وفي كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١): " [ولم يقل في الإسلام إلا بيتًا واحدًا. واختُلِف في البيت، قال أبو اليقظان: هو ... " وذكر البيت السابق، ثم قال: "وقال غيره: بل هو قوله:
ما عاتَبَ المرءَ الكريمَ كنفسِه ... والمرءُ يُصلِحُه الجليسُ الصالحُ
وقال له عمر بن الخطاب ﵁: أنشدْني (من شعرك) فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعرًا بعد إذ علّمني الله (سورة) البقرة وآل عمران ... ] ".
وهَبْ أن نسبة هذا البيت: "إلى الحول ... " إلخ صحت إلى لبيد، أو إلى غيره ممن يحتج بكلامه، فقد حمله ابن جرير على أن قوله: "السلام" أراد به الاسم المعروف من أسماء الله ، ثم يقول: إما أن يكون أراد: ثم عليكما اسم السلام، أي: ثم الزما اسم الله. يريد: الزما ذكر اسم الله، ودعا ذكري. وإما أن يكون أراد التبريك عليهما، أي: ثم بركة اسم الله عليكما (٢).
وأقول: لو فرضنا أنه لم يكن له وجه إلا ما حملوه عليه من الزيادة، فهو شذوذ وضرورة، فلا يجوز حمل كلام الله عليه.
وهب أن ذلك صحيح فصيح غير ضرورة، فلا شك أنه خلاف الأصل.
وقد ذكرنا الأمثلة التي ذكروها من الكتاب والسنة، وظهر أنه لا حاجة
بها إلى الحمل على هذا. والله أعلم.
стр. 37
[٤٧/أ] الفصل الرابع
لفظ "الله "
هذا اللفظ اسم لربنا ، وهو عَلَم، وقد اختلفوا في علميته: أبالوضع، أم بالغلبة التقديرية؟ وفي كونه مشتقًّا أم لا، وعلى الاشتقاق، فمن أي مادة؟
ولا أرى ضرورةً هنا إلى تفصيل ذلك، فإنه لا يتوقف عليه معرفة المعنى.
وظاهر أن المراد من هذا اللفظ بالتسمية مدلوله، فمعنى: "باسم الله": باسم رب العالمين ﵎.
وزعم بعضهم أنه يحتمل أن يكون المراد به لفظه، وتكون الإضافة بيانية، أي: باسمٍ هو هذا اللفظ: "الله". وليس هذا القول بشيء.
نعم، مدلول "اسم الله" إما لفظ "الله"، لأنه هو اسم الله؛ وإما جميع أسماء الله ، لأن المفرد المضاف قد يعمُّ، تقول (١): ابن آدم ضعيف. أي: كل أحد من بني آدم. وستعلم المختار من هذين في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.
стр. 38
الفصل الخامس
معنى "باسم الله "
قد عرفت أن المنصور عند المتأخرين في الباء قولان:
أحدهما: أنها للاستعانة.
والآخر: أنها للمصاحبة.
فأما على الاستعانة، فقالوا في تسمية الآكل مثلًا: إن التقدير: باسم الله آكل، وإنها على وزان: "بالقلم أكتب". فاسم الله بمنزلة القلم، أي أنه يتوقف وجود الأكل عليه، كما يتوقف وجود الكتابة على القلم.
قالوا: والمتوقف في الحقيقة هو سلامة الأكل عن النقصان، على ما في الحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم" (١). ومعنى "أجذم": ناقص البركة، ولكن نُزِّل الأجذمُ منزلةَ المعدوم، فأقيم توقف سلامة الفعل من النقصان مقام توقف وجوده.
وفيه: أن إفادة السلامة ليس (٢) هي أثرًا من آثار الاسم من حيث هو، بل هي أثر بركة يجعلها الله لذاكره إذا شاء.
стр. 39
فإن قيل: وكذلك الكتابة ليست أثرًا للقلم من حيث هو، وإنما توجد بأخذه باليد وغمسه في المداد، ثم إمراره على الكاغد مثلًا على الوجه المخصوص، فكما لا يقدح هذا هناك، فلا يقدح ما ذكرتم هنا.
قلنا: الفرق واضح، وهو أن الفعل في "كتبت بالقلم" ينبئ عن بقية الأمور، بخلاف الفعل في قوله: "باسم الله آكل".
ولو سلم ما ذكرتم لم يغن عن الاحتياج إلى توضيح المعنى، فإن المعنى في قولك: "كتبت بالقلم" واضح، ولا كذلك في "باسم الله آكل". فلا بد لتوضيح المعنى من أن يقال: أصل الكلام: ببركة ذكر اسم الله التي أرجو أن يمنَّ الله عليَّ بها أدفع النقصان عن أكلي.
وأما على المصاحبة، فقد عرفت قولهم: "إن باء المصاحبة هي التي يصلح موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال".
فيقال في "باسم الله آكل": مع اسم الله آكل، ومسمِّيًا اللهَ آكل. ولكن لما كانت التسمية تطلق على وضع الاسم، وعلى ذكره، والمقصود هنا الثاني، كان الواضح أن يقال في تقدير الحال: ذاكرًا اسم الله آكل.
وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١]: "الباء للملابسة، والملابسة هي المصاحبة، ولما كانت ملابسة اسم الله عز اسمه بذكره، قالوا: المعنى: اركبوا مسمِّين الله" (١).
لكن يتراءى هنا فرق ما بين قولنا: "مع اسم اللهَ آكل"، وقولنا: "مسمِّيًا الله آكل" , أو "ذاكرًا اسم الله آكل". وقد يوفَّق بينهما بأن المراد بمعية اسم الله
стр. 40
معيَّةُ ذكره، كما تقدم عنهم، فالمعنى: "مع ذكر اسم الله آكل".
لكنهم عدلوا عن هذا، وقالوا: المعنى: "مع اسم الله آكل"، أو "مصاحبًا اسمَ الله آكل". فيقال لهم: وما معنى معية اسم الله ومصاحبته؟
فإن قالوا: بذكره، كما قالوه في ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١] فقد عاد الأمر إلى: "مع ذكر اسم الله"، أو "ذاكرًا اسم الله". وهو الموافق لقولهم في باء المصاحبة: يغني عنها وعن مصحوبها الحال.
وإن قالوا: معية بركته ومصاحبتها.
قلنا: إن أردتم البركة الموعود بها في حديث: "كل أمر ذي بال ... " ونحوه، فهي بركة يجعلها الله تعالى إذا شاء لمن ذكر اسمه.
وعلى هذا، فينبغي أن يتركوا التقدير على أصله: ذاكرًا اسم الله آكل، [٤٧/ب] ويقولوا: المعنى: ذاكرًا اسمَ الله رجاءَ البركة الموعود بها. أو يقولوا: المعنى: مستصحبًا بركة ذكر اسم الله آكل، ومعنى "مستصحبًا": سائلًا الصحبة، فكأنه يقول: سائلًا الله تعالى أن تصحبني بركة ذكر اسمه.
وقد قدَّر ابن عبد السلام التسمية بقوله: "أتبرك بذكر اسم الله" (١)، وهو يلاقي ما ذكرنا.
وزعم ابن جرير أن الاسم هنا بمعنى التسمية، وأن المعنى: أقرأ بتسمية الله (٢). وقد عرفت أن المراد من التسمية ذكر الاسم، فيصير التقدير: أقرأ
стр. 41
بذكر اسم الله، وهو يقارب ما ذكرنا. وزعم أن ذلك معنى ما رواه عن ابن عباس (١)، والمقصود هنا: إنما هو الموافقة على تقدير "ذكر".
وإن أردتم بركة اسم الله مطلقًا، وقلتم: إنَّ لأسماء الله بركةً يمنُّ اللهُ بها على من يشاء، ممن ذكر الأسماء اسمًا اسمًا، وممن لم يذكرها، فيصح أن يقول الداعي: اللهم أصحِبْني بركةَ أسمائك.
قلنا: هذا يحتاج إلى إثبات من الشريعة، والذي نعرفه أن بركة أسماء الله إنما يُتوسَّلُ إلى حصولها بذكر الأسماء على الوجه المشروع. فإن ثبت ما قلتم، بقي التقدير على هذا المعنى: "مستصحِبًا بركةَ اسم الله"، أي سائلًا الله أن يصحبني بركة أسمائه.
ثم نقول لهم: ما الذي اضطركم إلى العدول عن تقدير المعنى بأن تقولوا: "مسمِّيًا اللهَ آكل"، أي: "ذاكرًا اسمَ الله آكل" على ما هو الأصل في باء المصاحبة، وقد قلتم به في قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ (٢) [هود: ٤١]؟
وعسى أن يكون جوابكم أن المعنى يختل بذلك.
أولًا: لأن المسمِّي عن نفسه يقول: "باسم الله" على سبيل الدعاء والتبرك، وتقدير: "مسمِّيًا الله آكل"، أو "ذاكرًا اسم الله آكل"، ليس فيه إلا الإخبار عن نفسه بأنه يأكل ذاكرًا اسم الله.
стр. 42
ثانيًا: بأنه لا يعرف في الأدعية والأذكار الشرعية نظير لهذا، وعامة الأدعية والأذكار الشرعية كل منها يكون لفظه بنفسه وحده، أو مع ما تدلُّ القرائن على تقديره دالًّا على التعظيم أو السؤال.
وقد قال بعض الأجِلَّة (١): إن ذكر كلمة الجلالة أو تكرارها ليس بذكر شرعي، لأن الاسم وحده لا يفيد معنىً.
ثالثًا: هذا الخبر ــ وهو "ذاكرًا اسم الله" ــ يحتاج إلى ما يصدق عليه، والغالب أن المسمّي يقتصر من ذكر الله على قوله "باسم الله"، فإذا جعلناها خبرًا فأين المخبَر عنه. وإيضاحه: أن قول القائل: "ذاكرًا (٢) اسم الله آكل" إنما يكون صادقًا إذا وقع منه حال أكله ذكر لاسم الله غير هذه الجملة، إذ لا يمكن أن يكون الجملة الواحدة مخبرًا بها عن نفسها، أي هي الخبر، وهي المخبر عنه.
[٤٨/أ] والجواب عن الأمر الأول: أن "باسم الله" على معنى "ذاكرًا اسم الله" أقيمت عند الشروع في الأمور مقام جميع الأذكار والأدعية التي تناسب الحال.
ونوضح ذلك بمثال: وهو أن يجتمع أربعة، ويقدَّم لكل منهم طعامه، فأما أحدهم فنصراني شرع يذكر اسم يسوع، شاكرًا له على أن رزقه الطعام بزعمه، ويتضرع إليه أن يهنئه أكله، وأن يبارك له فيه، وأن يصرف عنه ضرَّه، وأن ينفعه به، إلى غير ذلك من المطالب.
стр. 43
وأما الثاني، فشرع يذكر اسم الله، واسم غيره، بنحو ذلك.
وأما الثالث، فشرع يأكل بدون ذكر.
وأما الرابع، فموحِّد قد رأى وسمع صنيع أولئك الثلاثة، وحضر طعامه،
وهو على عجل، فقال: باسم الله، أي: ذاكرًا اسم الله آكل، أي: أذكر اسم الله لهذه المطالب التي تقدمت ونحوها، ولا آكل بغير ذكر اسمه، ولا بذكر اسم غيره، ولا دونه ولا معه.
غاية الأمر أنك قد تتردد في قوله: "أذكر اسم الله لجميع المطالب المناسبة للحال"، هل يقوم هذا مقام التفصيل، كأن يقول: اللهم لك الحمد على ما رزقتني، اللهم أعذني من الشيطان، اللهم هنئني طعامي، اللهم بارك لي فيه، اللهم اصرف عني ضرره، اللهم انفعني به، اللهم ... اللهم ...
فنقول: لا بدع في أن يرحم الله عباده، ويخفف عنهم، فيقيم تلك الكلمة مقام تلك الكلمات كلها، وهذا هو الواقع، ولكن بلفظ "باسم الله".
وبهذا عرف الجواب عن الأمر الثاني، فقد عرف من قرائن الحال، وقصد الشارع، وما ينويه المسلم= ما يتم به الكلام، كما تقولون أنتم: إن تقدير المعنى: مصاحبًا اسم الله، وإن القرينة تدل على التبرك.
وأما الأمر الثالث؛ فقد علمت أنّ قولنا: "ذاكرًا اسم الله" قد صار من حيث الدلالة على الدعاء شبيهًا بقولهم: "متبرِّكًا باسم الله"، بل أوضح منه في ذلك وأجمع.
وقد اعترض على تقديرهم بنحو ما ذكر في الوجه الثالث، فأجاب بعضهم بأنَّ ذلك خبر عن نفسه "قياسًا على ما قيل في قولك: أتكلم أنه يجوز أن يكون خبرًا عن تكلم حاصل بهذا القول".
стр. 44
والذي ارتضاه الصبَّان، وقرره البناني في "حواشيه على شرح جمع الجوامع" (١): أن قوله: "باسم الله أو متبركًا باسم الله" إنشاءٌ. قال البناني:
"لصدق حد الإنشاء عليه، هو ما يتحقق مدلوله بذكر دالِّه فقط ... والتبرك لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه".
وقد نظر فيه بعضهم بما اشتهر أن الحال لا تكون إنشاء.
والجواب: أنّ ذلك في الجملة الحالية، والإنشاء اللفظي، أي: أنَّ الجملة الحالية لا تكون إنشائية لفظًا، فلا يقع فعل الأمر مثلًا، أو الفعل المنقول إلى الإنشاء لإيقاع العقود مثل بعت وطلَّقت حالًا.
فأما الإنشاء المعنوي فقط، فلا مانع من وقوعه حالًا مفردة، كقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر: ١٤]، وجملة كقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
ومن الأول قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١]، وقد قدروه: "مسمِّين الله"، كما علمت، والمعنى: أمرهم بالتسمية عند الركوب.
وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى.
стр. 45
[٤٨/ب] الفصل السادس
إن قيل: لا يزال في النفس من كلمة "اسم" شيء، إذ قد يقال: فلو قيل: "بالله" على معنى "ذاكرًا الله"، لكان أخصر.
والجواب: أنه لو قيل: "بالله" لما ظهر ذاك المعنى، بل يكون الظاهر حينئذٍ أن المعنى: بقدرة الله آكل.
فإن قيل: قد يدعى دلالة القرائن على أن المعنى: "بذكر الله".
قلت: ليست القرائن بغاية القوة حتى تكفي لدفع ذاك المعنى الظاهر: "بقدرة الله آكل"، وإنما كانت كافية في "باسم الله" بتقدير (١) احتمال ذاك المعنى، أعني بتقدير القدرة.
فإن قيل: فلم لم يقل: "بذكر الله"؟
قلت: لو قيل ذلك لكان على تقدير: "بذكر اسم الله"، لأن الذكر هنا هو اللساني، وما دام على أصله، فإنما يقع على الاسم، إلا أنه كثيرًا ما يحذف الاسم لظهور المعنى، أو يضمن الذكر معنى المدح والتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أو الذم ونحوه كما في قوله تعالى فيما قصه عن قوم إبراهيم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أي: يذكر الأصنام، أي: يتوعدها أو يذمّها.
وقد جاء في القرآن الإثبات وعدمه، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ
стр. 46
تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]. وقال : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
فإن قيل: فكلٌّ من لفظ "ذكر"، ولفظ "اسم" إذا اقتصر عليه، اقتضى تقدير الآخر، فلماذا أوثر "باسم الله" على "بذكر الله" هنا، وعكس في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؟
قلت: لكل مقام مقال، فقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المراد بالذكر: الصلاة والخطبة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، والجزء هو الذكر، لا نفس الاسم.
والمقصود في التسمية على الأكل ونحوه: هو أن يقع من الإنسان كلام هو في نفسه ذكر، و "باسم الله" أدلُّ على ذلك من "بذكر الله"، ولأنه دار الأمر بين أن يترك لفظ "ذكر" أو أن يترك لفظ "اسم"، والأولى في مثل هذا حذف "ذكر".
أما أولًا: فلأن الأصل "ذكر اسم الله" والمعروف في الحذف هو حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. وعليه، يبقى لفظ الجلالة على أصله. ولو قيل: "بذكر الله" لكان المعنى أن لفظ "اسم" حذف، وأقيم لفظ الجلالة مقامه، والتنازع إنما كان بين لفظي ذكر واسم؛ فلأن يحذف أحدهما ويقام الآخر مقامه أولى من أن يحذف أحدهما ويقام لفظ ثالث مقامه.
وأما ثانيًا: فلأن ذكر الاسم ينحل إلى شيء من الإنسان، وهو الذكر، وشيء لله ، وهو الاسم، فاطراح الأول أولى.
стр. 47
وأما ثالثًا: فلأن باء المصاحبة في "باسم الله" بمنزلة العوض عن لفظ "ذكر"، لما مر أن التقدير يكون: "مسميًا الله"، والتسمية هنا هي ذكر الاسم، فيكون التقدير: "ذاكرًا اسم الله".
ولو قيل: "بذكر الله" لما كان هناك ما يكون بمنزلة العوض عن لفظ "اسم".
وأما رابعًا: فلأنه ــ كما تقدم ــ يقصد بالتسمية الرد على المشركين، فلو قيل: "بذكر الله" لكان المتبادر الرد على من يذكر غير الله تعالى، أي من الذوات، فلا يظهر منه الرد على من يذكر من المشركين أسماء لا مسمى لها، كما تقدم، بخلاف "باسم الله" فإن فيها إشارة إلى ذلك.
ولنكتف بهذا القدر، فإن أمثال هذه الأسئلة لا نهاية لها، ولا ينبغي التشاغل بها إلا بما هو كالأنموذج مما يكون إيراده ظاهرًا. والله أعلم.
стр. 48
[٤٩/أ] الفصل السابع
قد ينطق بالمتعلق، فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم (١) من حديث أبي سعيد: أن جبريل (٢) أتى النبي ﵌ فقال: "يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم. قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك".
والأولى في هذا الموضع أن تكون الباء للإلصاق، على تضمين "أرقيك" معنى "أستشفي لي (٣) "، فكأنه قال: أسأل الله باسمه أن يشفيك.
وسؤال الله تعالى باسمه وارد كما في الدعاء النبوي: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك ... " (٤).
ويجوز أن تكون للاستعانة، على معنى: أرقيك بذكر اسم الله، فإن الرقية تكون بالكلام، كما تقول: أرقيك بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ... ﴾. وتقرأ السورة.
وفي "صحيح مسلم" (٥) أيضًا من حديث عائشة قالت: "كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ رقاه جبريل، قال: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن
стр. 49
شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين".
وسند حديث أبي سعيد أثبت.
وقوله في هذا: "بسم الله يبريك" يحتمل أن المتعلق محذوف، والتقدير: "باسم الله أرقيك، هو يبريك" ليوافق الرواية الأولى. ويحتمل غير ذلك.
وقد تقدم في الفصل الثالث دعاء النبي ﵌ عند النوم: "اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت" (١).
وتقدم أن المراد بالحياة والموت فيه: اليقظة والنوم، ومعنى الباء المصاحبة، على ما قدمناه، أي: ذاكرًا اسمك أُتِمّ يقظتي، وذاكرًا اسمك أنام، أي: أذكر اسمك لكل ما يهمني في يقظتي ونومي.
وفي حديث آخر: "باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه" (٢). والمعنى أيضًا: ذاكرًا اسمَك ربِّي وضعتُ جنبي.
وأما قوله: "وبك أرفعه" فالمعنى ــ والله أعلم ــ: وبمشيئتك أرفعه.
وقد جاء في رواية: "بك وضعت جنبي" وهو من تصرف الرواة.
وبقيت أحاديث غير هذه، فينبغي أن يفسَّر كلٌّ منها بما هو الظاهر فيه، ولا ملجئ إلى تكلف جعل الجميع على وتيرة واحدة.
стр. 50
مهمة
جاء من حديث عائشة وغيرها فيمن نسي أن يسمِّي أول طعامه أنه ينبغي له أن يقول حين يذكر: "باسم الله أوله وآخره" (١).
ولم أر من تعرض لتوجيهه، والذي يظهر لي أن "بسم الله" على أصلها، والمعنى: ذاكرًا اسم الله آكل. وقوله: "أوله وآخره" ظرف، والتقدير: أقولها أوله وآخره، أي: قضاءً لقولها أوله، وأداءً لقولها آخره. والله أعلم.
стр. 51
[٤٩/ب] الفصل الثامن
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
هما اسمان مشتقان من الرحمة، وقد كثر الكلام فيهما، والذي يتلخص لي أنهما اسمان مشتقان من الرحمة، يدلَّان على المبالغة، إلا أن "الرحمن" اشتق من (رحم) معتبرًا فيه اللزوم، حملًا له على ضدِّه: "خشي".
قال سيبويه: وأما خشيتُه، فأنا خاشٍ، والقياس خشٍ، فالأصل أيضًا: خشيت منه، فحمل على رحِمْتُه، حملَ الضدِّ على الضدِّ. ولهذا جاء الفاعل منه على خاشٍ والقياس: خشٍ، لأن قياس صفة اللازم من هذا الباب "فَعِل". وكذا كان قياس مصدره "خَشىً"، فقيل: خشية، حملًا على رحمة (١).
أقول: وقد عرف من عادتهم أنهم إذا حملوا لفظًا على آخر في شيء عادوا فحملوا الآخر عليه في شيء آخر. فلما حملوا "خشي" على "رحم" في تعديته بنفسه، وفي صيغة الصفة منه، والمصدر = عادوا فحملوا "رحم" على "خشي" في اعتباراته كأنه لازم حتى اشتقوا منه صيغة فعلان، فقالوا: رحمان، كما قالوا: رجل خشيان. ولا يلزم من حمل اللفظ على اللفظ حمله عليه في كل شيء.
стр. 52
هذا، وصيغة "فعلان" فيها مبالغة، فإن من مواقعها عندهم أن تكون من
المواد التي تدل على الامتلاء، مثل شبعان، وريّان. ثم قد يعتبرون الامتلاء المعنوي، فتجيء المبالغة، وذلك في قولهم: غضبان، وقد قالوا: غضب كفرح. ومن قواعدهم أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، فغضبان أبلغ من غَضِب.
وقال الصغاني: "امرأة خشيانة: تخشى كل شيء" (١). وذاك هو المبالغة.
стр. 53
فصول ملحقة (١)
[ل ٥٥/أ] فصل
[تعجرُف المشركين في اسم "الرحمن"]
وقع من مشركي قريش تعجرُفٌ في شأن الاسم الكريم "الرحمن". قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
أخرج ابنُ جرير وغيره (٢) عن ابن عباس قال: صلَّى [رسولُ] (٣) الله ﵌ بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى، فقال في دعائه: يا اللهُ، يا رحمنُ، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ! ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين!
وفي "الصحيحين" وغيرهما (٤) عنه قال: نزلت ورسول الله ﵌ مختفٍ بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع ذلك
стр. 54
المشركون
سبُّوا القرآن، ومَن أنزله، ومَنْ جاء به. فقال الله لنبيه ﵌: ﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾.
وفي بعض الآثار: كان النبي ﵌ يرفع صوته ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان مسيلمة قد تسمَّى الرحمنَ، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبي ﵌ قالوا: قد ذكر مسيلمة [إله اليمامة، ثم عارضوه بالمكاء والتصدية والصفير، فأنزل الله تعالى هذه الآية] (١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في "روح المعاني" (٢).
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠].
في "روح المعاني" (٤/ ١٨٥) (٣): "وعن قتادة وابن جريج [ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية. وقد كتب فيه عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهه: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة] (٤).
стр. 55
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦].
وفي "روح المعاني" (٥/ ٣٥٨) (١): "وقيل: المراد بذكر الرحمن: ذكرُه ﷺ هذا اللفظَ وإطلاقه عليه، والمراد بكفرهم به قولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة ... ".
وفي "صحيح البخاري" في كتاب الشروط ــ باب الشروط في الجهاد إلخ (٢): " ... فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل (أي ابن عمرو، وكان يومئذ مشركًا، وهو سفير المشركين للصلح): أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب .... ".
وقد أشكل وجهُ هذا التعجرف، فقيل: إن القوم لم يكونوا يعرفون هذه الكلمة لا عَلمًا ولا وصفًا.
وهذا مردود بأمور:
الأول: أنَّ الله قد أخبر عنهم بقوله في شأن عبادتهم الملائكة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. كما أخبر عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾
стр. 56
[الأنعام: ١٤٨] (١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
وفي "صحيح مسلم" وغيره (٢) في قصة غزوة ذي قَرَد: أنَّ عبد الرحمن الفزاري أغار على إبل النبي ﵌، وأنَّه قتَل بعضَ الفرسان من الصحابة، ثم قتله أبو قتادة. فهذا الرجل كان مشركًا، والغالب أن يكون ولد قبل المبعث ثم قُتل مشركًا.
[ل ٥٥/ب] قال ابن جرير (٣): وقد أُنشِد لبعض الجاهلية الجهلاء (٤):
ألا ضربت تلك الفتاةُ هجينَها ... ألا قضَب الرحمنُ ربِّي يمينَها
قال: وقال سلامة بن جَندل الطُّهَوي (٥):
عجِلتم علينا عجلتَينا عليكم ... وما يشأ الرحمنُ يعقِدْ ويُطلق
الثاني: أنَّ النبي ﵌ لا يجوز أن يخاطبهم بما لا يعرفون بنحو:
стр. 57
﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠].
الثالث: أنَّ الله تعالى ذمَّهم على قولهم: "وما الرحمن". ولو كانوا غير عارفين معناه ما استحقُّوا الذمَّ.
وقال الأكثر: إنَّ تعجرفهم من تعنُّتهم. وهذا هو الظاهر، ولكنه يحتاج إلى بيان.
فأقول: قد أخبر الله ﵎ عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. فبان بهذا أنَّ القوم لم يكونوا يراعون في معارضة النبي ﵌ الإنصافَ ولا ما يقرب منه، بل إن تيسَّرت لهم شبهة قد ينخدع بها من لم يسمع كلام النبي ﵌ بتمامه طاروا بها فرحًا، ورقصوا لها طربًا. وإن لم يتيسَّر لهم ذلك تشبثوا بمغالطة يعرفون بطلانها كأن يحملوا كلامه على ما يعرفون أنه غير مراده، ثم يلغَون بذلك، ويشنِّعون به، ويبنُون عليه.
وكان يلذُّ لهم ذلك لعلمهم أنَّ ذلك يُحزن النبي ﵌ حتى يكاد يبخَع نفسَه ــ بأبي هو وأمي ــ لأنَّ الناصح الشفيق لا يُحزنه أن يعارضه المنصوح بشبهة قد يظنها المنصوح حقًّا، كما يُحزنه أن يشغب عليه بمغالطة يعرف الشاغبُ نفسه بطلانها، ولاسيما إذا نسب إلى الناصح ما ينافي نصحه، ولكن القوم ــ كما هو متواتر عنهم ــ لم يبلغوا في الوقاحة إلى درجة المكابرة المكشوفة أو الكذب المكشوف.
إذا تقرر هذا، فالظاهر أنَّ بعض سفهائهم سمع النبي ﷺ يقول: "يا الله،
يا رحمن"، كما في الأثر السابق أو نحو ذلك، فأوحى الشيطان إلى ذلك
стр. 58
السفيه أن يشغب بأنَّ معنى ما سمعه من النبي ﷺ إنما هو إثباتُ أنَّ الرحمن إله آخر غيرُ الله ، فأخذها منه السفهاء ولَغَوا بها. وأكثرهم يعلم حقيقة الحال، ولكنَّ مقصودَهم الغلَبُ بأيِّ وجه كان، كما أخبر الله تعالى عنهم لما قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ بنوا على ذلك الشغب المتقدم، فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ زاعمين أنه قد عُرِف عن النبي ﵌ أنه يعني بالرحمن إلهًا غير الله، وأنهم لا يدرون ما ذلك الإله. ثم صاروا يشغبون ويستهزئون كلَّما سمعوا من النبي ﵌ كلمة "الرحمن" زاعمين أنه قد عُرِف عنه أنه يعني بها غير الله.
وكان مما يغيظهم من هذا الاسم وقوعُه في البسملة المخالفة لتسميتهم. فإنهم كانوا يقولون في أوائل كتبهم ونحوها: "باسمك اللهم"، فخالفهم النبي ﵌، وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فيقولون في أنفسهم: إنَّ هذا الرجل إنما يريد خلافنا، هَبْه اضطُرَّ إلى مخالفتنا في عبادة غير الله تعالى لأنه يراها باطلًا، فما باله يخالفنا في هذه الكلمة التي مضى عليها سلفُنا، وليس في معناها شيء ينكره محمد، وهي: "باسمك اللهم"! فمخالفته لنا ولسلفنا فيها دليل ظاهر على أنه يحبُّ خلافَنا وهدمَ كلِّ ما نحن عليه، وإن كان يعلم أنه حقٌّ.
وهذه شبهة من شبههم تؤثِّر على من لم يكثُر منهم سماعُ القرآن أو سماعُ كلام النبي ﵌. فأمر الله ﵎ رسوله أن لا يجهر في صلاته بأصحابه بقراءته، ولاسيما ما كان فيه ذكرُ الرحمن، ولاسيما البسملة التي يشتدُّ إنكار المشركين بها. وذلك لئلا يسمعوه، فيلغَوا، وينغِّصوا عليه وعلى أصحابه صلاتهم.
стр. 59
ويظهر أنَّ هذا أصلُ مشروعية الإسرار بالبسملة في الصلاة، بقيتْ على رأي من يقول بذلك، كما بقي الرمل والاضطباع في الطواف وغيره من الأعمال التي شُرعت لمعنًى، ثم زال ذلك المعنى، وبقيت لحِكَمٍ أخرى، منها: تذكير المسلمين بما كان عليه أول هذا الدين.
[ل ٥٦/أ] وأما ما في "الصحيح" من كلام سهيل بن عمرو، فقد اختلفت الروايات في حكاية قوله. والذي عند ابن إسحاق عن الزهري في هذه القصة: "ثم دعا رسول الله ﵌ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم". قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا. ولكن اكتب "باسمك اللهم" (١).
فظاهر هذا مع ما تقدَّم أنَّ سهيلًا إنما أنكر البسملة لمخالفتها ما مضوا عليه من قولهم: "باسمك اللهم". وقوله: "لا أعرف هذا" يعني أنَّ السنة التي نعرفها هي: "باسمك اللهم". و"بسم الله الرحمن الرحيم" غير معروفة عندهم، أي غير معروف الابتداء بها.
فأما ما وقع في "الصحيح" من قوله: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي" (٢) ربما يكون من الرواية بالمعنى، كأنَّ بعض الرواة فهم أنَّ إنكار سهيل
стр. 60
لـ "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما هو لما عُرِف عنهم من الشغب في هذا الاسم الشريف "الرحمن".
ويحتمل أن يكون من إطلاق الجزء وإرادة الكل. أُطلق "الرحمن"، وأُريد البسملة كلها. وقد يشهد له قوله: "ما هي" كما في أكثر روايات "الصحيح" وأوثقها.
وما وقع في بعض الروايات "ما هو" من تصرُّف الرواة (١). ظنَّ أنَّ الضمير [عائد] على الاسم "الرحمن" بمعناه الحقيقي.
والحديث في "الصحيح" من رواية عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. وقد رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، فوقع في نسخة المسند المطبوعة (٤/ ٣٣٠) (٢): "فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو. وقال ابن المبارك: ما هو". كذا، والظاهر أن الأولى: "ما هي". وهي [رواية] (٣) عبد الرزاق عن معمر. وتكون رواية ابن المبارك عن معمر: "ما هو". ورواية عبد الرزاق أثبت؛ لأنه لزم معمرًا، وسمع من كتبه. وسماعُ [ابن] (٤) المبارك من معمر كان من حفظه كما يعرف من ترجمة معمر.
وقوله: "فوالله لا أدري ما هي" ــ يريد والله أعلم البسملة ــ محملُه: أنه لا يدري أينبغي أن يصدَّر بها الكتب أم لا، أو أحقٌّ هي أم باطل.
стр. 61
وبالجملة، فالظاهر أنَّ سهيلاً إنما أنكر البسملة، والله أعلم.
وأما ما في بعض الآثار أنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة (١)، فإن صحَّ فمرادهم: لا نعرف الرحمن الذي هو غير الله.
стр. 62
فصل
[اختصاص "الرحمن" بالله ﵎]
اشتهر بين أهل العلم أنَّ "الرحمن" مختصٌّ بالله ﵎، فاعتُرض بإطلاق أهل اليمامة على مسيلمة، فأجيب بأنَّ ذاك من تعنُّتهم في كفرهم، فتوهَّم بعضُ الناس أنَّ معنى الاختصاص أنَّ الله تعالى منع بقدرته التسمِّيَ فلا يستطاع أن يسمَّى به غيرُه، كما قيل به في "الله".
وتوهَّم غيرُه أنَّ المعنى أنه لم يُطلَق في لغة العرب على غيره، فاعترضوا ذاك الجواب وطوَّلوا. وإنما معنى الاختصاص ما قاله ابن جرير (١): "لله جلَّ ذِكرُه أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها، خصَّ بها نفسه دونهم، وذلك مثل الله والرحمن والخالق. وأسماءٌ أباح لهم أن يسمِّي بعضهم بعضًا بها، وذلك كالرحيم والسميع والبصير ... ".
وقد كان ذلك محرَّمًا قبل بعثة محمد ﵌ بما قام على الناس من الحجة وبلغهم من شرائع الأنبياء من وجوب تعظيم الربِّ والتأدُّب مع أسمائه وصفاته. فقد علم أهل اليمامة أنَّ "الرحمن" اسم لله ، وأنه لم يتسمَّ به غيرُه ممن سبق، فصار بذلك مختصًّا به. فإقدامُهم مع ذلك على التسمية به مخالفٌ لما قامت عليهم الحجةُ به من وجوب تعظيم الله . فذاك معنى التعنُّت في كفرهم.
стр. 63
وأما المنع، فقال ابن جرير (١): " ... ثم ثنَّى باسمه الذي هو الرحمن، إذ كان قد منع أيضًا خلقَه التسمِّي به ... ".
стр. 64
[ل ٥٦/ب] الرحمة
العرب بلسانها وفطرتها تعرف معنى الرحمة، وتصف بها الخالق مع علمها بأنه سبحانه ليس من جنس البشر ولا غيرهم من الخلق. وجاء الكتاب والسنة مملوئين بوصف الرب تعالى بالرحمة. وجاء أول كتابه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وسمَّى نفسه: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، أرحم الراحمين.
ولم يشتبه معنى ذلك على أحد من العرب، ولا شكَّ فيه أو تأوَّله أحد من الصحابة والتابعين، فثبت أنَّ وصفَ الله ﵎ بالرحمة على ما يفهمه الناس بفِطَرهم حتى لا يجوز أن يرتاب فيه مؤمن بالله وكتبه ورسوله.
ولكن كثيرًا من الناس أبوا ذلك، وقالوا: "الرحمة" لغةً: رقَّة القلب، كما فسَّرها بذلك أهل اللغة، وهذا مستحيل في حقِّ الله ﵎. والمتكلمون يعرِّفونها تعريفًا يُعلم منه أنها مستحيلة في حق الله ﵎، فلابد من تأويل الرحمة إذا وُصِف بها الرب بالإحسان أو إرادته.
فيقال لهم: أما تفسيرها برقة القلب فهو تفسير غير محقَّق، وإنما رقة القلب كناية عن الرحمة. وإنما فسَّرها بذلك المتكلِّفون من أهل اللغة وغيرهم، فإنَّ معنى الرحمة أظهر من أن يحتاج إلى تفسير. ولذلك لم يتعرَّضْ لها الأوائل كابن جرير وغيره. وهذه الألفاظ الواضحة المعنى إذا تكلَّف الإنسان تفسيرَها وقع غالبًا في التخليط؛ على أننا نعلم أنَّ أهلَ اللغة ولاسيما المتأخرين منهم يتسامحون كثيرًا في تفسير الألفاظ.
стр. 65
ونحن نجد من بقي على الفطرة من العرب يصفون الرجل بالرحمة مع ذهولهم عن القلب ورقَّته، ويصفون الربَّ بالرحمة ولا يتصورون له قلبًا ولا رقَّةَ قلب.
وأما تفسير المتكلمين إياها، فينظر فيه، فإن كان ظاهر الاختصاص بالمخلوق فهو تفسير لرحمة المخلوق فقط. والمعنى المطلق إذا فُسِّر باعتبار تقيُّده كان التفسير مقيَّدًا. ولا ينافي ذلك ثبوتَ الرحمة لله بغير ذاك التفسير المقيَّد. وإن كان تفسيرًا مطابقًا للرحمة المطلقة على الحقيقة فلابد أن يكون ثابتًا لله ﵎.
وأما تأويلكم إياها بالإحسان أو إرادته، فمردودٌ عليكم. فإننا نعلم أنَّ العرب الذي سمعوا القرآنَ وصحبوا النبيَّ ﵌ كانوا يفهمون من رحمة الله معنًى وراء ذلك. فإن قلتم: وما هو؟ قلنا: هو الرحمة.
فإن قلتم: وما هي الرحمة؟ قلنا: إن كنتم تعرفون العربية حقَّ معرفتها، فسؤالُكم تعنُّت؛ وإلا فأخبرونا: أيَّ لسانٍ تتقنونه حتى ننظر من يترجم لكم به!
فإن قلتم: نحن نعرف اللسان المنطقي الذي يفسِّر بالحدِّ المبني على الجنس والفصل، كقولنا في الإنسان: حيوان ناطق.
قلنا: قولكم هذا رأس مالكم في الحدود، وليس هو عندكم حدًّا صحيحًا، وقد ملأتم الكتب بالاعتراضات عليه والأجوبة! ومع ذلك فهو بألفاظ عربية، والعربي يفهم المقصود بالإنسان أوضحَ مما يُفهِم قولُكم: "حيوان ناطق".
стр. 66
فكذلك الرحمة المطلقة، لو حاولنا أن نحُدَّها بمنطقكم فقد لا يتأتَّى، وإن تأتَّى فقد يحتمل المناقشات. ولو سلِمَ لكان أخفى في الدلالة على المعنى من لفظ الرحمة!
وأنتم تسمُّون الحدَّ: "القول الشارح"، والشرح إنما يُحتاج إليه فيما ليس بالواضح، وإنما يكون بأوضح من المشروح، ومعنى الرحمة بيِّن بنفسه.
فإن أبيتم وقلتم: قلوبُنا غُلْف عن فهم الرحمة حتى تحدُّوها لنا حدًّا منطقيًّا. قلنا: فدعوها لأهلها، وهم المؤمنون بها!
وهذا آخر الكلام معكم هنا. والله المستعان.
стр. 67
مسألة
اختلف الناس في البسملة، فقال بعضهم: هي آية من الفاتحة. وقال بعضهم: ليست من نفس السورة، وإنما هي آية نزلت للفصل بين السور.
وتفصيلُ الأقوال وحججها (١) وبيانُ الراجح منها، له موضع آخر. وإنما أذكر هنا الحجج التي من نفس النظم الكريم، فأقول:
مما احتج به النفاة على أنها ليست آية من الفاتحة بأنها لو كانت منها لكان الظاهر أن يقال: "والحمد لله رب العالمين" بالعطف؛ وبأن فيها "الرحمن الرحيم"، ثم جاء هذان الاسمان في الفاتحة. ومثل هذا التكرار إنما يقع في السورة الواحدة بعد فصلٍ بكلام تكون فيه مناسبة لذلك.
فأما الحجة الأولى فليست بقائمة؛ لأنَّ للوصل شروطًا لم تجتمع هنا، واذكر قول الله : ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المؤمن: ٦٥] (٢)، وقوله فيما أخبر به من دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي﴾ الآية [سورة إبراهيم: ٣٨ ــ ٣٩] (٣)، وقوله تعالى فيما أخبر به عن بلقيس: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ ــ ٣١].
стр. 68
وأما الحجة الثانية، فإن ابن جرير مع أنه يرى أن البسملة ليست من الفاتحة حكاها متبرِّئًا منها (١). وهي أيضًا غير سديدة، إذ قد يقال: إن الاسمين الكريمين ذُكِرا في البسملة تقريرًا لاستحقاق الله البداءةَ باسمه، وإشارةً إلى حصول مطالب المبتدئ التي تقدمت الإشارة إليها. وذُكرا بعد الحمد لما يأتي.
وقد حكى ابن جرير عن المحتجين أنهم يزعمون أن أصل التركيب: الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله (٢). ولو صح لما أفادهم؛ لأن الاسمين الكريمين بعد الحمد لله على كل حال.