وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١) ولفظه لمسلم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٢). فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان، لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته.
وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي ﷺ بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون مسمى الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره، صار دالا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما، دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر، دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات، والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان: إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما، دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي. (٣)
стр. 3992
- وقال ﵀ في فتح الباري شرح صحيح البخاري: وأكثر العلماء قالوا: هو قول وعمل. وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث. وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا.
وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة. وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح.
وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل:
الحسن، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم، حتى قال كثير منهم:
إن الرقبة المؤمنة لا تجزىء في الكفارة حتى يؤخذ منها الإقرار وهو الصلاة والصيام، منهم: الشعبي، والنخعي، وأحمد في رواية.
وخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيره، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا: الإيمان: المعرفة مع القول.
وحدث بعدهم من يقول: المعرفة خاصة، ومن يقول: الإيمان: القول خاصة.
والبخاري عبر عنه بأنه: قول وفعل.
والفعل: من الناس من يقول: هو مرادف للعمل.
стр. 3993
ومنهم من يقول: هو أعم من العمل.
فمن هؤلاء من قال: الفعل يدخل فيه القول وعمل الجوارح، والعمل لا يدخل فيه القول عند الإطلاق. (١)
وقال فيه أيضا: وقد تلا البخاري الآيات التي فيها ذكر زيادة الإيمان، وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما، منهم: عطاء بن أبي رباح فمن بعده.
وتلا البخاري -أيضا- الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى؛ فإن المراد بالهدى هنا: فعل الطاعات كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم وبالإيمان بما أنزل إلى محمد وإلى من قبله وباليقين بالآخرة، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٢)، فسمى ذلك كله هدى، فمن زادت طاعاته فقد زاد هداه.
ولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب والقول والعمل كله كانت: زيادته بزيادة الأعمال، ونقصانه بنقصانها. وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
فأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه: فهو كالعمل بالجوارح -أيضا-؛ فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه. (٣)
стр. 3994
وقال: واليقين: هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال، فيوجب قوم التصديق حتى ينفي الريب، ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به، وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله. وكذا قال الشعبي أيضا.
وهذا مما يتعلق به من يقول: إن الإيمان هو مجرد التصديق؛ حيث جعل اليقين: الإيمان كله، فحصره في اليقين؛ ولكن لم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان؛ إنما مراده: أن اليقين هو أصل الإيمان كله، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة فنشأ ذلك كله عن اليقين.
قال الحسن البصري: ما طلبت الجنة إلا باليقين، ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا أديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين.
وقال سفيان الثوري: لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقا إلى الجنة وخوفا من النار. (١)
موقفه من القدرية:
قال ﵀: قوله ﷺ : «فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه» (٢). هذه رواية الإمام أحمد، ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا، والمراد: أن ما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه، فكله مقدر
стр. 3995
عليه، ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعا.
وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عزوجل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿قل لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٣).
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه». (٤)
وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ معنى ذلك أيضا.
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب
стр. 3996
ذلك للعبد توحيد ربه عزوجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١).
قوله ﷺ : «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» يعني: أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إذا صبر عليها، كان له في الصبر خير كثير.
وفي رواية عمر مولى غفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام، وهي: «فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين، فافعل، وإن لم
стр. 3997
تستطع، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا». (١)
وفي رواية أخرى من رواية علي بن عباس عن أبيه، لكن إسنادها ضعيف، زيادة أخرى بعد هذا، وهي: قلت: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟ قال: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا أنت أحكمت باب اليقين» (٢). ومعنى هذا أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أصابه، فمن استطاع أن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور، فليفعل، فإن لم يستطع الرضا، فإن في الصبر على المكروه خيرا كثيرا.
فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:
إحداهما: أن يرضى بذلك، وهذه درجة عالية رفيعة جدا، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٣). قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى.
وخرج الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا أحب
стр. 3998
قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (١)، وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «أسألك الرضا بعد القضاء» (٢).
ومما يدعو المؤمن إلى الرضا بالقضاء تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي ﷺ : «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء شكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، كان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن» (٣).
وجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله أن يوصيه وصية جامعة موجزة، فقال: «لا تتهم الله في قضائه» (٤).
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط، فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر. فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ
стр. 3999
صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١)، قال بعض السلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة. وقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين ...
والدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه، مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به، ووعد عليه جزيل الأجر. قال الله عزوجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن.
والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر: كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق. (٤)
стр. 4000
إبراهيم بن داود الآمدي (١) (٧٩٧ هـ)
إبراهيم بن داود بن عبد الله الآمدي ثم الدمشقي برهان الدين. مات أبوه وهو صغير على دين النصرانية فحمله وصيه الشيخ عبد الله الدمشقي وأحضره مجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأسلم على يده وصحبه، ثم صحب أصحابه وأخذ عنهم، وتفقه على مذهب الشافعي، وسمع الحديث. روى عن إبراهيم بن الخيمي والحسن بن عبد الرحمن الإربلي وشمس الدين بن السراج وغيرهم. كان دينا خيرا فاضلا. توفي سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
موقفه من المبتدعة:
محنته ومناظرته على عقيدته السلفية:
قال في الدرر الكامنة: قلت له مرة: أخبركم رضي الله عنكم وعن والديكم، فنظر إلي منكرا وقال: ما كانا على الإسلام. وكان ممتحنا بحب ابن تيمية، ونسخ غالب تصانيفه بخطه، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر برياضة وتؤدة، ويناظر في مسائل ابن تيمية من غير مماراة. (٢)
التعليق:
هذا من أعمال الشيخ ابن تيمية المباركة؛ حيث أسلم على يديه، وبقي سلفيا يناظر على العقيدة السلفية، فرضي الله عنك يا شيخ الإسلام، يا أبا العباس ورضي عن المترجم له.
стр. 4001
محمد بن عرفة (١) (٨٠٣ هـ)
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الوَرْغَمِي التونسي المالكي، شيخ الإسلام بالمغرب. ولد سنة ست عشرة وسبعمائة. روى عن المحدث أبي عبد الله بن جابر الوادي والفقيه القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام وأبي عبد الله محمد بن محمد بن حسين بن سلمة الأنصاري. لم يرض لنفسه الدخول في الولايات، بل اقتصر على الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة، وانقطع للاشتغال بالعلم والتصدر لتجويد القراءات. وصار المرجوع إليه بالمغرب. قال ابن ظهيرة: برع في الأصول والفروع والعربية والمعاني والبيان والفرائض والحساب، وسمع من الوادي آشى الصحيحين، وكان رأسا في العبادة والزهد والورع ملازما للشغل بالعلم، رحل إليه الناس وانتفعوا به ولم يكن بالعربية من يجري مجراه في التحقيق ولا من اجتمع له في العلوم ما اجتمع له، وكانت الفتوى تأتي إليه من مسافة شهر. له أوقاف جزيلة في وجوه البر وفكاك الأسارى، ومناقبه عديدة وفضائله كثيرة.
توفي ﵀ سنة ثلاث وثمانمائة.
موقفه من المشركين:
جاء في العقد الثمين: وقد سئل عنه -أي عن ابن عربي- وعن شيء من كلامه شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي المالكي، عالم إفريقية بالمغرب. فقال ما معناه: من نُسب إليه هذا الكلام، لا
стр. 4002
ليشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته. (١)
سراج الدين البُلْقِينِي (٢) (٨٠٥ هـ)
عمر بن رسلان بن بصير، السراج البلقيني ثم القاهري الشافعي. ولد سنة أربع وعشرين وسبعمائة ببلقينة، فحفظ بها القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ المحرر في الفقه والكافية لابن مالك في النحو، ومختصر ابن الحاجب في الأصول، والشاطبية في القراءات. سمع من الميدومي وابن القماح وابن عقيل وابن عدلان وغيرهم، وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي وغيرهما، وفاق الأقران واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، ووقع الاتفاق على أنه أحفظ أهل عصره وأوسعهم معارفا وأكثرهم علوما، وكان معظما عند الأكابر عظيم السمعة عند العوام، إذا ذكر البلقيني خضعت الرقاب. قال ابن حجي: كان أحفظ الناس لمذهب الشافعي واشتهر بذلك وطبقة شيوخه موجودون، قدم علينا دمشق قاضيا وهو كهل فبهر الناس بحفظه وحسن عبارته وجودة معرفته، وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت واعترفوا بفضله، ثم رجع وتصدى للفتيا فكان معول الناس عليه في ذلك وكثرت طلبته، فنفعوا وأفتوا ودرسوا وصاروا شيوخ بلادهم وهو حي. قال برهان الدين المحدث: رأيته فريد دهره فلم تر عيناي أحفظ للفقه ولأحاديث الأحكام منه.
стр. 4003
قال له ابن كثير: أذكرتنا سمت ابن تيمية. وكذلك قال له ابن شيخ الجبل: ما رأيت بعد ابن تيمية أحفظ منك. أخذ عنه حافظ دمشق ابن ناصر الدين والحافظ ابن حجر وغيرهما.
توفي ﵀ سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة.
موقفه من المشركين:
جاء في العقد الثمين: وقد سمعت صاحبنا الحافظ الحجة القاضي شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، وهو الآن المشار إليه بالتقدم في علم الحديث -أمتع الله بحياته- يقول: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني شيئا من كلام ابن عربي المشكل. وسأله عن ابن عربي فقال له شيخنا البلقيني: هو كافر. (١)
الهيثمي (٢) (٨٠٧ هـ)
علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر نور الدين أبو الحسن الهيثمي. ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة قرأ القرآن وهو نشأ ثم صحب الزين العراقي وهو بالغ ولم يفارقه سفرا وحضرا. وسمع من ابن عبد الهادي والميدومي ومحمد بن إسماعيل بن الملوك ومحمد بن عبد الله النعامني وغيرهم. كان إماما عالما حافظا زاهدا متواضعا متوددا إلى الناس ذا عبادة وتقشف وورع. وهو أشهر من ألف في الزوائد. فمن ذلك مجمع الزوائد، ومجمع
стр. 4004
البحرين، والبدر المنير في زوائد المعجم الكبير، وغاية المقصد في زوائد أحمد، والمقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى، وموارد الظمآن وغيرها.
توفي في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانمائة بالقاهرة ودفن من الغد خارج باب البرقية منها.
موقفه من الجهمية:
قال الهيثمي تعليقا على بعض الأحاديث: رواه الطبراني وفيه عمرو بن عبيد وهو من أعداء الله. (١)
أحمد الناشري (٢) (٨١٥ هـ)
الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن علي بن محمد الناشري، أبو العباس الزبيدي اليمني الشافعي. ولد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. سمع الحديث من أبيه والمجد الشيرازي وطائفة. ولي قضاء زبيد وأعمالها فراعى الحق في أحكامه فتعصبوا عليه فعزل.
تفقه به جمع كثيرون في المملكة اليمنية منهم الموفق علي بن أبي بكر الناشري وولده الجمال محمد الطيب، والجمال بن الخياط والكمال موسى بن محمد الضجاعي وغيرهم.
انتهت إليه ﵀ رئاسة الفتوى ببلده، وكان شديدا على الصوفية
стр. 4005
وكانت لهم شوكة قائمة، ومع ذلك فكان لا يفتر عن الإنكار والرد عليهم.
قال عنه السخاوي: وكان عالما عاملا فقيها، كاملا فريدا تقيا ذكيا، غاية في الحفظ وجودة النظر في الفقه ودقائقه، مقصودا من الآفاق بحيث ازدحم عليه الخلائق.
وقال ابن حجر: اجتمعت به واستفدت منه بزبيد، ونعم الشيخ كان.
مات ﵀ سنة خمس عشرة وثمانمائة، وقد جاوز السبيعن.
موقفه من الصوفية:
- جاء في الضوء اللامع: وجرت له مع الصوفية بزبيد، لما أنكر عليهم الاشتغال بكتب ابن عربي واعتقاد ما فيها، لاسيما الفصوص. وشق ذلك على أكابرهم فتعصبوا عليه بسبب ذلك والتمسوا من السلطان منعه من التعرض لهم، وكان للسطان فيه حسن اعتقاد، فلم يزده إلا حمية لله ولرسوله صلى على الله عليه وسلم، ولقب في وقته لذلك بناصر السنة وقامع المبتدعة. (١)
- وفيه: وعمل كتابا حافلا بين فيه فساد عقيدة ابن عربي ومن ينتمي إليه. (٢)
стр. 4006
أبو زرعة العراقي (١) (٨٢٦ هـ)
أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي الإمام ابن الإمام، والحافظ ابن الحافظ، وشيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام، الشافعي ويعرف كأبيه بابن العراقي. ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة بالقاهرة. سمع من أبي الحرم القلانسي وأبي الحسن العرضي وأبي البقاء السبكي والبهاء بن خليل والبهاء ابن عقيل وغيرهم. تدرب بوالده في الحديث وفنونه وكذا في غيره من فقه وأصول وعربية ومعان وبيان، وبرع في جميع ذلك. وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس. كان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم وقياما في الحق وطلاقة وجه وحسن خلق وطيب عشرة. قال التقي الفاسي: هو أكثر فقهاء عصرنا هذا حفظا للفقه وتعليقا له وتخريجا، وفتاويه على كثرتها مستحسنة، ومعرفته للتفسير والعربية والأصول متقنة، وأما الحديث فأوتي فيه حسن الرواية وعظيم الدراية في فنونه. وقال الجمال بن موسى: الإمام العلامة الفريد، شيخ الحفاظ، هو أشهر من أن يوصف. وقال البدر العيني: كان عالما فاضلا، له تصانيف في الأصول والفروع وفي شرح الأحاديث، ويد طولى في الإفتاء، كان آخر الأئمة الشافعية بالديار المصرية، له مصنفات كثيرة. توفي ﵀ سنة ست وعشرين وثمانمائة.
موقفه من المشركين:
جاء في العقد الثمين: وسئل عنه -أي ابن عربي- شيخنا العلامة المحقق
стр. 4007
الحافظ المفتي المصنف أبو زرعة أحمد بن شيخنا الحافظ العراقي الشافعي -أبقاه الله تعالى- فقال: لا شك في اشتمال: 'الفصوص' المشهورة على الكفر الصريح الذي لا يُشك فيه، وكذلك 'فتوحاته المكية'. فإن صح صدور ذلك عنه واستمر عليه إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك. (١)
تقي الدين الفاسي (٢) (٨٣٢ هـ)
محمد بن أحمد بن علي يكنى أبا عبد الله وأبا الطيب وبها اشتهر أخيرا، ويلقب تقي الدين الحسيني الفاسي المكي القاضي المالكي. ولد في ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعائة بمكة.
حفظ القرآن من سن مبكرة وصلى بالناس التراويح بمقام الحنابلة بالمسجد الحرام. ودرس عدة متون في صغره منها الأربعين النووية وكتاب الرسالة لابن أبي زيد وعمدة الأحكام ومختصر ابن الحاجب والألفية لابن مالك والورقات.
وحبب إليه سماع الحديث فسمع على المسند أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق الدمشقي المعروف بابن الرسام المنتخب من مسند عبد بن حميد ثم صحيح البخاري ومسند الدارمي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه وعدة أجزاء. كما أنه سمع على شهاب الدين القرافي صحيح مسلم وجامع الترمذي وسنن
стр. 4008
أبي داود. وعلى القاضي علي بن أحمد النويري الموطأ لمالك برواية يحيى بن يحيى. وقرأ على العراقي شرحه لألفيته في الحديث المسماة بالتبصرة. كما أنه قرأ على البلقيني وابن الملقن والهيثمي والتنوخي وغيرهم. واعتنى بأخبار بلده فأحيا معالمها وأوضع مجاهلها وترجم أعيانها فكتب لها تاريخا حافلا.
قال ابن حجر: رافقني في السماع كثيرا بمصر والشام واليمن وغيرها، وكنت أوده وأعظمه وأقوم معه في مهماته، ولقد سائني موته وأسفت على فقد مثله.
مات ﵀ ثالث شوال سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بمكة.
موقفه من المشركين:
له العقد الثمين ضمنه مبحثا نفيسا جدا في عقيدة ابن عربي الطائي وأقوال أهل العلم فيه، مبينا ضلاله وكفره وزيغه عن الصراط السوي المستقيم. (١)
ابن الجزري (٢) (٨٣٣ هـ)
الإمام المقرئ محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري، شمس الدين أبو الخير العمري الدمشقي ثم الشيرازي. ولد في ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بدمشق.
стр. 4009
وحفظ القرآن سنة أربع وستين وصلى به سنة خمس، ولهج بطلب الحديث وبرز في القراآت، وذكر أن ابن الخباز أجاز له، واتهم في ذلك، واحتمله السخاوي لأنه خال جده.
سمع الحديث من جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري وغيرهم، وأفرد القراآت على أبي محمد بن السلار وأحمد بن إبراهيم بن الطحان وأحمد بن رجب وغيرهم، وأجاز له وأذن له بالإفتاء الشيخ أبو الفداء ابن كثير والشيخ ضياء الدين والشيخ البلقيني. تصدى للإقراء تحت النسر من الجامع الأموي سنين، وولي مشيخة الإقراء بالعادلية، ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية، ثم مشيخة تربة أم الصالح بعد شيخه ابن السلار. وولي قضاء الشام وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم.
ووصفه ابن حجر بالحافظ الإمام المقرئ، وقال: إنه كان مثريا وشكلا حسنا وفصيحا بليغا كثير الإحسان لأهل الحجاز، انتهت إليه رياسة علم القراآت في الممالك، وممن أخذ عنه القراآت ابنه أبو بكر أحمد والشيخ محمود ابن الحسين الشيرازي والشيخ أبو بكر الحموي والشيخ أحمد بن محمود الحجازي والمحب محمد بن أحمد بن الهائم وغيرهم.
صنف كتاب 'الحصن الحصين' في الأدعية، لهج به أهل اليمن واستكثروه وتنافسوا في تحصيله وروايته، وحصل له رواج عظيم، وذيل طبقات القراء للذهبي وجمع النشر في القراآت العشر، وله كتاب أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب والجوهرة في النحو وغيرهما كثير.
وكانت وفاته بشيراز في ضحوة الجمعة لخمس خلون من ربيع الأول
стр. 4010
سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة للهجرة فرحمه الله تعالى.
موقفه من الجهمية:
قال ﵀ في النشر: ومنها ما يكون حجة لأهل الحق ودفعا لأهل الزيغ كقراءة ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ (١) بكسر اللام وردت عن ابن كثير وغيره وهي من أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة. (٢)
شرف الدين ابن المقري (٣) (٨٣٧ هـ)
أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله اليمني الشافعي المعروف بابن المقري. عالم البلاد اليمنية وإمامها ومفتيها. تفقه على جمال الدين شارح التنبيه وغيره، وقرأ في عدة فنون وبرز في جميعها وفاق أهل عصره وطال صيته واشتهر ذكره ومهر في صناعة النظم والنثر.
قال ابن حجر: وله تصانيف وحذق تام ونظر مليح، ما رأيت باليمن أذكى منه.
وقال الموفق الخزرجي: إنه كان فقيها محققا بحاثا مدققا مشاركا في كثير من العلوم والاشتغال بالمنثور والمنظوم، إن نظم أعجب وأعجز، وإن نثر أجاد وأوجز، فهو المبرز على أترابه والمقدم على أقرانه وأصحابه. كان رحمه
стр. 4011
الله إماما في الفقه والعربية والمنطق والأصول، وله اليد الطولى في الأدب نظما ونثرا، وكان متفردا بالذكاء وقوة الفهم وجودة الفكر، وكان ينكر نحلة ابن عربي وأتباعه، وبينه وبين متبعيه معارك وله في ذلك رسالتان وقصائد كثيرة.
توفي سنة سبع وثلاثين وثمانمائة.
موقفه من المشركين:
لهذا الإمام قصيدة من أجمل القصائد في بيان زندقة ابن عربي وكفره، وهي قصيدة بليغة، ينبغي لمن وقف عليها أن يحفظها حتى تكون زندقة هذا الضال معروفة محفوظة. وإليك بعض القصيدة منقولا من العقد الثمين.
قال التقي الفاسي: وقد بين شيخنا فاضل اليمن شرف الدين إسماعيل ابن أبي بكر المعروف بابن المقري الشافعي من حال ابن عربي مالم يبينه غيره، لأن جماعة من صوفية زبيد أوهموا من ليس له كثير نباهة علو مرتبة ابن عربي ونفي العيب عن كلامه. وذكر ذلك شيخنا ابن المقري مع شيء من حال الصوفية المشار إليهم في قصيدة طويلة من نظمه فقال فيما أنشدنيه إجازة (١):
ألا يا رسول الله غارة ثائر ... غيور على حرماته والشعائر
يحاط بها الإسلام ممن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالفواقر
فقد حدثت بالمسلمين حوادث ... كبار المعاصي عندها كالصغائر ...
حوتهن كتب حارب الله ربها ... وغر بها من غر بين الحواضر
تجاسر فيها ابن العريبي واجترى ... على الله فيما قال كل التجاسر
وقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوبي بغير تعاير
стр. 4012
وأنكر تكليفا إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حائر
وخطأ إلا من يرى الخلق صورة ... وهوية لله عند التناظر
وقال تجلى الحق في كل صورة ... تجلى عليها فهي إحدى المظاهر
وأنكر أن الله يغني عن الورى ... ويغنون عنه لاستواء المقادر
كما ظل في التهليل يهزا بنفيه ... وإثباته مستجملا للمغاير
وقال الذي ينفيه عين الذي ... أتى به مثبتا لا غير عند التجاور
فأفسد معنى ما به الناس أسلموا ... وألغاه إلغا بينات التهاتر
فسبحان رب العرش عما يقوله ... أعاديه من أمثال هذي الكبائر
فقال عذاب الله عذب وربنا ... ينعم في نيرانه كل فاجر
وقال بأن الله لم يعص في الورى ... فما ثم محتاج لعاف وغافر
وقال مراد الله وفق لأمره ... فما كافر إلا مطيع الأوامر
وكل امرئ عند المهيمن مرتضى ... سعيد فما عاص لديه بخاسر
وقال يموت الكافرون جميعهم ... وقد آمنوا غير المفاجا المبادر
وما خص بالإيمان فرعون وحده ... لدى موته بل عم كل الكوافر
فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن ... وإلا فصدقه تكن شر كافر
وأثنى على من لم يجب نوحا إذ دعا ... إلى ترك ود أو سواع وناسر
وسمى جهولا من يطاوع أمره ... على تركها قول الكفور المجاهر
ولم ير بالطوفان إغراق قومه ... ورد على من قال رد المناكر
وقال بلى قد أغرقوا في معارف ... من العلم والباري لهم خير ناصر
كما قال فازت عاد بالقرب واللقا ... من الله في الدنيا وفي اليوم الآخر
стр. 4013
وقد أخبر الباري بلعنته لهم ... وإبعادهم فاعجب له من مكابر
وصدق فرعونا وصحح قوله: ... أنا الرب الأعلى وارتضى كل سامر
وأثنى على فرعون بالعلم والذكا ... وقال بموسى عجلة المتدابر
وقال خليل الله في الذبح واهم ... ورؤيا ابنه تحتاج تعبير عابر
يعظم أهل الكفر والأنبياء ... لا يعاملهم إلا بحط المقادر
ويثني على الأصنام خيرا ولا يرى ... لها عابدا ممن عصى أمر آمر
وكم من جراءات على الله قالها ... وتحريف آيات لسوء تفاسر
ولم يبق كفرا لم يلابسه عامدا ... ولم يتورط فيه غير محاذر
وقال سيأتينا من الصين خاتم ... من الأولياء للأولياء الأكابر
له رتبة فوق النبي ورتبة ... له دونه فاعجب لهذا التنافر
فرتبته العليا تقول لأخذه ... عن الله لا وحيا بتوسيط آخر
ورتبته الدنيا تقول لأنه ... من التابعية في الأمور الظواهر
وقال اتباع المصطفى ليس واضعا ... لمقداره الأعلى وليس بحاقر
فإن تدن منه لاتباع فإنه ... يرى منه أعلى من وجوه أواخر
ترى حال نقصان له في اتباعه ... لأحمد حتى جا بهذه المعاذر
فلا قدس الرحمان شخصا يحبه ... على ما يرى من قبح هذي المخابر
وقال بأن الأنبياء جميعهم ... بمشكاة هذا تستضى في الدياجر
وقال فقال الله بي بعد مدة ... بأنك أنت الختم رب المفاخر
أتاني ابتدا بيضاء سطر ربنا ... بإنفاذه في العالمين أو أمري
وقال فلا تشغلك عني ولاية ... وكن كل شهر طول عمرك زائري
стр. 4014
فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب ... لدينا فهل أبصرت يابن الأخاير
بأكذب من هذا وأكفر في الورى ... وأجرا على غشيان هذى الفواطر
فلا يدعوا من صدقوه ولاية ... وقد ختمت فليؤخذوا بالأقادر
فيا لعباد الله ماثم ذو حجا ... به بعض تمييز بقلب وناظر
إذا كان ذو كفر مطيعا كمؤمن ... فلا فرق فينا بين بر وفاجر
كما قال هذا إن كل أوامر ... من الله جاءت فهي وفق المقادر
فلم بعثت رسل وسنت شرائع ... وأنزل الله بهذي الزواجر
أيخلع منكم ربقة الدين عاقل ... بقول غريق في الضلالة حائر
ويترك ما جاءت به الرسل من هدى ... لأقوال هذا الفيلسوف المغادر
فيا محسني ظنا بما في 'فصوصه' ... وما في فتوحات الشرور الدوائر
عليكم بدين الله لا تصبحوا غدا ... مساعر نار قبحت من مساعر
فليس عذاب الله عذبا كمثل ما ... يمنيكم بعض الشيوخ المدابر
ولكن أليم مثل ما قال ربنا ... به الجلد إن ينضج يبدل بآخر
غدا يعلمون الصادق القول منهما ... إذا لم يتوبوا اليوم علم مباشر
ويبدو لكم غير الذي يعدونكم ... بأن عذاب الله ليس بضائر
ويحكم رب العرش بين محمد ... ومن سن علم الباطل المتهاتر
ومن جا بدين مفترى غير دينه ... فأهلك أغمارا به كالأباقر
فلا تخدعن المسلمين عن الهدى ... وما للنبي المصطفى من مآثر
ولا تؤثروا غير النبي على النبي ... فليس كنور الصبح ظلما الدياجر
دعو كل ذي قول لقول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر
стр. 4015
وأما رجالات الفصوص فإنهم ... يعومون في بحر من الكفر زاخر
إذا راح بالربح المتابع أحمدا ... على هديه راحوا بصفقة خاسر
سيحكي لهم فرعون في دار خلده ... بإسلامه المقبول عند التجاور
ويا أيها الصوفي خف من فصوصه وخذ نهج سهل والجنيد وصالح ... خواتم سوء غيرها في الخناصر
على الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ... وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر
رجال رأوا ما لدار دار إقامة ... ولا لحلول الحق ذكر لذاكر
فأحيوا لياليهم صلاة وبيتوا ... لقوم ولكن بلغة للمسافر
مخافة يوم مستطير بشره ... بها خوف رب العرش صوم البواكر
فقد نحلت أجسادهم وأذابها ... عبوس المحيا قمطرير المظاهر
أولئك أهل الله فالزم طريقهم ... قيام لياليهم وصوم الهواجر
وعد عن دواعي الابتداع الكوافر
التعليق:
قول ابن المقري: وخذ نهج سهل والجنيد وصالح، فيه دعوة إلى اتباع هؤلاء المتصوفة، والواجب الدعوة إلى الاستنان بالنبي ﷺ وأصحابه أبرِّ هذه الأمة قلوبا وأعمقِها علما وأقلها تكلفا وبالصالحين بعدهم المتمسكين بهديهم.
ابن الوزير (١) (٨٤٠ هـ)
الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المعروف بابن
стр. 4016
الوزير اليماني. ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهراوين من شَظَب شمال غرب صنعاء. نشأ في بيت علم ودين، فقرأ على أخيه الهادي بن إبراهيم ومحمد بن حمزة وعلي بن محمد بن أبي القاسم وغيرهم. اشتغل في أول طلبه بعلم الكلام والجدال ثم تحول إلى علوم الكتاب والسنة فانشرح صدره وصلح أمره. رحل إلى تعز ثم إلى مكة.
كان ﵀ من أبرز علماء اليمن المجتهدين على الإطلاق، تبحر في جميع العلوم وفاق الأقران، واشتهر صيته وبعد ذكره وطار علمه في الأقطار. كان بينه وبين بعض علماء عصره منازعات وردود، وذلك لذبه عن سنة النبي ﷺ وتمسكه بها، قال ﵀:
يا حبذا يوم القيامة شهرتي ... بين الخلائق في المقام الأحمد
لمحبتي سنن الرسول وأنني ... فيها عصيت معنفي ومفندي
وتركت فيها جيرتي وعشيرتي ... ومحل أترابي وموضع مولدي
قال أحمد بن عبد الله الوزير: له في علوم الاجتهاد المحل الأعلى، والقدح المعلى، وبلغ مبلغ الأوائل، بل زاد واستدرك، واختار وصنف، وألف وأفاد وجمع وقيد، وبنى وشيد، وكان اجتهاده اجتهادا كاملا مطلقا، لا كاجتهاد بعض المتأخرين. وقال عبد الرحمن العطاب: الإمام الحافظ أبو عبد الله شيخ العلوم وإمامها، ومن في يديه زمامها، قلد فيها وما قلد، وألفى جيد الزمان عاطلا فطوقه بالمحاسن وقلد، صنف في سائر فنونها، وألف كتبا تقدم فيها وما تخلف، وله في حديث النبي ﷺ الباع المديد، والشأو البعيد الذي ما عليه مزيد. وقال الحافظ ابن حجر عند ترجمته لأخيه الهادي: وله أخ يقال له
стр. 4017
محمد بن إبراهيم مقبل على الاشتغال بالحديث شديد الميل إلى السنة بخلاف أهل بيته.
قال الإمام الشوكاني: ولو لقيه الحافظ ابن حجر بعد أن تبحر في العلوم لأطال عنان قلمه في الثناء عليه. وقال أيضا: لو قلت: إن اليمن لم ينجب مثله لم أبعد عن الصواب. له مؤلفات عديدة مفيدة منها: 'إيثار الحق على الخلق' وهو آخر مؤلفاته، و'العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم' ومختصره 'الروض الباسم' وغيرها.
توفي ﵀ في الرابع والعشرين من محرم سنة أربعين وثمانمائة، وله من العمر أربع وستون سنة.
موقفه من المبتدعة:
فمن مواقفه الطيبة قال في 'إيثار الحق':
- فإن قيل: فمن أين جاء الاختلاف الشديد؟ فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما، فتأمل ذلك بإنصاف وشد عليه يديك. وهذان الأمران الباطلان هما:
الزيادة في الدين بإثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله ﵈ من مهمات الدين الواجبة.
والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل. (١)
- وقال: فاعلم أن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام، راجع إلى
стр. 4018
هذين الأمرين الباطلين، الواضح بطلانهما كما تقدم. وهما الزيادة في الدين والنقص منه، ثم يلحق بهما التصرف فيه بالعبارات المبتدعة بعد رسول الله ﷺ . (١)
- وقال: أما الأمر الأول: وهو الزيادة في الدين، فسببه تجويز خلو كتب الله تعالى وسنن رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام عن بيان بعض مهمات الدين اكتفاء بدرك العقول لها، ولو بالنظر الدقيق، ليكون ثبوتها بعد رسول الله ﷺ بطريق النظر العقلي. هذا مذهب أهل الكلام، ومذهب أهل الأثر أنه ممنوع. (٢)
- وقال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣). واتفق أهل الإسلام على أن المراد بالرد إلى الله ورسوله الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولو لم يكونا وافيين ببيان مهمات الدين ما أمرهم الله بالرجوع إليهما عند الاختلاف. (٤)
- وقال: والمسلم بالفطرة ينكر هذه البدع، وبالرسوخ في علم الحديث يعلم بالضرورة حدوثها وأن عصر النبوة والصحابة بريء منها. (٥)
- وقال: بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك كما حكى الله تعالى ذلك في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
стр. 4019
بِكُفْرِهِمْ﴾ (١). وهي من عجائب العقوبات الربانية. والمحذرات من المؤاخذات الخفية: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ (٢).
وقد كثرت الآثار في أن إعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما في حديث أبي ثعلبة الخشني عند (د ت) (٣)، وعن ابن عمر مرفوعا: «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه». (٤)
стр. 4020
وعن أنس وابن عباس وابن أبي أوفى كلهم عن النبي ﷺ وآله مثل
стр. 4021
ذلك، رواها الهيثمي في مجمعه، ودليل العقوبة في ذلك أنك ترى أهل الضلال أشد عجبا وتيها وتهليكا للناس واستحقارا لهم، نسأل الله العفو والمعافاة من ذلك كله. (١)
- وله قصيدة دالية طويلة يعتز فيها بالتمسك بالكتاب والسنة فمنها:
قالوا: الأدلة ليس تخفى جملة ... قلنا لهم: ذا قول من لم ينقد
إن كان للإسلام عشر دعائم ... فانقص من العشر الدعائم أو زد
تجد الزيادة في الدليل محالة ... والنقص للبرهان أعظم مفسد
يا لائمي في مذهبي بالله قل ... لم زدت في الإسلام ما لم يعهد
ما للسنين قضت ولم ينطق بذا ... خير البرية مرة في مشهد؟
أو لم يكن أولى بتبيين الهدى ... والمشكلات لأحمر ولأسود
ما كان أحمد في المرا متدربا ... كلا، ولا للمشكلات بمورد
بل كان يأمر بالجهاد لكل من ... جحد الدليل وكل باغ معتد
حتى استقام الدين وانتعش الهدى ... بالمشرفية والقنا المتقصد
قامت شريعته لكل مجرب ... ماضي المضارب لا يكل مجلد
وكذاك أهل البيت ما زالوا على ... منهاجه من قائم أو سيد (٢)
إلى أن قال:
وكذا الصحابة والذين يلونهم ... سل كل تاريخ بذاك ومسند
وكذلك الفقهاء قالوا وامتحن ... قولي وسل كتب التراجم وانقد
стр. 4022
ما كنت بدعا في الذي قد قلته ... يا لائمي فدع الغواية ترشد
وإذا أبيت وكنت لا تدري فقم ... عن مجلس العلما وقف بالمربد
فلأجهرن بما علمت فإن أعش ... أنصح وإن أقضي فغير مخلد
هذا وما اخترت العتيق لحيرتي ... في الغامضات، ولا لفرط تبلد
فأنا الذي أفنيت شرخ شبيبتي ... في بحث كل محقق ومجود
والافتخار مذمة مني فسل ... عني المشايخ فالمشايخ شهدي
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فافهم فتلك كناية عن سؤددي
وإذا شككت بأن تلك فضيلة ... فاستقر -ويحك- وصف كل محسد
فلحسدي ما في الضمائر منهم ... أبدا ولي ما هم عليه حسدي (١)
- وقال في 'الروض الباسم':
فإذا عرفت هذا تبين لك أن المحدثين هم الذين اختصوا بالذب عن السنن النبوية والمعارف الأثرية، وحموا حماها من أكاذيب الحشوية، وصنفوا كتب الموضوعات، وناقشوا في دقائق الأوهام حفاظ الثقات، وعملوا في ذلك أعمالا عظيمة، وقطعوا فيها أعمارا طويلة، وقسموا الكلام فيه في أربعة فنون:
أحدها: معرفة العلل.
وثانيها: معرفة الرجال.
وثالثها: معرفة علوم الحديث.
стр. 4023
ورابعها: معرفة الحديث وطرقه.
واشتملت هذه الفنون من المعارف النبوية والقواعد العلمية على ما يضطر كل عارف إلى أنهم أتم الخلق عناية بحماية علم الحديث عن التبديل والتحريف، وأنهم الجهابذة النقاد بعلم المتن والإسناد، فإنهم الذين بينوا أنواع الحديث التي اختلف في قبولها أهل العلم، مثل التدليس والإعضال، والاضطراب والإعلال، والنكارة والإرسال، والوصل والقطع، والوقف والرفع، وغير ذلك من علوم الحديث الغزيرة، وفوائده العزيزة، ولأمر ما سارت تصانيفهم فيه سير الكواكب، وانتفع بكلامهم فيه الولي الصادق والعدو المناصب، والمتهم لهم بحشو الأحاديث واختلاق الأباطيل في الحديث لا يكون من أهل العقول التامة، دع عنك أهل المعارف من الخاصة، وذلك أنه لا خفاء على العاقل أن أئمة الفن لا يكونون هم المتهمين فيه، إذ لو كان كذلك لبطل العلم بالمرة، فإنا لو اتهمنا النحاة في النحو واللغويين في اللغة، والفقهاء في الفقه، والأطباء في الطب لم يتعلم جاهل ولا تداوى مريض. فيا هذا من للحديث إذا ترك أهله؟ فلو عدمت تآليفهم فيه وتحقيقهم لألفاظه ومعانيه، لأظلمت الدنيا على طالبه وأوحشت المسائل على مريده.
يا هذا، فكر لم سموا أهل الحديث، ولم سمي أهل الكلام بذلك، وكذلك أهل النحو وسائر الفنون؟! فإن كان أهل الحديث قد سموا بذلك عندك مع عدم معرفتهم به وكذبهم فيه فهلا جوزت مثل ذلك في سائر أهل الفنون، بل في سائر أهل الصناعات، بل في جميع أهل الأسماء المشتقات، فيجوز أن يسمى الفقيه نحويا والمتكلم عروضيا والغني فقيرا والصغير كبيرا.
стр. 4024
وهذا ما لا يقول به عاقل، ولا يرتضيه أحد من أهل الباطل!!
ومن أحب أن يعرف حق المحدثين واجتهادهم في التحري للمسلمين فليطالع تآليف نقادهم في الرجال والعلل والأحكام، مثل 'ميزان الاعتدال في نقد الرجال' للذهبي، و'التهذيب' للمزي، و'العلل' للدارقطني، و'علوم الحديث' لابن الصلاح وزين الدين العراقي وغير ذلك، ثم ليطالع بعد ذلك كتب الصحاح والسنن لاحظا لما فيها من اختيار أصح الأسانيد، والإشارة إلى مهمات ما يتعلق بالأحاديث من العلل القادحة والمرجحات الواضحة. ثم ليوازن بينها وبين سائر مصنفات الفرق في الحديث، يجد الفرق بين التصانيف واضحا، والبون بين الرجال نازحا، ومن موازين الإنصاف العادلة وأدلة الأوصاف الفاضلة أنك تراهم يضعفون الضعيف من فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ويصدعون بالحق في ذلك، وكذلك يضعفون ما يدل على مذهبهم متى كان ضعيفا، ويضعفون كثيرا من علمائهم إذا كانوا ضعفاء، نصيحة منهم للمسلمين واحتياطا في أمر الدين.
وهذه إشارة مختصرة دعا إلى ذكرها تعريف من أنكر الجليات، ودافع ما هو كالمعارف الأوليات، إذ من المعلوم أن أهل الحديث اسم لمن عني به وانقطع في طلبه، كما قال بعضهم:
إن علم الحديث علم رجال ... فإذا جن ليلهم كتبوه ... تركوا الابتداع للاتباع
وإذا أصبحوا غدوا للسماع
فهؤلاء هم أهل الحديث من أي مذهب كانوا، وكذلك أهل العربية وأهل اللغة، فإن أهل كل فن هم أهل المعرفة فيه، والتحقيق لألفاظه ومعانيه،
стр. 4025
وقد ذكر أئمة الحديث ما يتقضى ذلك، فإنهم يجمعون على أن أبا عبد الله الحاكم بن البيع من أئمة الحديث مع معرفتهم أنه من الشيعة، وقد ذكروا في كتب الرجال كثيرا من أئمة الحديث، ورواة الصحيح منسوبا إلى البدع. وبهذا يزداد قول المعترض بطلانا في نسبة المحدثين إلى الحشوية، ويظهر له أنه قد نسب إلى الحشو جماعة من أهل مذهبه وسائر الفرق، بل نسبة ذلك إلى خير القرون، فإن المتمكن من الآثار النبوية هم خير الفرق الإسلامية، لأنهم أشبه الخلق خلقا وسيرة وعقيدة برسول الله ﷺ .
والمحدث إن كان مراعيا للسنة مجانبا للبدعة ملاحظا لما كان عليه السلف فهو جدير بإجماع من يعتد به بصحة ما هو عليه وقوة ما استند إليه، وإن كان من بعض الفرق المبتدعة، فهو خير تلك الفرقة وأشبههم خلقا وسيرة برسول الله ﷺ ، وهذا هو الغالب، ولا عبرة بالنادر ولا بمن ليس من أهل الديانة، فنسبة خير الفرق إلى شر فرقة وتلقيبهم بأخس لقب من التهافت في مهاوي الضلال، والخبط في تيه الوبال.
ويلحق بهذا فائدة تزيد ما ذكرناه تحقيقا وتزيد أئمة الحديث توثيقا، وهي أن من المشهور بتجويز الكذب في الحديث من الحشوية الطائفة المعروفة بالكرامية، وقد يطلق الرازي نسبة هذا إلى الكرامية، وحققه الإمام أبو بكر محمد بن منصور السمعاني فنسبه إلى بعضهم فيما لا يتعلق بالأحكام مما يتعلق بالترغيب والترهيب، والمحدثون براء من هذه الطائفة، وقد تكلموا عليهم في غير كتاب؛ ممن تكلم عليهم الذهبي في 'ميزان الاعتدال' فإنه قال في ترجمة ابن كرام شيخ هذه الطائفة ما لفظه: محمد بن كرام العابد المتكلم،
стр. 4026
ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم السعدي وكانا كذابين، قال ابن حبان: خذل حتى التقط من المذاهب أرذلها ومن الأحاديث أوهاها (١). وقال أبو العباس: شهدت البخاري ودفع إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن أحاديث، منها الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فكتب البخاري على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل. وقال ابن حبان: جعل ابن كرام الإيمان قولا بلا معرفة. وقال ابن حزم: قال ابن كرام: الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه. قال شيخ أهل الحديث الذهبي: هذا منافق محض في الدرك الأسفل من النار، فإيش ينفع ابن كرام أن نسميه مؤمنا؟ قال الذهبي: وقد سجن ابن كرام لبدعته بنيسابور ثمانية أعوام. وقد سقت أخباره في تاريخي الكبير. انتهى كلامه.
فيا من لا يفرق بين الحشوى والمحدث، انظر إلى نصوص أئمة الحفاظ في إنكار مذهب ابن كرام في رواية الأحاديث الواهية وفي القول بالإرجاء، وقد نص البخاري على أن راوي الحديث المقدم الذي هو حجة المرجئة يستوجب الضرب الشديد والحبس الطويل، وعن قريب تأتي نسبتك للإرجاء إلى المحدثين، وقل لي من الذي حبس ابن كرام في نيسابور على بدعته، ولمن كانت الشوكة في نيسابور في ذلك العصر وهو بعد المائتين؟ فإن قلت: إنك إنما أسميت المحدثين بالحشوية لكون الحشوية من فرقهم والجامع لهم ردهم لمذهب الشيعة والمعتزلة، قلت: ليس هذا مما يعتذر به، فإن المنصور بالله روى
стр. 4027
عن المطرفية وهم من فرق الزيدية أنهم يستجيزون الكذب في الحديث في نصرة ما اعتقدوه حقا، وذكر أنهم صرحوا له بذلك في المناظرة، وقد صح عنهم من البدع ما هو شر من هذا. وكذلك الحسينية قد صح وتواتر عنهم أنهم يفضلون الحسين ابن القاسم العياني على رسول الله ﷺ ، وهم من فرق الزيدية، والزيدية يكفرون هاتين الطائفتين، فكما لم تلزم الزيدية بشيء من هذه البدع، لقول بعض جهالهم بها مع إنكارهم على من قالها، فكذلك لا يلزم أهل الحديث كل بدعة قيلت في بلادهم وقالها من وافقهم في بعض عقائدهم، فزن الأشياء بالموازين العلمية وتعرف من الحشوية، واحذر أن تكون من هذه الفرقة الغوية، لقبولك لكثير من الأحاديث الفرية، المدسوسة في الأحاديث المروية. (١)
موقفه من الرافضة:
- جاء في إيثار الحق على الخلق: وكذلك دلت النصوص المتواترة على وجوب حب أصحاب رسول الله ﷺ وآله، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وتعظيمهم وتكريمهم، واحترامهم وتوقيرهم، ورفع منزلتهم والاحتجاج بإجماعهم، والاستنان بآثارهم، واعتقاد ما نطق به القرآن الكريم، والذكر الحكيم، من أنهم خير أمة أخرجت للناس وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا
стр. 4028
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) الآية. (٢)
- وجاء في الروض الباسم عنه قال: فإن قلت: فما الفرق بين مذهب الشيعة وأهل الحديث في الصحابة؟ قلت: من وجوه:
الأول: في الخلافة وهو معروف.
والثاني: أن أهل الحديث يحملون من أظهر التأويل من الصحابة على أنه متأول.
الثالث: أن أهل الحديث لا يكرهون العاصي من الصحابة، وإنما يكرهون معصيته، ويحبونه لإسلامه وصحبته، ويترحمون عليه ويترضون عنه ويذكرون ما له من الفضائل ولا يسبونه ولا يؤذونه، وتفصيل المقاصد والحجج مما لا يتسع له هذا الموضع. (٣)
- وقال عند قوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: «لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» (٤): على أن بغض علي ﵁ إنما كان علامة للنفاق في أول الإسلام، فإن المنافقين كانوا يبغضون من فيه قوة على الحرب لكراهتهم لقوة الإسلام، ولذلك جاء في الحديث أيضا: إن بغض الأنصار علامة النفاق (٥) لهذا المعنى، وكذلك حبهم وحب علي كان في ذلك
стр. 4029
الزمان علامة للإيمان لهذا المعنى.
وأما في الأعصار المتأخرة عن أول الإسلام فلا يدل على ذلك، فإن الخوارج يبغضون عليا ويكفرونه، مع الإجماع على أنهم غير منافقين وأن ذنبهم عظيم، ومروقهم من الإسلام منصوص، والباطنية يحبونه مع الإجماع على كفرهم، وكذلك الروافض يحبونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله. (١)
سبط ابن العجمي إبراهيم بن محمد أبو الوفاء (٢) (٨٤١ هـ)
برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي الطرابلسي، الشيخ الإمام الحافظ الحلبي الشافعي. ولد سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة بالجلوم، مات أبوه وهو صغير جدا فكفلته أمه، وحفظ القرآن وقرأ القراءات على عدة شيوخ. سمع من الحافظ ابن المحب وصلاح الدين ابن أبي عمر والحافظ زين الدين العراقي وغيرهم. وسمع منه ابن حجر وابن ناصر الدين وغيرهما.
قال البقاعي: إنه كان على طريقة السلف في التوسط في العيش وفي الانقطاع عن الناس لا سيما أهل الدنيا، عالما بغريب الحديث، شديد الاطلاع على المتون، بارعا في معرفة العلل، إذا حفظ شيئا لا يكاد يخرج من ذهنه. وقال السخاوي: كان إماما علامة حافظا خيرا دينا ورعا متواضعا،
стр. 4030
وافر العقل حسن الأخلاق.
ألف التآليف المفيدة الحسنة الدالة على سعة علمه واطلاعه. توفي ﵀ سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
موقفه من المبتدعة:
دفاعه عن شيخ السلفيين في وقته وبعده:
جاء في الضوء اللامع: ولما دخل التقي الحصني (١) حلب، بلغني أنه لم يتوجه لزيارته -أي سبط- لكونه كان ينكر مشافهة على لابسي الأثواب النفيسة على الهيئة المبتدعة وعلى المتقشفين، ولا يعدو حال الناس ذلك. فتحامى قصده. فما وسع الشيخ إلا المجيء إليه. فوجده نائما بالمدرسة الشرفية، فجلس حتى انتبه، ثم سلم عليه فقال له: لعلك التقي الحصني فقال: أنا أبو بكر. ثم سأله عن شيوخه فسماهم له فقال: إن شيوخك الذين سميتهم هم عبيد ابن تيمية أو عبيد من أخذ عنه، فما بالك تحط أنت عليه. فما وسع التقي إلا أن أخذ نعله وانصرف ولم يجسر يرد عليه. ولم يزل على جلالته وعلو مكانته حتى مات مطعونا في يوم الاثنين. سادس عشر شوال سنة إحدى وأربعين بحلب ولم يغب له عقل بل مات وهو يتلو. (٢)
التعليق:
١ - هذا النص يدل دلالة واضحة على حب هذا المحدث الكبير لشيخ الإسلام، فسياق القصة من أولها إلى آخرها يدل على ذلك.