← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

بل الشأن في الأسباب، أسباب ما ... وإصدارها عن حكم محض المشيئة ترى وقولك: لم شاء الإله؟ هو ... أزل عقول الخلق في قعر حفرة الذي فإن المجوس القائلين بخالق ... لنفع، ورب مبدع للمضرة سؤالهم عن علة السر، أوقعت ... أوائلهم في شبهة الثنوية وإن ملاحيد الفلاسفة الألى ... يقولون بالفعل القديم لعلة بغوا علة للكون بعد انعدامه ... فلم يجدوا ذاكم، فضلوا بضلة وإن مبادي الشر في كل أمة ... ذوي ملة ميمونة نبوية بخوضهمو في ذاكم صار شركهم ... وجاء دروس البينات بفترة ويكفيك نقضا: أن ما قد سألته ... من العذر مردود لدى كل فطرة فأنت تعيب الطاعنين جميعهم ... عليك، وترميهم بكل مذمة وتنحل من والاك صفوة مودة ... وتبغض من ناواك من كل فرقة وحالهم في كل قول وفعلة ... كحالك يا هذا بأرجح حجة وهبك كففت اللوم عن كل كافر ... وكل غوي خارج عن محجة فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ... على الناس في نفس، ومال، وحرمة ولا تغضبن يوما على سافك دما ... ولا سارق مالا لصاحب فاقة ولا شاتم عرضا مصونا وإن علا ... ولا ناكح فرجا على وجه غية ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ... ولا مفسد في الأرض في كل وجهة ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ... ولا قاذف للمحصنات بزنية ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ... ولا حاكم للعالمين برشوة وكف لسان اللوم عن كل مفسد ... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة

стр. 3712

وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ... على ربهم، من كل جاء بفرية وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم ... بروم فساد النوع، ثم الرياسة وجادل عن الملعون، فرعون، إذ ... فأغرق في اليم انتقاما بغضبة طغى وكل كفور مشرك بإلهه ... وآخر طاغ كافر بنبوة كعاد، ونمروذ، وقوم لصالح ... وقوم لنوح، ثم أصحاب الأيكة وخاصم لموسى، ثم سائر من أتى ... من الأنبياء محييا للشريعة على كونهم قد جاهدوا الناس إذ ... ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة بغوا وإلا فكل الخلق في كل لفظة ... ولحظة عين، أو تحرك شعرة وبطشة كف، أو تخطي قديمة ... وكل حراك، بل وكل سكينة همو تحت أقدار الإله وحكمه ... كما أنت فيما قد أتيت بحجة وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ... فعال ردى، طردا لهذي المقيسة فهل يمكن رفع الملام جميعه ... عن الناس طرا عند كل قبيحة وترك عقوبات الذين قد اعتدوا ... وترك الورى الإنصاف بين الرعية فلا تُضْمَنَنْ نفس ومال بمثله ... ولا يعقبن عاد بمثل الجريمة وهل في عقول الناس أو في طباعهم ... قبول لقول النذل: ما وجه حيلتي؟ ويكفيك نقضا: ما بجسم ابن آدم ... صبي، ومجنون، وكل بهيمة من الألم المقضي في غير حيلة ... وفيما يشاء الله أكمل حكمة إذا كان في هذا له حكمة، فما ... يظن بخلق الفعل، ثم العقوبة؟ وكيف، ومن هذا عذاب مولد ... عن الفعل، فعل العبد عند الطبيعة؟ كآكل سم، أوجب الموت أكله ... وكل بتقدير لرب البرية

стр. 3713

فكفرك يا هذا، كسم أكلته ... وتعذيب نار. مثل جرعة غصة ألست ترى في هذه الدار من جنى ... يعاقب إما بالقضا أو بشرعة؟ ولا عذر للجاني بتقدير خالق ... كذلك في الأخرى بلا مثنوية وتقدير رب الخلق للذنب موجب ... لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة وما كان من جنس المتاب لرفعه ... عواقب أفعال العباد الخبيثة كخير به تمحى الذنوب. ودعوة ... تجاب من الجاني، ورب شفاعة وقول حليف الشر: إني مقدر ... علي كقول الذئب: هذي طبيعتي وتقديره للفعل يجلب نقمة ... كتقديره الأشياء طرا بعلة فهل يَنْفَعَنْ عذر الملوم. بأنه ... كذا طبعه أم هل يقال لعثرة؟ أم الذم والتعذيب أوكد للذي ... طبيعته فعلا لشرور الشنيعة؟ فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ... ينجيك من نار الإله العظيمة فدونك رب الخلق، فاقصده ضارعا ... مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة وذلل قياد النفس للحق، واسمعن ... ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة وما بان من حق فلا تتركنه ... ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة ودع دين ذا العادات، لا تتبعنه ... وعج عن سبيل الأمة الغضبية ومن ضل عن حق فلا تقفونه ... وزن ما عليه الناسب المعدلية هنالك تبدو طالعات من الهدى ... تبشر من قد جاء بالحنيفية بملة إبراهيم، ذاك إمامنا ... ودين رسول الله خير البرية فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ... به جاءت الرسل الكرام السجية وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ... حوى كل خير في عموم الرسالة

стр. 3714

وأخبر عن رب العباد بأن من ... غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة فهذي دلالات العباد لحائر ... وأما هداه فهو فعل الربوبة وفقد الهدى عند الورى لا يفيد ... غدا عنه، بل يجزي بلا وجه حجة من وحجة محتج بتقدير ربه ... تزيد عذابا، كاحتجاج مريضة وأما رضانا بالقضاء فإنما ... أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة كسقم وفقر ثم ذل وغربة ... وما كان من مؤذ، بدون جريمة فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ... فلا ترتضى، مسخوطة لمشيئة وقد قال قوم من أولي العلم: لا ... بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة رضا وقال فريق: نرتضي بقضائه ... ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة وقال فريق نرتضي بإضافة ... إليه. وما فينا فنلقى بسخطة كما أنها للرب خلق، وأنها ... لمخلوقة ليست كفعل الغريزة فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ... ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة ومعصية العبد المكلف تركه ... لما أمر المولى وإن بمشيئة فإن إله الخلق حق مقاله ... بأن العباد في جحيم وجنة كما أنهم في هذه الدار هكذا ... بل البهم في الآلام أيضا ونعمة وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت من الـ ... ـفروق بعلم ثم أيد ورحمة يسوق أولي التعذيب بالسبب ... يقدره نحو العذاب بعزة الذي ويهدي أولي التنعيم نحو ... بأعمال صدق في رجاء وخشية نعيمهم وأمر إله الخلق بين ما به ... يسوق أولي التنعيم نحو السعادة فمن كان من أهل السعادة أثرت ... أوامره فيه بتيسير صنعة

стр. 3715

ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل ... بأمر ولا نهي بتقدير شقوة ولا مخرج للعبد عما به قضى ... ولكنه مختار حسن وسوأة فليس بمجبور عديم الإرادة ... ولكنه شاء بخلق الإرادة ومن أعجب الأشياء: خلق مشيئة ... بها صار مختار الهدى بالضلالة فقولك: هل أختار تركا لحكمة؟ ... كقولك: هل أختار ترك المشيئة؟ وأختار أن لا أختار فعل ضلالة ... ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة وذا ممكن، لكنه متوقف ... على ما يشاء الله من ذي المشيئة فدونك، فافهم ما به قد أجبت من ... معان، إذا انحلت بفهم غريزة أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ... ولله رب الخلق أكمل مدحة وصلى إله الخلق، ﷻ ... على المصطفى المختار خير البرية التعليق: قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في الدرة البهية عن هذه المنظومة: وهذا النظم: قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء، وحيرت كثيرا من أهل العلم الفضلاء. (١) - قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: ومن أقر بالشرع، والأمر والنهي، والحسن والقبح، دون القدر وخلق الأفعال -كما عليه المعتزلة- فهو

стр. 3716

من القدرية المجوسية الذين شابهوا المجوس، وللمعتزلة من مشابهة المجوس واليهود نصيب وافر. ومن أقر بالقضاء والقدر وخلق الأفعال وعموم الربوبية، وأنكر المعروف والمنكر، والهدى والضلال، والحسنات والسيئات، ففيه شبه من المشركين والصابئة. وكان الجهم بن صفوان ومن اتبعه كذلك لما ناظر أهل الهند، كما كان المعتزلة كذلك لما ناظروا المجوس (الفرس)، والمجوس أرجح من المشركين. فإن من أنكر الأمر والنهي، أو لم يقر بذلك، فهو مشرك صريح كافر -أكفر من اليهود والنصارى والمجوس- كما يوجد ذلك في كثير من المتكلمة والمتصوفة -أهل الإباحة ونحوهم. (١) - وقال في حديثه عن إرادة الله: وإرادته قسمان: إرادة أمر وتشريع، وإرادة قضاء وتقدير. فالقسم الأول: إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي، سواء وقعت أو لم تقع. كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وأما القسم الثاني: وهو إرادة التقدير، فهي شاملة لجميع الكائنات،

стр. 3717

محيطة بجميع الحادثات، وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى الأول، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (١) وفي قوله: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ (٢) وفي قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ونظائره كثيرة. وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي، دون ما لم يحدث، كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث، والسعيد من أراد منه تقديرا ما أراد به تشريعا، والعبد الشقي من أراد به تقديرا ما لم يرد به تشريعا، والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا، ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور، مثل قريش الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ (٣).

стр. 3718

فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي -الإرادة القدرية- فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية، ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده قالوا: فيكون قد رضيه وأمر به، قال الله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بالشرائع من الأمر والنهي ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتموه. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ في هذا ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي تكذبون وتفترون بإبطال شريعته، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (١) على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته، ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته، لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا، ويحرم من يشاء، لأن المتفضل له أن يتفضل، له أن لا يتفضل، فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط، وله في ذلك حكمة بالغة. وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرداته الشرعية، وإن كان ذلك بإرادته القدرية، فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها، كما أنه سبحانه قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما، فالمرض بقدره والألم بقدره، فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض قد تقدمت الإرداة بالمرض فلا أتألم، وقد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجي، أو قد تقدمت بالضرب فلا يتألم المضروب، وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه، بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب عليه أيضا، وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) وأما آدم فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٣). فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم ﵇ أو نحوه. ومن أراد شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. ومثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار، فقال له العقلاء: أطفئها لئلا تحرق المنزل، فأخذ يقول: من أين كانت؟ هذه ريح ألقتها، وأنا لا ذنب لي في هذه النار، فما زال يتعلل بهذه العلل حتى استعرت وانتشرت وأحرقت الدار وما فيها، هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير، ولا يردها بالاستغفار والمعاذير. بل حاله أسوأ من ذلك بالذنب الذي فعله، بخلاف الشرارة فإنه لا فعل له فيها. والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه، فإنها لا تنال طاعته إلا بمعونته، ولا تترك معصيته إلا بعصمته. (٤) - وقال: إن الناس -في باب خلق الرب وأمره ولم فعل ذلك- على

стр. 3719

طرفين ووسط: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحا من الأفعال وظلما، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقا لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا. وقابلهم الجهمية الغلاة في الجبر، فأنكروا حكمة الله ورحمته، وقالوا: لم يخلق لحكمة، ولم يأمر بحكمة، وليس في القرآن "لام كي" لا في خلقه ولا في أمره. وزعموا أن قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) و ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥) -وأمثال ذلك- إنما اللام فيه لام العاقبة كقوله:

стр. 3720

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١) وقول القائل: "لدوا للموت وابنوا للخراب". ولم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر موسى، أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله، كعجز بني آدم عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم، فأما من هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وهو مريد لكل ما خلق: فيمتنع في حقه لام العاقبة التي تتضمن نفي العلم أو نفي القدرة. (٢) تاج الدين الفاكهاني (٣) (٧٣١ هـ) تاج الدين عمر بن عالم بن سالم اللخمي الإسكندري العلامة النحوي والفقيه المالكي. سمع علي بن طرخان والمكين الأسمر وعتيق العمري. ولد سنة أربع وخمسين وستمائة. قال ابن فرحون: وكان فقيها فاضلا، متفننا في الحديث، والفقه، والأصول، والعربية والأدب، وكان على حظ وافر من الدين المتين، والصلاح العظيم، واتباع السلف الصالح، حسن الأخلاق، صحب جماعة من الأولياء، وتخلق بأخلاقهم، وتأدب بآدابهم وحج غير مرة، وحدث ببعض مصنفاته. وقال البرزالي: رجل جيد كثير البر والتودد والتواضع من بيت كبير. توفي ﵀ سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.

стр. 3721

موقفه من المبتدعة: بدعة المولد النبوي: له رسالة لطيفة في هذه البدعة سماها 'المورد في عمل المولد' وهي مطبوعة بتحقيق أبي الحارث الحلبي. وهذا نصها، قال الفاكهاني ﵀: الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اقتفاء آثار السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين. أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، ﷺ وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد: هل له أصل في الدين؟؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا. فقلت وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين. بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرما.

стр. 3722

وهو ليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا، لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون -فيما علمت- وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت. ولا جائز أن يكون مباحا، لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين. فلم يبق إلا أن يكون مكروها، أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة، وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سرج الأزمنة، وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف. لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف، والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الغانيات، إما مختلطات بهن أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف.

стр. 3723

وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (١). وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان. وإنما يحل ذلك بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب. وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات. فإنا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ. ولله در شيخنا القشيري رحمه الله تعالى حيث يقول فيما أجازناه: قد عرف المنكر واستنكر الـ وصار أهل العلم في وهدة حادوا عن الحق فما للذي فقلت للأبرار أهل التقى ... لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... ـمعروف في أيامنا الصعبه وصار أهل الجهل في رتبه سادوا به فيما مضى نسبه والدين لما اشتدت الكربه نوبتكم في زمن الغربه ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب. هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه ﷺ وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر

стр. 3724

الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول. التعليق: هذه البدعة التي أحدثها الروافض ومن كان على شاكلتهم حاربها علماء السلف في كل وقت، وسيمر بنا إن شاء الله بعضهم، وكلام هذا الإمام يستحق أن يكتب بماء الذهب، حيث ذكر أن هذا المولد لا أصل له في دين الله إن خلا من المظاهر الشركية ومن سائر المحرمات؛ من أكل مال بالباطل، ومن وجود اختلاط، ومن وجود زنا ولواط، وتغن بالفحش. ومن زابور هذه المواسم ما يقول صاحبه مخاطبا النبي ﷺ : فإن من جودك الدنيا وضرتها يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... ومن علومك علم اللوح والقلم سواك عند حلول الحادث العمم وقوله: هذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء وقوله: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم وهكذا لو اجتنبت الصلوات المصحوبة بالشرك، التي يصفون فيها النبي ﷺ بأوصاف شركية، لو قام ﷺ من قبره لقاتلهم كما كان يقاتل المشركين أعداء الله، لكان الحكم في ذلك كما ذكر هذا الإمام.

стр. 3725

إبراهيم بن عمر الجُعْبُرِي (١) (٧٣٢ هـ) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل بن أبي العباس، الشيخ العلامة، برهان الدين الجعبري، أبو إسحاق السلفي بفتحتين نسبة إلى طريقة السلف. ولد سنة أربعين وستمائة بقلعة جعبر. تلا ببغداد بالسبع على أبي الحسن الوجوهي، وقرأ على تاج الدين بن يونس وغيرهما. اشتغل ببغداد، وقدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة. قال عنه ابن كثير: كان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرياسة والخير والديانة والعفة والصيانة. وقال الذهبي: كان ساكنا وقورا ذكيا واسع العلم. صنف في القراءات والحديث والأصول والعربية والتاريخ وغير ذلك. توفي ﵀ في رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وكان يكتب بخطه -السَّلَفِي- فسئل عن ذلك: فقال بالفتح نسبة إلى طريق السلف. (٢) موقفه من المشركين: قال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى: وحدثني تاج الدين الأنباري، الفقيه المصري الفاضل، أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت ابن عربي شيخا مخضوب اللحية، وهو شيخ نجس، يكفر بكل كتاب أنزله الله، وكل نبي أرسله الله ... وحدثني عن الشيخ إبراهيم الجعبري: أنه

стр. 3726

حضر ابن الفارض عند الموت وهو ينشد: إن كان منزلي في الحب عندكم أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي واليوم أحسبها أضغاث أحلام وحدثني الفقيه الفاضل تاج الدين الأنباري، أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت في منامي ابن عربي، وابن الفارض، وهما شيخان أعميان يمشيان ويتعثران، ويقولان كيف الطريق؟ أين الطريق؟ (١) عبد الرحمن القرامزي (٢) (٧٣٢ هـ) عبد الرحمن بن أبي محمد بن سلطان القرامزي الفقيه العابد أبو محمد وأبو الفرج. ولد سنة أربع وأربعين وستمائة تقريبا، وقرأ بالراويات على الشيخ، الصقلي، وسمع من ابن عبد الدائم وابن النشبي والمجد بن عساكر وجماعة، وتفقه في المذهب، ثم تزهد وأقبل على العبادة والطاعة، وملازمة الجامع، وكثرة الصلوات به، واشتهر بذلك، وصار له قبول وقدر عند الأكابر. موقفه من المشركين: جاء في ذيل طبقات الحنابلة: وكان قوي النفس لا يقوم لأحد. وله محبون. ومن حسناته أنه كان من اللعانين للاتحادية. (٣)

стр. 3727

بدر الدين بن جماعة (١) (٧٣٣ هـ) العالم شيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموي ثم المصري الشافعي. ولد سنة تسع وثلاثين وستمائة. روى عن جملة من الأئمة منهم: الرشيد العطار وابن عزون، وابن أبي اليسر، وأجاز له جماعة منهم ابن سلمة وابن البرادعي. سمع الحديث واشتغل بالعلم، وحصل علوما متعددة، وتقدم وساد أقرانه، وكان قوي المشاركة في علوم الحديث والفقه والأصول والتفسير. تولى القضاء ومناصب أخرى. من أشعاره: أعم خلائق الإنسان نفعا ... وأقربها إلى ما فيه راحه أداء أمانة وعفاف نفس ... وصدق مقالة وسماح راحه توفي ﵀ سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. موقفه من المشركين: جاء في العقد الثمين في الرد على ابن عربي من قول ابن جماعة: هذه الفصول المذكورة، وما أشبهها من هذا الباب بدعة وضلالة ومنكر وجهالة، لا يصغي إليها ولا يعرج عليها ذو دين، ثم قال: وحاشا رسول الله ﷺ ، يأذن في المنام بما يخالف ويعاند الإسلام، بل ذلك من وسواس الشيطان ومحنته وتلاعبه برأيه وفتنته. وقوله في آدم: إنه إنسان العين تشبيه لله تعالى بخلقه. وكذلك قوله الحق المنزه، هو الخلق المشبه، إن أراد بالحق رب العالمين فقد صرح بالتشبيه وتغالى

стр. 3728

فيه. وأما إنكاره ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد فهو كافر به عند علماء أهل التوحيد، وكذلك قوله في قوم نوح وهود، قول لغو باطل مردود. وإعدام ذلك وما شابه هذه الأبواب من نسخ هذا الكتاب من أوضح طرق الصواب، فإنها ألفاظ مزوقة وعبارات عن معان غير محققة. وإحداث في الدين ما ليس منه. فحكمه رده والإعراض عنه. (١) ابن سيد الناس (٢) (٧٣٤ هـ) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحدث الأديب الناظم الناثر فتح الدين أبو الفتح، كان حافظا بارعا أديبا متفننا بليغا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، فصيح الألفاظ، كامل الأدوات، جيد الفكرة، صحيح الذهن، لا تمل محاضرته. ولد في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة. وشيوخه كثر، منهم: أبو الفتح بن دقيق العيد، وأبو الحسن الغرافي وبهاء الدين بن النحاس. ومن تلاميذه المسند أبو الفرج الغزي، وصلاح الدين الصفدي، وأم محمد رقية ابنة علي، وغيرهم. قال البرزالي: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا للحديث، وتفهما في علله، وأسانيده، عالما بصحيحه وسقيمه، مستحضرا للسيرة، له حظ في العربية، حسن التصنيف. قال ابن ناصر: كان إماما، حافظا عجيبا،

стр. 3729

مصنفا، بارعا، شاعرا أديبا. توفي ﵀ في يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. موقفه من المبتدعة: له من الآثار السلفية: العقيدة السلفية الموضوعة على الآي والأخبار والاقتفاء بالآثار النبوية. ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية. (١) محمد بن محمد بن الحاج (٢) (٧٣٧ هـ) محمد بن محمد، أبو عبد الله العبدري الفاسي نزيل مصر. يعرف بابن الحاج، واشتهر بالزهد والورع، وكان فقيها عارفا بمذهب مالك. أخذ العلم عن أعلام منهم: أبو إسحاق المطماطي، وصحب أبا محمد بن أبي جمرة وانتفع به. وأخذ عنه الشيخ عبد الله المنوفي والشيخ خليل وغيرهما. صنف كتاب المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات، وبين فيه البدع المختلفة والعوائد المنتحلة، لكنه للأسف وقع في ما حذر منه، وجوز بعض البدع الشركية، كزيارة القبور، والتوسل بالأولياء، وطلب تفريج الكربات عند زيارة قبور الصالحين، والتوسل بذات النبي ﷺ ، وقد نبه على مواضع هذه البدع في المدخل الشيخ الفاضل محمد بن عبد الرحمن الخميس في رسالة قيمة بعنوان: المنخل لغربلة خرافات ابن الحاج في المدخل. توفي ابن الحاج بالقاهرة

стр. 3730

سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. موقفه من المبتدعة: له من الآثار ما ذكر في الترجمة: المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات وهو مطبوع طبعات متعددة، وفي وقت مبكر، وفيه ما يستفاد منه غير أنه فيه ما يحذر منه، ففيه كما ذكرت آنفا من دعوات صريحة إلى بعض البدع المنكرة لا سيما بدع القبورية وخرافاتهم وشركياتهم، فليكن القارئ منه على حذر، فإن الكتاب مشهور في الأوساط العلمية. وقد تتبعه -كما ذكرت- أخونا الفاضل محمد بن عبد الرحمن الخميس، وأبان المواطن التي ينبغي أن تُحْذَرَ منه، في جزء صغير سماه 'المنخل لغربلة خرافات ابن الحاج في المدخل' وأتبع كل خرافة بما يناسب من التعليق فجزاه الله خيرا، ورأيت أن أورد هنا من هذه الخرافات شاهدا على ما قلنا: جاء في المدخل: وكذلك يدعو عند هذه القبور عند نازلة نزلت به أو بالمسلمين، ويتضرع إلى الله تعالى في زوالها وكشفها عنه وعنهم. وهذه صفة زيارة القبور عموما، فإن كان الميت المزار ممن ترجى بركته، فيتوسل إلى الله تعالى به، وكذلك يتوسل الزائر بمن يراه الميت (١) ممن ترجى بركته إلى النبي ﷺ ، بل يبدأ بالتوسل إلى الله تعالى بالنبي ﷺ ، إذ هو العمدة في التوسل، والأصل في هذا كله، والمشرع له، فيتوسل به ﷺ وبمن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. (٢)

стр. 3731

وقال: ... ثم يتوسل بتلك المقابر، أعني بالصالحين منهم في قضاء حوائجه، ومغفرة ذنوبه، ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحيائهم وذريتهم إلى يوم الدين، ولمن غاب عنه من إخوانه، ويجأر إلى الله تعالى بالدعاء عندهم، ويكثر التوسل بهم إلى الله تعالى، لأنه اجتباهم وشرفهم وكرمهم، فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر. فمن أراد حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم، فإنهم الواسطة بين الله تعالى وخلقه. (١) وقال: ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من زيارة القبور فيما ذكر من الآداب، وهو في زيارة العلماء والصلحاء ومن يتبرك بهم. وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والاضطرار والخضوع، ويحضر قلبه وخاطره إليهم، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم، ثم يترحم على التابعين بإحسان إلى يوم الدين، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه، ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم، ويجزم بالإجابة ببركتهم، ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح. وجرت سنته في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم،

стр. 3732

ومن عجز عن الوصول إليهم، فليرسل بالسلام عليهم، ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه، ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه إلى غير ذلك، فإنهم السادة الكرام، والكرام لا يردون من سألهم، ولا من توسل بهم، ولا من قصدهم، ولا من لجأ إليهم. هذا الكلام في زيارة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما ... (١) وهكذا استرسل الشيخ ﵀ في هذا الهذيان، الذي أغنانا عنه الأئمة بالبيان، وكشفوا ما فيه من الغلط والانحراف، والمعصوم من عصمه الله، والله المستعان. السلطان الناصر محمد بن قلاوون (٢) (٧٤١ هـ) الملك الناصر محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي بن المنصور. ولد سنة أربع وثمانين وستمائة. سمع من ست الوزراء وابن الشحنة، ووجدت له إجازة بخط البرزالي من ابن مشرف وعيسى المغاري وجماعة. قال ابن جحر: كان مطاعا مهيبا عارفا بالأمور، يعظم أهل العلم والمناصب الشرعية؛ لا يقرر فيها إلا من يكون أهلا لها، ويتحرى لذلك ويبحث عنه. كانت وفاته في تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين سبعمائة

стр. 3733

بالقلعة، وصلى عليه عزالدين ابن جماعة القاضي. موقفه من المشركين: - جاء في البداية والنهاية: قال البرزالي: وفي نصف شعبان أمر السلطان بتسليم المنجمين إلى والي القاهرة فضربوا وحبسوا لإفسادهم حال النساء، فمات منهم أربعة تحت العقوبة، ثلاثة من المسلمين ونصراني، وكتب إلي بذلك الشيخ أبو بكر الرحبي. (١) موقف السلف من الدكاكي الزنديق (٧٤١ ه ـ) إدعاؤه الإلهية وتنقصه الأنبياء: - قال ابن كثير: وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر شوال، عقد مجلس في دار العدل بدار السعادة، وحضرته يومئذ واجتمع القضاة والأعيان على العادة، وأحضر يومئذ عثمان الدكاكي قبحه الله تعالى، وادعي عليه بعظائم من القول لم يؤثر مثلها عن الحلاج ولا عن ابن أبي العزاقر الشلمغاني، وقامت عليه البينة بدعوى الإلهية لعنه الله، وأشياء أخر من التنقيص بالأنبياء ومخالطته أرباب الريب من الباجريقية وغيرهم من الاتحادية عليهم لعائن الله، ووقع منه في المجلس من إساءة الأدب على القاضي الحنبلي وتضمن ذلك تكفيره من المالكية أيضا، وادعى أن له دوافع وقوادح في بعض الشهود، فرد إلى السجن

стр. 3734

مقيدا مغلولا مقبوحا، أمكن الله منه بقوته وتأييده، ثم لما كان يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة أحضر عثمان الدكاكي المذكور إلى دار السعادة، وأقيم بين يدي الأمراء والقضاة وسئل عن القوادح في الشهود فعجز فلم يقدر، وعجز عن ذلك فتوجه عليه الحكم، فسئل القاضي المالكي الحكم عليه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم حكم بإراقة دمه وإن تاب، فأخذ المذكور فضربت رقبته بدمشق بسوق الخيل، ونودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية، وكان يوما مشهودا بدار السعادة، حضر خلق من الأعيان والمشايخ، وحضر شيخنا جمال الدين المزي الحافظ، وشيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي، وتكلما وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة، وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي، وهم نفذوا حكمه في المجلس فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره. (١) أبو الحجاج جمال الدين المِزِّي (٢) (٧٤٢ هـ) يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفريد الرحلة، إمام المحدثين جمال الدين أبو الحجاج المزي بن الزكي

стр. 3735

القضاعي الكلبي الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ ناقد الأسانيد والألفاظ. ولد في عاشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة. حفظ القرآن في صباه وتفقه للشافعي مدة وعني بشيء من الأصول. سمع أصحاب طبرزد والكندي وابن الحرستاني. سمع منه شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وابن سيد الناس والذهبي، وغيرهم. وبه تخرج علم الدين البرزالي وابن عبد الهادي وعلاء الدين مغلطاي وآخرون. قال الصفدي: كان شيخنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخ الزمان، وحافظ العصر وناقد الأوان، لو عاصره ابن ماكولا، كان له مشروبا ومأكولا، وجعل هذا الأمر إليه موكولا. وقال أيضا ناقلا عن شيخه ابن سيد الناس في حق المزي: ووجدت بدمشق الإمام المعظم والحاكم الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم، أبا الحجاج المزي بحر هذا العلم الزاخر، القائل من رآه كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس للتراجم، وأعلم الناس بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصرا دون مصر، ولا يتفرد علمه بأهل عصر دون عصر، معتمدا آثار السلف الصالح، مجتهدا فيما نيط به في حفظ السنة من النصائح، معرضا عن الدنيا وأشباهها. توفي ﵀ في ثاني عشر شهر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. موقفه من المبتدعة: - قال عنه الذهبي: وكان مأمون الصحبة، حسن المذاكرة، خيِّر الطوية، محبا للآثار، معظما لطريقة السلف، جيد المعتقد، وكان اغتر في شبيبته وصحب العفيف التلمساني، فلما تبين له ضلاله هجره، وتبرأ منه،

стр. 3736

وكان أوذي مرة واختفى بسبب إسماعه لتاريخ الخطيب، وأوذي أخرى بسبب قراءته كتاب خلق أفعال العباد. (١) موقفه من المشركين: - جاء في تذكرة الحفاظ: وقد لزم في وقت صحبة العفيف التلمساني فلما تبين له انحلاله واتحاده تبرأ منه وحط عليه. (٢) موقفه من الجهمية: جاء في الدرر الكامنة: قال الذهبي: وكان يترخص في الأداء من غير الأصل ويصلح من حفظه. ويسامح في دمج القارئ ولغط السامعين ويعتمد في ذلك الإجازة. وكان يتمثل بقول ابن منده: يكفيك من الحديث شمه. وأوذي مرة في سنة خمس بعد السبعمائة بسبب ابن تيمية، لأنه لما وقعت المناظرة له مع الشافعية وبحث مع الصفي الهندي ثم ابن الزملكاني بالقصر الأبلق، شرع المزي يقرأ كتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وفيه فصل في الرد على الجهمية، فغضب بعض وقالوا: نحن المقصودون بهذا، فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ فأمر بسجنه، فتوجه ابن تيمية وأخرجه من السجن، فغضب النائب فأعيد، ثم أفرج عنه، وأمر النائب وهو الأفرم بأن ينادي بأن من يتكلم في العقائد يقتل. (٣)

стр. 3737

محمد بن عبد الهادي (١) (٧٤٤ هـ) الإمام الأوحد، الحافظ ذو الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الجماعلي الأصل، ثم الصالحي، الحنبلي. ولد في شهر رجب سنة خمس وسبعمائة. من شيوخه القاضي تقي الدين أبو الفضل المقدسي وابن عبد الدائم، وسعد الدين بن سعد، وشيخ الإسلام ابن تيمية والمزي. ومن تلاميذه إسماعيل بن يوسف المقرئ وشمس الدين محمد بن المحب الصالحي المعروف بالصامت ومحمد بن علي الطوسي، وزين الدين العراقي. قال الصفدي: الإمام القاضي المفنن الذكي النحرير شمس الدين الحنبلي ... كان ذهنه صافيا وفكره بالمعضلات وافيا، جيد المباحث، أطرب في نقله من المثاني والمثالث، صحيح الانتقاد، مليح الأخذ والإيراد. وقال ابن كثير: الإمام العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين ... حصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ والقراءات، وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة، وكان حافظا جيدا لأسماء الرجال وطرق الحديث، عارفا بالجرح والتعديل، بصيرا بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن، مستقيما على طريقة السلف واتباع الكتاب والسنة، مثابرا على فعل الخيرات. توفي ﵀ سنة أربع وأربعين وسبعمائة.

стр. 3738

موقفه من المبتدعة: هذا الإمام العَلَم على قصر عمره نهل علما غزيرا، وكان ﵀ سيفا مسلولا على المبتدعة، وقد تصدى لأكبر مبتدع في عصره ألا وهو السبكي، بل وألف في الرد عليه كتابا مستقلا أسماه الصارم المنكي -فأزعج به المبتدعة الأقدمين والمحدثين، حتى إنهم لخبثهم وحقدهم الدفين حاولوا مناقشة كلمة "المنكي"- وهو من الكتب السلفية التي لو كتبت بماء الذهب لَعُدَّ في حقها رخيصا، لما حواه في طياته من بيان لخبث المبتدعة عموما وحيلهم ومكرهم وتمويهاتهم، وهو مطبوع بحمد الله. - قال في مطلعه: أما بعد: فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية في مسألة شد الرحال وإعمال المطيّ إلى القبور، وذكر أنه كان قد سماه 'شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة' ثم زعم أنه اختار أن يسميه 'شفاء السقام في زيارة خير الأنام' فوجدت كتابه مشتملاً على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة وتحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة. ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلاً ممارياً معجباً برأيه متبعاً لهواه، ذاهباً في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة، صائراً في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المخيلة والحجج الداحضة، وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها.

стр. 3739

وهو في الجملة لون عجيب وبناء غريب؛ تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين، فيكون مخطئاً في ذلك الاجتهاد، ومرة يزعم فيما يقوله ويدعيه أنه من جملة المقلدين، فيكون من قلده مخطئاً في ذلك الاعتقاد، نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد. (١) - إلى أن قال: فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور أحببت أن أنبه على ما وقع فيه من الأمور المنكرة والأشياء المردودة؛ وخلط الحق بالباطل لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيراً مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين في العلم بأدنى تأمل ولله الحمد، ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس، لطال الخطاب، ولبلغ الجواب مجلدات، ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم والله المستعان. (٢) - وقال: أن تعظيمه ﷺ هو موافقته في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قوله قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول، ثم يقدم المعقول عليه كما يقوله أئمة هذا المعترض الذين تلقى عنهم أصول دينه، وقدم آراءهم وهو أحسن ظنونهم على كلام الله ورسوله. ثم ينسب ورثة الرسول الواقفين مع

стр. 3740

أقواله المخالفين لما خالفها إلى ترك التعظيم، وأي إخلال بتعظيم، وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول عن إفادة اليقين، وقدم عليه آراء الرجال، وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول، وآراء الرجال على قوله. (١) - إلى أن قال: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح، وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولاً من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين ويصدق هذه المحبة أمران. أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن تصلى الصبح والعصر لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم، ونهى أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان؛ ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك ونهى أن يصلى إلى القبر، أو يتخذ مسجداً، أو عيداً، أو يوقد عليها سراج، وذم من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد، فقال له: بئس الخطيب أنت، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه، وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.

стр. 3741

الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه والرضا بحكمه والانقياد له والتسليم والإعراض عمن خالفه وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود المألوه المخوف المرجو المستغاث به المتوكل عليه الذي إليه الرغبة والرهبة؛ وإليه الوجهة والعمل الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب؛ الذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده وأحياهم وحده، وأماتهم وحده ويبعثهم وحده ويغفر ويرحم ويهدي ويضل ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائناً من كان بل الأمر كله لله ... فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم النافع للمعظم في معاشه ومعاده الذي هو لازم إيمانه وملزومه؛ وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير؛ فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه، فالغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الآخر من وجه دون وجه؛ وأولياؤه سلكوا بين ذلك قواماً؛ وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته والسعي في إظهار دينه، وإعلاء كلماته ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه. وبالجملة: فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله وفيه وتحكيمه وحده والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله: فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده أو تأوله، أو أعرض عنه، والله سبحانه

стр. 3742

يشهد وكفى به شهيداً وملائكته ورسله وأولياؤه أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك. وما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله ﷺ شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم، وأقوال متبوعهم على قوله؛ وأنه لا يستفاد من كلامه يقين؛ وأنه إذا عارضه الرجال قدمت عليه؛ وكان الحكم ما تحكم به؛ أفلا يستحي من الله من العقلاء من هذا حاله في أصول دينه وفرعه أن يتستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسوله ناصر له منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه؛ ويأبى الله ذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ (١)، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (٢).اهـ (٣) ومن كتبه السلفية كذلك: - 'طبقات الحفاظ'، لا يزال مخطوطا. - 'العقود الدرية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية'، وقد طبع بتحقيق الشيخ حامد الفقي ﵀.

стр. 3743

موقفه من المشركين: - قال ﵀ ضمن رده على السبكي: والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادا من أهل معصيته ومخالفته لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه، وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلو في المسيح والتبرك به من جنس محبته وموالاته، وكذلك دعاؤهم للأنبياء الموتى كإبراهيم وموسى وغيرهما ﵈، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم، ولهذا يتبرؤون منهم يوم القيامة. وكذلك الرسول ﷺ يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾ (١) فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرؤوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا

стр. 3744

بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول ﷺ يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله، وما من الله به عليه، وما من على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له، لا بنفس رؤية القبر. ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم، وإنما قصد جمهورهم التأكل والترأس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رئاسة، أو مأكلة لا ليزدادوا هم حبا وخيرا. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» (٢). وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه ﷺ ، والأمر فوق ما ذكره أضعافا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له، واتباع سنته والتأسي به، والاقتداء به ومحبتنا له وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الحق ووسيلتهم إلى الله تعالى، ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله واتباع غير سبيل

стр. 3745

المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، وهو ﷺ قد قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١)، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا» (٢)، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» (٣). وقال: «خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٤)، وقال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٥) إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجاج إلى القبور هم من المخالفين للرسول ﷺ الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له. (٦) - وقال: وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا، ولكن أهل الضلال افتروا آثارا مكذوبة على الرسول وعلى الصحابة والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من

стр. 3746

الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي، أو الحسين، أو إلى قبور الأئمة كموسى والجواد، وغيرهما من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب عندهم، وهو حي إلى الآن ينتظر، ليس لهم غرض في الحج إلى قبر الخليل، وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، فلكل قوم هدى يخالف هدى الآخرين قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (١). وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلا عن الحج. (٢) - وقال: والمقصود هنا أن نعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه، وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي، ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة، أو

стр. 3747

اعتكاف، أو تعليم، أو تعلم، أو ذكر لله دعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك ولا يقفون خارج الحجرة، كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضا لزيارة قبره، فلم يكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره، لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه، وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك أي يقفون على قبر النبي ﷺ فيصلون عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة والأيام المرة والمرتين، أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. فقد كره مالك ﵀ هذا وبين أنه لم يبلغه عن أهل العلم بالمدينة، ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة، وإن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار، فإذا لم يكره لأولئك زيارة القبور، بل يستحب لهم زيارتها عند جمهور العلماء، كما

стр. 3748

كان النبي ﷺ يفعل، فأهل المدينة أولى أن لا يكره لهم، بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم، اقتداء بالنبي ﷺ ، ولكن قبر النبي ﷺ خص بالمنع شرعا وحسا كما دفن في الحجرة، ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما يزار سائر القبور، فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ﷺ ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه، لا لكون غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، فضلا عن الصحابة والتابعين، وعلماء المسلمين؛ بالمدينة وغيرها. (١) - وقال: والمقصود أن الصحابة ﵃ لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل به غيرهم من أهل البدع، الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، وجهلوا السنة إذا رأوا أو سمعوا أمورا من الخوارق، فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين؛ كما أضل النصارى، وأهل البدع بمثل ذلك، فهم يتبعون المتشابه من الكتاب ويدعون المحكم، ولذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية، كما يسمع ويرى أمورا فيظن أنه رحماني، وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه، ولذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته، ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته، لأن الذين رأوه قد علموا أن هذا شرك لا يحل، ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري، ولا تستغيثوا بي لا في محياي ولا في مماتي، كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم

стр. 3749

ويقول: أنا من رجال الغيب، أو الأوتاد الأربعة، أو من السبعة أو الأربعين، أو يقول له: أنت منهم، إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله ويخاطبه عند القبر، كما وقع ذلك لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور، كما يقع كثير من ذلك للمشركين، وأهل الكتاب يرون بعد الموت من يعظمونه، فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم، والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم، والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه إما النبي ﷺ ، وإما غيره من الأنبياء يقظة ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل له أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي ﷺ ، وعانقه هو وصاحباه، ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام إلى مكان بعيد. وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددا كثيرا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم. وهذا موجود عند خلق كثير، كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يعتقد أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه أضل من فعل به ذلك، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله، ومن كان أقل علما قال له: ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا، ومن عنده علم بها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيد فائدة في دينه،

стр. 3750

بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو وإن ظن أنه استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر، ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة أن الخضر أتاه ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي ﷺ . وابن عمر كان يسلم، ولم يقل قط أنه سمع الرد، وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا في بعض المتأخرين، وكذلك لم يكن أحد من الصحابة يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم، مع أنهم أخص الناس به، حتى ابنته فاطمة، لم يطمع الشيطان أن يقول لها: اذهبي إلى قبره، فسليه هل يورث، كما إنهم أيضا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم: اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا، ولا قال: اطلبوا منه أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستغفر لهم، فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته أن يطلبوا منه ذلك، ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة، وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة فأضله الشيطان، كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء، ولا أن يقطع به الأرض في مدة قريبة كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين، لأن الأسفار التي كانوا يسافرونها كانت طاعات، كسفر الحج والعمرة والجهاد، وهم يثابون على كل خطوة يخطونها فيه، وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم، كالذي يخرج من بيته إلى المسجد فخطواته إحداهما ترفع درجة، والأخرى
следующие страницы →