← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (١) فصح أنه لا يحل الرد عند التنازع إلى شيء غير كلام الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وفي هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون رسول الله ﷺ لأن من رجع إلى قول إنسان دونه ﵇ فقد خالف أمر الله تعالى بالرد إليه وإلى رسوله لا سيما مع تعليقه تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ ولم يأمر الله تعالى بالرجوع إلى قول بعض المؤمنين دون جميعهم، وقد كان الخلفاء ﵃ كأبي بكر وعمر وعثمان بالمدينة وعمالهم باليمن ومكة وسائر البلاد وعمال عمر بالبصرة والكوفة ومصر والشام. ومن الباطل المتيقن الممتنع الذي لا يمكن أن يكونوا ﵃ طووا علم الواجب والحلال والحرام عن سائر الأمصار واختصوا به أهل المدينة فهذه صفة سوء قد أعاذهم الله تعالى منها وقد عمل ملوك بني أمية بإسقاط بعض التكبير من الصلاة وبتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين حتى فشا ذلك في الأرض فصح أنه لا حجة في عمل أحد دون رسول الله ﷺ . (٢) - وقال ﵀: ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله عزوجل في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل البرية أن يسأل

стр. 2872

عن أعلم أهل موضعه بالدين الذي جاء به رسول الله ﷺ ، فإذا دل عليه سأله، فإذا أفتاه قال له: هكذا قال الله عزوجل ورسوله؟ فإن قال له نعم أخذ بذلك وعمل به أبدا، وإن قال له هذا رأيي أو هذا قياس أو هذا قول فلان وذكر له صاحبا (١) أو تابعا أو فقيها قديما أو حديثا أو سكت أو انتهره أو قال له لا أدري، فلا يحل له أن يأخذ بقوله ولكنه يسأل غيره. برهان ذلك قول الله عزوجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فلم يأمرنا عزوجل قط بطاعة بعض أولي الأمر، فمن قلد عالما أو جماعة علماء فلم يطع الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا أولي الأمر، وإذا لم يرد إلى من ذكرنا فقد خالف أمر الله عزوجل ولم يأمر الله عزوجل قط بطاعة بعض أولي الأمر دون بعض. فإن قيل: فإن الله عزوجل قال: ﴿فسألوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٤). قلنا: نعم ولم يأمر الله عزوجل أن يقبل من النافر للتفقه في الدين رأيه، ولا أن يطاع أهل الذكر في رأيهم ولا في دين يشرعونه لم يأذن به الله عزوجل وإنما أمر تعالى أن يسأل أهل الذكر عما يعلمونه في الذكر الوارد من عند الله تعالى فقط لا

стр. 2873

عمن قاله من لا سمع له ولا طاعة، وإنما أمر الله تعالى بقبول نذارة النافر للتفقه في الدين فيما تفقه فيه من دين الله تعالى الذي أتى به رسول الله ﷺ لا في دين لم يشرعه الله عزوجل، ومن ادعى وجود تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به قط نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل، بل البرهان قد جاء بإبطاله، قال تعالى ذاما لقوم قالوا: ﴿إنا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ (١) والاجتهاد إنما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله عزوجل الذي أوجبه على عباده، وبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أن المسلم لا يكون مسلما إلا حتى يقر بأن الله تعالى إلهه لا إله غيره وأن محمدا هو رسول الله ﷺ بهذا الدين إليه وإلى غيره، فإذ لا شك في هذا فكل سائل في الأرض عن نازلة في دينه فإنما يسأل عما حكم الله تعالى به في هذه النازلة، فإذ لا شك في هذا ففرض عليه أن يسأل إذا سمع فتيا: أهذا حكم الله وحكم رسوله ﷺ ؟ وهذا لا يعجز عنه من يدري ما الاسلام ولو أنه كما جلب من قوقوا وبالله تعالى التوفيق. (٢) - وقال ﵀: والمجتهد المخطئ أفضل عند الله تعالى من المقلد المصيب، هذا في أهل الإسلام خاصة، وأما غير أهل الإسلام فلا عذر للمجتهد المستدل ولا للمقلد، وكلاهما هالك. برهان هذا ما ذكرناه آنفا باسناده من قول رسول الله ﷺ «إذا اجتهد

стр. 2874

الحاكم فأخطأ فله أجر» (١) وذم الله التقليد جملة، فالمقلد عاص والمجتهد مأجور، وليس من اتبع رسول الله ﷺ مقلدا لأنه فعل ما أمره الله تعالى به، وإنما المقلد من اتبع من دون رسول الله ﷺ لأنه فعل ما لم يأمره الله تعالى به، وأما غير أهل الإسلام فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٢).اهـ (٣) - وقال ﵀: والحق من الأقوال في واحد منها وسائرها خطأ. وبالله تعالى التوفيق. قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿ولو كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٥) وذم الله الاختلاف فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿تبياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨) فصح أن الحق

стр. 2875

في الأقوال ما حكم الله تعالى به فيه، وهو واحد لا يختلف، وأن الخطأ ما لم يكن من عند الله عزوجل. ومن ادعى أن الأقوال كلها حق وأن كل مجتهد مصيب فقد قال قولا لم يأت به قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل، ويبطله أيضا قول رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» فنص ﵊ أن المجتهد قد يخطئ، ومن قال: إن الناس لم يكلفوا إلا اجتهادهم فقد أخطأ، بل ما كلفوا إلا إصابة ما أمر الله به قال الله عزوجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) فافترض عزوجل اتباع ما أنزل الينا وأن لا نتبع غيره وأن لا نتعدى حدوده، وإنما أجر المجتهد المخطئ أجرا واحدا على نيته في طلب الحق فقط، ولم يأثم إذا حرم الإصابة، فلو أصاب الحق أجر أجرا آخر كما قال ﵇: «إنه إذا أصاب أجر أجرا ثانيا». حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد أخبرنا ابراهيم بن أحمد الفربري حدثنا البخاري حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حيوة بن شريح حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم بن الحرث عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص انه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». ولا يحل الحكم بالظن أصلا لقول الله تعالى: ﴿إِنْ

стр. 2876

يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ (١) ولقول رسول الله ﷺ «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (٢) وبالله تعالى التوفيق. (٣) - ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عباد قوله: فإن تَحْرِقوا القِرْطَاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري دعوني من إحراق رَقّ وكاغد ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري وإلا فعودوا في المكاتب بدأة ... فكم دون ما تبغون لله من ستر كذاك النصارى يحرقون إذا علت ... أكفهم القرآن في مدن الثغر (٤) - وقال: أشهد الله والملائكة أني ... لا أرى الرأي والمقاييس دينا حاش لله أن أقول سوى ما ... جاء في النص والهدى مستبينا كيف يخفى على البصائر هذا ... وهو كالشمس شهرة ويقينا (٥) فقال الذهبي مجيبا له:

стр. 2877

لو سلمتم من العموم الذي ... نعلم قطعا تخصيصه ويقينا وترطبتم فكم قد يبستم ... لرأينا لكم شفوفا مبينا - وله: أنائم أنت عن كتب الحديث وما ... أتى عن المصطفى فيها من الدين كمسلم والبخاري اللذين هما ... شدا عرى الدين في نقل وتبيين أولى بأجر وتعظيم ومحمدة ... يا من هدى بهما اجعلني كمثلهما ... من كل قول أتى من رأي سحنون في نصر دينك محضا غير مفتون (١) - وقال: قالوا تحفظ فإن الناس قد كثرت ... أقوالهم وأقاويل الورى محن فقلت: هل عيبهم لي غير أني ... لا أقول بالرأي إذ في رأيهم فتن وأنني مولع بالنص لست إلى ... سواه أنحو ولا في نصره أهن لا أنثني لمقاييس يقال بها ... في الدين بل حسبي القرآن والسنن يا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي ... ويا سروري به لو أنهم فطنوا دعهم يعضوا على صم الحصى كمدا ... من مات من قوله عندي له كفن (٢) موقفه من المشركين: من مواقفه الجليلة رده المفحم على قصيدة الأرمني المرتد: قال ابن كثير: وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية المخذولة الملعونة، وأتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة قال المرتد الكافر الأرمني على لسان

стр. 2878

ملكه لعنهما الله وأهل ملتهم أجمعين أكتعين أبتعين أبصعين آمين يا رب العالمين. ومن خط ابن عساكر كتبتها، وقد نقلوها من كتاب صلة الصلة للفرغاني: من الملك الطهر المسيحي مالك ... إلى خلف الأملاك من آل هاشم إلى الملك الفضل المطيع أخي العلا ... ومن يرتجى للمعضلات العظائم أما سمعت أذناك ما أنا صانع ... ولكن دهاك الوهن عن فعل حازم فإن تك عما قد تقلدت نائما ... فإني عما همني غير نائم ثغوركم لم يبق فيها لوهنكم ... وضعفكم إلا رسوم المعالم فتحنا الثغور الأرمنية كلها ... بفتيان صدق كالليوث الضراغم ونحن صلبنا الخيل تعلك لجمها ... وتبلغ منها قضمها للشكائم إلى كل ثغر بالجزيرة آهل ... إلى جند قنسرينكم فالعواصم وملطية مع سميساط وكركر ... وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم وبالحدث الحمراء جالت عساكري ... وكيسوم بعد الجعفري للمعالم وكم قد ذللنا من أعزة أهلها ... فصاروا لنا من بين عبد وخادم وسد سروج إذ خربنا بجمعنا ... لنا رتبة تعلو على كل قائم وأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا وصبح رأس العين منا بطارق ... بمنديل مولى جل عن وصف آدمي ببيض غزوناها بضرب الجماجم ودارا وميافارقين وأزرنا ... أذقناهم بالخيل طعم العلاقم واقريطش جازت إليها مراكبي ... على ظهر بحر مزبد متلاطم فحزتم أسرى وسيقت نساؤهم ... ذوات الشعور المسبلات النواعم

стр. 2879

هناك فتحنا عين زربة عنوة ... نعم وأبدنا كل طاغ وظالم إلى حلب حتى استبحنا حريمها ... وهدم منها سورها كل هادم أخذنا النسا ثم البنات نسوقهم ... وصبيانهم مثل المماليك خادم وقد فر عنها سيف دولة دينكم ... وناصركم منا على رغم راغم وملنا على طرسوس ميلة حازم ... أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم فكم ذات عز حرة علوية ... منعمة الأطراف ريا المعاصم سبينا فسقنا خاضعات حواسرا ... بغير مهور لا ولا حكم حاكم وكم من قتيل قد تركنا مجندلا ... يصب دما بين اللها واللهازم وكم وقعة في الدرب أفنت كماتك ... وسقناهم قسرا كسوق البهائم وملنا على أرياحكم وحريمها ... مدوخة تحت العجاج السواهم فأهوت أعاليها وبدل رسمها ... من الأنس وحشا بعد بيض نواعم إذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى ... وأتبعه في الربع نوح الحمائم وإنطاك لم تبعد علي وإنني ... سأفتحها يوما بهتك المحارم ومسكن آبائي دمشق فإنني ... سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي ومصر سأفتحها بسيفي عنوة وأجزي كافورا بما يستحقه ... ألا شمروا يا أهل حمدان شمروا ... وآخذ أموالي بها وبهائمي ... بمشط ومقراض وقص محاجم أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم فإن تهربوا تنجوا كراما وتسلموا ... من الملك الصادي بقتل المسالم كذاك نصيبين وموصلها إلى ... جزيرة آبائي وملك الأقادم سأفتح سامرا وكوثا وعكبرا ... وتكريتها مع ماردين العواصم

стр. 2880

وأقتل أهليها الرجال بأسرها ... وأغنم أموالا بها وحرائم ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم ... فكلكم مستضعف غير رائم رضيتم بحكم الديلمي ورفضه ... فصرتم عبيدا للعبيد الديالمي ويا قاطني الرملات ويلكم ارجعوا ... إلى أرض صنعا راعيين البهائم وعودوا إلى أرض الحجاز أذلة ... وخلوا بلاد الروم أهل المكارم سألقي جيوشا نحو بغداد سائرا ... إلى باب طاق حيث دار القماقم وأحرق أعلاها وأهدم سورها ... وأسبي ذراريها على رغم راغم وأحرز أموالا بها وأسرة ... وأقتل من فيها بسيف النقائم وأسري بجيشي نحو أهواز مسرعا ... لإحراز ديباج وخز السواسم وأشعلها نهبا وأهدم قصورها ... وأسبي ذراريها كفعل الأقادم ومنها إلى شيراز والري فاعلموا ... خراسان قصري والجيوش بحارم إلى شاس بلخ بعدها وخواتها ... وفرغانة مع مروها والمخازم وسابور أهدمها وأهدم حصونها ... وأوردها يوما كيوم السمائم وكرمان لا أنسى سجستان كلها ... وكابلها النائي وملك الأعاجم أسير بجندي نحو بصرتها التي ... لها بحر عج رائع متلازم إلى واسط وسط العراق وكوفة ... كما كان يوما جندنا ذو العزائم وأخرج منها نحو مكة مسرعا ... أجر جيوشا كالليالي السواجم فأملكها دهرا عزيزا مسلما ... أقيم بها للحق كرسي عالم وأحوي نجدا كلها وتهامها ... وسرا واتهام مذحج وقحاطم وأغزو يمانا كلها وزبيدها ... وصنعاءها مع صعدة والتهائم

стр. 2881

فأتركها أيضا خرابا بلاقعا ... خلاء من الأهلين أهل نعائم وأحوي أموال اليمانين كلها ... وما جمع القرماط يوم محارم أعود إلى القدس التي شرفت بنا ... بعز مكين ثابت الأصل قائم وأعلو سريري للسجود معظما ... وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم هنالك تخلو الأرض من كل مسلم ... لكل نقي الدين أغلف زاعم نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم ... وأعلنتموا بالمنكرات العظائم قضاتكم باعوا القضاء بدينهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم عدو لكم بالزور يشهد ظاهرا ... وبالإفك والبرطيل مع كل قائم سأفتح أرض الله شرقا ومغربا ... وأنشر دينا للصليب بصارمي فعيسى علا فوق السموات عرشه ... يفوز الذي والاه يوم التخاصم وصاحبكم بالترب أودى به الثرى ... فصار رفاتا بين تلك الرمائم تناولتم أصحابه بعد موته ... بسب وقذف وانتهاك المحارم هذا آخرها لعن الله ناظمها وأسكنه النار، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ (١) يوم يدعو ناظمها ثبورا ويصلى نارا سعيرا، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ

стр. 2882

خَذُولًا (٢٩)﴾ (١) إن كان مات كافرا. وهذا جوابها لأبي محمد بن حزم الفقيه الظاهري الأندلسي قالها ارتجالا حين بلغته هذه الملعونة غضبا لله ولرسوله ولدينه كما ذكر ذلك من رآه، فرحمه الله وأكرم مثواه وغفر له خطاياه. (٢) من المحتمي بالله رب العوالم ... ودين رسول الله من آل هاشم محمد الهادي إلى الله بالتقى ... وبالرشد والإسلام أفضل قائم عليه من الله السلام مرددا ... إلى أن يوافي الحشر كل العوالم إلى قائل بالإفك جهلا وضلة ... عن النقفور المفتري في الأعاجم دعوت إماما ليس من أمرائه ... بكفيه إلا كالرسوم الطواسم دهته الدواهي في خلافته كما ... دهت قبله الأملاك دهم الدواهم ولا عجب من نكبة أو ملمة ... تصيب كريم الجد ابن الأكارم ولو أنه في حال ماضي جدوده ... لجرعتم منه سموم الأراقم عسى عطفة لله في أهل دينه ... تجدد منه دارسات المعالم فخرتم بما لو كان فيكم حقيقة ... لكان بفضل الله أحكم حاكم إذن لاعترتكم خجلة عند ذكره ... وأخرس منكم كل فاه مخاصم سلبناكم كَرّاً ففزتم بغرة ... من الكر أفعال الضعاف العزائم فطرتم سرورا عند ذاك ونشوة ... كفعل المهين الناقص المتعالم وما ذاك إلا في تضاعيف عقله ... عريقا وصرف الدهر جم الملاحم

стр. 2883

ولما تنازعنا الأمور تخاذلا ... ودانت لأهل الجهل دولة ظالم وقد شعلت فينا الخلائف فتنة ... لعُبدانهم مع تُركهم والدلائم بكفر أياديهم وجحد حقوقهم ... بمن رفعوه من حضيض البهائم وثبتم على أطرافنا عند ذاكم ... وثوب لصوص عند غفلة نائم ألم تنتزع منكم بأعظم قوة ... جميع بلاد الشام ضربة لازم ومصرا وأرض القيروان بأسرها ... وأندلسا قسرا بضرب الجماجم ألم ننتزع منكم على ضعف حالنا ... صقلية في بحرها المتلاطم مشاهد تقديساتكم وبيوتها ... لنا وبأيدينا على رغم راغم أما بيت لحم والقمامة بعدها ... بأيدي رجال المسلمين الأعاظم وسركيسكم في أرض اسكندرية ... وكرسيكم في القدس في أدرثاكم ضممناكم قسرا برغم أنوفكم ... وكرسي قسطنطينية في المعادم ولابد من عود الجميع بأسره ... إلينا بعز قاهر متعاظم أليس يزيدٌ حل وسط دياركم ... على باب قسطنطينية بالصوارم ومسلمة قد داسها بعد ذاكم ... بجيش تهام قد دوى بالضراغم وأخدمكم بالذل مسجدنا الذي ... بنى فيكم في عصره المتقادم إلى جنب قصر الملك من دار ملككم ... ألا هذه حق صرامة صارم وأدى لهارون الرشيد مليككم ... رفادة مغلوب وجزية غارم سلبناكم مصرا شهودٌ بقوة ... حبانا بها الرحمن أرحم راحم إلى بيت يعقوب وأرباب دومة ... إلى لجة البحر المحيط المحاوم فهل سرتم في أرضنا قط جمعة ... أبى الله ذا كم يا بقايا الهزائم

стр. 2884

فمالكم إلا الأماني وحدها ... بضائع نوكى تلك أحلام نائم رويدا فما بعد الخلافة نورها ... وسفر مغير أوجوه الهواشم وحينئذ تدرون كيف قراركم ... إذا صدمتكم خيل جيش مصادم على سالف العادات منا ومنكم ... ليالي بهم في عداد الغنائم سبيتم سبايا يحصر العد دونها ... وسبيكم فينا كقطر الغمائم فلو رام خلق عدها رام معجزا ... وأنى بتعداد لرش الحمائم بابني حميدان وكافور صلتم ... أرذال أنجاس قصارالمعاصم دعي وحجام سطوتم عليهما ... وما قدرهم مصاص دم المحاجم فهلا على دميانة قبل ذلك أو ... على محل أرباض رماة الضراغم ليالي قادوكم كما اقتادكم ... أقيال جرجان بحز الحلاقم وساقوا على رسل بنات ملوككم ... سبايا كما سيقت ظباء الصرائم ولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلى ... لكم من ملوك مكرمين قماقم يخبركم عنا التنوخ وقيصر ... وكم قد سبينا من نساء كرائم وعما فتحنا من منيع بلادكم ... وعما أقمنا فيكم من مآتم ودع كل نذل مفتر لا تعده ... إماما ولا الدعوى له بالتقادم فهيهات سامرا وتكريت منكم ... إلى جبل تلكم أماني هائم منى يتمناها الضعيف ودونها ... نظائرها ... وحز الغلاصم تريدون بغداد سوقا جديدة ... مسيرة شهر للفنيق القواصم محلة أهل الزهد والعلم والتقى ... ومنزلة يختارها كل عالم دعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها ... من المسلمين الغر كل مقاوم

стр. 2885

ودون دمشق جمع جيش كأنه ... سحائب طير ينتحي بالقوادم وضرب يلقي الكفر كل مذلة ... كما ضرب السِّكِّي بِيض الدراهمِ ومن دون أكناف الحجاز جحافل ... كقطر الغيوم الهائلات السواجم بها من بني عدنان كل سميدع ... ومن حي قحطان كرام العمائم ولو قد لقيتم من قضاعة كبة ... لقيتم ضراما في يبيس الهشائم إذا أصبحوكم ذكَّروكم بما خلا ... لهم معكم من صادق متلاحم زمان يقودون الصوافن نحوكم ... فجئتم ضمانا أنكم في الغنائم سيأتيكم منهم قريبا عصائب ... تنسيكم تذكار أخذ العواصم وأموالكم حل لهم ودماؤكم ... بها يشتفي حر الصدور الحوايم وأرضيكم حقا سيقتسمونها ... كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم ولو طرقتكم من خراسان عصبة ... وشيراز والري الملاح القوائم لما كان منكم عند ذلك غير ما ... عهدنا لكم: ذل وعض الأباهم فقد طالما زاروكم في دياركم ... مسيرة عام بالخيول الصوادم فأما سجستان وكرمان بالأولى ... وكابل حلوان بلاد المراهم وفي فارس والسوس جمع عرمرم ... وفي أصبهان كل أروع عارم فلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم ... فرائس كالآساد فوق البهائم وبالبصرة الغراء والكوفة التي ... سمت وبآدي واسط بالعظائم جموع تسامي الرمل عدا وكثرة ... فما أحد عادوه منهم بسالم ومن دون بيت الله في مكة التي ... حباها بمجد للبرايا مراحم محل جميع الأرض منها تيقنا ... محلة سفل الخف من فص خاتم

стр. 2886

دفاع من الرحمن عنها بحقها ... فما هو عنها رد طرف برائم بها وقع الأحبوش هلكى وفيلهم ... بحصباء طير في ذرى الجو حائم وجمع كجمع البحر ماض عرمرم ... حمى بنية البطحاء ذات المحارم ومن دون قبر المصطفى وسط طيبة ... جموع كمسود من الليل فاحم يقودهم جيش الملائكة العلى ... دفاعا ودفعا عن مصل وصائم فلو قد لقيناكم لعدتم رمائما ... كما فرق الإعصار عظم البهائم وباليمن الممنوع فتيان غارة ... إذا مالقوكم كنتم كالمطاعم وفي جانبي أرض اليمامة عصبة ... معاذر أمجاد طوال البراجم ونستفتكم والقرمطيين دولة ... تقووا بميمون التقية حازم خليفة حق ينصر الدين حكمه ... ولا يتقي في الله لومة لائم إلى ولد العباس تنمي جدوده ... بفخر عميم مزبد الموج ناعم ملوك جرى بالنصر طائر سعدهم ... فأهلا بماض منهم وبقادم محلهم في مسجد القدس أو لدى ... منازل بغداد محل المكارم وإن كان من عليا عدي وتيمها ... ومن أسد هذا الصلاح الحضارم فأهلا وسهلا ثم نعمى ومرحبا بهم ... من خيار سالفين أقادم هم نصروا الإسلام نصرا مؤزرا ... وهم فتحوا البلدان فتح المراغم رويدا فوعد الله بالصدق وارد ... بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم سنفتح قسطنطينية وذواتها ... ونجعلكم فوق النسور القعاشم ونفتح أرض الصين والهند عنوة ... بجيش لأرض الترك والخزر حاطم مواعيد للرحمن فينا صحيحة وليست ... كآمال العقول السواقم

стр. 2887

ونملك أقصى أرضكم وبلادكم ... ونلزمكم ذل الحراب المخارم إلى أن ترى الإسلام قد عم حكمه ... جميع الأراضي بالجيوش الصوارم أتقرن يا مخذول دينا مثلثا ... بعيدا عن المعقول بادي المآثم تدين لمخلوق يدين لغيره ... فيالك سحقا ليس يخفى لعالم أناجيلكم مصنوعة قد تشابهت ... كلام الأولى فيها أتوا بالعظائم وعود صليب ما تزالون سجدا ... له يا عقول الهاملات السوائم تدينون تضلالا بصلب إلهكم ... بأيدي يهود أرذلين الآثم إلى ملة الإسلام توحيد ربنا ... فما دين ذي دين لها بمقاوم وصدق رسالات الذي جاء بالهدى ... محمد الآتي برفع المظالم وأذعنت الأملاك طوعا لدينه ... ببرهان صدق طاهر في المواسم كما دان في صنعاء مالك دولة ... وأهل عمان حيث رهط الجهاضم وسائر أملاك اليمانين أسلموا ... ومن بلد البحرين قوم اللهازم أجابوا لدين الله لا من مخافة ... ولا رغبة يحظى بها كف عادم فحلوا عرى التيجان طوعا ورغبة ... بحق يقين بالبراهين فاحم وحاباه بالنصر المكين إلهه ... وصير من عاداه تحت المناسم فقير وحيد لم تعنه عشيرة ... ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم ولا عنده مال عتيد لناصر ... ولا دفع مرهوب ولا لمسالم ولا وعد الأنصار مالا يخصهم ... بلى كان معصوما لأقدر عاصم ولم تنهه في الحق قوة آسر ... ولا مكنت من جسمه يد ظالم كما يفتري إفكا وزورا وضلة ... على وجه عيسى منكم كل لاطم

стр. 2888

على أنكم قد قتلتموا هو ربكم ... فيا لضلال في القيامة عائم أبى الله أن يدعى له ابن وصاحب ... ستلقى دعاة الكفر حالة نادم ولكنه عبد نبي مكرم ... من الناس مخلوق ولا قول زاعم أيلطم وجه الرب؟ تبا لدينكم ... لقد فقتم في قولكم كل ظالم وكم آية أبدى النبي محمد ... وكم علم أبداه للشرك حاطم تساوى جميع الناس في نصر حقه ... بلى ولكل في العطا حال خادم فعرب وأحبوش وفرس وبربر ... وكرديهم قد فاز قدح المراحم وقبط وأنباط وخزر وديلم ... وروم رموكم دونه بالقواصم أبوا كفر أسلاف لهم فتمنعوا ... فآبوا بحظ في السعادة لازم به دخلوا في ملة الحق كلهم ... ودانوا لأحكام الإله اللوازم به صح تفسير المنام الذي أتى ... به دانيال قبله حتم حاتم وهند وسند أسلموا وتدينوا ... بدين الهدى رفض لدين الأعاجم وشق له بدر السموات آية ... وأشبع من صاع له كل طاعم وسالت عيون الماء في وسط كفه ... فأروى به جيشا كثيرا هماهم وجاء بما تقضي العقول بصدقه ... ولا كدعاء غير ذات قوائم عليه سلام الله ما ذر شارق ... تعقبه ظلماء أسحم قاتم براهينه كالشمس لا مثل قولكم ... وتخليطكم في جوهر وأقانم لنا كل علم من قديم ومحدث ... وأنتم حمير داميات المحازم أتيتم بشعر بارد متخاذل ... ضعيف معاني النظم جم البلاعم فدونكها كالعقد فيه زمرد ... ودر وياقوت بإحكام حاكم

стр. 2889

وجاء في ميزان الاعتدال: قال ابن حزم: قالت فرقة عادية بنبوة المغيرة ابن سعيد وكان لعنه الله مولى بجيلة. وكان لعنه الله يقول: إن معبوده على صورة رجل على رأسه تاج وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء. وإنه لما أراد أن يخلق تكلم باسمه فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بأصبعه أعمال العباد. فلما رأى المعاصي ارفض عرقا، فاجتمع من عرقه بحران ملح وعذب؛ وخلق الكفار من البحر الملح. تعالى الله عما يقول. وحاكي الكفر ليس بكافر؛ فإن الله ﵎ قص علينا في كتابه صريح كفر النصارى واليهود، وفرعون ونمرود، وغيرهم. (١) موقفه من الرافضة: - قال الذهبي في سيره: وكان في هذا الحين المتكلم البارع هشام بن الحكم الكوفي الرافضي المشبه المعثر، وله نظر وجدل، وتواليف كثيرة. قال ابن حزم: جمهور متكلمي الرافضة كهشام بن الحكم، وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما يقولون بأن علم الله محدث، وأنه لم يعلم شيئا في الأزل، فأحدث لنفسه علما. قال: وقال هشام بن الحكم في مناظرته لأبي الهذيل: إن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه. قال: وكان داود الجواربي من كبار متكلميهم يزعم أن ربه لحم ودم على صورة الآدمي. قال: ولا يختلفون في رد الشمس لعلي مرتين. ومن قول كلهم: إن القرآن مبدل زيد فيه ونقص منه إلا الشريف المرتضى وصاحبيه. قال النديم: هو من أصحاب جعفر

стр. 2890

الصادق، هذب المذهب، وفتق الكلام في الإمامة. (١) - قال في الملل والنحل: ومن قول الإمامية كلها قديما وحديثا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه كثير، وبدل منه كثير حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي ابن الحسن بن علي بن أبي طالب. وكان إماميا يظاهر بالاعتزال مع ذلك؛ فإنه كان ينكر هذا القول ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي وأبو القاسم الرازي. قال أبو محمد: القول بأن بين اللوحين تبديلا كفر صحيح وتكذيب لرسول الله ﷺ . وقالت طائفة من الكيسانية بتناسح الأرواح، وبهذا يقول السيد الحميري الشاعر لعنه الله؛ ويبلغ الأمر بمن يذهب إلى هذا إلى أن يأخذ أحدهم البغل أو الحمار فيعذبه ويضربه ويعطشه ويجيعه على أن روح أبي بكر وعمر ﵄ فيه، فاعجبوا لهذا الحمق الذي لا نظير له. وما الذي خص هذا البغل الشقي أو الحمار المسكين بنقله الروح إليه دون سائر البغال والحمير. وكذلك يفعلون بالعنز على أن روح أم المؤمنين عائشة ﵂ فيها ... (٢) - ثم ذكر من سخافاتهم إلى أن قال: فهذه مذاهب الإمامية، وهي المتوسطة في الغلو من فرق الشيعة، وأما الغالية من الشيعة فهم قسمان: قسم أوجبت النبوة بعد النبي ﷺ لغيره، والقسم الثاني أوجبوا الإلهية لغير الله عز

стр. 2891

وجل فلحقوا بالنصارى واليهود وكفروا أشنع الكفر، فالطائفة التي أوجبت النبوة بعد النبي ﷺ فرق؛ فمنهم الغرابية وقولهم إن محمدا ﷺ كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وإن الله بعث جبريل ﵇ بالوحي إلى علي فغلط جبريل بمحمد ولا لوم على جبريل في ذلك لأنه غلط. وقالت طائفة منهم بل تعمد ذلك جبريل، وكفروه ولعنوه لعنهم الله. قال أبو محمد: فهل سمع بأضعف عقولا وأتم رقاعة من قوم يقولون إن محمدا ﷺ كان يشبه علي بن أبي طالب، فيا للناس أين يقع شبه ابن أربعين سنة من صبي ابن إحدى عشرة سنة حتى يغلط به جبريل ﵇، ثم محمد ﵇ فوق الربعة، إلى الطول، قويم القناة، كث اللحية، أدلج العينين، ممتلي الساقين ﷺ ، قليل شعر الجسد، أفرع. وعليّ دون الربعة إلى القصر، منكب شديد الانكباب كأنه كسر ثم جبر، عظيم اللحية قد ملأت صدره من منكب إلى منكب إذ التحي (١) ثقيل العينين دقيق الساقين أصلع عظيم الصلع ليس في رأسه شعر إلا في مؤخره يسير، كثير شعر اللحية. فاعجبوا لحمق هذه الطبقة، ثم لو جاز أن يغلط جبريل -وحاشا لروح القدس الأمين-كيف غفل الله عن تقويمه وتنبيهه؟ وتركه على غلطه ثلاثا وعشرين سنة، ثم أظرف من هذا كله، من أخبرهم بهذا الخبر؟ ومن خرفهم بهذه الخرافة وهذا لا يعرفه إلا من شاهد أمر الله تعالى لجبريل ﵇، ثم شاهد خلافه، فعلى هؤلاء لعنة الله ولعنة اللاعنين ولعنة الناس أجمعين ما دام لله في عالمه خلق. وفرقة قالت بنبوة علي، وفرقة قالت بأن

стр. 2892

علي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃ وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد ابن علي والحسن بن محمد والمنتظر بن الحسن أنبياء كلهم. وفرقة قالت بنبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر فقط، وهم طائفة من القرامطة. وفرقة قالت بنبوة علي وبنيه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية فقط، وهم طائفة من الكيسانية، وقد حام المختار حول أن يدعي النبوة لنفسه، وسجع إسجاعا وأنذر بالغيوب عن الله، واتبعه على ذلك طوائف من الشيعة الملعونة. وقال بإمامة محمد بن الحنفية. وفرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد مولى بجيلة بالكوفة، وهو الذي أحرقه خالد بن عبد الله القسري بالنار، وكان لعنه الله يقول: إن معبوده صورة رجل على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حرف الهجا؛ الألف للساقين ونحو ذلك مما لا ينطلق لسان ذي شعبة من دين به. تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً. (١) موقفه من الخوارج: - له كتاب 'الفصل في الملل والأهواء والنحل' بيَّن فيه زيغ الفرق الضالة كالخوارج فشنع عليهم ﵀ وبين زيف أصولهم، وتشتت جمعهم إلى طرائق قددا كل منها مناقضة للأخرى. (٢) - قال فيه: من وافق الخوارج من إنكار التحكيم وتكفير أصحاب الكبائر والقول بالخروج على أئمة الجور وأن أصحاب الكبائر مخلدون في

стр. 2893

النار وأن الإمامة جائزة في غير قريش فهو خارجي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون خالفهم فيما ذكرنا فليس خارجيا. (١) وقال: ويكون من المتأولين قوم لا يعذرون ولا أجر لهم كما روينا من طريق البخاري نا عمر بن حفص بن غياث نا أبي نا الأعمش نا خيثمة نا سويد بن غفلة قال: قال علي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة» (٢). وروينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن أبي عدي عن سليمان هو الأعمش عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق هم شر الخلق -أو من شر الخلق- تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق. وذكر الحديث (٣). قال أبو محمد: ففي هذا الحديث نص جلي بما قلنا وهو أن النبي ﷺ ذكر هؤلاء القوم فذمهم أشد الذم، وأنهم من شر الخلق وأنهم يخرجون في فرقة من الناس، فصح أن أولئك أيضا مفترقون وأن الطائفة المذمومة تقتلها أدنى الطائفتين المفترقتين إلى الحق. فجعل ﵇ في الافتراق تفاضلا وجعل إحدى الطائفتين المفترقتين لها دنو من الحق وإن كانت الأخرى أولى به، ولم يجعل للثالثة شيئا

стр. 2894

من الدنو إلى الحق فصح أن التأويل يختلف؛ فأي طائفة تأولت في بغيتها طمسا لشيء من السنة كمن قام برأي الخوارج ليخرج الأمر عن قريش أو ليرد الناس إلى القول بإبطال الرجم أو تكفير أهل الذنوب أو استقراض المسلمين أو قتل الأطفال والنساء وإظهار القول بإبطال القدر أو إبطال الرؤية أو إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا إلا حتى يكون أو إلى البراءة عن بعض الصحابة أو إبطال الشفاعة أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ودعا إلى الرد إلى من دون رسول الله ﷺ أو إلى المنع من الزكاة أو من أداء حق من مسلم أو حق لله تعالى فهؤلاء لا يعذرون بالتأويل الفاسد لأنها جهالة تامة. (١) موقفه من المرجئة: قال في 'الفصل': غلاة المرجئية طائفتان إحداهما الطائفة القائلة بأن الإيمان قول باللسان وان اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله ولي له من أهل الجنة، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه وهو بخراسان وبيت المقدس، والثانية الطائفة القائلة أن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليت في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله ولي لله من أهل الجنة. وهذا قول محرز جهم بن صفوان السمرقندي مولى بني راسب كاتب الحارث ابن سريج التميمي أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان وقول أبي الحسن

стр. 2895

علي بن إسماعيل بن أبي اليسر الأشعري البصري وأصحابهما ... -إلى أن قال ﵀ ... وقالت طائفة من الكرامية: المنافقون مؤمنون مشركون من أهل النار. وقالت طائفة منهم أيضاً: من آمن بالله وكفر بالنبي ﷺ فهو مؤمن كافر معاً ليس مؤمناً على الإطلاق ولا كافراً على الإطلاق. وقال مقاتل بن سليمان وكان من كبار المرجئة: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت أصلا، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلاً. (١) أحداث السنة الثامنة والخمسين بعد الأربعمائة (٤٥٨ هـ) جاء في البداية والنهاية: ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم وأحضروا نساء ينحن على الحسين كما جرت به عادتهم السالفة في بدعتهم المتقدمة الخالفة، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، وطلب الخليفة أبا الغنائم وأنكر عليه ذلك، فاعتذر إليه بأنه لم يعلم به، وأنه حين علم أزاله، وتردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، وخرج التوقيع بكفر من سب الصحابة وأظهر البدع. (٢) التعليق: هذا حين كان عامة المسلمين لهم دين وعقيدة، أما الآن فلا دين ولا عقيدة، شغلهم الشاغل هو الانهماك في الملذات مهما كانت حراما أو حلالا، ففتن الناس في بيوتهم بأنواع الملاهي التي سلطها أعداء الله على المسلمين

стр. 2896

وشغلوهم بها فكيف يكون هؤلاء آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فضلا عن الغيرة على عقيدتهم إلا من شاء الله إخلاصه فهو مخلص وقلبه يشتعل نارا لما يرى من منكرات. الإمام القاضي أبو يعلى (١) (٤٥٨ هـ) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، أبو يعلى المعروف بابن الفراء البغدادي الحنبلي. ولد سنة ثمانين وثلاثمائة. حدث عن أبي القاسم بن حبابة وعلي بن معروف البزاز، وعلي بن عمر الحربي وخلق. وحدث عنه الخطيب البغدادي وأبو الوفاء بن عقيل وأبو علي الأهوازي. قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة. قال ابن الجوزي: كان من سادات الثقات، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا والدامغاني، فقبلا شهادته وتولى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة، وكان إماما في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة، في مذهب أحمد، ودرس وأفتى سنين، وانتهى إليه المذهب. وكان متعففا، نزه النفس، كبير القدر، ذا عبادة وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والمهابة، ولم تكن له يد طولى في معرفة الحديث. توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودفن في مقبرة باب حرب.

стр. 2897

موقفه من المشركين: - قال شيخ الإسلام: قال القاضي في سابِّ النبي ﷺ : فإنه لا تقبل توبته، ويتحتم قتله، ولا يخير الإمام في قتله وتركه؛ لأن قذف النبي ﷺ حق لميت فلا يسقط بالتوبة كقذف الآدمي. (١) - وقال أيضا: قال القاضي في 'المجرد' وغيره من أصحابنا: والردة تحصل بجحد الشهادتين، وبالتعريض بسب الله ﵎، وبسب النبي ﷺ . (٢) آثاره السلفية: 'الرد على الباطنية'. (٣) موقفه من الرافضة: قال القاضي أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر، سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم. (٤) آثاره السلفية: كتاب 'إثبات إمامة الخلفاء الأربعة'. (٥) موقفه من الجهمية: آثاره السلفية: لقد ألف الشيخ جملة من الكتب في العقيدة السلفية كل واحد منها يعتبر ردا على طائفة معينة من أهل البدع. وقد ذكر ابنه في الطبقات جملة

стр. 2898

من عقائد الشيخ لكنها مفرقة فمن شاء رجع إليها. وإليك الآن آثاره السلفية. ١ - 'الرد على المجسمة'. (١) ٢ - 'القطع على خلود الكفار في النار'. (٢) ٣ - 'الكلام في الاستواء'. (٣) ٤ - 'الرد على الكرامية'. (٤) ٥ - 'الرد على الأشعرية'. (٥) ٦ - 'إبطال التأويلات لأخبار الصفات'. (٦) ولشيخ الإسلام عليه ملاحظات ذكرها في درء التعارض. في كتابه 'إبطال التأويلات' بعد المقدمة وذكر مواقف الناس من الصفات: واعلم أنه لا يجوز رد هذه الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه

стр. 2899

الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين. (١) موقفه من الخوارج: - قال: وقد اختلف الناس في الفاسق الملي، فذهب الخوارج إلى أن الفاسق يكون كافرا بكل معصية، ومنهم من يكفره بالكبائر دون غيرها. وحكي عن الحسن وعمرو بن عبيد أنه يكون منافقا. وقالت المعتزلة: "لا يكون مؤمنا ولا كافرا، ولكن يكون فاسقا"، فسلبوه اسم الإيمان في الجملة وجعلوا له منزلة بين المنزلتين، وقيل: إن أول من قال هذا عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وبه سموا معتزلة. وقالت الأشعرية: "هو مؤمن كامل الإيمان"، وبنوا هذا على أن الإيمان عندهم هو التصديق، وأن ترك الطاعات وارتكاب المحظورات لا يؤثر في التصديق. فالدلالة على بطلان قول الخوارج في قولهم: "يكون كافرا" أشياء، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، فأثبت أن غير الشرك مغفور، فلو كانت الكبائر كفرا لم تكن مغفورة لأنها كفر. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ

стр. 2900

وَالْعِصْيَانَ﴾ (١)، فجعل المعاصي ضروبا وعطف بعضها على بعض فوجب أن يكون بعضها ليس بكفر، وإلا لم يكن للعطف معنى ويكون تكرارا وعطف الشيء على نفسه. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كبائر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٣)، وهذا يدل على أنه يغفر له ما دون الكبائر، وعند بعضهم هو كافر بجميع ذلك. وأيضا فإن الله تعالى أوجب على القاذف الجلد إذا لم يأت بالشهود، وأوجب رد شهادته وسماه فاسقا، ولو كان ذلك كفرا لم ينه عن رد شهادته لأن ذلك من الأحكام التي لا تصح إلا مع الحياة، والكفر يمنع بقاء الحياة. وكذلك أمر الله تعالى من يرمي زوجته باللعان، ولو كان ذلك كفرا لم يصح ذلك من جهات: أحدها: أنه كان يجب أن لا يكون راميا لزوجته لأنها إن كانت زانية فقد بانت منه على قولهم وإن لم تكن كذلك فقد بانت برميه لها وذلك كفر، فكان يجب أن يكون راميا لأجنبية. الثاني: ما كان يجب أن تقف الفرقة بينهما على اللعان لأن أحدهما قد كفر وارتد على قولهم، فكان يجب أن تكون قد بانت منه وفي ذلك خروج

стр. 2901

عن الإجماع. الثالث: أن القصد باللعان إذا لم يكن ولد إزالة الفراش وقد زال على قولهم فلا وجه للتعبد باللعان. وأيضا الحديث المشهور عن النبي ﷺ رواه أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، ولكن أناس تمسهم النار بذنوبهم -أو قال- بخطاياهم، ليميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة في حميل السيل». (١) وأيضا فإنه إجماع الصحابة وذلك أنهم نسبوا الكفر إلى مانع الزكاة وقاتلوه وحكموا عليه بالردة، ولم يفعلوا مثل ذلك بمن ظهر منه الكبائر، ولو كان الجميع كفرا لسووا بين الجميع. وأيضا فإن القول بالكفر في جميع المعاصي يوجب تكفير الأنبياء صلوات الله عليهم، لأنه قد وجد منهم وقوع الصغائر. وأيضا فإن الكفر يختص بأحكام لا توجد في مرتكب الكبائر منها انقطاع التوارث بين المسلم والكافر، ومنها امتناع المناكحة ولا يثبت ذلك بين مرتكب الكبائر وبين من لم يرتكبها. فإن منعوا ذلك وقالوا أثبت ذلك فالإجماع يحجهم لأنه قد كان في أيام الخلفاء من يقدم على الشراب والفسق فيقام عليه الحد ولم يفرق بينه وبين امرأته، ولا منعوه من التوارث وظهر

стр. 2902

ذلك في أيام علي ﵇ ولم يقض بذلك فدل على فساد قولهم. واحتجوا في ذلك بأشياء، منها: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١)، فدل على أن كل مكلف ليس بمؤمن فهو كافر. والجواب: أن الآية تدل على أن بعضا من خلقه كافر وبعضه مؤمن، وهذا لا يمنع أن يكون هناك ثالث كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٢)، ولم يمنع ذلك أن يكون فيهم من يمشي على أكثر من ذلك وهو الشنظان، وعلى أنا نقول بظاهرها وأن الخلق مؤمن وكافر، وعندنا هذا مؤمن في الحقيقة لكنه ناقص الإيمان ونقصانه لا يسلبه الاسم لأن إقدامه على المعاصي لا يخرجه من كونه مؤمنا بإيمانه لأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر. واحتج بقوله تعالى: ﴿وهل نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ (٣) فدل على أن الذي يجازى بالنار هو الكفور وهذا ممن يجازى به. والجواب: أنه محمول على الجزاء الذي تقدم ذكره وهو قصة سبأ لأنه

стр. 2903

جل وعز قال: ﴿فأرسلنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ (١). وقد أجرى سبحانه العادة بأنه لا يجازي بالجزاء المعجل في دار الدنيا على جهة الاستئصال إلا من كفر وكذب بالرسل. واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٢)، فدل على أنه لا منزلة للمكلف إلا هذين وكذلك قوله تعالى: ﴿قال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٣). والجواب: أن الفاسق لا يمتنع أن يكون شاكرا، فليس هو بخارج عن هذين الأمرين، لأن إقدامه على الزنا والقتل لا يخرجه من كونه شاكرا لنعمه لأن أحد الأمرين لا ينافي الآخر. واحتج بقوله تعالى: ﴿ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٤)، فدل على أن ترك الحج كفر.

стр. 2904

والجواب: أنه محمول على جحد الإيجاب للحج، وهذا هو الظاهر، لأن الذي تقدم إيجابه فوجب أن يكون ذلك كفرا بما أوجب عليه، يبين صحة هذا أنه لا فائدة لتخصيصه الحج بذلك وغيره من الطاعات إذا تركه كفرا عنده. واحتج بقوله تعالى: ﴿ومن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) وظاهر هذا يوجب إكفار أئمة الجور وهذا قولنا. والجواب: أن المراد بتلك اليهود، يبين ذلك أنه جل وعز ذكر اليهود فقال: ﴿فإن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ثم قال بعد: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ ثم لم يقطع ذكرهم بل قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (٢). فإذا كانت القصة أولها وآخرها في اليهود حملت عليهم. واحتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 2905

الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ (١) دل على أن كل من يدخل النار لابد من أن يكون كافرا. والجواب: أنه محمول على من خفت موازينه بكفره أنهم في جهنم خالدون. واحتج بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). فنرى أن كل من يسود وجهه لابد من أن يكون كافرا، لأن أهل النار لابد أن يكون هذا وصفهم. والجواب: أنا لا نسلم أن أهل الكبائر لابد أن تسود وجوههم لأنهم معرضون للغفران. وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ (٣). وذلك أنا لا نقطع عليهم بالغبرة والقترة حتى يدخلوا تحت اسم الكفر.

стр. 2906

واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ (١)، فدل على أن كل من يدخل النار من الفساق لا يكون إلا كافرا. والجواب: أن المراد بالفاسق ها هنا الكافر، لأن الفاسق الملي لا يأوي النار عندنا. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٢). والجواب: أنا لا نسلم أنه معرض عن ذكر ربه لوجود الإيمان الذي فيه، فعلم أن المراد به الكافر. واحتج بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ (٣) فدل أنه لا فاسق إلا كافر.

стр. 2907

والجواب: أن الآية واردة فيمن ارتد، لأنه قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ثم قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ (١). ومن هذه حاله فهو كافر. واحتج بقوله تعالى مخبرا عن إبليس: ﴿فبعزتك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (٢). فدل على أن من لم يكن مخلصا فهو كافر. والجواب: أنه لا يدل على ذلك، بل يجوز أن يكون مؤمنا فاسقا. واحتج بأنه إذا كان قد أمر بالصلاة والزكاة كأمره بالمعرفة والتوحيد وتصديق الرسول ثم كان مضيع هذه الأمور كافرا، كذلك مضيع الفرائض، ولأن منكر أحدهما يكفر كما يكفر منكر الآخر. والجواب: أن هذه المعرفة وتصديق الرسل هو أصل الإيمان وبه كان مؤمنا في صدر الإسلام وإنما زيد فيه بالعبادات فهو أعظم من غيره من المأمورات فلا يجب أن يلحق بما دونه كما لم يجب أن تلحق الكبائر بالصغائر في باب التأثم والوعيد، ومن قال أن قدرهما في العقاب سواء لزمه أن يقول أن قدرهما في الثواب سواء، ولوجب أن لا يتفاضل المطيعون في الطاعات

стр. 2908

وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (١). واحتج بأن جميع المعاصي طاعة لإبليس، لأنه يدعو إلى جميعها وطاعته عبادة له ولا يكون ذلك إلا كفرا. والجواب: أنه ليس إذا كان طاعة له كان عبادة لأن العبادة هي الخضوع والتعظيم والإجلال، وهذا غير موجود ممن أطاع إبليس يبين صحة هذا أنه ليس كل طاعة لله هي عبادة له كالنظر في معرفة الله قبل لزومها، ولأن هذا يوجب أن تكون طاعة الولد لوالده عبادة له لأنه قد أطاعه، وأحد لا يقول هذا. واحتج بأن ولاية الله تعالى من جهة الدين لابد أن تكون إيمانا وجب أن تكون كل عداوة من جهة الدين لابد من أن تكون كفرا والفسق عداوة من جهة الدين. والجواب: إنا لسنا نقول في كل طاعة أنها ولاية، ولا في كل معصية أنها عداوة، ولهذا لا نقول في معاصي الأنبياء الصغائر أنها عداوة لله ولا في طاعة الكافر أنها ولاية، وإنما صار بذلك من أهل الثواب والعقاب من جهة الدين. واحتج بأنه قد ثبت أن سلم النبي ﷺ سلم للمؤمنين وحربه حرب للمؤمنين، ثم ثبت أن سلمه إيمان كذلك سلم المؤمنين فيجب أن يكون

стр. 2909

حربهم كحرب النبي كفرا. قالوا: "وهذا يوجب أن سائر البغاة ومن يحارب المؤمنين أن يكون كافرا"، قالوا: "وهو مذهبنا". والجواب: أن حرب النبي ﷺ إنما كان كفرا لا لأنه ذنب ومعصية، لكن لأنه استخفاف به والاستخفاف بالرسول كفر، وحرب المؤمن استخفاف به والاستخفاف بالمؤمن لا يجب أن يكون كفرا، فلهذا فرقنا فيهما. (١) موقفه من المرجئة: قال في مسائل الإيمان: إن حقيقة الإيمان في اللغة وأصل الوضع: تصديق القلب المتضمن للعلم بالمصدق به. وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة الصغير فقال: الإيمان اسم ومعناه التصديق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ (٢)، يريد بمصدق لنا. وأما حده في الشرع فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، فالباطنة أعمال القلب وهو تصديق القلب، والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات، وقد نص أحمد على هذا في مواضع: فقال في رواية أبي الحارث: السنة أن تقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وكذلك قال في رواية محمد بن موسى: الإيمان قول وعمل يزيد

стр. 2910

وينقص، وإذا عملت الحسن زاد وإذا ضيعت نقص، والإيمان لا يكون إلا بعمل. وكذلك قال في رواية المروذي: قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)، وهذا من الإيمان، فالإيمان قول وعمل والزيادة في العمل والنقصان في الزنا وإذا زنا وسرق. وكذلك قال في كتابه إلى أبي عبد الرحيم محمد بن أحمد بن الجواح الجوزجاني رواية أبي بكر المروزي ومحمد بن حاتم المروزي: من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين. وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا مصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء فإن جحد وقال لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال عظيما ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق كذلك العمل مع هذه الأشياء، وقد سأل وفد عبد القيس رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم» (٣)، فجعل ذلك كله من الإيمان. وقال
следующие страницы →