← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (١). فأي أمر أكف لمن يعقل عن التنقيب من هذا؟. ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل، والتفكير في دينهم، فهم كل يوم على دين ضلال وشبهة جديدة لا يقيمون على دين، وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك، وأخذوا بالأمر الذي حضهم عليه رسول الله ﷺ ، ورضيه لهم، ولكنهم تكلفوا ما قد كفوا مؤنته وحملوا على عقولهم من النظر في أمر الله ما قصرت عنه عقولهم، وحق لها أن تقصر عنه وتحسر دونه، فهنالك تورطوا وأين ما أعطى الله العباد من العلم في قلته وزهادته مما تناولوا، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (٢)، وقد قص الله تعالى ما عير -أو غير هذه الكلمة- به موسى ﵇، من أمر الرجل الذي لقيه فقال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ (٣)، فكان منه في خرقه السفينة، وقتله الغلام، وبنائه الجدار، ما قد قال الله تعالى

стр. 2977

في كتابه، فأنكر موسى ذلك عليه، وجاءه ذلك في ظاهر الأمر منكرا لا تعرفه القلوب، ولا يهتدي له التفكير، حتى كشف الله ذلك لموسى فعرفه، وكذلك ما جاء من سنن الإسلام وشرائع الدين التي لا توافق الرأي، ولا تهتدي لها العقول، ولو كشف للناس عن أصولها لجاءت للناس واضحة بينة غير مشكلة على مثل ما جاء عليه أمر السفينة وأمر الغلام وأمر الجدار، فإن ما جاء به محمد ﷺ كالذي جاء به موسى يعتبر بعضه ببعض، ويشبه بعضه بعضا، ومن أجهل وأضل وأقل معرفة بحق الله وحق رسوله وبنور الإسلام وبرهانه ممن قال لا أقبل سنة ولا أمرا مضى من أمر المسلمين حتى يكشف لي غيبه وأعرف أصوله؟ أو لم يقل ذلك بلسانه، فكان عليه رأيه وفعله، ويقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).اهـ (٢) موقفه من الرافضة: - جاء في الكفاية عنه قال: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن. (٣)

стр. 2978

- وفيها قال: وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم، وسفك بعضهم دماء بعض فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين، والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم خبر ما لا يحتمل نوعا من التأويل وضربا من الاجتهاد فهم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام لإشكال الأمر والتباسه، ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا، إذ لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم. (١) - قال الخطيب في الحسن بن محمد بن أشناس المتوكلي الحمامي: رافضي خبيث كتبت عنه؛ كان يقرأ على الشيعة مثالب الصحابة. (٢) - قال الخطيب في عيسى بن مهران المستعطف: كان من شياطين الرافضة ومردتهم، وقع إلي كتاب من تصنيفه في الطعن على الصحابة وتكفيرهم، فلقد قف شعري وعظم تعجبي مما فيه من الموضوعات والبلايا. (٣) - وقال الخطيب: وتجوز فتاوى أهل الأهواء، ومن لم تخرجه بدعته إلى فسق، فأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة، ويسبون السلف الصالح، فإن فتاويهم مرذولة، وأقاويلهم غير مقبولة. (٤)

стр. 2979

موقفه من القادسي الرافضي: قال أبو بكر الخطيب: حضرته يوم الجمعة بعد الإملاء، وطالبته بأن يريني أصوله، فدفع إلي عن ابن شاذان وغيره أصولا كان سماعه فيها صحيحاً، ولم يدفع إلي عن ابن مالك شيئا، فقلت له: أرني أصلك عن ابن مالك. فقال: أنا لا يشك في سماعي من ابن مالك، أسمعني منه خالي هبة الله ابن سلامة المفسر 'المسند' كله. فقلت له: لا تروين هاهنا شيئا إلا بعد أن تحضر أصولك وتوقف عليها أصحاب الحديث، فانقطع عن حضور الجامع بعد هذا القول، ومضى إلى مسجد براثا فأملى فيه، وكانت الرافضة تجتمع هناك، وقال لهم: قد منعني النواصب أن أروي في جامع المنصور فضائل أهل البيت. ثم جلس في مسجد الشرقية واجتمعت إليه الرافضة ولهم إذ ذاك قوة، وكلمتهم ظاهرة، فأملى عليهم العجائب من الأحاديث الموضوعة في الطعن على السلف. (١) موقفه من الجهمية: عقيدة الخطيب ودفاعه عن العقيدة السلفية: جاء في مقدمة مختصر العلو: قال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: وهنا يطيب لي بهذه المناسبة أن أنقل من بعض المخطوطات فصلا رائعا من كلام بعض علماء السلف مما لم يطبع حتى الآن -فيما علمت- وهو للخطيب البغدادي الحافظ المؤرخ المشهور، وقد ذكر المصنف طرفا

стр. 2980

منه في ترجمته كما يأتي فرأيت أن أذكره هنا بنصه إتماما للحجة على الخلف الذين يتوهم الكثير منهم أن القول بوجوب الإيمان بحقائق الصفات ومعانيها كما يليق بالله تعالى هو مذهب تفرد به ابن تيمية ومن اقتدوا به فيها، ولم يعلموا أنه ﵀ تابع لهم في ذلك وإنما فضله في بيانه وشرحه له وإقامة الأدلة عليه بالمنقول والمعقول، ودفع الشبهات عنه، وإلا فهو سلفي المعتقد وهو الواجب على كل مسلم ولذلك بادرنا إلى نشر كتاب الذهبي هذا الذي بين يديك لتعلم به ما قد يكون خافيا عليك كما خفي على غيرك. فكان ذلك سببا قويا من أسباب الابتعاد عن العقيدة السلفية والطريقة المحمدية. قال الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى: أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف رضوان الله عليهم اثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة ولا أن معنى السمع والبصر: العلم ولا نقول: إنها

стр. 2981

جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (٢) ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبسوا على من ضعف علمه، بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه وغفلة أهل التعطيل، أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى آيات محكمات يفهم منها المراد بظاهرها وآيات متشابهات لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع فكذلك أخبار الرسول ﷺ جارية هذا المجرى ومنزلة على هذا التنزيل، يرد المتشابه منها إلى المحكم ويقبل الجميع، وتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام: منها أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها لاستفاضتها وعدالة ناقليها فيجب قبولها والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه اعتقاد ما يقتضي تشبيها لله بخلقه، ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات والتغير والحركات. القسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية وألفاظ شنيعة أجمع أهل العلم بالنقل على بطولها فهذه لا يجوز الاشتغال بها ولا التعريج عليها. والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها فقبلهم البعض دون

стр. 2982

الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها لتلحق بأهل القبول أو تجعل في حيز الفساد والبطول. (١) قلت: وهذه العقيدة التي نقل الشيخ، من مخطوطات الظاهرية، نقل الذهبي بعضها في سير أعلام النبلاء. (٢) التعليق: أليس هذا هو الذي سماه شيخ الإسلام في الحموية بعنوان: الأصلان والمثلان، ثم فصل القول ﵀ في ذلك، فأين ابن تيمية والخطيب؟ الأول عاش في القرن الخامس والثاني عاش في القرن الثامن؟ ويقرر الثاني ما قرره الأول، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لأنه ما ثبت ولا وجدنا أحدا ولا سمعنا أن فلانا تاب من العقيدة السلفية ولكن العكس، التاريخ والتراجم طافحة بتوبة فلان كان على مذهب المتكلمين أو الفلاسفة. فلذا السلفي يكون ثابت العقيدة، ثابت المواقف، غير متلون ولا متقلب كما قال هرقل لما سأل أبا سفيان عن أصحاب رسول الله: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. قال: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. (٣)

стр. 2983

القائم بأمر الله (١) (٤٦٧ هـ) أمير المؤمنين، القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي. مولده في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. بويع سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. ونكب سنة خمسين في كائنة البساسيري ففر إلى البرية في ذمام أمير للعرب ثم عاد إلى خلافته بعد عام. كان أبيض وسيما، عالما مهيبا فيه دين وعدل. وكان ذا حظ من تعبد وصيام وتهجد وكان تاركا للملاهي ﵀ وكانت خلافته خمسا وأربعين سنة. وغسله شيخ الحنابلة أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي وعاش ستا وسبعين سنة، وبويع بعده ابن ابنه المقتدي بالله. توفي في شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. موقفه من المشركين: جاء في البداية: وفيها -أي سنة تسع وعشرين وأربعمائة- استدعى الخليفة بالقضاة والفقهاء وأحضر جاثليق النصارى ورأس جالوت اليهود، وألزموا بالغيار (٢).اهـ (٣)

стр. 2984

الداوودي عبد الرحمن بن محمد (١) (٤٦٧ هـ) الإمام العلامة الورع القدوة، جمال الإسلام مسند الوقت، أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد الداوودي البوشنجي. مولده في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. سمع 'الصحيح' و'مسند عبد بن حميد' وتفسيره ومسند الدارمي من أبي محمد بن حمويه السرخسي، وتفرد في الدنيا بعلو ذلك. وسمع من عبد الرحمن بن أبي شريح وأبي عبد الله الحاكم وابن الصلت وتفقه على أبي حامد وأبي بكر القفال وعلى أبي الطيب الصعلوكي. قيل: إنه كان يتقوت بما يحمل إليه من ملك له ببوشنج ويبالغ في الورع ومحاسنه جمة ومن شعره: رب تقبل عملي ... أصلح أموري كلها ... ولا تخيب أملي قبل حلول الأجل قال السلفي سألت المؤتمن عن الداوودي فقال: كان من سادات رجال خراسان، ترك أكل الحيوانات وما يخرج منها، منذ دخل التركمان ديارهم. وقال أبو سعد السمعاني: له قدم في التقوى راسخ. وقال: فضله في الفنون مشهور، وذكره في الكتب مسطور، وأيامه غرر، وكلامه درر. توفي ﵀ ببوشنج في شوال سنة سبع وستين وأربعمائة. موقفه من الخوارج: ونقل ابن التين عن الداوودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور

стр. 2985

أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر. (١) عبيد الله بن محمد بن الحسين الفَرَّاء (٢) (٤٦٩ هـ) أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء الأخ الأكبر لصاحب طبقات الحنابلة. ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري، وجده لأمه جابر بن ياسين، وأبي الحسين بن المهتدي. ورحل إلى الآفاق في طلب العلم. وكان ذا عفة وديانة وصيانة. وكان له معرفة بالجرح والتعديل وأسماء الرجال والكنى وكان حسن الخط صحيحا، فهما لقراءة الحديث. توفي سنة تسع وستين وأربعمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في طبقات الحنابلة: ولما ظهرت البدع في سنة تسع وستين وأربعمائة هاجر من بلدنا إلى حرم الله وكانت وفاته في مضيه إلى مكة، بموضع يعرف بمعدن النقرة، في أواخر ذي القعدة من هذه السنة. (٣) أبو منصور الديلمي (٤) (٤٦٩ هـ) اسبهندوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلمي، الشاعر، لقي أبا

стр. 2986

عبد الله بن الحجاج وعبد العزيز بن نباتة، وغيرهما من الشعراء وكان شيعيا يهجو الصحابة وغيرهم، فتاب كما في قصيدته التي ذكر فيها اعتقاده، وهي قصيدة طويلة جدا، اقتطف منها كل من ترجم له. توفي سنة تسع وستين وأربعمائة. موقفه من الرافضة: جاء في المنتظم: شاعر مجود لقي أبا عبد الله بن الحجاج، وعبد العزيز ابن نباتة، وغيرهما من الشعراء، وكان يتشيع ثم تاب من ذلك. وذكر توبته في قصيدة يقول فيها: لاح الهدى فجلا عن الأبصار ... كالليل يجلوه ضياء نهار ورأت سبيل الرشد عيني بعدما ... غطى عليها الجهل بالأستار لابد فاعلم للفتى من توبة ... قبل الرحيل إلى ديار بوار يمحو بها ما قد مضى من ذنبه ... وينال عفو إلهه الغفار يا رب إني قد أتيتك تائبا ... من زلتي يا عالم الأسرار وعلمت أنهم هداة قادة ... وأئمة مثل النجوم دراري وعدلت عما كنت معتقدا له والسيد الصديق والعدل الرضى ... في الصحب صحب نبيه المختار عمر وعثمان شهيد الدار وعلي الطهر المفضل بعدهم ... سيف الإله وقاتل الفجار صحب النبي الغُرِّ بَلْ خلفاؤه ... فينا بأمر الواحد القهار رحماء بينهم بذاك صفاتهم ... وردت أشداء على الكفار وتراهم من راكعين وسجد ... يستغفرون الله بالأسحار

стр. 2987

أيقنت حقا أن من والاهم ... سيفوز بالحسنى بدار قرار فعدلت نحوهم مقرا بالولا ... ومخالفا للعصبة الأشرار مترجيا عفو الإله ومحوه ... ما قدمته يدي من الأوزار وإذا سئلت عن اعتقادي قلت ما ... كانت عليه مذاهب الأبرار وأقول خير الناس بعد محمد ... صديقه وأنيسه في الغار ثم الثلاثة بعده خير الورى ... أكرم بهم من سادة أطهار هذا اعتقادي والذي أرجو به ... فوزي وعتقي من عذاب النار أبو عبد الله محمد بن جعفر الكوفي (١) (٤٧٠ هـ) أبو عبد الله محمد بن جعفر الكوفي، كان فقيه القيروان وعالمها في زمانه، وكان فصيحا لسنا سنيا مباينا لأهل البدع شديدا عليهم. وجرت عليه محنة ذكر سببها صاحب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ففر على إثرها من القيروان ونزل مصر ثم الشام بعدها وتوفي هنالك سنة سبعين وأربعمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في معالم الإيمان: كان فصيحا لسنا، سنيا مباينا لأهل البدع، شديدا عليهم. ولما أمر المعز بن باديس بلعنة عبيد الله في الخطب وذلك في يوم عيد الفطر من سنة أربعين وأربعمائة، خطب القاضي محمد بن جعفر هذا

стр. 2988

فقال -بعد ذكر ما جرت العادة به في خطبة الفطر-: اللهم والعن الفسقة الكفار المرائين الفجار، أعداء الدين وأنصار الشياطين، المخالفين لأمرك والناقضين لعهدك، المتبعين غير سبيلك والمبدلين لكتابك، اللهم العنهم لعنا وبيلا، واخزهم خزيا عريضا طويلا، اللهم وإن مولانا وسيدنا أبا تمام المعز بن باديس بن المنصور القائم بدينك، والناصر لسنة نبيك، والرافع للواء أولئك، يقول مصدقا لكتابك وتابعا لأمرك، مباينا لمن غير الدين وسلك غير سبيل المرشدين المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ (١)، (هكذا بإسقاط "قل" من أول السورة وترك "لكم دينكم ولي دين" لتعلق الأمر بالمراد)، وأمر السلطان خطيب جامع القيروان أن يفعل مثل ذلك على المنبر في الجمع في كل خطبة، وهذا دليل على فصاحته ومباينته لأهل البدع ومحبته لأهل السنة، وجرت عليه محنة أعقبها التأخر عن قضائهم، والزهد في جوارهم. (٢) المظفر بن الأفطس (٣) (٤٧٠ هـ) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة التجيبي، سلطان الثغر

стр. 2989

الشمالي من الأندلس، ودار ملكه بطليوس. كان رأسا في العلم والأدب والشجاعة والرأي فكان منافرا للروم شجى في حلوقهم لا ينفس لهم مخنقا ولا يوجد لهم إلى الظهور عليه مرتقى. له تفسير للقرآن كبير. كان مع استغراقه في الجهاد لا يفتر عن العلم، ولا يترك العدل، صنع مدرسة يجلس فيها كل جمعة ويحضره العلماء. وكان يبيت في منظرة له، فإذا سمع صوتا وجه أعوانا لكشف الخبر لا ينام إلا قليلا. توفي بعد السبعين وأربعمائة أو قبلها، قاله الذهبي. موقفه من المشركين: - قال الذهبي: كان رأسا في العلم والأدب والشجاعة والرأي، فكان مناغرا للروم، شجى في حلوقهم، لا ينفس لهم مخنقا، ولا يوجد لهم إلى الظهور عليه مرتقى، ... ومن نثره -وقد غنم بلاد شلمنكة وهي مجاورته، فكتب إلى المعتمد بالله يفخر، وينكت عليه بمسالمته للروم، فقيل: إنه حصل من هذه الغزوة ألف جارية حسناء من بنات الأصفر-: من يصد صيدا فليصد كما صيدي، صيدي الغزالة من مرابض الأسد. أيها الملك إن الروم إذا لم تغز غزت، ولو تعاقدنا تعاقد الأولياء المخلصين فللنا حدهم، وأذللنا جدهم، ورأي السيد المعتمد على الله سراجٌ تضيء به ظلمات المنى. (١) - وقال: وكان كاتبه الوزير أبو محمد عبد الله بن النحوي أحد البلغاء، فكتب أذفونش -لعنه الله- يرعد ويبرق، فأجاب: وصل إلى الملك المظفر من عظيم الروم كتاب مدع في المقادير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ويفرق،

стр. 2990

ويهدد بالجنود الوافرة، ولم يدر أن لله جنودا أعز بهم الإسلام، وأظهر بهم دين نبينا ﵊، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، فأما تعييرك للمسلمين فيما وهن من أحوالهم، فبالذنوب المركوبة، والفرق المنكوبة، ولو اتفقت كلمتنا علمت أي صائب أذقناك، كما كانت آباؤك مع آبائنا، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك، أهدى ابنته إليه مع الذخائر التي كانت تفد في كل عام عليه، ونحن فإن قَلَّتْ أعدادُنا، وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر تخوضه، ولا صعب تروضه، إلا سيوف يشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في يومك، وبالله وملائكته (١) نتقوى عليك، ليس لنا سواه مطلب، ولا إلى غيره مهرب، وهل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، شهادة، أو نصر عزيز. (٢) عبد الرحمن بن مَنْدَه (٣) (٤٧٠ هـ) الشيخ الإمام، المحدث، المفيد الكبير، المصنف، أبو القاسم عبد الرحمن ابن الحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني. ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. كان صاحب خلق وفتوة وسخاء وبهاء. قال ابن رجب: وكان متمسكا بالسنة، معرضا عن أهل

стр. 2991

البدع، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. قال القاضي أبو الحسين: لم يكن في عصره وبلده مثله في ورعه وزهده وصيانته، وحاله أظهر من ذلك. من أقواله: علامة الرضاء إجابة الله ﵎ من حيث دعا بالكتاب والسنة، وعلامة الورع: الخروج من الشبهات بالأخبار والآيات، وعلامة القناعة: السكوت على الكتاب والسنة في الوقوف عند الشبهة، وعلامة الإخلاص: زيادة السر على الإعلان في إيثار قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ على الأقاويل كلها بالإيمان والاحتساب، وعلامة الصبر: حبس النفس في استحكام الدرس بالكتاب والسنة، وعلامة التسليم: الثقة بالله الحكيم في قوله، والسكون إلى الله العليم بقول رسوله ﷺ في جميع الأشياء. توفي في سادس عشر شوال سنة سبعين وأربعمائة. موقفه من المبتدعة: - قال ابن أبي يعلى: وكان قدوة أهل السنة بأصبهان، وشيخهم في وقته، وكان مجتهدا متبعا آثار النبي ﷺ ، ويحرض الناس عليها، وكان شديدا على أهل البدع، مباينا لهم. وما كان في عصره وبلده مثله في ورعه، وزهده وصيانته. وحاله أظهر من ذلك. (١) - وقال ابن رجب: وكان متمسكا بالسنة، معرضا عن أهل البدع، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. (٢) - وقال أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب: كان عمي سيفا على أهل

стр. 2992

البدع وهو أكبر من أن يثني عليه مثلي. (١) - وله تصانيف كثيرة، وردود جمة على المبتدعين والمنحرفين في الصفات وغيرها. (٢) - جاء في السير عنه قال: قد عجبت من حالي، فإني وجدت أكثر من لقيته إن صدقته فيما يقوله مداراة له سماني موافقا، وإن وقفت في حرف من قوله أوفى شيء من فعله سماني مخالفا، وإن ذكرت في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك، سماني خارجيا، وإن قرئ علي حديث في التوحيد سماني مشبها، وإن كان في الرؤية سماني سالميا ... -إلى أن قال-: وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل والند والضد والأعضاء والجسم والآلات، ومن كل ما ينسبه الناسبون إٍلَيَّ، ويدعيه المدعون عليَّ، من أن أقول في الله تعالى شيئا من ذلك، أو قلته، أو أراه، أو أتوهمه، أو أصفه به. (٣) التعليق: هذا الإمام يحكي حاله مع أهل زمنه الذين لا يتورعون في نبزه بالألقاب؛ فكل صاحب هوى يرميه بوصمة عار. وسبحان الله! التاريخ يعيد نفسه، فأهل هذا الزمن على هذا المنوال، وعلى المرء -كما قال هذا الإمام- أن يتمسك بالكتاب والسنة ولا عليه من لمز فلان وعلان.

стр. 2993

موقفه من الجهمية: له من الآثار السلفية: - الرد على الجهمية: ذكره في طبقات الحنابلة (١). ونقل منه قولة تكتب بماء الذهب وهي (التأويل عند أصحاب الحديث نوع من التكذيب). (٢) عبد الخالق بن عيسى الشريف أبو جعفر (٣) (٤٧٠ هـ) الإمام شيخ الحنبلية، أبو جعفر، عبد الخالق بن أبي موسى عيسى بن أحمد، الهاشمي، العباسي، الحنبلي، البغدادي. قال ابن الجوزي: ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وكان عالما، فقيها، ورعا عابدا زاهدا، قوالا بالحق لا يحابي أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم. قال ابن السمعاني: إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة، مليح التدريس، حسن الكلام في المناظرة، ورع زاهد، متقن عالم بأحكام القرآن والفرائض، مرضي الطريقة. قال ابن رجب: وكان شديد القول واللسان على أهل البدع ولم تزل كلمته عالية عليهم. وكان له المنزلة والصيت عند الخاص والعام وعند الحاكم والمحكوم، معظما عندهم، زاهدا في الدنيا إلى الغاية، قائما في إنكار المنكرات بيده ولسانه، مجتهدا في ذلك. وإذا ذكرت فتنة ابن القشيري والصدع بالحق فيها فلا ينصرف ذلك

стр. 2994

إلا إليه، وقد أخذ في هذه الفتنة وحبس أياما. توفي ليلة الخميس للنصف من صفر، سنة سبعين بعد الأربعمائة. موقفه من المبتدعة: قال ابن أبي يعلى: وكان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة، وكان شديد القول واللسان في أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم وإبطالها. ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يدهم عنهم أحد. (١) موقفه من الجهمية: كان هذا الإمام يضرب به المثل في الزهد والورع، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان شوكة في حلق المبتدعة، وكان له المنزلة والصيت عند الخاص والعام وعند الحاكم والمحكوم. وإذا ذكرت فتنة ابن القشيري والصدع بالحق فيها فلا ينصرف إلا إلى الشريف أبي جعفر وسنوردها إن شاء الله. جاء في طبقات الحنابلة: (وفي سنة ستين وأربعمائة كان أبو علي بن الوليد -شيخ المعتزلة- قد عزم على إظهار مذهبه، لأجل موت الشيخ الأجل أبي منصور بن يوسف، فقام الشريف أبو جعفر، وعبر إلى جامع المنصور هو وأهل مذهبه وسائر الفقهاء وأعيان أهل الحديث وبلغوا ذلك. ففرح أهل

стр. 2995

السنة بذلك وقرأوا كتاب التوحيد لابن خزيمة ثم حضروا الديوان وسألوا إخراج الاعتقاد الذي جمعه الخليفة القادر فأجيبوا إلى ذلك وقرئ هناك بمحضر من الجميع واتفقوا على لعن من خالفه وتكفيره). (١) موقفه من فتنة ابن القشيري: جاء في طبقات الحنابلة: ومضمون ذلك أن أبا نصر بن القشيري ورد بغداد سنة تسع وستين وأربعمائة، وجلس في النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكان يتعصب له أبو سعد الصوفي، ومال إلى نصره أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلة، ويسأله المعونة فاتفق جماعة من أتباعه على الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده والإيقاع به، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومة إن وقعت. فلما وصل أولئك إلى باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر. فوقعت الفتنة وقتل من أولئك رجل من العامة وجرح آخرون وأخذت ثياب .. وأغلق أتباع ابن القشيري أبواب سوق مدرسة النظام، وصاحوا: المستنصر بالله يا منصور -يعنون العبيدي صاحب مصر- وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسي وأنه ممالئ للحنابلة، لاسيما والشريف أبو جعفر ابن عمه. وغضب أبو إسحاق وأظهر التأهب للسفر، وكاتب فقهاء الشافعية نظام الملك لما جرى فورد كتابه بالامتعاض من ذلك والغضب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى. وكان الخليفة يخاف من السلطان ووزيره نظام الملك ويداريهما. وحكى أبو المعالي صالح بن شافع عن شيخه أبي الفتح الحلواني وغيره. ممن

стр. 2996

شاهد الحال أن الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أن يجيل الفكر فيما تنحسم به الفتنة، فاستدعى الشريف أبا جعفر بجماعة من الرؤساء منهم ابن جردة، فتلطفوا به حتى حضر في الليل وحضر أبو إسحاق وأبو سعد الصوفي وأبو نصر ابن القشيري، فلما حضر الشريف عظمه الوزير ورفعه وقال: إن أمير المؤمنين ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم وهؤلاء يصالحونك على ما تريد وأمرهم بالدنو من الشريف فقام إليه أبو إسحاق وكان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ فقال: أنا ذاك الذي تعرف وهذه كتبي في أصول الفقه أقول فيها خلافا للأشعرية ثم قبل رأسه. فقال له الشريف: قد كان ما تقول إلا أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما في نفسك فلما جاء الأعوان والسلطان وخواجا بزرك -يعني النظام- أبديت ما كان مخفيا، ثم قام أبو سعد الصوفي فقبل يد الشريف وتلطف به فالتفت مغضبا وقال: أيها الشيخ إن الفقهاء إذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، وأما أنت فصاحب لهو وسماع وتعبير فمن زاحمك على ذلك حتى داخلت المتكلمين، والفقهاء فأقمت سوق التعصب؟ ثم قام ابن القشيري -وكان أقلهم احتراما للشريف- فقال الشريف: من هذا؟ فقيل: أبو نصر بن القشيري فقال لو جاز أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب، لأنه باد هنا بما في نفسه ولم ينافقنا كما فعل هذان، ثم التفت إلى الوزير فقال: أي صلح يكون بيننا؟ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا أو تنازع في ملك. فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أنا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كان كافرا، فأي

стр. 2997

صلح بيننا؟ وهذا الإمام يصدع المسلمين وقد كان جداه -القائم والقادر- أخرجا اعتقادهما للناس، وقرئ عليهم في دواوينهم وحمله عنهم الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض ونحن على اعتقادهما. وأنهى الوزير إلى الخليفة ما جرى وخرج في الجواب: عرف ما أنهيته من حضور ابن العم -كثر الله في الأولياء مثله- وحضور من حضر من أهل العلم والحمد لله الذي جمع الكلمة وضم الألفة، فليؤذن للجماعة في الانصراف وليقل لابن أبي موسى: أنه قد أفرد له موضع قريب من الخدمة ليراجع في كثير من الأمور المهمة وليتبرك بمكانه، فلما سمع الشريف هذا قال: فعلتموها. فحمل إلى موضع أفرد له بدار الخلافة وكان الناس يدخلون عليه مدة مديدة ثم قيل له: قد كثر استطراق الناس دار الخلافة فاقتصر على من تعين دخوله فقال: مالي غرض في دخول أحد علي، فامتنع الناس. ثم إن الشريف مرض مرضا أثر في رجليه فانتفختا. فيقال: إن بعض المتفقهة من الأعداء ترك له في مداسه سما والله تعالى أعلم. ثم إن أبا نصر بن القشيري أخرج من بغداد وأمر بملازمة بلده لقطع الفتنة وذلك نفي في الحقيقة. قال ابن النجار: كوتب نظام الملك الوزير بأن يأمره بالرجوع إلى وطنه وقطع هذه الثائرة، فبعث واستحضره وأمره بلزوم وطنه فأقام به إلى حين وفاته. (١) التعليق: ما يستفاد من هذا الحادث:

стр. 2998

- ما كان يمثله السلفيون من قوة حسية ومعنوية وعلمية. - حسن قصد السلفيين وسلامة فطرتهم، وبالمقابل كيد المبتدعة ومكرهم. - ما كان عليه معظم خلفاء بني العباس من حسن العقيدة. - الصلح في أمر الدنيا جائز، وأما العقيدة فلا بيع فيها ولا شراء ولا مصالحة. - منقبة للشريف أبي جعفر. الملك أقسيس (١) (٤٧١ هـ) هو أَتْسِز بن أوق الخوارزمي، صاحب دمشق، كان يلقب بالمعظم، وكانت تسميه العامة بأقسيس. قال ابن كثير: وكان من خيار الملوك وأجودهم سيرة وأصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وأمر بالترضي عن الصحابة أجمعين. قال ابن عساكر: ولي دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة بعد حصاره إياها دفعات، وأقام بها الدعوة لبني العباس، وتغلب على أكثر الشام، وقصد مصر ليأخذها فلم يتم له ذلك ثم رجع إلى دمشق، ووجه المصريون إليه عسكرا ثقيلا فلما خاف من ظفرهم به راسل تتش بن ألب أرسلان يستنجد به، فقدم دمشق سنة إحدى وسبعين وأربعمائة فغلب على البلد، وقتل أتسز لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة واستقام الأمر لتتش.

стр. 2999

موقفه من الرافضة: جاء في البداية والنهاية: وقد كان إقسيس هذا ... من خيار الملوك وأجودهم سيرة، وأصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وأمر بالترضي عن الصحابة أجمعين. (١) سعد بن علي الزَّنْجاني (٢) (٤٧١ هـ) سعد بن علي بن محمد بن علي بن حسين، أبو القاسم الزنجاني الحافظ. ولد في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة. سمع أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف وأبا الحسن الحبان وعلي بن سلامة وعبد الرحمن بن ياسر والحسين بن ميمون الصدفي وجماعة. وروى عنه أبو بكر الخطيب وأبو المظفر السمعاني ومحمد ابن طاهر المقدسي وهبة الله بن فاخر، وآخرون. قال أبو سعد: كان أبو القاسم حافظا، متقنا، ثقة، ورعا، كثير العبادة. وقال محمد بن طاهر: ما رأيت مثله، سمعت أبا إسحاق الحبال يقول: لم يكن في الدنيا مثل أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني في الفضل. وقال الذهبي: وقد كان الحافظ سعد بن علي هذا من رؤوس أهل السنة وأئمة الأثر وممن يعادي الكلام وأهله، ويذم الآراء والأهواء. وله قصيدة مشهورة في السنة. وسئل إسماعيل الطلحي عنه فقال: إمام كبير

стр. 3000

عارف بالسنة. توفي ﵀ سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وقيل سنة سبعين بمكة. موقفه من المبتدعة والجهمية: قال الذهبي في التذكرة: وقد كان الحافظ سعد بن علي هذا من رؤوس أهل السنة وأئمة الأثر وممن يعادي الكلام وأهله ويذم الآراء والأهواء فنسأل الله أن يختم لنا بخير وأن يتوفانا على الإيمان والسنة، فلقد قل من يتمسك بمحض السنة بل تراه يثني على السنة وأهلها وقد تلطخ ببدع الكلام ويجسر على الخوض في أسماء الله وصفاته وبادر إلى نفيها وبالغ بزعمه في التنزيه، وإنما كمال التنزيه تعظيم الرب ونعته بما وصف به نفسه تعالى. (١) له من الآثار السلفية: قصيدة أبدى عقيدته السلفية فيها، ونقل منها الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش (٢) والذهبي في السير (٣) وهي من أبلغ القصائد، قال ﵀: تدبر كلام الله واعتمد الخبر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه الأثر ونهج الهدى فالزمه واقتد بالألى ... هم شهدوا التنزيل علك تنجبر وكن موقنا أنا وكل مكلف ... أمرنا بقفو الحق والأخذ بالحذر وحكم فيما بيننا قول مالك ... قدير حليم عالم الغيب مقتدر سميع بصير واحد متكلم ... مريد لما يجري على الخلق من قدر

стр. 3001

فمن خالف الوحي المبين بعقله ... فذاك امرء قد خاب حقا وقد خسر وفي ترك أمر المصطفى فتنة فذر ... خلاف الذي قد قاله واتل واعتبر (١) إلى أن قال: وما أجمعت فيه الصحابة حجة ... وتلك سبيل المؤمنين لمن سبر ففي الأحذ بالإجماع فاعلم سعادة ... كما في شذوذ القول نوع من الخطر وفي اجتماع الجيوش: تمسك بحبل الله واتبع الأثر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه خبر ثم قال ابن القيم: وقال في شرح هذه القصيدة: والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء مخلوقا قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص ونطق به القرآن، وليس معنى استوائه أنه ملكه واستولى عليه لأنه كان مستوليا عليه قبل ذلك وهو أحدثه، لأنه مالك جميع الخلائق ومستول عليها، وليس معنى الاستواء أيضا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه فإن كل ذلك ممتنع في وصفه جل ذكره ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه. (٢)

стр. 3002

ابن البناء (١) (٤٧١ هـ) الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي أبو علي الإمام العالم المفتي المحدث، صاحب التآليف، سمع من هلال الحفار وأبي الفتح بن أبي الفوارس وعبد الله بن يحيى السكري وطبقتهم، فأكثر وأحسن. روى عنه أحمد ابن ظفر المغازلي وأبو منصور عبد الرحمن القزاز وآخرون وقد تلا بالروايات على أبي الحسن الحمامي، وعلق الفقه والخلاف عن القاضي أبي يعلى قديما، واشتغل في حياته وصنف في الفقه والأصول والحديث، وكان له حلقة للفتوى وحلقة للوعظ وكان شديدا على المخالفين. قال القفطي: كان مشارا إليه في القراءات واللغة والحديث. وقال شجاع الذهلي: كان أحد القراء المجودين سمعنا منه قطعة من تصانيفه. توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. موقفه من المبتدعة: آثاره السلفية: ١ - 'المختار في أصول السنة' وهو عبارة عن مختصر لشريعة الآجري، وهو مطبوع ومتداول. ٢ - 'شرح قصيدة ابن أبي داود في السنة'. (٢) وكان أديبا شديدا على أهل الأهواء. (٣) ٣ - 'شرف أصحاب الحديث'، ذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٤) والعليمي في الدر المنضد (٥). ٤ - 'كتاب مفرد في الاثنين والسبعين فرقة'، ذكره المؤلف نفسه في كتابه المختار في أصول السنة (٦) (حيث قال: وقد أفردت كتابا بالاثنين وسبعين فرقة ومذاهبهم وبعض أدلتهم، وأجبت على جميع ذلك بحمد الله ومنه إن شاء الله. ٥ - 'كتاب في السنة'، وهو جزآن يشتمل على خمسين بابا. وقد ذكره المؤلف في كتاب المختار (٧). موقفه من المشركين: قال شيخ الإسلام: وقال أبو علي ابن البناء في 'الخصال والأقسام' له: ومن سب النبي ﵊ وجب قتله، ولا تقبل توبته، وإن كان كافرا فأسلم فالصحيح من المذهب أنه يقتل أيضا ولا يستتاب. قال: ومذهب مالك كمذهبنا. (٨) موقفه من الجهمية والقدرية: قال ﵀: وأما القدرية والمعتزلة وأنواعهم فينكرون الصراط والميزان والكرسي وفزع يوم القيامة، ونعيم القبر، وعذابه، وسؤال منكر ونكير

стр. 3003

وضغطة القبر، وخلق الجنة والنار والحور العين، وقالوا: ليس للنبي ﷺ يوم القيامة شفاعة، ولا له حوض، وكذبوا بالأخبار الواردة في ذلك، وقالوا: لا يجوز أن يرى الله عزوجل أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة لا مؤمن ولا كافر، وقالوا: كلام الله محدث مخلوق، وقالوا: أسماء الله مخلوقة، وما كان له اسم حتى خلق له الخلق اسما، ويبقى عند عدم الخلق بلا اسم ولا صفة، وقالوا: يجوز أن يقال: بأن الله قادر على الظلم والكذب وغيرهما من القبائح، وقال الجبائي: يجوز أن يقال: بأن الله محبل نساء العالمين، وقالوا: يجب على الله أن يعوض الثواب والجزاء، وأهل السنة يقولون ذلك تفضل منه غير واجب عليه. وعندنا جميع أفعال العباد خلق لله تعالى كسب لهم خيرها وشرها، وعند القدرية هي خلق لهم لا رب لها ولا إله، وعندنا صانع العالم واحد، وعندهم عدد كثير يشركونه في الصنعة والخلق. (١) موقف السلف من ابن العجوز محمد بن عبد الرحمن (٤٧٤ ه ـ) بيان زندقته وتحريفه لكلام الله: قال الذهبي: لقي أبا إسحاق التونسي بالقيروان، وعليه وعلى ابن البريا كانت العمدة في الفتوى، وكانت بينهما إحن، فجرت محنة للفظة قالها أبو عبد الله، قرأ الخطيب: (وأعدوا لهم ما استطعتم من) عدة، بدل: (قوة) (٢)

стр. 3004

فقال: الوزن واحد. فكفروه، وأفتوا باستتابته، وسجن. (١) أحمد بن علي بن عبد الله المقرئ أبو الخطاب (٢) (٤٧٦ هـ) أحمد بن علي بن عبد الله المقرئ الصوفي أبو الخطاب البغدادي. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة قرأ على أبي الحسن الحمامي وغيره. تلا على الحمامي المذكور بالسبع وقرأ عليه خلق كثير منهم أبو الفضل بن المهتدي وهبة الله بن المجلى وغيرهما. وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقي وله مصنف في السبعة وقصيدة في السنة وقصيدة في عدد الآي وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين بتجويد القراءة وتحسينها. توفي يوم الثلاثاء سادس وعشرين رمضان سنة ست وسبعين وأربعمائة ودفن بباب حرب. موقفه من الجهمية: قال ﵀: وإن كتاب الله ليس بمحدث ... على ألسن تتلو، وفي الصدر يجمع وما كتب الحفاظ في كل مصحف ... كذلك إن أبصرت، أوكنت تسمع وللجبل الرحمن لما بدا ... له تدكدك خوفا كالشطى يتقطع وكلم موسى ربه فوق عرشه ... على الطور تكليما، فما زال يخضع (٣)

стр. 3005

أبو الفتح عبد الوهاب ابن جَلَبَة (١) (٤٧٦ هـ) عبد الوهاب بن أحمد بن جلبة الحراني أبو الفتح مفتي حران وقاضيها، تفقه بالقاضي أبي يعلى بن الفراء، وكتب تصانيفه وسمع من أبي علي بن شاذان وأبي بكر البرقاني والحسن بن شهاب العكبري. أخذ عنه مكي الرميلي والرحالة، وكان ولي قضاء حران نيابة من أبي يعلى. درس ووعظ وخطب ونشر السنة. قتله ابن قريش العقيلي في سنة ست وسبعين وأربعمائة. عند قيام أهل حران على ابن قريش لما أظهر سب الصحابة. موقفه من المبتدعة والرافضة: - قال ابن أبي يعلى: واختار الله العظيم له الشهادة على يدي ابن قريش العقيلي في سنة ست وسبعين وأربعمائة، عند اضطراب أهل حران على ابن قريش. لما أظهر سب السلف بها. (٢) - جاء في السير: وكان ولي قضاء حران نيابة من أبي يعلى. درس ووعظ وخطب ونشر السنة.

стр. 3006

أبو إسحاق الشِّيرَازِي (١) (٤٧٦ هـ) الشيخ الإمام، القدوة، المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي ابن يوسف، الفيروز أبادي، الشيرازي الشافعي. ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وقيل سنة ست وتسعين. سمع من أبي علي بن شاذان، وأبي بكر البرقاني، ومحمد بن عبيد الله الخرجوشي. وعنه الخطيب، وأبو الوليد الباجي، والحميدي وآخرون. قال ابن كثير: كان زاهدا عابدا ورعا، كبير القدر معظما محترما إماما في الفقه والأصول والحديث وفنون كثيرة، وله المصنفات الكثيرة النافعة. قال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء. وقال شيرويه الديلمي: وكان ثقة فقيها زاهدا في الدنيا على التحقيق أوحد زمانه. وقال الذهلي: إمام أصحاب الشافعي والمقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة، ورعا، صالحا، عالما بالخلاف علما لا يشاركه فيه أحد. وقال القاضي ابن هانئ: إمامان ما اتفق لهما الحج، أبو إسحاق وأبو عبد الله الدامغاني، أما أبو إسحاق فكان فقيرا، ولو أراده لحملوه على الأعناق ... توفي سنة ست وسبعين وأربعمائة. موقفه من الجهمية: لقد اختلفت الآراء في أبي إسحاق، هل هو سلفي أو أشعري، والذي رجحه الكثير من الباحثين أنه كان على عقيدة السلف. وقد ذكر الدكتور

стр. 3007

زكريا عبد الرزاق في مقدمة تحقيقه لكتاب النكت في المسائل المختلف فيها بين الشافعي وأبي حنيفة مرجحات ثمانية لسلفية الشيخ، ثم عقد فصلا للجواب عن شبه من ادعى أنه أشعري وكذلك الدكتور عبد المجيد التركي في مقدمته لكتاب 'الوصول إلى مسائل الأصول' للشيخ أبي إسحاق فقال: (والمرجح أن ابن الصباغ لم يكن يقول بمقالة الأشاعرة، وإنما كان على غرار الشيرازي على عقيدة السلف الصالح ويبدو هذا من خلال كتابه الوحيد الذي وصل إلينا من كامل كتبه -أي كتاب الطريق السالم-). ومن أكبر المرجحات ما تركه من الآثار السلفية: 'عقيدة السلف'. كان الشيخ أبو إسحاق يقول: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة. (١) عبد الله بن عطاء الهروي (٢) (٤٧٦ هـ) عبد الله بن عطاء بن عبد الله الإبراهيمي الهروي المحدث الحافظ أبو محمد. أحد الحفاظ المشهورين الرحالين سمع من عبد الواحد المليحي وشيخ الإسلام الأنصاري ومن عبد الرحمن وعبد الوهاب ابني منده وجماعة. وكتب بخطه الكثير وخرج التخاريج وحدث. روى عنه أبو محمد سبط الخياط وأبو بكر بن الزعفراني وآخر من

стр. 3008

روى عنه أبو المعالي بن النحاس ووثقه طائفة من حفاظ وقته في الحديث منهم المؤتمن الساجي. قال شهردار الديلمي عنه كان صدوقا حافظا متقنا واعظا حسن التذكير. وقال يحيى بن منده: كان أحد من يفهم الحديث ويحفظ صحيح النقل كثير الكتابة حسن الفهم وكان واعظا حسن التذكير. وتوفي في طريق مكة بعد عوده منها على يومين من البصرة سنة ست وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى. موقفه من الجهمية: قال خميس الجوزي: رأيته ببغداد ملتحقا بأصحابنا، ومتخصصا بالحنابلة، يخرج لهم الأحاديث المتعلقة بالصفات، ويرويها لهم. وأضداده من الأشعرية يقولون: هو يضعها. وما علمت فيه ذلك. وكان يعرفه. (١) موقف السلف من البكري أبي بكر عتيق الأشعري (٤٧٦ ه ـ) بيان فضائحه الأشعرية: جاء في السير: وفد على النظام الوزير -أي البكري-،فنفق عليه، وكتب له توقيعا بأن يعظ بجوامع بغداد، فقدم وجلس، واحتفل الخلق، فذكر

стр. 3009

الحنابلة، وحط وبالغ، ونبزهم بالتجسيم، فهاجت الفتنة، وغلت بها المراجل، وكفر هؤلاء هؤلاء، ولما عزم على الجلوس بجامع المنصور، قال نقيب النقباء: قفوا حتى أنقل أهلي، فلابد من قتل ونهب. ثم أغلقت أبواب الجامع، وصعد البكري، وحوله الترك بالقسي، ولقب بعلم السنة، فتعرض لأصحابه طائفة من الحنابلة، فشدت الدولة منه، وكبست دور بني القاضي ابن الفراء، وأخذت كتبهم، وفيها كتاب في الصفات، فكان يقرأ بين يدي البكري، وهو يشنع ويشغب، ثم خرج البكري إلى المعسكر متشكيا من عميد بغداد أبي الفتح بن أبي الليث. وقيل: إنه وعظ وعظم الإمام أحمد، ثم تلا: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (١) فجاءته حصاة ثم أخرى، فكشف النقيب عن الحال فكانوا ناسا من الهاشميين حنابلة قد تخبؤوا في بطانة السقف، فعاقبهم النقيب، ثم رجع البكري عليلا، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة. (٢) التعليق: من هذه الحادثة يستفاد: - ما كان عليه نظام الملك من نصرة لعقيدة الأشاعرة. - جرأة الأشاعرة على أهل الإثبات. - مصادرة كتب السلف.

стр. 3010

- تمسك السلفيين بعقيدتهم مهما كان المقابل. - تشويه الأشاعرة لأهل الإثبات ومحاولة التستر وراء الإمام أحمد وهو بريء منهم. موقف السلف من مسعود بن ناصر (٤٧٧ ه ـ) بيان ضلاله في باب القدر: قال أبو بكر بن الخاضبة: وكان مسعود قدريا، سمعته يقرأ الحديث، فلما أتى على حديث أبي هريرة: «احتج آدم وموسى» (١) في الحديث، وقال: «فحج آدم موسى» فجعل موسى فاعلا وآدم محجوجا، نوزع في ذلك وجرت قصة. (٢) عبد الملك الجُوَيْنِي (٣) (٤٧٨ هـ) إمام الحرمين، الإمام الكبير، شيخ الشافعية، أبو المعالي، عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني، ثم النيسابوري، ضياء الدين الشافعي، صاحب التصانيف. ولد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة. سمع من والده، وأبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي

стр. 3011

عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النبلي وآخرين. وعنه جماعة منهم أبو عبد الله الفراوي، وزاهر الشمامي، وأحمد بن سهل المسجدي. سمع الحديث الكثير في البلاد وفي بغداد، وخرج إلى الحجاز فأقام بمكة أربع سنين، وعاد إلى نيسابور فجلس للتدريس ثلاثين سنة، وقد سلم إليه التدريس والمحراب والمنبر والخطابة ومجلس التذكير يوم الجمعة، وكان يحضر درسه كل يوم نحو ثلاثمائة، وتخرج به جماعة من الأكابر، حتى درسوا في حياته. قال أبو إسحاق الفيروز أبادي: تمتعوا من هذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعالي الجويني. كان من أئمة أهل الكلام، فتاب منه وتبرأ من أهله، ورجع إلى مذهب السلف. توفي ﵀ ليلة الأربعاء بعد العشاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. موقفه من الجهمية: هذا الرجل تركه أبوه وعمره عشرون سنة مع أن أباه رجع إلى عقيدة السلف ونبذ الأشعرية، ولا أدري كيف لم يستفد عبد الملك من أبيه عبد الله الذي تقدم الحديث عنه. والمهم أن أبا المعالي تربى على الأشعرية وعلم الكلام وترعرع في ذلك، حتى أصبح العمدة عند الأشاعرة على الخصوص وعند علماء الكلام على العموم، وألف لهم كتبا أصبحت المصدر الأول للعقيدة الأشعرية، منها 'الإرشاد' وقد طبع، و'الشامل' وهو الذي سماه شيخ الإسلام بـ'زبور الأشاعرة'، والحق أنه قطع الطريق على الأشعري وأصحابه، وأصبحت العقيدة الأشعرية مستمدة على ما قعده أبو المعالي. والكلام على أبي المعالي يحتاج إلى تأليف خاص، والمهم عندنا الإشارة إلى المواقف السلفية،

стр. 3012

ومن كان واقفا عقبة أمام العقيدة السلفية، فكان هذا الرجل من أكبر العقبات التي واجهت العقيدة السلفية واسمع ما يقوله في السلف وكتبهم. قال أبو المعالي: إن أئمة السنة وأخيار الأمة بعد صحب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، لم يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات، فلم يورد مالك ﵁ في الموطأ منها شيئا مما أورده الآجري وأمثاله، وكذلك الشافعي وأبو حنيفة وسفيان والليث والثوري ولم يفتوا بنقل المشكلات. ونبغت ناشئة ضروا بنقل المشكلات وتدوين المتشابهات، وتبويب أبواب ورسم تراجم على ترتيب فطرة المخلوقات، ورسموا بابا في ضحك الباري، وبابا في نزوله وانتقاله وعروجه ودخوله وخروجه، وبابا في إثبات الأضراس، وبابا في خلق الله آدم على صورة الرحمن، وبابا في إثبات القدم والشعر القطط، وبابا في إثبات الأصوات والنغمات، تعالى الله عن قول الزائغين. قال: وليس يعتمد جمع هذه الأبواب وتمهيد هذه الأنساب إلا مشبه على التحقيق أو متلاعب زنديق. (١) التعليق: انظر إلى هذا الحقد على السلف وكتبهم حتى جعله يخترع ما لم يوجد، ولا خطر ببال، وأين هذه الدعاوى في كتاب الآجري الذي مثل به. ودعواه أن الأئمة لم يوردوا شيئا من أحاديث الصفات جهل واضح. وقد

стр. 3013

بين شيخ الإسلام ذلك بيانا مفصلا في الفتاوى الكبرى. (١) وكانت بضاعة أبي المعالي في الحديث قليلة وربما منعدمة. يقول الإمام الذهبي: كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته، لا يدري الحديث كما يليق به، لا متنا ولا إسنادا. ذكر في كتاب البرهان حديث معاذ في القياس فقال: هو مدون في الصحاح متفق على صحته. (٢) التعليق: فمن كان حاله كما وصف الذهبي، هل له أن يقول إن الأئمة لم يوردوا شيئا من أحاديث الصفات. فكل فن له أربابه، ومن تكلم فيما لا يحسنه كان ساقط الحجة. وقوعه في الحيرة لمخالفة عقيدة السلف في العلو: - قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني مجلس وعظ أبي المعالي، فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه. فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها، ما قال عارف قط: يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها؟ قال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة. ولطم على رأسه، ونزل، وبقي

стр. 3014

وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني. (١) - ونقل أن أبا المعالي تاب ورجع إلى عقيدة السلف نحسن الظن به أنه رجع في نيته إلى عقيدة السلف، ولكن العبارة التي يستدل بها من قال إنه رجع في كتابه المسمى العقيدة النظامية، والعبارة عبارة عن التعبير عن التفويض لا عن الإثبات وهذه هي العبارة بعينها من العقيدة النظامية قال: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في القرآن وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب الرسول ﷺ على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة ... (٢) - ومن أقواله في رجوعه عن الكلام إلى الحديث والآثار ما جاء في السير: قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب -وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام- فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به.

стр. 3015

- وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور. (١) - قال ابن الجوزي: وكان أبو المعالي الجويني يقول لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربا من التقليد والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. (٢) - قال المازري في شرح 'البرهان' في قوله: إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات: وددت لو محوتها بدمي. وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحا، بل ألزم بها لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة، فالله أعلم. قلت -أي الذهبي-: هذه هفوة اعتزال، هجر أبو المعالي عليها، وحلف أبو القاسم القشيري لا يكلمه، ونفي بسببها، فجاور وتعبد، وتاب - ولله الحمد- منها، كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف في الصفات
следующие страницы →