Полный текст (48 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[زهر العريش في تحريم الحشيش]ـ
المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي (المتوفى: ٧٩٤هـ)
المحقق: د. أحمد فرج
الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة - مصر
الطبعة: الثانية،١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي ونعم الوكيل. قال الشيخ العلامة بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى: أحمد الله على إنعامه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة أصفيائه، وعلى آله وصحبه خير أوليائه وبعد:
فهذه فصول في الكلام على الحشيشة، اقتضى الحال شرحها لعموم البلوى لكثير من السفلة بها، وتوقف كثير من الناس في حكمها لما لم يجدوا فيها للسلف كلاماً.
стр. 3
الفصل الأول
في اسمها ووقت ظهورها
والأطباء يسمونها القنب الهندي، ومنهم من يسميها ورق الشهدانج، وتسمى بالغبيراء، وبالحيدرية، وبالقلندرية، ويقال: كل
стр. 4
ورقة منها بقدر أصابع اليد، ثم قيل: كان ظهورها على يد حيدر في سنة خمسين وخمسمائة تقريباً؛ ولهذا سميت حيدرية، وذلك أنه خرج هائما بنفر من أصحابه، فمر على هذه الحشيشة، فرأى أغصانها تتحرك من غير هواء فقال في نفسه: هذا السر فيها، فاقتطف وأكل منها، فلما رجع إليهم أعلمهم أنه رأى فيها سراً وأمرهم بأكلها.
وقيل: ظهرت على يد أحمد المارجي القلندي، ولذلك سميت القلندرية.
стр. 5
قال أبو العباس بن تيمية: إنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ﵏ وغيرهم من علماء السلف لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة، وأول المائة السابعة حين ظهرت دولة التتار.
وكذا قال غيره: إنها كانت شر داخل على بلاد العجم، حين استولى على من فيها التتار ثم انتقلت إلى بغداد وقد علم ما جرى على أهلها من قبيح الأثر.
стр. 6
الفصل الثاني
في مضارها في العقل والبدن
وذكر بعضهم أنه جُمع فيها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية، وقد أجمع الأطباء على أنها تورث الفكرة، والفكرة تثير الحرارة الغريزية، وربما قويت على الحرارة الغريزية فعزلتها عن الجسد، واستولت على البدن فجففت الرطوبات واستعد للأمراض الحارة والسيئة والحمايات.
قال محمد بن زكريا الرازي: أكل ورق الشهدانق البستاني يصدع الرأس ويقطع
стр. 7
المنى ويجففه، ويولد الفكرة، والعلة في ذلك أن رطوبات الأبدان الكائنة على حد الاعتدال تقع تبعاً لبقاء الحيوان، فما يجفف الرطوبة منه فإنه مضر معين على إتلافه، وهو يورث موت الفجاءة، واختلال العقل، والدق، والسل، والاستسقاء، والأبنة.
стр. 8
وقال بعض الأئمة: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة وزيادة، فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن، وضررها فيهما، وهي تشارك الخمر في السكر وفساد الفكر ونسيان الذكر وإفشاء السر وذهاب الحياء وكثرة المراء وعدم المروءة وكشف العورة وقمع الغيرة وإتلاف الكيس ومجالسة
стр. 9
إبليس وترك الصلاة والوقوع في المحرمات.
هذا بعض ضررها في الدين.
وأما البدن: فتفسد العقل، وتقطع النسل، وتولد الجذام، وتورث البرص، وتجلب الأسقام وتكسب الرعشة، وتنتن الفم، وتجفف المني، وتسقط شعر الأجفان، وتحرق الدم, وتحفر
стр. 10
الأسنان، وتظهر الداء الخفي، وتضر الأحشاء، وتبطل الأعضاء، وتضيق النفس، وتقوي الهوس، وتنقص القوى، وتقل الحياء، وتصفر الألوان، وتسود الأسنان، وتثقب الكبد، وتوهج المعدة، وتولد في الفم البخر، وفي العين الغشاوة، وقلة النظر، وفي المخيلة كثرة الفكر.
стр. 11
ومن أوصافها المذمومة أنها تكسب آكلها الكسل، وتورثه الفشل، وتجعل الأسد كالعجل، وتصير العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، إن أكل لا يشبع، وإن أعطى لا يقنع، وإن كلم لا يسمع، تجعل الفصيح أبكما، والفطيح به أبلما، تسقط المروءة، وتزيل الفتوة، ثم إنها تفسد الفكرة، وتبلد الفطرة، وتخمد الفطنة، وتولد البطنة، تجعل الأكل فنه،
стр. 12
والنوم له مظنة، فهو بعيد عن السنة، طريد من الجنة، موعود من الله تعالى باللعنة، إلا أن يقلع من الندم سنه، ويحسن بالله تعالى ظنه، ولله در القائل:
وأصغر دائها والداء جم ... بغاء أو جنون أو نشاف
قلت: ومن أعظم دائها أن متعاطيها لا يكاد يتوب لتأثيرها في مزاجه، وأنت ترى أهلها أكثر الخلق ضلالاً وتجافياً عن الاستقامة، وأقرب إلى الدنية
стр. 13
وأسفه أحلاماً، وأفسد تصرفاً، ولله در القائل:
قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شر معيشة
دية العقل بدرة فلماذا يا سفيها قد بعتها بحشيشة
стр. 14
الفصل الثالث
في أنها مسكرة ومفسدة للعقل
والذي أجمع عليه الأطباء والعلماء لأحوال النبات أنها مسكرة منهم: أبو محمد عبدالله بن أحمد المالقى العشاب، ابن البيطار في كتاب: " الجامع لقوى الأدوية والأغذية " قال: ومن القنب الهندي نوع ثالث يقال له: القنب، ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين، وتسمى الحشيشة أيضا، وهو يسكر جدا، إذا تناول منه الإنسان يسيراً قدر درهم أو درهمين،
стр. 15
حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم، وربما قتل.
وقال في علاجه: القيء بسمن وماء سخن حتى تنقى المعدة، وشراب الحماض لهم في غاية النفع.
وأما الفقهاء: فقد صرحوا بأنها مسكرة منهم: أبو إسحاق الشيرازي ﵀، في كتاب " التذكرة في الخلاف "، والشيخ محيي
стр. 16
الدين النووي ﵀ في " شرح المهذب "، ولا يعرف فيه خلاف عندنا، وقد يدخل في حدهم السكران، بأنه الذي اختلط كلامه المنظوم، وباح بسره المكتوم، أو الذي لا يعرف السماء من الأرض، ولا الطول من العرض. ويحكى عن بعض من تناولها أنه إذا رأى القمر يظنه لجة ماء، فلا يقدم عليه.
وبلغني عن أبي العباس ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها، ولذلك يتناولونها، بخلاف البنج وغيره،
стр. 17
فإنه لا ينشى ولا يشتهى. ولم أر من يخالفه في ذلك، إلا أبا العباس القرافي في قواعده فقال: نص العلماء بالنبات في كتبهم على أنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة. قال: وتحرير الفرق بين المفسد، والمرقد، والمسكر أن المتناول من هذه إما أن يغيب عنه الحواس أو لا، فإن غابت عنه الحواس كالسمع والبصر واللمس والشم والذوق فهو المرقد، وإن لم يغب عنه الحواس، فإما أن يحدث معه نشوة وسرور أو قوة عند التناول غالباً أم لا، فإن حدث فهو المسكر،
стр. 18
وإلا فهو المفسد، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر، والمفسد: هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج.
ويدل على ضابط المسكر قول الشاعر:
стр. 19
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
فالمسكر يزيد في الشجاعة والمروءة، وقوة النفس، والميل إلى البطش في الأعداء والمنافسة في العطاء، ومنه قول القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى:
زعم المدامة شاربوها أنها تنفي الهموم وتصرف الغما
صدقوا سرت بعقولهم فتو هموا أن السرور لهم بها تما
سلبتهم أديانهم وعقولهم أرأيت عادم دينه، مغتما
قال: فظهر بهذا أن الحشيشة مفسدة، وليست مسكرة لوجهين:
стр. 20
أولهما: أنها تثير الخلط الكامن في الجسد كيفما كان، فصاحب الصفراء تحدث له حدة، وصاحب البلغم تحدث له سباتا وصمتا، وصاحب السوداء تحدث له بكاء وجزعاً، وصاحب الدم تحدث له سروراً يقدر حاله، فتجد منهم من يشتد بكاؤه، ومنهم من يشتد صمته.
وأما الخمر والمسكرات: فلا تكاد تجد أحدا ممن يشربها إلا وهو نشوان مسرور بعيد عن صدور البكاء والصمت.
стр. 21
وثانيهما: إننا نجد شراب الخمر تكثر عربدتهم، ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح، وهو معنى البيت المتقدم في قوله:
* وأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنا اللِّقَاءُ *
وأكلة الحشيش خلاف ذلك، بل هم رقدة سكوت، وهم أشبه شيء بالبهائم، وذلك أن القتلاء توجد كثيرا مع شراب الخمر دون
стр. 22
أكلة الحشيش.
وهذا الذي قاله القرافي ممنوع، ولا يساعد عليه دليل. وقوله: إن المغيب للحواس هو المرقد يرد عليه: الإغماء والنوم فإنهما مغيبان للحواس، وليسا بمرقد، والبيت الذي أنشده ليس دليلاً على ضابط المسكر، لكن على تأثير الخمر في هذا القائل وأضرابه، ولا يساوي الخمر غيرها في هذه الخصال، وإن تحققنا فيه الإسكار، كالمزر.
وما ذكره في الوجه الأول في الفرق، ليس باستقراء صحيح،
стр. 23
فقد بلغني عن بعض الناس أنه إذا سكر بكى بكاء شديداً.
وأما أهل الحشيش فقد رأيناهم في أول التناول ذوي نشأة وطرب، ثم يعتريهم الخمود والغيبة.
وكذلك في أهل الخمر من يفضي به الحال إلى شبه الميت، إما بحسب الأمزجة، وإما بحسب قلة التناول، أو كثرته فيهما، فهي وما ذكره في الوجه الثاني بالحل أيضا، فإن الخمر كما قلنا هي مراد الشاعر، وهو صاحب هذه الخاصية، وقد ثبت الإسكار لغيره من أنواع الأشربة، وهو دونه في ذلك، وعلى التناول فإنه من تأثير الأخلاط الرديئة كما
стр. 24
سلف في الحشيش، فإن المجرم الداعي الذي تحدث عنده زيادة عربدة كما في الشراب، فظهر بهذا أن في الحشيش من الإسكار والإفساد ما يساوي الخمر في أحكامه ويزيد بمزيد الإفساد.
والصواب أنها مسكرة، كما أجمع عليه العارفون بالنبات، ويجب الرجوع إليهم، كما رجع إليهم في غيرها من الخواص.
ويدل على أن الحشيشة مسكرة، أن معنى الإسكار تغطية العقل وقد قال تعالى: ... (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) أي غطيت.
стр. 25
وقد دل العقل على أنه يحدث عند تناولها حالة لم تكن قبل تناولها، فتلك الحالة هي مبادئ تغيير العقل، فإن كان المعني بالإسكار هذا فذاك، وإن كان المراد من الإسكار، تغيير العقل الحادث في المزاج المضر بالأفعال الاختيارية، المخرج عن حد الاعتدال إلى الإفراط والتفريط، فهو موجود فيه.
стр. 26
وقول من قال: إنها مفسدة للعقل باطل لأنه إن فسد لجن صاحبه، إذ فساد العقل ذهابه.
стр. 27
الفصل الرابع
في أنها حرام
وقد تظاهرت الأدلة الشرعية والعقلية على ذلك.
أما الكتاب والسنة، فالنصوص الدالة على تحريم المسكر تناولتها، وفي صحيح مسلم: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)
стр. 28
وأيضاً فإنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وما كان هذا وصفه كان حراماً كالخمر، وقد قال الله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) الأعراف
стр. 29
وأي خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها، وقد حرم الله تعالى إذهاب العقول باستعمال ما يزيلها، أو يفسدها أو يخرجها عن مخرجها المعتاد،
стр. 30
ولا شك أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغيير في انتظام العقل، والقول المستمد كماله من تصرف العقل شرعاً وعرفا.
وقد روى أبو داود في سننه بإسناد حسن عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: (يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا. قال: هل يسكر؟ قلت: نعم. قال: فاجتنبوه. قال: قلت: فإن الناس غير تاركيه. قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم)
وهذا منه ﷺ تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر، فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه.
ولا إشكال أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه.
روى الإمام أحمد ﵀ في مسنده، وأبو داود في سننه عن أم سلمة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر.
стр. 31
قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور، والخدر في الأطراف، وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة بخصوصها، فإنها إن لم تكن مسكرة كانت مفترة مخدرة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل الرأس بواسطة تبخيرها للدماغ.
وأما الإجماع على تحريمها فقد نقله غير واحد، منهم القرافي في قواعده، وكذلك ابن تيمية، وهو حافظ، قال: ومن استحلها فقد كفر. وفي
стр. 32
هذا نظر؛ لأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة، ولو سلمنا ذلك، لكن لا بد أن يكون دليل الإجماع قطعياً على أحد الوجهين، وقد أجمع الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على أنه يحرم تناول المسكر، وعمم النبات وغيره. وقال الإمام الرافعي ﵀: عمموا النبات وغيره. وقال الرافعي ﵁ في باب الأطعمة في " بحر المذهب ": إن النبات الذي يسكر وليست فيه شدة مطربه يحرم أكله.
وفي فتاوى المرغيناني من الحنفية أن المسكر من البنج، وأن
стр. 33
لبن الرماك حرام ولا تحل، ولا حد فيه، قاله الفقيه أبو جعفر، ونص عليه شمس الأئمة السرخسي انتهى.
وفيه فائدة: أن هذا الذي يستعمله الترك ويسمونه القمز حرام.
стр. 34
الفصل الخامس
في أنها طاهرة أو نجسة
وهذا ينبني على ما سبق في أنها مسكرة، فإن قياس من يقول بإسكارها، أن يقول بنجاستها، ووفى بذلك الطوسى في " المصباح " فقال: الحشيشة نجسة إن ثبت أنها مسكرة، لكن الشيخ محيى الدين قال: إنها مسكرة وليست بنجسة، ولم يحك فيه خلافا، ويؤيده أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ فيما كتبه على فروع ابن الحاجب
стр. 35
قطع بأنها طاهرة، وحكى الإجماع عليه، قال. والأفيون وهو لبن الخشخاش أقوى فعلاً من الحشيش؛ لأن القليل منه يسكر جداً، وكذلك السيكران، وجوز الطيب، مع أنه طاهر بالإجماع.
وهذا الذي ادعاه من الإجماع فيه نظر لما سيأتي عن العراقي في مسألة الصلاة في شرح قديم الوجيز. قال مؤلفه: إنه سمع من الأفواه في نجاسة الحشيش قولين.
стр. 36
وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته وعلَّقه عن رواية صاحب التقريب وجها: إن النبات إذا كان سماً قاتلا يكون نجسا، وإنه رد عليه بنص الشافعي ﵁.
لكن القياس في الحشيش الطهارة وليس لنا نبات نجس العين قط إلا النبات الذي يسقى بالنجاسة، فإنه نجس العين عند الصيدلاني ﵀، حتى قالوا: في السم الذي هو نبات، إنه طاهر مع أنه أشد ضرراً من الحشيش، ولا يتجه القول بالتنجيس، ولو كانت مسكرة؛ لأن الدليل إنما تنصص في الخمر، وغيرها ليس في معناه من كل الوجوه، ولا يقال على جواز تناول اليسير منها، ولو كانت نجسة لما جاز ذلك.
стр. 37
الفصل السادس
في أنه هل يجب فيها الحد
والصواب الوجوب للإسكار، فيتناولها أدلة الحد في المسكر، ولأن صاحبها يهذي، وإذا هذى افترى، فيجلد حد الفرية.
وقد صرح الماوردي بأن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيه الحد، ولا ينافي هذا ما حكاه الرافعي عن " البحر " أن النبات المسكر لا حد على آكله، لأن مراده ما ليس فيه شدة مطربة، كما صرح به.
وقال الرافعي في باب الشرب: ما يزيل العقل من غيره الأشربه كالبنج،
стр. 38
لا حد في تناوله، لأنه لا يلذ ولا يطرب، ولا يدعو قليله إلى كثيرة انتهى.
وهو يفهم إيجاب الحد في الحشيشة، لأنها على العكس من البنج.
وقال القرافي: اتفق فقهاء العصر على المنع منها، واختلفوا في الواجب فيها: الحد، أو التعزير بناء على أنها مسكرة، أو مفسدة للعقل.
وعن كتاب " الذخيرة " له: أنه يجب فيها الحد والتعزير.
وفي فتاوى " الخلاصة " للحنفية: وشرب البنج للتداوى لا بأس به، فإن
стр. 39
ذهب به عقله لا يحد، يعني بالاتفاق، فإن سكر يحد عند محمد، وعند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف يعزر ولا يحد.
وقال الشيخ عز الدين في " القواعد ": فإن قليل هلا يجب الحد إذا زال العقل بغير مسكر كالبنج وغيره؟
والجواب: عن إفساد العقل بذلك في غاية الندور، إذ ليس فيه تفريح، ولا إطراب يحثان على تعاطيه، بخلاف الخمر والنبيذ، فإن ما فيهما من التفريح والإطراب حاث على شربهما، فغلبت لذلك مفسدتهما، فوجب الحد لِغلبة المفسدة، ولم يجب في البنج ونحوه لندور الإفساد به.
стр. 40
الفصل السابع
في فروع متفرقة ومولدات
منها: هل تبطل الصلاة بحملها، وذلك ينبني على نجاستها، وطهارتها، وقد سبق. وقال القرافي ﵀: سئل بعض فقهاء العصر عمن صلى والحشيشة معه، هل تبطل صلاته فأجاب، إن صلى بها قبل أن تحمَّص أو تصلق صحت صلاته، أو بعد ذلك بطلت؛ لأنها إنما تغيِّب العقل بعد التحميص أو الصلق، أما قبله فهو ورق أخضر فلا، بل هي كالعصير للعنب، وتحميصه كغليانه.
قال: وسألت عن هذا الفرق جماعة ممن يعانيها فاختلفوا على قولين: منهم من سلمه، ومنهم من قال: يؤثر مطلقاً، وإنما تحمص لإصلاح طعمها، وتعديل صفتها خاصة.
فعلى القول بعدم الفرق تبطل الصلاة، وعلى القول به يكون الحق ما قاله المفتى عن صح أنها مسكرة، وإلا صحت بها الصلاة مطلقاً.
قال: والذي
следующие страницы →