحدة. وقوله (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)، الفاء: عاطفة للترتيب والتعقيب أي أن نتيجة السير أن تنظر نظرات اعتبار إلى عاقبة المجرمين، وما آل إليه أمرهم بعد أن طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وعبر بالمجرمين لبيان آثار إجرامهم في الأرض ونهايته، ولبيان أن المؤمنين مهما يكونون ضعفاء لَا يمكن أن يكونوا مجرمين.

стр. 8369

(وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) إذا كانوا يسيرون في الأرض ليريهم عاقبة المجرمين فذلك إعلام لهم بأنهم مثلهم وسينزل بهم مثل ما نزل بغيرهم، ولأنهم ضالون مثلهم، ولا شك أن ذلك يحزن النبي ﷺ كما قال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)؛ ولذا نهى النبي ﷺ ، إذ هم قومه وعشراؤه، إذ قال تعالى: (ولا تحزن عليهم) قيل أي لَا تحزن، على كونهم، وإني أرى أن الحزن عليهم هم لأنهم قومه، وقد قال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨). (وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) الضيق الحرج الشديد، ومما يمكرون أي يدبر التدبير الخبيث من إيذاء المؤمنين والاستهزاء بالنبي ﷺ ، وتدبير المكائد من مثل مقاطعتهم للنبي ﷺ ، وعزل المؤمنين الموالين لمحمد صلى اللَّه تعالى عليه وسلم في شِعْب قريش ونحو ذلك، وهذا كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. .). إن اللَّه عاصمك مهما تمالئوا عليك. (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١)

стр. 8370

الضمير يعود إلى الكفار وهو يدل على تعنتهم، وإعناتهم لأنفسهم، ويتحدون اللَّه ورسوله، أن ينزلوا بهم ما وعدهم من عذاب ويستفهمون قائلين، متى هذا الوعد؛ والاستفهام لَا يخلو من استنكار وتهكم على الوعد، إن كنتم صادقين في إيعادكم، وشككوا في صدقهم ولذا كان التعليق بـ إن التي لَا تدل على تحقق الشرط، وإن النبي ﷺ يرجو الإيمان من أصلابهم، ومن غير العقول أن ينزل اللَّه بهم عذابا دنيويا ساحقا، والنبي بينهم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنتَ فِيهِمْ. .). وقد ذكر سبحانه أنه سينالهم عذاب شديد، ليس من قبيل السحق والإبادة، بل يكون من قبيل المنازلة، ولذا قال سبحانه:

стр. 8371

(قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) أي قل لهم يا محمد: لَا تستعجلوا العذاب، وعسى أن يكون ردف لكم، أي دنا منكم، وصار ردفا لكم قريبا منكم بعض الذي تسعجلون. وذكر بعض الذي يستعجلونه دون العذاب الساحق الماحق، كما كان لعاد وثمود وأصحاب الأيكة؛ لأن اللَّه تعالى يتولى تأديبهم في الحياة الدنيا، بالغزوات المؤدبة لهم كغزوة بدر، والخندق، والحديبية وفتح مكة، لأنه سبحانه يريد أن يجعل من ذريتهم من يعبد اللَّه ويجاهد في سبيله كما كان خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما. والتعبير بـ عسى، ولعل، ونحو ذلك من العبارات يراد به توكيد الوقوع كما تجري عبارات الرؤساء والأقوياء، وأهل السلطان، وقد بين سبحانه أن نزول بعض ما تستعجلون من فضله ورحمته، فقال:

стр. 8372

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) أي أن نزول بعض ما يستعجلون هو من فضل اللَّه على الناس من المشركين من أهل مكة، ورحمة بهم ليكون في لاحقهم إن تعذر أن يكون في بعض حاضرهم، ولكن أكثر الناس لَا يشكرون تلك النعمة المزجاة إليهم، ولا يعرفون حقها، واللَّه من ورائهم محيط (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)

стр. 8373

أكد سبحانه علم الله وفضله في هذه الآية الكريمة كما أكد فضله في الآية السابقة بـ إن وبالتعبير بربك القائم عليك بفضل الربوبية واللام فيها، فإنها تؤكد موضعها فضل توكيد. (مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ) هو ما أكنوه من أسرار يخفونها ولا يبدونها، ومن تدبر وفكر، واتجاه إلى المكر السيئ، (وَمَا يُعْلِنُونَ) من عداوة صريحة واستهزاء بالمؤمنين، وصد عن سبيل الله وهذا تهديد لهم بأن الله تعالى محاسبهم عليه، وإن ربك بالمرصاد لهم. * * *