← Тафсир

Тафсир · id 372

تفسير سورة الفاتحة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.

стр. 36

إتمامها ونشرها. والحمد لله أولًا وآخرًا. [ل ٦١/ب] وإذ قد اتضح إن شاء الله معنى العبادة، فليتمَّمْ تفسيرُ الجملة. فاعلم أنَّ فيها احتمالات، الصحيح منها أنها إنشائية، أريد بها إنشاء معنى يوجد (١) بهذه العبارة، وذاك حقيقة الإنشاء. وذلك أن المؤمن إذا تلا من أول السورة إلى هنا متدبِّرًا حق التدبر امتلأ قلبُه بتعظيم ربِّه ، واستغرق في ذلك حتى كأنه يرى الأمر مشاهدةً، وانجلى له حقَّ الانجلاء أنه لا يستحق العبادة غيره تعالى، فيقبل (٢) القلب إلى الربِّ مصدِّقًا ما قام بالقلب وسرى إلى الجوارح، فينشئها بهذه الجملة. فتدل هذه الجملة أولًا وبالذات على العبادة المنشأة بها، ثم تدلُّ بمعونة ما تقدم على العبادة القائمة بالقلب ثم بالجوارح، وتدلُّ بواسطةِ أن المقتضي لما ذكر هو ما تقدَّم من أول السورة إلى هنا، وهي حقائق ثابتة لا تحول ولا تزول، ولا تتغيَّر ولا تتبدَّل= على التزام التالي أن يعبد الله تعالى دون غيره في بقية عمره. وبعد ما كتبتُ ما تقدَّم، أردتُ أن أنظر في وجه التعبير بلفظ الجمع، فرأيتُ ما قدَّمتُه هنا يرشد إلى نكتة لا بأس بذكرها. وهي أنه ــ كما تقدَّم ــ ورد الخضوعُ أولًا على القلب، ثم سرى إلى الجوارح، ثم تلاها اللسان، فأشير إلى ذلك بصيغة الجمع، حتى كأنَّ اللسان عبَّر عن نفسه وعن القلب والجوارح. ونكتة أخرى، وهي أنَّ مِن شأن الإنسان المتواضع الذي يعرف قدر نفسه أنه إذا اتفق له ظهورٌ بمظهر يدلُّ على العظمة زاده ذلك خضوعًا في

стр. 37

نفسه وتمسكنًا، كما روي أن النبي ﵌ لما دخل [مكة] يوم فتحها دخل وذقنُه على رحله متخشِّعًا (١). فالتالي الممتلئ خضوعًا وتذللًا إذا جاء إلى قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ ورأى ما في ظاهر الكلمة من مظهر العظمة زاده ذلك خضوعًا وتخشُّعًا، كأنه يقول في نفسه: ومَنْ أنا! ومَنْ أكون! وهذه وكثير من أمثالها من مُلَح العلم، والذي ينبغي اعتماده أن السورة تعليم من الله لعباده، فكأنه قال لهم: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلخ، كما مرَّ عن ابن جرير، فجاء "نعبد ونستعين" على حسب ذلك. وإذا قال العبد مع ما صار فيه من حال الخضوع والخشوع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقد سبق أنها بمعونة المقام تدلُّ على التزام العبادة لله تعالى دون غيره في المستقبل، علِمَ ما هو عليه من الضعف والعجز والظلم والجهل، فاضطُرَّ إلى أن يقول: " ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فينشئ بهذه الجملة استعانة بربه دون غيره على ما التزمه من العبادة. وفي "الكشاف" (٢): "والأحسن أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ بيانًا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسنَ لتلاؤمِ

стр. 38

الكلام وأخذِ بعضِه بحجزةِ بعض". حكاه في "روح المعاني" (١)، ثم قال: "ووجه التخصيص حينئذ كمالُ احتياج العبادة إلى طلب الإعانة، لكونها على خلاف مقتضى النفس. ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. [ل ٦٢/أ] والقرينة مقارنة العبادة، ولا خفاء في وضوحها". ثم قال: "والإنصاف عندي أنَّ الحمل على العموم أولى ... ". والحاصل أنه اختار العموم، ثم اختار أن الصراط عامٌّ، فقال: "فإنه أعمُّ من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأمور الدينية، والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان، ومن عذاب النار، والوصول إلى دار القرار والفوز بالدرجات العُلى. وكلُّها مفتقِرٌ إلى إعانة الله تعالى وفضله. وأيضًا طرقُ الضلالات التي يستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالِّين لا نهاية لها ... ". قال عبد الرحمن: لا خفاءَ أنَّ المقام إنما يقتضي الاستعانة على العبادة التي التزموها. وكلُّ الصيد في جوف الفَرا (٢). فإنَّ الاعتقادات الدينية ترجع إلى العبادة، فإنَّ في اعتقاد الحق طاعةً لله وخضوعًا له إذا خالف الهوى، وذلك عبادة. والأخلاق المحمودة مع حسن النية عبادة، والأحاديث في فضائل حسن الخلق معروفة. والسياسات المحمود منها ما كان المقصودُ منه إقامةَ الحق والعدل وتنفيذَ أحكام الله ، وما قُصِد به ذلك كان عبادة. والمعاملات

стр. 39

إذا التُزِم فيها الأخذُ بالحلال، واجتنابُ الحرام والشبهات، والقيامُ بمصالح المسلمين، والاستعانةُ على طاعة الله = كانت عبادة. وكذلك المناكحات. وفي الحديث: "وفي بُضْعِ أحدكم أجرٌ" (١). وعلى هذا القياس. على أنَّ مِن لازمِ الإعانة على العبادة تيسيرَ المعيشة والأمن وغير ذلك، فإنَّ مَن نكِدَ عيشُه انشغل قلبُه عن العبادة، كما هو معروف. وأما الأمور الأخروية فتبعُها للعبادة واضح. وكأنه غلب على أبي الثناء (٢) ما جرى به العرفُ الحادثُ من اختصاص العبادات بما يذكر في صدور كتب الفقه، وهو الصلاة والزكاة والصيام والحج. وهو وهْمٌ حتمًا، وقد عرفت حقيقة العبادة. هذا، وكثير من الناس يستشكل ما اقتضته الآية من نفي الاستعانة بغير الله ، ويقولون: إنَّ مصالح الدنيا وكثيرًا من مصالح الدين إنما تقوم بتعاون الناس، وما من أحدٍ إلا وهو يحتاج إلى أن يستعين غيره من الناس، حتى على العبادة. وهذا مبني على أن الجملة خبر، والمضارع للاستمرار، أي أن من عادتنا المستمرَّة أن لا نستعين إلا بك؛ أو عن الحال، والاستقبال، أي لا نستعين ولن نستعين إلا بك؛ أو عن المستقبل فقط. وليس الأمر كذلك. وإنما هي إنشائية لطلب المعونة، والطلب يُوجَد بنفس الجملة، كما لا يخفى على من عرف الفرق بين الخبر والإنشاء.

стр. 40

والنفي إنما هو بحسب ذلك. فكأنهم قالوا: استعانتنا هذه بك، وليست بغيرك. وحَسُنَ ذلك لأن تلك الاستعانة نفسها طلب للنفع الغيبي، فهي عبادة، فناسب أن تُقصَر، كما قُصِرت العبادة، تقريرًا للتوحيد الذي بنيت عليه السورة. وثَمَّ مناسبات أخرى لا أطيل بذكرها، فتدبَّرْ. ونسأل الله التوفيق والهداية. " ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تقدم عن صاحب الكشاف ــ وتبعوه في توجيه ترك العطف إذ لم يقل: "واهدنا" مع أن الجملتين إنشائيتان متناسبتان، كما لا يخفى ــ أن هذه الجملة استئناف بياني. ومعناه أن تكون الجملة الثانية جواب سؤالٍ من شأن مَن يسمع الأولى أن يسأله. فقال كما مرَّ: "كأنه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا". وفي النفس من هذا، فإنَّ وجه الحسن في الاستئناف البياني على ما ذكروه إنما يتحقق في خطاب الناس. فالأولى أن تكون هذه الجملة بدلًا من الأولى. وفي "مغني اللبيب": [الجملة السابعة: التابعةُ لجملةٍ لها محلٌّ. ويقع ذلك في بابي النسق والبدل خاصة ... والثاني شرطُه كونُ الثانيةِ أوفى من الأولى بتأدية المعنى المراد نحو ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢ ــ ١٣٤]، فإنَّ دلالةَ الثانيةِ على نعم الله مفصَّلةٌ بخلاف الأولى، وقوله:

стр. 41

أقولُ لَه ارْحَلْ لا تُقيمنَّ عندَنا (١) فإنَّ دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته بالمطابقة، بخلاف الأولى (٢)] (٣). ولا خفاء أنَّ هذا الشرط مُتحقِّق هنا. وفي البدلية هنا نكتة لطيفة، فإنه اشتهر أن المبدَل منه على نية الطرح. وهذا مناسب هنا لأن مِن لازمِ طلب الإعانة إثباتَ قدرة للنفس. وذاك وإن كان حقًّا في الجملة، ولكنَّ المقامَ مقامُ خضوع وتذلُّل، وهو يستدعي إظهار تمام العجز. وهذا تُعبِّر عنه هذه الجملة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فتأمَّلْ! والله أعلم. [ل ٦٢/ب] والهداية: من هداية الطريق. وقد جاء عن العرب إطلاقُ الهُدَى على الطريق (٤). فإما أن يكون هذا هو الأصل، وإن كاد يُنسَى، والهداية مشتقَّة منه وإن اشتهرت؛ وإما العكس، والله أعلم. وهداية الطريق في الجملة: الإرشاد إليها، ولكنها تكون على أوجه: فافْرِضْ أنه رأيتَ عبدًا تائهًا في فلاةٍ فيها سُبُل، وتعلم أنَّ خيره وصلاحه

стр. 42

في الذهاب إلى سيِّده، فقد تكتفي بأن تدلَّه على رأس الطريق التي ينبغي له سلوكُها لِيصلَ إلى بيت سيده، فتقول له: هذه أو تلك هي الطريق التي توصلك. فهذا الوجه الأول. وقد يكون العبد أحمق يستكبر عن قبول إرشادك، أو يكون هناك من يريد به الشرَّ، يشير له إلى طريق أخرى، فيميل إليه، فتأخذ بيد العبد، وتجرُّه إلى الطريق الموصلة إلى بيت سيِّده، وتقيمه عليها، وتحمله على سلوكها، ثم لا تزال تلطُف به مرة وتشتدُّ عليه أخرى، حتى يذعن أخيرًا لسلوكها. فهذا الوجه الثاني. ثم بعد قيامه أو إقامتك إياه على رأس الطريق قد تنعتُ له الطريق من هناك إلى بيت سيِّده. فهذا الوجه الثالث. وقد تتقدَّمه، وتسير معه، تدلُّه على الطريق، تاركًا الخيرة له في كل موضع. فإن استمرَّ على موافقتك لم تفارقه حتى توصله إلى بيت سيِّده. وإن أدركه الحمق في بعض الطريق، فأبى إلا الخروج منها، تركتَه وشأنَه. فهذا هو الوجه الرابع. وقد تتقدَّمه، وتسير معه أيضًا عازمًا أن تُوصِلَه ولابدّ، فأنت تأخذه بالوعد والوعيد، وتُبعد عنه ما من شأنه أن يحمله على المخالفة، وتحرُسُه ممن يريد أن يُضِلَّه، وتَصرِفه عن المخالفة بالإكراه أو قريبٍ منه في بعض الأوقات. وهكذا حتى تُوصلَه. وهذا هو الوجه الخامس. والهداية إلى صراط الحق جارية على نحو هذا. فالوجه الأول يقع من الله بإرساله الرسل، ومن الرسل ثم من أتباعهم بالدعوة.

стр. 43

قال تعالى لرسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ ــ ٥٣]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٣ ــ ٧٤]. والوجه الثاني لا يكون إلا من الله بتصريفه قلبَ مَن يريد حتى يُدخله في الدين. ولو تركه واختيارَه لما فعَل. وهذا المعنى هو المراد في قول الله : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وآيات أخر. والوجه الثالث من الله ﵎ بما أوحى إلى رسوله من البيِّنات في العقائد والأحكام، ومِن رسله، ثم من أتباعهم، بالبيان. والوجه الرابع إن كان فإنما يكون من الله ﵎ في حقِّ العبد الذي يكثر خلافه. والله أعلم. والوجه الخامس: إنما يكون من الله ﵎ فيمن أراد به الخير، ولا يكاد يرجى ذلك إلا لمن يكون الغالب عليه الخير، وإنما تقع منه الفلتة بعد الفلتة. والمؤمنون يسألون ربهم الهداية التامَّة، وهي الوجه الخامس، وهي المرادة هنا. ولذلك أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: يقول: ألْهِمْنا الطريق الهادي (١).

стр. 44

والإلهام هو الإلقاء في القلب. ومعلومٌ أنَّ تصرفاتِ الإنسان كلها تبعٌ لما يقع في قلبه. فإذا كان الله تعالى يلهمه في كلِّ شيء حبَّ الحق والرغبةَ فيه، وبغضَ الباطل والنفرةَ عنه، جرت أعمالُه كلُّها على الحق. وذلك هو غاية الهداية على الوجه الخامس. وقد تكون بإلقاء خاطر آخر كخوفٍ من الناس وحياءٍ منهم وتذكيرٍ لأمر آخر، أو بإنساء موعد، أو بإقامة مانعٍ يصرف الله تعالى بذلك عن المعاصي، وقد تكون بغير ذلك؛ فإنَّ التدبير بيده ، فلا يمكن إحصاءُ الأسباب. التي يهدي بها مَن أحبَّ هدايتَه. [ل ٦٤/أ] (١) و الصراط المستقيم: قال ابن جرير (٢): "أجمعت الحجة من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه". وقد اختلفت عبارات السلف في المراد به هنا (٣). فعن علي وابن مسعود أنه كتاب الله. وجاء هذا مرفوعًا عن النبي ﵌. ورُوي عن جابر وابن عباس وغيرهما، قالوا: هو الإسلام. وعن أبي العالية والحسن: هو رسول الله ﵌ وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر. في عبارات أخر لا اختلاف بينها بحمد الله ، فإنَّ امتثال ما في كتاب الله تعالى هو الإسلام، والذي كان عليه رسول الله ﵌ وصاحباه هو

стр. 45

الإسلام. هذا، وقد عُرِفَ أن لكل إنسان سيرة يسيرها في عمره في اعتقاده وأخلاقه وآدابه وأعماله وأقواله (١)، فهي طريقُه. فمن اتبع في ذلك كلِّه كتابَ الله وسنةَ رسوله والسلف الصالح فهو على الصراط المستقيم. ومن أخلَّ في شيء من ذلك كان في طريقه من العِوج بمقدار إخلاله. ويمكنك أن تتصَّور الصراطَ العامَّ الذي هو الإسلام، وتتصوَّر وسطه طريقًا للتقوى العامة، وتتصوَّر عن يمين طريق التقوى وشمالها طريقين للتقصير في الفضائل دون ما بعده، وعن يمين ذلك وشماله طريقين لارتكاب المكروهات، وعن يمين ذلك وشماله طريقين لارتكاب الصغائر دون ما بعده، وعن يمين ذلك وشماله طريقين لارتكاب الكبائر دون البدع، وعن يمين ذلك وشماله طريقين للبدع. وذلك حدُّ السِّراط (٢) يَمنةً ويَسرةً، وليس بعده إلا الكفر. وتمام الكلام على هذا يطول، فله موضع آخر. وعسى أن أبسطه في الفرائد إن شاء الله تعالى (٣). هذا، والدعاءُ نفسه عملٌ ينبغي أن يكون على الصراط المستقيم. وذلك بأن يكون عن يقينٍ صادقٍ وافتقارٍ وخضوعٍ إلى غير ذلك. والذي يجب التنبيه عليه ههنا أن يكون الداعي باذلًا جهدَه في حصول ما يدعو به ساعيًا

стр. 46

في تحصيل أسبابه العادية جهده. فقارئ الفاتحة إذا كان بغاية الحرص على تعرُّف الصراط المستقيم لازمًا جهدَه ما عرف منه، متباعدًا عن خلافه، مؤثِرًا له على هواه؛ وسلطانُ الهوى شديدٌ، ومسالكُه كثير= فبشِّرُه بالإجابة إذا قال: اهدنا السراط المستقيم. وأرى أنَّ الله ﵎ نبَّهنا على هذا، وأجاب هذا الدعاء في الجملة، فهدانا نوعًا عظيمًا من الهداية بقوله سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فإنَّ هذا وإن كان من تتمة الدعاء، ولكن هذه سنَّة معروفة للأذكار والأدعية الواردة في الكتاب والسنة، كما في دعاء الاستغفار الثابت في الصحيح: "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (١). فلابدَّ أن يعرف الإنسان معاني هذه الكلمات، ويتحقق بها؛ وإلا كان كاذبًا. مثلًا إذا لم يعزم التوبة، فكيف يقول: "وأتوب إليك"! وكذلك في الحديث الآخر في "صحيح البخاري" عن النبي ﵌: "سيِّدُ الاستغفار أن تقول: اللهمَّ أنتَ ربِّي [لا إله إلا أنت] خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ" (٢). فإذا كان الداعي لهذا مخِلًّا بما يستطيعه مما عاهد عليه ربَّه، ووعد من نفسه من الطاعة والاتباع؛ فكيف يقول هذا! وكذلك إذا تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ

стр. 47

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] أو دعا بها في الافتتاح مع أنَّ الظاهر أن المعنى: لله أصلِّي، ولله أنسُكُ، ولله أحيا، ولله أموت= فمن كان يحيا ليأكل ويشرب ويلهو ويلعب في معصية الربِّ، فكيف يقول هذا! وكذلك من كان يكره أن يموت في سبيل الله، وله هوى أو عصبية أو غير ذلك، ولا يكره أن يموت في الدفع عنها. فهذه الأذكار والأدعية وأمثالها، فيها تنبيهٌ للعبد وحملٌ له على أن يُجهد نفسَه أولًا على التحقُّق بما فيها، وعلى الأقلِّ يعقدُ عزمَه وهمتَه، ويُخلِصَ نيتَه للتحقُّقِ بذلك في الحال والتزامِه في الاستقبال، ثم يقولُها. ففي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تنبيهٌ لنا أنَّ على المسلم أن يكون حريصًا على اتِّباعِ المنعَمِ عليهم ومخالفةِ المغضوبِ عليهم والضالِّين. فإذا كان ذلك وتلا الفاتحة، وذكر ما فيها من الدعاء، كان شرطُه ــ وهو بذلُ [ل ٦٤/ب] وسعِه فيما يستطيعه مما دعا به ــ حاصلًا، فيستحقُّ الإجابة. وإلَّا كان بمنزلة من يرى حريقًا في جانب البلد، وهو يقدر على أن يباعدَ نفسه عنه، فلا يفعل، بل يقتصر على الدعاء؛ فكيف إذا كان يسعى إلى الحريق، ويدنو منه، ويقول مع ذلك: اللهمَّ باعِدْني عن الحريق! وأما ما في قوله: ﴿سِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) إلخ من الهداية، فهو الدلالة على أنَّ الصراط المستقيم هو سراطُ هؤلاء دون أولئك. وهذا أصل عظيم، ولاسيما بعد القرن الأول؛ فإنَّ البدع والضلالات انتشرت وأُلصِقت بالدين، وأصبح كثير منها عند كثيرٍ من الناس، أو أكثرِهم، حتى كثيرٍ من

стр. 48

المشهورين بالعلم والولاية= هو من نفس الدين، بل من صلبه! بل عند جماعة منهم هو الدين! وتمييزُ هذا بمجرد العقل والاستحسان، أو بالنظر في كتب المتأخرين، أو بسؤال أكثرهم= لا مطمع فيه. وإنما يتميَّز ذلك بالرجوع إلى صراط المنعَم عليهم. وكذلك مناظرةُ أصحاب البدع لا تكاد تغني شيئًا إلا بالرجوع إلى هذا الأصل. وبما ذكرته من التنبيه والهداية يندفع إشكالٌ (١) ليس بالهيِّن. وهو أن يقال: إن المتبادر إلى الفهم أنَّ مثل هذا التركيب إنما يُقصَد به بيانُ الصراط المستقيم وتمييزُه حتى يتبيَّن للمخاطب ولا يشتبه عليه. وهذا محال هنا (٢)، لأن الله ﵎ عالم الغيب والشهادة، فإذا دعاه العبد بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو سبحانه أعلم به. فما الحاجة إلى البيان والتمييز؟ وقد علمتَ بحمد الله أنَّ الأمر هنا بالعكس، وإنَّما هذا في المعنى بيان من الله ، أراد أن يُبيِّن للتالي ويُميِّز له ما هو الصراط المستقيم، فتدبَّرْ. وقد ذكروا في إعراب "صراطَ" أنه بدل من "الصراطَ" قالوا، والعبارة للبيضاوي (٣): "وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة. وفائدته: التوكيد والتنصيص على أنَّ طريقَ المسلمين هو المشهودُ عليه

стр. 49

بالاستقامة، على آكدِ وجهٍ وأبلَغِه، لأنه جُعِل كالتفسير والبيان له ... ". قال الشيخ زاده (١): " ... وأنه علم في الاتصاف بها، لأنه لو لم يكن كذلك لما صحَّ جعلُه كالتفسير والبيان للصراط المستقيم، وكالمزيل لما فيه من الإجمال والإبهام". أقول: أما النكتة الأولى، فقد يعارضها ما اشتهر عندهم أن البدل على نية الطرح والرمي. وأما الثانية، فيقال لهم: وما فائدة هذا التنصيص هنا؟ والحاصل أنَّ القوم عرفوا أنَّ الظاهرَ هو التفسير والبيان وإزالةُ الإجمال والإبهام، ولكنهم رأوا أن هذا لا يصح في خطاب الله ، فتكلَّفوا ما سمعتَ. وقد علمتَ ما عندي، والله يتولَّى هداك! هذا، وقد اختلفت عبارات السلف (٢) في بيان مَن هم المنعَم عليهم. فعن ابن عباس: أنهم الملائكة والنبيُّون والصدِّيقون والشهداء والصالحون. وهذا مأخوذ من قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٦ ــ ٦٩]. وعن ابن عباس أيضًا: أنهم المؤمنون.

стр. 50

وعن الربيع: النبيون. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنهم النبي ﵌ ومَنْ معه. وقد مرَّ عن أبي العالية والحسن ما يفيد أنهم النبي ﵌ وأبو بكر وعمر. أقول: لا تخالُفَ بحمد الله بين هذه الأقوال. فأما في مقام الدعاء، فهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وكلُّهم مؤمنون مسلمون لربِّهم . ومن قال: النبيون، فلأنهم الأصل. وأما في مقام التنبيه على الاتباع والبيان، فعلى التالي أن ينظر من يعرف بسيرتهم من المنعَم عليهم قطعًا، فيتأثرها. فإنه إذا علم أنَّ فلانًا من المنعَم عليهم قطعًا، فلابدَّ أن يكون صراطُه هو صراطَ جميعهِم، وهو الصراط المستقيم. [ل ٦٥/أ] فقد سمَّى الله تعالى لنبيِّه جماعةً ممن قبله من الأنبياء، ثم قال: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وأما أصحابه ﵌، ورضي عنهم، فقد علموا أنَّ النبي ﵌ منعَم عليه قطعًا، وأنَّ صراطَه هو صراطُ المنعَم عليهم، وأنه الصراط المستقيم، فكان التنبيه في حقهم والدلالة على اتباعه. وهكذا من جاء بعدهم. ويزاد في حقِّهم بعد النبي ﵌ أصحابُه الذين تحقَّق أنهم منعَم عليهم. فإذا لم يُعرَف الحكم أو السنة أو الأدب أو نحو ذلك من الكتاب والسنة نُظِرَ في إجماع الصحابة. ولذلك خصَّ أبو العالية (١) أبا بكر وعمر لِتيسُّر معرفةِ إجماع الصحابة في عهدهما. وإذا لم

стр. 51

يكن إجماعٌ فقولُ الواحد من الصحابة، فقولُ الصحابي أولى من غيره، ولاسيَّما من قامت الحجة على أنه بخصوصه من المنعَم عليهم كالخلفاء الأربعة وغيرهم. وقِسْ على هذا. ومن إجماعهم: تركُهم لكثير من الأمور التي انتشرت بين المسلمين بعدَهم على أنها من الدين. فنقول: هذا الفعل بدعة؛ لأنه لم يكن في عهد النبي ﵌ وأصحابه. ولو كان من الدين لما اتَّفقوا على تركه. والله أعلم. " ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال أهل العربيّة: إن كلمة "غير" لا تتعرف بالإضافة إلى المعرفة لتوغُّلها في الإبهام. واستثنى جماعة من محققيهم (١) ما إذا وقعت بين متضادين معرفتين، وذلك لزوال الإبهام؛ وهي ههنا كذلك. فمن قال: لا تتعرَّف، حمَلَها في هذا الموضع على أنها بدل من "الذين". وإبدالُ النكرة من المعرفة جائز عند البصريين بشرط حصول الفائدة. وقال الكوفيون: لا يجوز إلا إذا اتَّحد اللفظُ ونُعِتت النكرةُ (٢)، كما في

стр. 52

قوله تعالى: ﴿بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥ ــ ١٦]. وقال جماعة ــ وعليه جرى ابن جرير (١) ــ: إن الموصول مع صلته يضعف تعريفه، فيصح إبدالُ النكرة منه. وقال بعضهم: هي نعت لِـ"الذين"، إما بأن تكون هي معرفة لوقوعها بين متضادَّين معرفتين، وإما لضعف تعريف الموصول. والذي يظهر أنه على فرض أن "غير" لا تتعرف بوقوعها بين متضادين معرفتين، فعلى الأقل تقرب من المعرفة. فهي قريبة من المعرفة، و"الذين" بصلته قريب من النكرة، فالتقيا، فيصح البدل والنعت (٢). هذا، والأولى هنا البدل، لأن البصريين ــ والاعتماد عليهم ــ لم يشترطوا له إلا حصول الفائدة. وصحته هنا قائمةٌ الحجةُ بها على الكوفيين بما ذكرنا. هذا، والفائدة على نحو ما تقدم. أي أنَّ في هذا تنبيهًا للمؤمنين على أخذ أنفسهم باجتناب ما عليه المغضوب عليهم والضالُّون. وفيه هدايةٌ لهم بأنَّ المغضوب عليهم والضالِّين وإن كانوا في الأصل أو بزعمهم متَّبِعين صراطَ الأنبياء المنعمَ عليهم، فهم أنفسُهم غيرُ منعَم عليهم، فطريقُهم مخالفٌ لصراط المنعَم عليهم، فهو مخالفٌ للصراط المستقيم.

стр. 53

وقوله: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ كان الظاهر أن يقال: الذين غضبتَ عليهم. ومن الحكمة ــ والله أعلم ــ في العدول عن ذلك هنا أنَّ الفاتحَة سورةُ رحمةٍ مكرَّرةٍ وحمدٍ وثناءٍ، والتصريحُ بنسبة الغضب [إلى] (١) الله تعالى لا يساعد ذلك في بادي النظر، وإن كان غضبُ الله على من غضِبَ عليه هو من لوازم الرحمة العامَّة، وهو مقتضٍ لحمد الله تعالى عليه؛ لأنه مع صرف النظر عن الرحمة العامَّة مقتضى الحكمة البالغة. ومن الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ تنبيهُ المتدبِّر على أنَّ المدار على الرحمة، وأنَّ الغضب كالعارض. ولذلك اشتَقَّ اللهُ لنفسه أسماءً من الرحمة والرأفة ونحوها، ولم يشتقَّ لنفسه اسمًا من الغضب. وفي "الصحيحين" في الحديث القدسي: "إنَّ رحمتي سبقت غضبي" (٢). ومن الحكمة ــ والله أعلم ــ تعليمُ العبادِ حسنَ الأدب مع ربِّهم ، فلا ينسبون إليه تصريحًا ما قد يُوهِم. ومنها ــ والله أعلم ــ تأنيسُ المؤمن؛ لأنه إذا تلا هذه السورة متدِّبرًا حقَّ التدبُّر، فقد صار على حالٍ عظيمةٍ من الخضوع والتعظيم لربِّه والتوحيدِ والحرصِ على الاهتداء واتباعِ الصراط المستقيم وصدقِ الإقبال على ربه وغير ذلك، فاستحقَّ إيناسَه بأن لا يقع بعد ذلك كلِّه تصريحٌ بنسبة الغضب إلى ربِّه . فإنْ تدبَّر وعرَفَ أنَّ المعنى على ذلك آنسه العدولُ عن التصريح لما فيه من التنبيه على الحِكَم المذكورة.

стр. 54

وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أي وغيرِ الضالِّين. والضلالُ خلاف الاهتداء. فالمعنى: وغيرِ الذين ضلُّوا عن سبيل الحق. ولم يقل: "ولا الذين أضللتَ"، لنحو ما تقدَّم، وللتنبيه على أنَّ أصلَ الضلال إنما يجيء من العبد نفسه، فأما إضلالُ الربِّ لمن شاء، فإنما يقع عقوبةً لمن اختار الضلال لنفسه وأصرَّ عليه. قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ الكلام على ذلك (١). هذا وقد جاء عن النبي ﵌ وعن جماعة ممن بعده من الصحابة والتابعين أنَّ المراد بالمغضوب عليهم: اليهود، وبالضالِّين: النصارى (٢). وفي القرآن ما يشهد لذلك. وهو الذي يقتضيه السياق، لأنه قد تقدَّم ذكرُ الذين أنعم الله عليهم، وبيَّن أنَّ رؤوسهم الأنبياء ثم أتباعهم. وقد عُرف أنَّ اليهودَ كان أوائلُهم من أتباع الأنبياء كموسى وهارون، وكان فيهم بعد ذلك عدد من الأنبياء، وأنَّ النصارى من أتباع عيسى مع اتباعهم لموسى وهارون ومَن بعدهما، وأواخر الأمتين يزعمون أنهم كأوائلهم ومعروفون بين الناس أنهم في الجملة من أتباع الأنبياء= فقد يُتوهَّم دخولُ اليهود والنصارى في المنعَم عليهم، فربَّما يحمل ذلك على اتباعهم في بعض الأشياء توهُّمًا من الصراط المستقيم. هذا مع كثرة ملابسة المسلمين لهاتين الأمتين.

стр. 55

[ل ٦٥/ب] فاقتضت الحكمةُ أن يبيِّن الله لعباده خروجَ اليهود والنصارى عن المنعَم عليهم، وبيِّنٌ سببُ ذلك, وهو أنَّ اليهود خرجوا في الواقع عن الصراط المستقيم الذي كان عليه موسى وهارون ومَن بعدهما من الأنبياء خروجًا أوجَبَ عليهم الغضبَ، وأنَّ النصارى خرجوا عن الصراط المستقيم الذي كان عليه عيسى والأنبياء من قبله، وضلُّوا الضلالَ البعيدَ. فعُلِمَ بذلك أنَّ ما هم عليه مخالفٌ للصراط المستقيم وأنَّ ما بأيديهم من الكتب لا يوثق بها. وزعم جماعة من المتأخرين (١) أن الأَولى حملُ المغضوب عليهم والضالين على العموم، أي كُلِّ مغضوب عليه وكلِّ ضالٍّ. وأقول: لا حاجة إلى هذا؛ لأنه مع مخالفته للمأثور، ومخالفته للسياق، وإخلاله ببعض الفوائد المتقدمة، ليس فيه فائدة. على أنَّ حاصله حاصلٌ أيضًا مع التفسير المأثور، فإنه إذا عُلِمَ أنَّ اليهودَ مغضوبٌ عليهم، لا منعَم عليهم، فصراطُهم مخالفٌ للصراط المستقيم، فعلى المسلم الحذرُ مما هم عليه؛ وأنَّ النصارى ضالُّون غيرُ منعَم عليهم، فكذلك كان في ذلك تنبيه (٢) على أنَّ كلَّ من تحقَّق أنه مغضوب عليه أو ضالٌّ، فالحال فيه كذلك. والله الموفق، لا إله إلا هو. * * * *

стр. 56

مسألة قال ابن جرير (١): "اختُلِف في صفة الغضب من الله جلَّ ذكرهُ، فقال بعضهم: غضبُ الله على من غضِبَ عليه من خلقه إحلالُ عقوبته بمن غضِبَ عليه ... وقال بعضهم: غضبُ الله على من غَضِب عليه من عباده ذمٌّ منه لهم [ولأفعالهم] (٢) وشتمٌ منه لهم بالقول. وقال بعضهم: الغضب معنى مفهوم كالذي يُعرف من معاني الغضب، غيرَ أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبات، فمخالفٌ معناه [منه] معنى ما يكون مِن غضب [الآدميين] الذين يُزعجهم ويُحرِّكهم ويَشُقُّ عليهم ويؤذيهم، لأنَّ الله جلَّ ثناؤه لا تحلُّ ذاتَه الآفاتُ، ولكنه له صفة، كما العلمُ له صفةٌ، والقدرة له صفة، على ما يُعقَل من جهة الإثبات، وإن خالفتْ معاني ذلك معانيَ علوم العباد، التي هي معارف القلوب وقواهم التي تُوجَد مع وجود الأفعال وتُعدَم مع عدمها". أقول: القولان الأولان كأنهما لبعض معاصريه أو متقدِّميه قليلًا ممن خاض في هذه الأشياء. فأمَّا السلفُ فلم يشتبه عليهم الأمر، لأنَّ معنى الغضب في حدِّ ذاته معنى مكشوف، والعرب تفهمه مطلقًا، ثم تنسبُه وتفهم نسبتَه إلى من اتصف به على حسب ما يليق به. وقد علموا أنَّ الربَّ ليس من جنس خلقه، فلا يفهمون من نسبة الغضب إليه سبحانه أنَّ غضبه كغضب الإنسان من كل وجه، حتى يلزمَه كلُّ ما يلزم غضبَ الإنسان.

стр. 57

ومَن تأمَّل المواقع التي نُسب الغضبُ فيها إلى الربِّ في الكتاب والسنَّة علم أنَّ غالبها لا يحتمل التأويل. والله الهادي إلى سواء السبيل.