← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

عليه عباد القبور من الغلو بأصحابها. وهذا أمر واقع لا ينكره إلا مكابر معاند، أمثال الحاج مختار ومن قلدهم. وأما قوله: "إن الشيطان أغوانا، وإننا نزعم أن زيارة قبور الرسل والأنبياء والتوسل بجاههم: شرك بالله تعالى". فهذا كذب. والذي ننكره من ذلك: هو ما صح الخبر عن رسول الله بالنهي عنه، وكل ما فيه صرف حق الله تعالى لغيره كما تقدم ذكره آنفا. وأما قوله: "إننا نتزلف للأمراء، وأن هذا التزلف منا أقبح من عبادة الأوثان والأصنام". فهذا القول من هذا الملحد من هذر المجانين، ونزغات الشياطين، التي تحلى بها وبأمثالها من الأقوال الباطلة هذا الأحمق. (١) - وقال ﵀: إن هذا الملحد ومن قلده من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى -أمثال دحلان والنبهاني- ممن جعلوا الأموات وسائط بين الله وبين عباده، وصرفوا لهم خالص العبادة من دون الله تعالى. هؤلاء هم الذين أضلوا كثيرا من جهلة المسلمين، وفتحوا لهم أبواب الشرك في عبادة الله تعالى. وسموها زيارة القبور، وطلب الشفاعة من أهلها، وأن الأموات هم وسيلة الأحياء إلى الله تعالى، لأنهم أقرب منهم إلى الله تعالى، وسواء سموا هؤلاء المدعوين أنبياء أو أولياء، فإنهم عباد الله تعالى. يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ

стр. 4482

(٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة، نصوص بهذا المعنى لا تقبل تحريفا ولا تأويلا، قد صد عنها هؤلاء الوثنيون الذين تجب محاربتهم وإشهار ضلالهم، وتحذير جهلة المسلمين من سلوك سبيلهم، عملا بهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ . (٣) - وقال: يزعم هذا الملحد المارق بأننا أعداء لله تعالى ولرسوله ﷺ . وما ذنبنا عنده إلا اتباعنا لكتاب الله تعالى وسنة نبينا ﷺ ، وهو أننا لا نغلو بالقبور وأصحابها، ولا نصرف للمقبورين حقا من حقوق الله تعالى، ولا نتخذها مساجد، ممتثلين أمر نبينا ﷺ فيما جاءتنا به الأحاديث الصحيحة الصريحة، التي خرجها البخاري ومسلم وأهل السنن والإمام مالك رحمهم الله تعالى. فمنها قوله ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على

стр. 4483

قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وحديث ابن مسعود ﵁: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (٢) وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) وحديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) وحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، إذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا (٥). وفي رواية مسلم "وصالحيهم" ومع هذه النصوص التي لا تقبل المغالطة. فقد بلغ الغلو بهذا الملحد مبلغا من الشرك لم يصل إليه إلا عبدة الأصنام. يقول عنا: "إننا لو جئنا إلى المدينة المنورة في

стр. 4484

شهر محرم حينما يأتي الزوار القافلون من الحج، ورأينا ما يفعله مئات ألوف الحجاج من مسلمي كافة الأقطار حول حجرة الرسول الطاهرة من الطواف والتوسل واللياذ بحماه. ونسمع عجيجهم وثجيجهم، وبكاءهم ونحيبهم، لعميت عيوننا وانفطرت قلوبنا، وانشقت أفئدتنا -إلى آخر ما ذكره". ونحن نجيب هذا المارق: بأنه قد يصيبنا أكثر مما ذكره إذا رأينا وسمعنا ما يقوله عنهم مما يغضب الله ورسوله ﷺ . وذلك أسفا منا على المسلمين الذين بدلوا الهدى ضلالا، والتوحيد شركا، وطاعة الرسول محادة ومشاقة. وكيف لا ينفطر قلب كل مسلم يرى تغيير معالم الدين، ويسمع الشرك برب العالمين في مهبط وحيه، وفي حرم نبيه ﷺ ، وفي جوار قبره الشريف؟! فهل فرض الله تعالى ورسوله ﷺ الطواف بغير الكعبة؟! وهل فعل ذلك الصحابة ﵃ أو التابعون لهم بإحسان من القرون المفضلة؟! وهل كان العجيج والثجيج والبكاء والنحيب إلا لله وحده لا شريك له في مناجاته في الخلوات، وفي بيته الحرام، ومشاعر الحج التي جعلها الله قياما للناس وأمنا يؤدون فيها مناسكهم بين العجيج والثجيج والبكاء والنحيب، لا يذكرون غير الله تعالى، ولا يتوسلون إليه إلا بالأعمال الصالحة عائذين بجلاله تعالى، لائذين بحماه الذي لا يرام ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (١) ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ

стр. 4485

الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ (١) هذا هو خالص العبادة لله تعالى، بل مخها، صرفه عباد القبور لولائجهم الموتى من دون الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) ... ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٣) وما سبب ذلك إلا الغلو بالصالحين، ومجاوزة الحد الذي شرعه الله تعالى من حقوق أنبيائه وأوليائه. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٤) -الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (٥) وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ (٦): (هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح. فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا لهم أنصابا،

стр. 4486

وصوروا تماثيلهم. فلما مات أولئك ونسي العلم عبدت)، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» (١) وقال ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وما شئت: «أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده» (٢).اهـ (٣) عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (٤) (١٣٧٣ هـ) الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود، من آل مقرن. ولد في الرياض (بنجد) سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف. وخاض حروبا كثيرة من أجل توحيد البلاد، وكان شجاعا بطلا لا يخاف في الله لومة لائم، انتهى به عهد الفروسية في شبه الجزيرة العربية. وكان كريما لا يجارى، خطيبا، لا يبرم أمرا قبل إعمال الروية فيه، يستشير ويناقش، ويكره الملق والرياء. توفي بالطائف ودفن في الرياض سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف رحمه الله تعالى. كان هذا الملك على نهج سلفه في تبني العقيدة السلفية والدفاع عنها، وحمايتها وتأييدها بالمال والرجال والنفس، وكانت المملكة في عهده مأوى

стр. 4487

لكل سلفي. وكان ﵀ يستطلع جميع البلاد الإسلامية، فكل من بلغه عنه أنه على هذه العقيدة المباركة، كاتبه، وإن أمكن أحضره إليه وقربه. وأما علماء بلده وخصوصا سلالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فلا تسأل عن الحفاوة والاستشارة وتعميدهم للفتوى، والفصل بين الناس. وكاتب ﵀ الكثير من خارج قطره يدعوهم إلى عقيدة السلف ويشرحها لهم، ويبين لهم بطلان مزاعم الحاقدين على الدعوة السلفية، وأنما هو شيء اخترعه الحاسدون والحاقدون. وقد أمر ﵁ بطبع كثير من كتب السلف وتوزيعها بالمجان على طلبة العلم، وله في ذلك سنن وأيادي بيضاء، فجزاه الله خيرا وأسكنه جنة الفردوس. موقفه من المبتدعة: نموذج من رسائله السلفية: جاء في الدرر السنية: من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب الأخوين المكرمين الشيخ الفاضل أبو اليسار الدمشقي وناصر الدين الحجازي سلمهما الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو على نعمه التي من أجلها نعمة الإسلام، ونشكره سبحانه إذ جعلنا من أهلها وأنصارها والذابين عنها، ونسأله أن يصلي على عبده ورسوله وحبيبه وخيرته من خلقه محمد وآله وصحبه وحزبه. ورد علينا ردكم على عبد القادر الاسكندراني، فرأيناه ردا سديدا، وجوابا صائبا مفيدا، وافيا بالمقصود، فحمدنا الله على ما مَنَّ به عليكم من

стр. 4488

معرفة الحق والبصيرة فيه، وعرضناه على مشايخ المسلمين فاستحسنوه وأجازوه، فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة تذب عن دين المرسلين، وتحمي حماه عن زيغ الزائغين وشبه المارقين والملحدين، فلربنا الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يُثني به عليه خلقه، وهذه منة عظيمة ومنحة جليلة جسيمة حيث جعلكم الله في هذه الأزمان التي غلب على أكثر أهلها الجهل والهوى، والإعراض عن النور والهدى، واستحسنوا عبادة الأصنام والأوثان، وصرفوا لها خالص حق الملك الديان، ورأوا أن ذلك قربة ودين يدينون به، ولم يوجد من أزمان متطاولة من ينهى عن ذلك أو يغيره. فعند ذلك اشتدت غربة الإسلام واستحكم الشر والبلاء، وطمست أعلام الهدى، وصار من ينكر ذلك ويحذر عنه خارجيا قد أتى بمذهب لا يعرف، لأنهم لا يعرفون إلا ما ألفته طباعهم وسكنت إليه قلوبهم، وما وجدوا عليه أسلافهم وآباءهم من الكفر والشرك والبدع والمنكرات الفظيعة، فالعالم بالحق والعارف له والمنكر للباطل والمغير له يعد بينهم وحيدا غريبا. فاغتنموا رحمكم الله الدعوة إلى الله وإلى دينه وشرعه، ودحض حجج من خالف ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من البينات والهدى، وأن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بالحجة والبيان، حتى يمن الله الكريم عليكم بمن يساعدكم على هذا، فإن القيام في ذلك من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأفضل الأعمال الصالحات لا سيما في هذا الزمان، الذي قل خيره وكثر شره، قال ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من

стр. 4489

الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (١). وقال لعلي بن أبي طالب ﵁: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٢). ونحن إن شاء الله من أنصاركم وأعوانكم. ومن حسن توفيق الله لكم أن أقامكم في آخر هذا الزمان دعاة إلى الحق وحجة على الخلق، فاشكروه على ذلك، واعلموا أن من أقامه الله هذا المقام لا بد أن يتسلط عليه الأعداء بالأذى والامتحان، فليقتد بمن سلف من الأنبياء والمرسلين ومن على طريقهم من الأئمة المهديين، ولا يثنيه ذلك عن الدعوة إلى الله. فإن الحق منصور وممتحن، والعاقبة للمتقين في كل زمان ومكان. وهذه هدية نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين، وبيان ما نحن ومشائخنا عليه من الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية، ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية لأقوم منهج وطريق والسلام. (٣) عبد الله بن عبد العزيز العنقري (٤) (١٣٧٣ هـ) عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري من آل عبد الرحمن. ولد في بلدة ثرمداء سنة تسعين ومائتين وألف، وقتل والده وله من العمر سنتان، ثم كف بصره في السابعة من عمره، فتوجه إلى طلب العلم الشرعي، فقرأ على

стр. 4490

الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن والشيخ محمد ابن محمود والشيخ حمد بن فارس وغيرهم. ولي القضاء بسدير، وانتدب من طرف الملك عبد العزيز لمجموعة من المساعي الإصلاحية بين أطراف متعددة. قال عنه الشيخ محمد بن مانع: كانت له عناية شديدة بالفقه الحنبلي، فصار له آثار حميدة في التحقيق والتدقيق، فقام بالتدريس والتأليف وكتابة الفتاوى المحررة التي سلك فيها مسلك التحقيق من ذكر الدليل والتعليل، والترجيح لما رجحه الدليل من أقوال المجتهدين. وقال عنه تلميذه سليمان بن حمدان: كان فيما بلغني يلقب بالحافظ، لما رزقه الله من سرعة الحفظ وقوة الإدراك، وكان مشايخه الذين أخذ عنهم يجلونه ويحترمونه، هذا مع ما هو عليه من الوقار والتعفف، والتواضع واطراح التكلف، وعدم مزاحمة أرباب المناصب عليها. ولم يزل ﵀ معتنيا بنشر العلم والتدريس والتأليف إلى أن توفي ﵀ في اليوم السادس من صفر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف في بلدة المجمعة. موقفه من المبتدعة: له: 'تعليقات على نونية ابن القيم' لا تزال مخطوطة. فيصل بن عبد العزيز آل فيصل آل مبارك (١) (١٣٧٣ هـ) فيصل بن عبد العزيز بن فيصل بن محمد بن مبارك بن راشد آل حمد آل

стр. 4491

الحسيني العنزي ثم الوائلي. ولد في بلد عشيرته (حريملاء) سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة، ثم انتقلت أسرته إلى الرياض، وتوفي والده في المعركة التي دارت بين الملك عبد العزيز وبين الأمير عبد العزيز بن رشيد سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. تلقى العلوم الشرعية على شيوخ زمانه كالشيخ ناصر بن محمد بن ناصر والشيخ محمد بن فيصل ابن مبارك والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهم. بعثه الملك عبد العزيز واعظا ومرشدا إلى بلدان الحجاز وتهامة، وتولى القضاء في عدة بلدان. وكان ﵀ مولعا بكتب ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان يدرسها لطلبة العلم. وأوقاته كلها معمورة بالتدريس والإفادة، أخذ عنه الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب والشيخ عبد العزيز العقل والشيخ حمود ابن متروك البليهد وغيرهم. توفي ﵀ في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف في مدينة سكاكة بالجوف. موقفه من المبتدعة: له من الآثار السلفية: 'مقام الرشاد بين التقليد والاجتهاد'. (١)

стр. 4492

سيد المختار بن عبد الملك (١) (١٣٧٥ هـ) سيد المختار بن عبد المالك الجكني. عالم جليل له اليد الطولى في القرآن الكريم وعلومه والفقه المالكي، وكان شيخ محضرة يدرس فيها العقيدة السلفية من الكتاب والسنة، والقرآن الكريم وعلومه، والفقه وأصوله، واللغة العربية وعلومها، مع قيامه بالفتيا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اشتهر بالزهد والورع وقد عاش في الفترة ما بين ست عشرة وثلاثمائة وألف وخمس وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة كما قال تلميذه التلميدي بن محمود. وكان ﵀ سلفي العقيدة متمسكا بالكتاب والسنة، واقفا عندهما، متبعا للإمام مالك وابن أبي زيد القيرواني. درَّس أبناءه العقيدة السلفية. وكان ﵀ يذم أهل الكلام وينتقد مناهجهم وينكر على المتصوفة. موقفه من الجهمية: قال تلميذه وابن عمه التلميدي بن محمود وهو يحدثنا عن منهجه في العقيدة فيقول: كان شيخنا سيد المختار بن عبد المالك ﵀ سلفي العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة، واقفا عندهما، مثبتا للصفات الإلهية على الوجه اللائق بالله ، من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تأويل، وكما هو معروف -يقول الشيخ التلميدي- فإن مسألة الاستواء من أولى المسائل التي احتدم فيها النزاع، واشتهر بين أهل السنة والجماعة من جهة، وبين الجهمية وغيرهم من طوائف المتكلمين من جهة أخرى. وقد كان

стр. 4493

الشيخ سيد المختار يقول فيها بما قاله الإمام مالك وغيره من السلف: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وما قاله ابن أبي زيد القيرواني: من أنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته. وقد منع الشيخ سيد المختار أولاده من دراسة العقيدة الأشعرية، وعلمهم العقيدة السلفية، من الكتاب، والسنة، وألزمهم بحفظ مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني. وكان إذا طلب منه أحد تلاميذه أن يدرس له بعض المتون في العقيدة الأشعرية واضطر لذلك، لا يتجاوز ما يوافق مذهب السلف من تلك المتون، ويترك مما وراء ذلك من مذاهب المتكلمين، قائلا لمن يدرسه: هذا مذهب كلامي لا حاجة لك به فارم به عرض الحائط. وكان ﵀ يذم أهل الكلام من أي مذهب كانوا، وينتقد مناهجهم وينكر على المتصوفة، ولا يقبل شهادتهم، ولا يصلي خلفهم. (١) عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٢) (١٣٧٦ هـ) العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد، أبو عبد الله السعدي. ولد في بلدة عنيزة في اثني عشر للمحرم عام سبع وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، وكان والده واعظا وإماما في مسجد المسوكف. اشتغل بالعلم منذ صغره، ففاق الأقران، وكانت له عناية كبيرة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب أخرى في التفسير والحديث والتوحيد

стр. 4494

والفقه والأصول وغيرها. من شيوخه: الشيخ إبراهيم بن محمد بن محمد بن جاسر والشيخ محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن صالح الشبل والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع وغيرهم. من تلاميذه: الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل والشيخ عبد الله بن الرحمن السعدي (ابن الشيخ) والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان وغيرهم. أثنى عليه مجموعة من علماء عصره، منهم الشيخ محمد حامد الفقي حيث قال فيه: لقد عرفت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من أكثر من عشرين سنة فعرفت فيه العالم السلفي المحقق، الذي يبحث عن الدليل الصادق، وينقب عن البرهان الوثيق، فيمشي وراءه لا يلوي على شيء. وقال فيه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: كان قليل الكلام إلا فيما يترتب عليه فائدة، جالسته غير مرة في مكة والرياض وكان كلامه قليلا إلا في مسائل العلم، وكان متواضعا حسن الخلق، ومن قرأ كتبه عرف فضله وعلمه وعنايته بالدليل فرحمه الله رحمة واسعة. وللشيخ من التراث السلفي: ١ - 'الحق الواضح المبين في توحيد الأنبياء والمرسلين'، وهو مطبوع متداول. ٢ - 'توضيح الكافية الشافية لابن القيم'، وهو مطبوع كذلك. ٣ - 'التفسير' الذي أبدى فيه عقيدته السلفية. وقد ذكرته وبينت ما فيه من دفاع عن العقيدة السلفية في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات

стр. 4495

في آيات الصفات' (١). ٤ - 'الدرة المختصرة في محاسن الإسلام'. ٥ - 'القواعد الحسان في تفسير القرآن'. ٦ - 'تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله'. ٧ - 'وجوب التعاون بين المسلمين وموضوع الجهاد الديني'. ٨ - 'الدرة البهية - شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية'. ٩ - 'الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين'. المصدر: ذكره أبو كمال عبد الغني عبد الخالق في مقدمته على الدرة البهية. ١٠ - 'التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة'. وهذه الكتب بحمد الله مطبوعة ومتداولة. توفي ﵀ على إثر مرض أصابه في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: كانت لهذا الإمام صولة وجولة في الدعوة إلى العقيدة السلفية، وانتفع به أهل القصيم خاصة والمسلمون عامة. له تراث سلفي جيد. ومن حسن الحظ أن طالبا في الدراسات العليا سجل رسالة علمية -الماجستير- في دراسة آثار الشيخ عبد الرحمن السلفية، وهو ابن الشيخ الفاضل الوقور المحترم عبد المحسن بن حمد العباد أطال الله في عمره ونفع المسلمين بعلمه والابن هو

стр. 4496

عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد. - من أقواله المباركة: قال ﵀ في تفسير الفاتحة وهو يتحدث عما تضمنته من الفوائد: ... بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة، واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. فالحمد لله رب العالمين. (١) - وقال: فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله، على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. (٢) - وقال عقب قول الله تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣): ولهذا كان الكتاب والسنة، كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين، وأصوله وفروعه. فكل متكلف يزعم، أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم،

стр. 4497

إلى علوم غير علم الكتاب والسنة من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه. وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله. (١) - وقال في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ (٢). أي: ومن الناس طائفة وفرقة، سلكوا طريق الضلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحق، يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحق. والحال، أنهم في غاية الجهل ماعندهم من العلم شيء. وغاية ما عندهم، تقليد أئمة الضلال، من كل شيطان مريد، متمرد على الله وعلى رسله، معاند لهم، قد شاق الله ورسوله، وصار من الأئمة الذين يدعون إلى النار. ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: قدر على هذا الشيطان المريد ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: اتبعه ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ عن الحق، ويجنبه الصراط المستقيم ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾. وهذا نائب إبليس حقا، فإن الله قال عنه: ﴿إنما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (٣). فهذا الذي يجادل في الله، قد جمع بين ضلاله بنفسه، وتصديه إلى

стр. 4498

إضلال الناس. وهو متبع ومقلد لكل شيطان مريد، ظلمات بعضها فوق بعض. ويدخل في هذا جمهور أهل الكفر والبدع، فإن أكثرهم مقلدة يجادلون بغير علم. (١) - وقال في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ (٢): المجادلة المتقدمة للمقلد، وهذه المجادلة للشيطان المريد، الداعي إلى البدع. فأخبر أنه ﴿يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ أي: يجادل رسل الله وأتباعهم بالباطل ليدحض به الحق، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ صحيح ﴿وَلَا هُدًى﴾ أي: غير متبع في جداله هذا من يهديه، لا عقل مرشد، ولا متبوع مهتد. ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ أي: واضح بين، فلا له حجة عقلية ولا نقلية. إن هي إلا شبهات، يوحيها إليه الشيطان ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٣). مع هذا ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاوي جانبه وعنقه، وهذا كناية عن كبره عن الحق، واحتقاره للخلق. فقد فرح بما معه

стр. 4499

من العلم الغير النافع. واحتقر أهل الحق، وما معهم من الحق. ﴿ليضل﴾ الناس أي: ليكون من دعاة الضلال. ويدخل تحت هذا جميع أئمة الكفر والضلال. ثم ذكر عقوبتهم الدنيوية والأخروية فقال: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ (١) أي: يفتضح هذا في الدنيا قبل الآخرة. وهذا من آيات الله العجيبة، فإنك لا تجد داعيا من دعاة الكفر والضلال، إلا وله من المقت بين العالمين، واللعنة، والبغض، والذم، ما هو حقيق به، وكل بحسب حاله. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ أي نذيقه حرها الشديد، وسعيرها البليغ، وذلك بما قدمت يداه. (٢) - وقال: كما أن في اتباع أمر الله وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر. ولذلك أمر الله بالقاعدة الكلية والأصل العام فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته. وأن نص الرسول على حكم الشيء، كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. (٤) - وجاء في الفتاوى السعدية عنه قال: البدعة: هي الابتداع في الدين،

стр. 4500

فإن الدين: هو ما جاء به النبي ﷺ في الكتاب والسنة. وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة: فهو من الدين. وما خالف ذلك: فهو البدعة. هذا هو الضابط الجامع. وتنقسم البدعة بحسب حالها إلى قسمين: بدع اعتقاد، ويقال لها: البدع القولية، وميزانها قوله ﷺ في الحديث الذي في السنن: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: كلها في النار، إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١). فأهل السنة المحضة: السالمون من البدع، الذين تمسكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في الأصول كلها، أصول التوحيد والرسالة والقدر، ومسائل الإيمان وغيرها. وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة، ومن تفرع عنهم: كلهم من أهل البدع الاعتقادية، وأحكامهم متفاوتة بحسب بعدهم عن أصول الدين وقربهم، وبحسب عقائدهم أو تأويلهم، وبحسب سلامة أهل السنة من شرهم في الأقوال والأفعال وعدمه. وتفصيل هذه الجملة يطول جدا. والنوع الثاني: بدع عملية، وهو أن يشرع في الدين عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله. وكل عبادة لم يأمر بها الشارع أمر إيجاب، أو استحباب، فإنها من البدع العملية، وهي داخلة في قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه

стр. 4501

أمرنا، فهو رد» (١). ولهذا كان من أصول الأئمة، الإمام أحمد وغيره: أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. والأصل في المعاملات والعادات: الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله. ولهذا نقول: من قصور العلم جعل بعض العادات التي ليست عبادات بدعا؛ لا تجوز؛ مع أن الأمر بالعكس، فإن الذي يحكم بالمنع منها وتحريمها هو المبتدع. فلا يحرم من العادات إلا ما حرمه الله ورسوله. بل العادات تنقسم إلى أقسام: ما أعان منها على الخير والطاعة، فهو من القرب. وما أعان على الإثم والعدوان، فهو من المحرمات. وما ليس فيه هذا ولا هذا، فهو من المباحات. والله أعلم. (٢) - وفيها: ولولا الجهل بما جاء به الرسول، والتعصبات الشديدة، وإقامة الحواجز المتعددة، والمقاومات العنيفة لمنع الجماهير والدهماء من رؤية الحق الصريح، والدين الصحيح، لم يبق دين على وجه الأرض سوى دين محمد ﷺ ، لدعوته وإرشاده إلى كل صلاح وإصلاح، وخير ورشد وسعادة. ولكن مقاومات الأعداء، ونصر القوة للباطل بالتمويهات والتزويرات، وتقاعد أهل الدين الحق عن نصرته، هي الأسباب الوحيدة التي منعت أكثر الخلق من

стр. 4502

الوقوف على حقيقته. (١) موقفه من المشركين: - من كلامه ﵀: فتمام التوحيد بتمام الإخلاص لله في الاعتقاد والقول والعمل، وبتمام معرفته لله تعالى إجمالا وتفصيلا، وتأصيلا وتفريعا ... وكلما ضعفت منه هذه الأمور، ضعف توحيده. ولهذا كان الشرك في الربوبية، والشرك في الإلهية، والشرك في العبودية، والشرك في أسماء الله وصفاته وأفعاله، منافيا كل المنافاة للعبودية التي هي غاية الحب، مع غاية الذل، لأن من زعم أن لله شريكا في ربوبيته وتدبيره، أو أن له سميا أو مثيلا في صفات كماله، فقد أشرك بربوبية الله، وساوى غير الله بالله، بل ساوى المخلوق بالخالق، والمعبد المدبر بالرب المدبر. ونفى خصائص ألوهية الله تعالى التي حقيقتها تفرده بجميع الكمال. ومن أشرك في عبوديته وإخلاصه، بأن صرف نوعا من عبوديته لغير الله تعالى، فقد نقص توحيده، وأفسد دينه الذي هو الإخلاص المحض، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢). فأي حب وأي ذل يشتبه بهذا أو يقاربه، إلا حب وذل هو عبودية لغير الله، وشرك به؟ وهي المحبة الشركية الصادرة من المشركين التي مضمونها تسوية آلهتهم برب العالمين، في الذل والتعظيم والحب، ولهذا يقولون في وسط جهنم، معترفين بشركهم، نادمين أشد الندم، شاهدين بغاية ضلالهم: ﴿قَالُوا

стр. 4503

وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾ (١). ومع أن هذا شرك في توحيدهم، فإنهم لا يساوون المؤمنين في حبهم وتعظيمهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٢).اهـ (٣) - وقال ﵀ في حديثه عن أنواع التوسل: النوع الثاني: التوسل إلى الله بذوات المخلوقين وجاههم. فهذا: الصواب أنه لا يحل، لأنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع، وهذا ليس بمشروع. وأيضا فذوات المخلوقين، وإن كان لهم عند الله مقام وقدر وجاه، فهذا ليس لغيرهم، وليس التوسل بهم سببا لشفاعتهم للمتوسل عند الله. ولم يجعله الله من الأمور المقربة إليه، وليس ذلك إلا توسلا بما من الله به على المتوسل، فتعين أنه لا يجوز. النوع الثالث: ما يسميه المشركون توسلا، وهو التقرب إلى المخلوقين بالدعاء والخوف والرجاء والطمع، ونحو ذلك. فهذا وإن سموه توسلا، فهو توسل إلى الشيطان لا إلى الرحمن، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفر لصاحبه إن لم يتب. والله أعلم. (٤) موقفه من الجهمية: قال ﵀: وقعت مناظرة بيني وبين رجل من الفضلاء، ولكنه

стр. 4504

يميل إلى مذهب المتكلمين المنحرفين الذين يقولون بأن العقل يقدم على النصوص الشرعية إذا تعارضت، وأنه يجب تأويل النصوص حتى تتفق مع العقل في مسألة الاستواء والنزول الإلهي ونحوها تبعا لأسلافه، فقلت له: -حين أوَّل، بل حَرَّفَ نصوص الشرع من جنس التحريفات التي يقولها المتكلمون من الجهمية، ومن وافقهم من الأشعرية ولو في بعض الصفات- الموجه إليه الخطاب في هذا المقام أحد رجلين: إما رجل لا يعترف بنبوة محمد ﷺ وصدقه؛ فهذا يتكلم معه في الأصل في إثبات نبوة محمد ﷺ وبيان براهينها القوية الظاهرة الكثيرة، فأعيذك بالله أن تكون هذا الرجل، بل أعرف أنك من أعظم من يكفره ولا يعتقد إسلامه. والرجل الثاني: من يعلم أن محمدا رسول الله حقا، وأنه صادق وما جاء به ثابت لا ريب فيه، وأنه إذا أخبرنا بشيء نجزم بثبوت ما أخبرنا به، وأنت لا شك تقول بهذا؛ ومن قال بهذا، فإنه يمتنع عنده أن يجعل العقل مقدما على خبر الرسول الصحيح الثابت، فإيمانك بالرسول وتصديقك له في كل ما أخبر به يوجب عليك أن تقدم قوله وخبره على كل شيء، عقل أو غير عقل. ثم اعلم يا أخي مع ذلك أنه لا يمكن أن يوجد معقول صحيح مسلم فيه عند عقلاء الناس يعارض ما جاء به الرسول، فمدلول كلام الرسول صدق في أخباره، عدل في أوامره ونواهيه، وإذا أصررت أن العقل الذي تدعيه يناقض هذه النصوص، فهذه دعوى يتمكن كل مبطل من قولها، ولا

стр. 4505

تغني شيئا باتفاق الناس، فإن عقول أهل الحق المثبتين ما أثبته الله ورسوله كلها متفقة على معنى ما قاله الله ورسوله خاضعة لذلك، مهتدية به، قد ازدادت عقولهم قوة وهداية حين استنارت بالوحي، فلا يرضى عاقل أن يقدم عليها آراء المتكلمين المتهافتة المتناقضة المبنية على الخيالات والتوهمات. فقال: ليس عندي شك في صدق الرسول وثبوت خبره، ولكني لا أفهم من الاستواء إلا من جنس استواء الملوك على عروشهم، ولا من النزول إلا نزول المخلوقين من أعلى إلى أسفل، والله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين. فقلت له: إننا لم نثبت استواء مثل استواء المخلوق، ولا نزولا كنزوله، وإنما نثبت ما أثبته الله منها ومن غيرها على وجه يليق بعظمة الله ويناسب كماله، مع اعتقادنا أن الله ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن النقائص وعن مماثلة المخلوقين، فعلينا أن ننتهي إلى الكتاب والسنة، ولا نتجاوز ذلك، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، والنزول معلوم والكيف مجهول. فسكت هذا المتأول، وسكوته يدل على أحد أمرين: إما رجوع إلى الصواب، وإما عجز عن نصر باطله، ولكنه تعصب ورضي بالبقاء عليه، وهو الظاهر، إذ لو رجع لصرح لمناظره بذلك. واعلم أن التأويل الذي قبله أهل العلم هو الذي يقصد به بيان مراد المتكلم، فإن لم يكن كذلك، كان من باب التحريف لا من باب التفسير، وتأويلات أهل البدع لبدعهم هي من هذا الباب. (١)

стр. 4506

موقفه من المرجئة: - قال ﵀: الدين والإيمان يشمل القيام بأصول الإيمان الستة، وشرائع الإسلام الخمس، وحقائق الإحسان التي هي أعمال القلوب التي أصلها الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، كما هو مذكور في حديث جبريل (١). ويترتب على هذا أن المؤمنين ثلاثة أقسام: سابقون بالخيرات، وهم الذين حققوا هذه الأمور ظاهرا وباطنا، وقاموا بواجبها ومستحبها. ومقتصدون، وهم الذين اقتصروا على فعل الواجبات وترك المحرمات. وظالمون لأنفسهم، وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. ويترتب على هذا أن الإيمان يزيد بزيادة هذه الأمور كثرة وجودة، وينقص بنقص شيء منها، ويترتب على هذا أيضا أن العبد يكون فيه خير وشر وأسباب ثواب وأسباب عقاب، وخصال كفر ونفاق وخصال إيمان. ويتفرع على هذا أنه يستحق من المدح والذم، ومن الثواب والعقاب، بمقدار ما قام به من هذه الأمور المقتضية لآثارها من ثواب وعقاب، ومدح وقدح، وهذا مقتضى حكمة الله وعدله وفضله. (٢) - وقال ﵀: في (الصحيحين) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها أو أفضلها قول: لا إله إلا

стр. 4507

الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١). هذا الحديث من أعظم أدلة السلف على أن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمالها وأعمال الجوارح، وأنه درجات متفاوتة، أعلاها وأفضلها على الإطلاق شهادة التوحيد، فإنها الأساس الأعظم لجميع أمور الإيمان، وأدناها أقل إحسان يتصور: "إماطة الأذى عن الطريق"، وخص الحياء بالذكر، لأنه يدعو إلى كل خلق جميل وعمل صالح، وينهى عن ضده. وقد صنف العلماء ﵏ في تعداد شعب الإيمان، وتحقيقها: كل عقيدة صحيحة، وإرادة محمودة، وخلق جميل، وعمل صالح، والتفاصيل الواردة في الكتاب والسنة ترجع إلى ذلك: * فمنها: الأصول الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ والشرائع الخمس: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فرض ذلك ونفله. * ومنها: أعمال القلوب؛ كمحبة الله، وخوفه، ورجائه وحده، والإخلاص له في كل شيء، والتوكل عليه، والحياء، والصبر، والإنابة، والتقوى، والورع. * ومنها: النصيحة لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. * ومنها: بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران والأصحاب والمعاملين. * ومنها: التواضع للحق والخلق.

стр. 4508

* ومنها: ذكر الله على اختلاف أنواعه، وتعلم العلوم النافعة وتعليمها، وكمال المتابعة للرسول، والاستقامة على دينه وهديه وسنته. * ومنها: القيام بحقوق الأهل والمماليك من الآدميين والبهائم ... إلى غير ذلك مما حث عليه الكتاب والسنة. والله أعلم. (١) - وقال ﵀: وذلك أن أهل السنة والجماعة، يعتقدون ما جاء به الكتاب والسنة، من أن الإيمان: تصديق القلب المتضمن لأعمال الجوارح، فيقولون: الإيمان اعتقادات القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان، وأنها كلها من الإيمان ... وأن من أكملها ظاهرا وباطنا، فقد أكمل الإيمان، ومن انتقص شيئا منها، فقد نقص إيمانه. وهذه الأمور بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: "لا إله إلا الله" وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. ويرتبون على هذا الأصل: أن الناس في الإيمان درجات: مقربون، وأصحاب يمين، وظالمون لأنفسهم، لأنهم بحسب مقاماتهم في الدين والإيمان، وأنه يزيد وينقص. فمن فعل محرما، أو ترك واجبا، نقص إيمانه الواجب، ما لم يتب إلى الله. ويرتبون على هذا الأصل: أن الناس ثلاثة أقسام: منهم من قام بهذه وبحقوق الإيمان كلها، فهو المؤمن حقا، ومنهم من تركها كلها، فهذا كافر بالله. ومنهم من فيه إيمان وكفر، وإيمان ونفاق، وخير وشر، ففيه من ولاية الله، واستحقاقه لكرامته، بحسب ما معه من الإيمان، وفيه من عداوة الله

стр. 4509

واستحقاقه لعقوبة الله، بحسب ما ضيعه من الإيمان. ويرتبون على هذا الأصل: أن كبائر الذنوب وصغارها، لا تصل بصاحبها إلى الكفر، ولكنها تنقص الإيمان، من غير أن تخرجه من دائرة الإسلام، ولا يخلد صاحبها في النار، ولا يطلقون عليه اسم الكفر، كما تقوله الخوارج، أو ينفون عنه الإيمان، كما تقوله المعتزلة، بل يقولون: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. فمعه مطلق الإيمان. أما الإيمان المطلق فينفى عنه. وهذه الأصول إذا عرفت وجهها، يحصل بها الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة. (١) موقفه من القدرية: - جاء في الفتاوى السعدية: المسألة السابعة والعشرون «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»: لما أخبر النبي ﷺ بأن قضاء الله وقدره سابق للأعمال والحوادث، وقال بعض الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله؟ أجابه بكلمة جامعة مزيلة للإشكال، موضحة لحكمة الله في قضائه وقدره، فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له» (٢). وذلك شامل لأعمال الخير والشر، وللآجال والأعمار والأرزاق وغيرها. فإن الله بحكمته قد جعل مطالب ومقاصد، وجعل لها طرقا وأسبابا، فمن سلك طرقها وأسبابها التامة يسر لها، ومن ترك السبب، أو فعله على

стр. 4510

وجه ناقص لا يوصل إلى مسببه، لم يحصل له، ويسر لضده. فكما أن الأرزاق ونحوها منوطة بقضاء الله وقدره، ومع ذلك إذا ترك العبد السبب الموصل إلى الرزق، أو فعله على وجه ناقص، لم يتم له ما أراد، وإذا يسر له سبب الرزق من أي نوع كان، يتيسر له بحسبه. كذلك الأعمال الموصلة إلى الجنة: من يسر إلى سلوكها تامة لا نقص في شيء من مكملاتها، ولا وجود لمانع من موانعها، فقد علم أنه مخلوق للسعادة، وضد ذلك بضده. فالقضاء والقدر موافق للأسباب، لا مناف لها، شرعا وعقلا وحسا، فإنه قدر الأمور بأسبابها وطرقها، وهو أعلم بها ومن يسلكها، ومن لا يسلكها. فسبق علمه وتقديره لها، لا يوجب ترك العمل، وإنما يوجب السعي التام لمن أحاط علمه بذلك، وعرفه حق المعرفة. فكما أن من ترك النكاح، وقال: إن قدر لي ولد، جاءني ولولم أتزوج ... ومن ترك الغرس والحرث، وقال: إن قدر لي زرع وثمرة، حصلا ولو لم أزرع ... ومن ترك الحركة في طلب الرزق، وقال: إن قدر لي رزق، أتاني من دون سعي وحركة ... من فعل ذلك، عد أحمق جاهلا ضالا. فكذلك من قال: سأترك الإيمان، والعمل الصالح، والله إن كان قدر سعادتي حصلت، فهو أعظم جهلا وضلالا وحمقا من ذلك. وهذا واضح، ولله الحمد. (١) - وفيها: المسألة الثامنة والعشرون: الاحتجاج بالقدر. الاحتجاج بالقدر على الشرك والكفر وأنواع المعاصي احتجاج باطل،

стр. 4511

لأنه يدفع أمر الله ورسوله، ويعتذر به عن معاصيه لله، وذلك من أكبر الظلم والجهل، والضلال. وكذلك احتجاج العبد بعد وقوع ما يكره بأن يقول: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، فإنه تقول على الله، وتكذيب لقدره الواقع لا محالة. وأما الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به، والتوحيد لله، والتوكل عليه، والنظر إلى سبق قضائه وقدره، فهو محمود مأمور به، وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية، فإنه يوجب للعبد شهود منة الله عليه، بسبق قدره وإحسانه. وكذلك إذا فعل العبد ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه، ثم لم يحصل له مراده بعد اجتهاده، فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره، كان محمودا نافعا للعبد، مريحا لقلبه، كما قال ﷺ : «وإذا غلبك أمر فقل: قدر الله، وما شاء فعل» (١). وكذلك إذا احتج به، بعد التوبة من الذنب، ومغفرة الله له، على وجه الإيمان به، كان حسنا، كما حج آدم موسى عليهما الصلاة والسلام. وكذلك ينفع النظر إلى القضاء والقدر، ليبعث العبد على الجد والاجتهاد في الأعمال النافعة الدينية والدنيوية. فإنه إذا علم أن الله قدر الوصول إلى المطالب والمقاصد بالأسباب المأمور بها، جد واجتهد، عكس ما

стр. 4512

يظنه كثير من الغالطين أن إثبات القدر يثبط، بل ينشط العاملين أبلغ مما لو كان الأمر لم يقدر له غاية. وكذلك ينفع النظر إلى القدر عند وجود المخاوف المزعجة، فإنه من علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، اطمأن قلبه، وسكنت نفسه، ولم ينزعج للأسباب المخوفة، بل يتلقاها بسكينة وطمأنينة، ويقوم بما أمر بالقيام به عندها. وكذلك نفعه في المصائب وحلول المحن عظيم، فإنه من يؤمن بالله يهد قلبه. فإذا أصيب بمصيبة يعلم أنها من عند الله رضي وسلم لأمر الله وحكمه، واحتسب أجره لله وثوابه. فهذا التفصيل في مسألة النظر إلى القضاء والقدر، والاحتجاج به، يأتي على جميع الأحوال، ويتبين أن منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم. والله أعلم. (١) - وفيها: المسألة السادسة: الإيمان بالقدر: يتفق مع الأسباب. مباشرة الأسباب، والاجتهاد في الأعمال النافعة، تحقق للعبد تمام الإيمان بالقضاء والقدر. فإن الله قدر المقادير بأسبابها وطرقها، وتلك الأسباب والطرق هي محل حكمة الله، فإن الحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها اللائقة بها ... فقضاء الله وقدره وحكمته، متفقات، كل واحد منها يمد الآخر ولا يناقضه. وقد أشار النبي ﷺ حين سئل وقيل له: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، وأدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من

стр. 4513

قضاء الله وقدره؟ فقال: «هي من قضائه وقدره» (١). فهذه الأسباب حسية ومعنوية روحانية، وحمية عما يضر، وهي في مقدمة الأسباب، وأخبر ﷺ أنها من قضاء الله وقدره. فمن زعم أنه مؤمن بالقدر وقد ترك الأسباب النافعة الدينية والدنيوية التي عليها نظام القدر، فهو غالط. فإن المؤمن بالقدر، يجري على أحكامه، ويعمل على سنته ونظامه، ويتبع النافع في إحكامه وإبرامه، والله المعين الموفق. وتوضيح ذلك أن أقدار الله كلها تابعة لحكمه وحكمته، فكما أن أفعاله تعالى كلها محكمة في غاية الإحكام والانتظام، ما ترى في خلق الرحمن من خلل ولا نقص ولا فطور ولا اختلال، ولا في شرعه من عبث وسفه ومنافاة للحكمة والمصلحة والإحسان، فكذلك أفعال المكلفين دينيها ودنيويها، ظاهرها وباطنها، كلها تجري على وفق الحكمة والغايات الحميدة، وأنه كلما عظم المقصود، وكثرت منافعه ومصالحه لم يمكن إدراكه إلا بسلوك الطرق المفضية إليه. فأعظم المقاصد على الإطلاق نيل رضا الله، والفوز بثوابه، والسلامة من عقابه. وقد جعل الله له الإيمان وشعبه الظاهرة والباطنة، والقيام بعبودية الله، وإخلاص الدين له، ولزوم الاستقامة والتقوى جعلها الله طرقا وأسبابا توصل إليه.

стр. 4514

فما لم يسلك العبد هذا السبيل، فمحال أن يصل إلى رضوان ربه وثوابه، فاتكال الأحمق على القدر بدون جد واجتهاد، قدح في القدر والشرع جميعا. وكذلك المطالب الأخر، كنيل العلم، وإدراكه: هل يمكن بغير جد واجتهاد ومواصلة الأوقات في طلبه، وسلوك الطرق المسهلة له؟ فمن قال: إن قدر لي، أدركت العلم، اجتهدت أم لا، فهو أحمق. كما قال بعضهم: تمنيت أن تمسي فقيها مناظرا ... بغير عناء، والجنون فنون وليس اكتساب المال دون مشقة ... تلقيتها فالعلم كيف يكون وهكذا: من ترك الزواج، وقال: إن قدر لي أولاد حصلوا، تزوجت أو تركت. ومن رجا حصول ثمر أو زرع، بغير حرث وسقي وعمل، متكلا على القدر، فهو أحمق مجنون. وهكذا سائر الأشياء دقيقها وجليلها. فعلم أن القيام بالأسباب النافعة، واعتقاد نفعها، داخل بقضاء الله وقدره، دون الإخلاد إلى الكسل، والسكون مع القدرة على الحركة، هو الجنون. وإن قول من قال: جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين هو الغلط الفاحش. وإن هذا القياس الذي قاسه -قاس القادر على الحركة المأمور بها، على العاجز إذا خلا عن الحركة- قياس عجيب غريب، ولو أن هذا الشاعر قاس من تعذرت عليه الحركة والأسباب من كل وجه،

стр. 4515

على هذا، لكان حسنا مطابقا. فإن قيل: قد توضح لنا أن السعي في الأسباب الموصلة إلى مسبباتها، مطابق للقضاء والقدر، مؤيد له، وأنه يتعذر الإيمان الصحيح بالقدر بدون فعل الأسباب، فما أحسن طريق يسلكه العبد؟ فالجواب: أحسن طريق يسلكه العبد في أموره الدينية؛ الاجتهاد في تفهم كتاب الله وسنة رسوله، وتحقيق الإخلاص للمعبود في كل عمل وقول، وعقيدة وطريقة، وتحقيق متابعة الرسول، واجتناب البدع الاعتقادية، والبدع العملية. فهذه الطريقة الدينية فيها الخير والبركة، والقليل منها أعظم ثوابا، وأبلغ نجاحا، من الكثير من غيرها. وأما الأمور الدنيوية: فالعبد مفتقر إلى الكسب لنفسه، ولمن عليه مؤونته، فعليه بسبب يناسب حاله، ويتفق مع وقته من المكاسب المباحة، وخصوصا: المكاسب التي لا تشغل العبد عن أمور دينه، ولا تدخله في محظور. وليثابر على ذلك السبب، ويكون اعتماده على مسبب الأسباب، وليكثر من سؤال ربه لييسر أموره، وأن يختار له أحسن الأحوال. وليكن قنوعا برزق الله، راضيا بما قسم الله، لا يحزن على مفقود، ولا يتشوش من مناقضة الأسباب لمراده، فبذلك يحصل رضا ربه، وراحة قلبه ... ويبارك له في القليل. وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم. (١)

стр. 4516

عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي (١٣٧٧ ه ـ) عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي مدير دار الحديث بالمدينة النبوية سابقا، ومؤلف كتاب 'الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التجانية'. موقفه من المبتدعة: - قال ﵀ في كتابه 'الأنوار الرحمانية': اعلموا أن الله تعالى قرر القواعد لكل مسلم وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (٣)، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٥)، ولذا قال رسول الله

стр. 4517

- ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١) رواه البغوي في شرح السنة والنووي في الأربعين بسند صحيح. ثم قال ﵀: عُلم بتلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: أن المسلم لا يكون مسلمًا ولا مؤمنًا إلا إذا اعتصم بالكتاب والسنة، في العقائد والفرائض والسنن والأقوال والأعمال والأفعال والأذكار، على وجه التسليم والرضا والإخلاص، ظاهرًا وباطنًا، خاصة عند المعارضة والمقابلة يقدم قول النبي ﷺ على أقوال جميع أهل الأرض كائنًا من كان، وأذكاره ﷺ على جميع الأذكار الواردة عن المشايخ أهل الطرق وغيرهم، ويعرض تلك الأوراد على الكتاب والسنة؛ فإن وافقتهما عمل بها، وإلا فلا. ويقف على الأذكار الواردة عن النبي ﷺ فحينئذ يكون المسلم مسلمًا حقيقيًّا طائعًا لله ورسوله. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (٣). - قال ﵀ تحت عنوان (تعريف السنة والبدعة): من ضروريات الدين: أن يعلم المسلم صفة السنة والبدعة والفرق بينهما. فليعلم الأخ الكريم

стр. 4518

أن السنة لغة: الطريق، وشرعًا: هي ما بيّن وفسّر بها النبي ﷺ كتاب الله تعالى قولاً وفعلاً وتقريرًا وما سوى ذلك بدعة. والسنة هي الطريق المتبع، وهي دين الإسلام، التي لا يزيغ عنها إلا جاهل هالك مبتدع. والبدعة: أصل مادتها الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، أي مخترعهما من غير مثال سابق. وهذا لا يليق في الدين إلا من الله تعالى؛ لأنه فعّال لما يريد، وهو الذي شرع لنا الدين، قال تعالى: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٢). وأما البدعة شرعًا: فهي الحدث في الدين بعد الإكمال، أي بعد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وقد جعلها أهل البدع دينًا قويمًا، لا يجوز خلافها، كما في زعم التيجانيين وغيرهم. - وقال: والبدعة: هي السبب في إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، لأن كل فريق يرى أن طريقته خير من طريقة صاحبه، ويبغض بعضهم بعضًا حتى قال التيجانيون: لا يجوز زيارة من ليس على طريقتهم. - وقال: فعليكم باتباع نبيكم، وترك كل ما أحدثه المحدثون؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بالقول، ولا قول إلا بالعمل، ولا عمل إلا بالنية، فلا إيمان ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة النبوية، كما قال ابن أبي

стр. 4519

زيد القيرواني في رسالته. فسبحان الله العظيم، تقرءون في الرسالة ليلاً ونهارًا ولا تفهمون معناها! بماذا تفسرون قوله: "وترك كل ما أحدثه المحدثون" وبماذا تفسرون قوله: "إلا بموافقة السنة"؟ موقفه من الصوفية: له كتاب: 'الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التجانية' وهو مطبوع متداول. قال فيه تحت عنوان (الشروع في تفصيل ما ينكره أهل السنة على التيجانية): سأذكر لكم يا إخواني بعض ما أنكرناه في هذه الطريقة التيجانية مع بيان مأخذ كل مقال، والإشارة إلى رقم الصحيفة من كتب التيجانية، ليتبين لكل مسلم غيور على دينه كفريات التيجانية، وبدعهم وضلالاهم. وجميع ما أنقله من كتبهم؛ إما كفر أو كذب على الله وعلى النبي ﷺ والعياذ بالله من الخذلان وعمى البصيرة. - ثم عدد عشر عقائد من عقائد التيجانية الباطلة (١) نذكر منها: العقيدة الأولى: قال في جواهر المعاني: (إن هذا الورد ادخره رسول الله ﷺ لي ولم يُعَلِّمْهُ لأحد من أصحابه) -إلى أن قال-: (لعلمه ﷺ بتأخير وقته، وعدم وجود من يظهره الله على يديه). وكذا في الجيش (ص.٩١). ففي قوله: ادخره لي ولم يعلمه لأحد من أصحابه ردّ على قوله تعالى: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢). ومعلوم أن

стр. 4520

الكتمان محال على الأنبياء والرسل، لأنه خيانة للأمانة. وقال ابن عاشر المالكي في توحيده: يجب للرسل الكرام الصدق ... محال الكذب والمنهي ... أمانة تبليغهم يحق ... كعدم التبليغ يا ذكي ولا شك أن نسبة الكتمان إليه ﷺ كفر بإجماع العلماء. وفي قوله: (عدم وجود من يظهره الله على يديه) تفضيل لنفسه على أبي بكر الصديق ﵁، حيث لا يقدر أن يحمل هذا الورد. وهذا كلام في غاية الفساد، بل في غاية الوقاحة. العقيدة الثانية: قال في جواهر المعاني: (إن المرة الواحدة من صلاة الفاتح تعدل كل تسبيح وقع في الكون، وكل ذكر، وكل دعاء كبير أو صغير، وتعدل تلاوة القرآن ستة آلاف مرة) (ص.٩٦) طبع مطبعة التقدم العلمية الطبعة الأولى. وهذا كفر وردّة، وخروج عن الملّة الإسلامية؛ وهل يبقى في الدنيا مسلم لا يكفر قائل هذا القول؟ بل من لم ينكر عليه ورضي به فهو كافر في نفسه، يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل. أليس قد جعل الله لكم عقولاً تعقلون بها؟ أفلا تتفكرون؟ وأي شيء يكون أفضل من القرآن؟ وهل ينزل الله على رجل شيئًا بعد النبي ﷺ فضلاً أن يكون خيرًا من القرآن؟ إن هذا لشيء عجاب. وأظن قائل هذا القول ما درى بمحمد ﷺ ، وما درى بما جاء به محمد. ولم يدر لِمَ بُعِثَ محمد ﷺ !!.
следующие страницы →