← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37340

يا صاحب الستين

علي بن دعجم

Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.

стр. 36

وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاعل ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل انتهى، من رسالة (يا .. ابن الأربعين) بختصار وزيادة يسيرة. الستون في الأدب والشعر مما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قوله: بلوتُ صروف الدهر ستين حجة ... وجربت حاليه من العسر واليسر فلم أر بعد الدين خيرا من الغني ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر وذكر ابن رجب هذا البيت: وإن المرء قد سار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب (١) ويذكر أن عراك بن مالك وأبا بكر بن حزم وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة كانوا يتجالسون بالمدينة زماناً، ثم إن ابن حزم صار إلى الإمارة فمر هو وعراك يوما بعبيد الله ولم يُسلما ولم يقفا به وكان

стр. 37

ضريراً فأخبر بذلك فأنشأ يقول (١). ألا أبلغا عني عراك بن مالك ... ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر لقد جعلت تبدو شواكل منكما ... كأنكما بي موقران من الصخر فكيف تريدان ابن ستين حجة ... على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر فمسا تراب الأرض، منها خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر ولا تعجبا أن تؤتيا وتكلما ... فما خشي الأقوام شرا من الكبرِ فطاوعتما بي عاذلاً ذا معاكسة ... لعمري لقد أورى وما مثله يوري فلولا اتقاء الله من قيل فيكما ... للمتكما لوماً أحر من الجمرِ وكان مما قاله ابن خفاجة لما بلغ الستين من عمره: ألا ساجل دموعي يا غمامُ ... وطارحني بشجوك يا حمامُ فقد وفيتها ستينَ حولاً

стр. 38

ونادتني ورائي هل أمام فيا شرخ الشباب ألا لقاء ... يبل به على ظميءٍ أوام وياظل الشباب وكنت تندى ... على أفياء سرحتك السلام ولخص هذا الشاعر خاتمة كبير السن سفيه العقل، فقال: وليس لمرءٍ بعد ما شابَ رأسه ... نجاحٌ بإتيان السَّفاهِ ولا عذرُ ذكر بعض من مات وهو في الستين وإن كان هذا الأمر لا يعني شيئا محدداً، ولكن أذكره استئناسا، على أن أغلب الناس - كما هو مشاهد ومنقول - يعيشون بين الستين إلى السبعين لحكم عظيمة. قال الترمذي الحكيم: الأصل العشرون: في حكمة قصر أعمار هذه الأمة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عمر أمتي من ستين إلى سبعين»، وقال ﷺ : «معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين ... ثم قصر أعمارهم لئلا يتلبسوا بالدنيا إلا قليلاً ولا يتدنسوا، فإن القرون الماضية كانت أعمارهم وأجسادهم وأرزاقهم على الضعف، كان أحدهم يعمر ألف سنة وجسمه ثمانون باعا ... فمنها وبطروا واستكبروا وأعرضوا عن الله فصب الله عليهم سوط عذاب، ... ثم لم يزل الناس ينقصون في الخلق والخلق والأجل والرزق إلى أن صارت هذه

стр. 39

الأمة آخر الأمم حتى يأخذوا من الدنيا أرزاقا قليلة بأجساد كمال، في مدة قصيرة حتى لا يأشروا ولا يبطروا، فهذا تدبير من الله رحمة لهذه الأمة، ثم ضوعفت لهم الحسنات فجعلت الحسنة الواحدة بعشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه من التضعيف إلا الله تعالى، وأيدوا باليقين، وأعطوا ليلة القدر .... » (١). وجاء في التحفة: (باب ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى سبعين ... قوله: عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين، قيل: معناه: عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة وانتهاؤه سبعون سنة وقل من يجوز سبعين، وهذا محمول على الغالب بدليل شهادة الحال فإن منهم من لم يبلغ ستين سنة ومنهم من يجوز سبعين ذكره الطيبي ﵀. وقال القارئ: (فالظاهر أن المراد به أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي مات فيه غالبُ الأمة ما بين العددين منهم سيد الأنبياء وأكابر الخلفاء كالصديق والفاروق والمرتضى وغيرهم من العلماء والأولياء مما يصعب فيه الاستقصاء) (٢). روى ابن جرير عن أسلم ﵁ مولى عمر ﵁ أنه قال: توفي عمر وهو ابن ستين سنة، قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل عندنا (٣).

стр. 40

عياض بن غنم ﵁، من المهاجرين الأولين شهد بدرًا وما بعدها وكان سمحا جوادا شجاعا، وهو أول من جاز درب الروم غازيا واستنابه أبو عبيدة ﵁ بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات عن ستين سنة. وكذلك عبد الله بن مظعون ﵁، الذي شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، مات وهو ابن ستين سنة. وخالد بن الوليد ﵁، عاش ستين سنة وقتل جماعة من الأبطال ومات على فراشه فلا قرت أعين الجبناء (١). وأسامة بن زيد ﵄، مات بالمدينة في آخر خلافة معاوية ﵁، وهو ابن ستين سنة (٢). وتوفيت حفصة ﵂ وهي يومئذ ابنة ستين سنة (٣). وعبد الله بن مسعود ﵁، مات عن ستين سنة (٤). والأوزاعي مات وله ستون سنة قال عبد الرحمن بن مهدي: ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة منه (٥). ومسلم ابن الحجاج النيسابوري الحافظ، أحد أركان الحديث

стр. 41

وصاحب الصحيح، مات وله ستون سنه (١). يقول ابن كثير عن محمود بن سبكتكين: الملك العادل الكبير المرابط المؤيد المنصور، صاحب بلاد غزنة ومالك تلك الممالك الكبار وفاتح أكثر بلاد الهند قهرا، وكاسر أصنامهم وأوثانهم وهنودهم وسلطانهم، مات وله من العمر ستون سنة ﵀. وكذلك عن ابن القيم: ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة، يطيلها جدا ويمد ركوعها وسجودها، وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، وكمل له من العمر ستون سنة ﵀ (٢). * * * محاذير في هذا السن، لابد من التصريح بها هذه بعض المحاذير التي لا تنبغي في هذا السن بالذات، والتصريح بها أولى من التلميح أو التعميم، وذك لوجودها عند البعض ... قيل لحكيم: أي شيء أشد؟ قال: دنو أجل وسوء عمل (٣). ١ - كثرة المزاح والكلام فيما لا ينفع في الآخرة والاشتهار به،

стр. 42

أو كثرة القصص والأخبار الدنيوية قليلة الفائدة والتي زاحم حفظها حفظ القرآن والسنة، فتجد أحدهم يحفظ مئات القصص والأخبار والاشعار التي لن تنفعه في الآخرة يوم عرض الأعمال، فتمنى الواحد زيادة حسنة أو نقص سيئة، ولكن هيهات، بل إنه ربما لا يحفظ جزءا من القرآن أو بعض الأحاديث أو شيئا من سيرة الرسول ﷺ والصالحين في كل زمان ومكان. ٢ - بذل الشهادة لكل من طلبها دون تأكد أو تثبت، وربما كانت بمقابل مالي أو معنوي في غير حق وبر، بل ربما شهادة زور أو قول زور يختم به حياته بما يغضب الله، ويلحق بهذا المحذور: الأيمان الكاذبة (الغموس) على أمر من أمور الدنيا كبير أو صغير. ٣ - التصابي والتجمل المبالغ فيه، لدرجة الوقوع في محظورات شرعية كحلق اللحية أو التخفيف الشديد منها، أو الصبغ بالسواد وغيرها من الأمور التي لا تحسن بالشاب المسلم فكيف بالشيخ الكبير، ولينظر بأي حال يريد أن يلقى الله وهو عليه في هيئته ومنظره ومخبره، فإنه (يُبعث كل عبدٍ على ما ماتَ عليه) رواه مسلم. قال هشام بن الحكم الثقفي: كان يقال: خمسة أشياء تقبح بالرجل: الفتوة في الشيوخ، والحرص في القراء، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والبخل في ذوي الأموال، والحدة في السلطان (١).

стр. 43

٤ - التعلق بالشهوات والإكثار من المباحات، كالتوسع في المناكح والمطاعم والمشارب والنوم الكثير نهاراً، والسهر ليلاً على ملهيات ومشغلات عن الله تعالى وعن معالي الأمور، قال المعري: جني ابن ستين على نفسه ... بالولد الحادث ما لا يحب تقول عرسُ الشيخ في نفسها ... لا كنتَ ياشر خليل صحب ما يصنع الشيخ بالعذراء يملكها؟ ... كجوزة بين فكي أدرد خرف إن رام يكسرها بالسن تثلمه ... وكسرها راحة للهائم الدنف ٥ - صحبة من لا تزيد صحبته إلا نقصا ممن لا يذكر إلا بالدنيا وملذاتها وحطامها الزائل، ولقد أمر الله تعالى بصحبة الصادقين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] قال الطبري: وكونوا في الدنيا من أهل ولاية الله وطاعته تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة، يعني مع من صدق الله الإيمان به (١). ونهى ﷺ عن صحبة غير المؤمن فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنا» (٢). وقال الإمام طاووس ﵀ لابنه: يا بني صاحب العقلاء

стр. 44

تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم (١). ٦ - كثرة الأسفار والرحلات غير المفيدة، وأشد من ذلك المحرمة أو التي تؤدي إلى محرم في مثل ما يسمى بالسياحة الخارجية والسفر إلى بلاد الإباحية والانحلال الخلقي لتمتيع ناظريه أو ما هو أسوأ من ذلك، أو أن يبرر لنفسه بأنه يعوض ما فاته كما يخدعه الشيطان. ٧ - زيادة الهلع والقلق على أمور المعاش، خصوصا إذا كان ذلك بعد انخفاض في موارده المالية بسبب التقاعد أو غيره، وليوقن بقوله ﷺ : «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها» (٢). وليحذر البخل والشح حال صحته واستطاعته وبالذات في آخر حياته، ولما سئل ﷺ عن أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» وفي لفظ: «وأنت حريص تأمل الغنى» أي قاربت الروح الحلقوم، والشح: بخل مع حرص، والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت (أي بالوصية) وفي المرض، لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا، لما يخوفه به الشيطان

стр. 45

ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال (١). ٨ - البدء في مشاريع ضخمة تستهلك وقته وجهده دون مشاركة أحد من أبناءه له في التنفيذ أو المتابعة بل لقد سمعتُ كثيرا من الآباء يشكو أبناءه: أنهم لا يساعدونه في شيء من تلك الأعمال وإنما قام بها من أجلهم، حتى إن بعضهم لما يئس من مساعدتهم قام بتصفيتها بأقل من تكلفتها الحقيقية نادماً على ما أضاع فيها من جهود وأوقات، عازماً على الاستمتاع بما بقي من طاقته وماله فيما يحب هو. * * * ما ينبغي لصاحب الستين فما فوق إن المرء المسلم ينبغي له أن يكون على ما يحبه الله تعالى في كل وقت، شابا كان أو شيخاً، لكن الأمر أكثر تأكيدا في حق كبير السن. لقد ذهب أكثر العمر في شأن الدنيا ولم يبق إلا القليل جداً من العمر فلنجعله أو أكثره في شأن الآخرة، فإنها والله الحياة الحقيقية كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] والمعنى: (لهي دار الحياة التي لا موت

стр. 46

فيها، ولا تنغيص يشوبها كما يشوب الحياة الدنيا) (١). ولأن الغالب (أن الشيخ قد حفظ العلوم والتجارب الكثيرة ومارس الأمور ودربها وكثرت تجاربه، وهذه الأحوال تعينه على وجوه الفكر وقوة النظر، فقامت مقام النقصان الحاصل بسبب ضعف البدن والقوى) (٢). فإن المطلوب منه تجاه الآخرين: بذلُ الرأي الحسن والمشورة الصادقة والتعليم النافع لمن دونه، فذلك منتظر منه أكثر من غيره. أما تجاه نفسه: فالاجتهاد في الذكر والاستغفار وألوان العبادة وملء الوقت بها مطلوب أكثر ممن هو دونه في السن. ولئن كان يطلب كل ذلك ممن بلغ هذا العمر فإنه لا يعني التبتل وترك الدنيا تماماً، فإن ذلك مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولكن المطلوب مزيد عناية بأمر الآخرة الباقية، والتخفف من الدنيا العاجلة الفانية. جاء عند البخاري أن ﷺ قال: «لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين: في حب الدنيا، وطول الأمل». وقال: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر» وعند مسلم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص على المال والحرص على العمر».

стр. 47

قال النووي: معنا أن قلب الشيخ كامل الحب للمال. محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه. وقال: والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص وبعد الأمل الذي هو في الشباب أكثر وبهم أليق، لكثرة الرجاء عادة عندهم في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا. قال القرطبي: في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود. وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين: أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول العمر، وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبا طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتد حبه له ورغبته في دوامه (١). ويستغرب أن يكون في بعض من بلغ هذا السن من لا زال معرضا سادراً، لكن وعيده عند الله عظيم ما لم يتب، خصوصا من أخبرنا رسول الله ﷺ أنه: «لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» رواه مسلم. وفي حديث آخر: «أشيمط زان» (٢).

стр. 48

قال القاضي عياض عن مثل هؤلاء: (سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه وعدم ضرورته إليها وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يعذر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة ولا دواع معتادة أشبه إقدامُهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى وقصد معصيته لا لحاجة غيرها، فإن الشيخ لكمال عقله وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء واختلال دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا ويخلى سره منه فكيف بالزنا الحرام؟ .... ) (١). ويذكر أن الربيع بن خثيم كان بالأهواز ومعه صاحب له فنظرت إليه امرأة فتعرضت له، فدعته إلى نفسها فبكى الشيخ، فقال صاحبه: ما يبكيك؟ قال: إنها لم تطمع في شيخين إلا رأت شيوخاً مثلنا (٢). قال المعري: وكم شيوخٍ غدوا بيضا مفارقُهم ... يسبحون، وباتوا في الخنا سبحا ألا فليتق الله كل مسلم وصاحب الستين – فأكثر – أولى بتقواه والاستعداد للقائه.

стр. 49

الخاتمة قال ﷺ : «إنما الأعمال بخواتيهما» [رواه البخاري]. قال المناوي عند شرح هذا الحديث: فعلى الخاتمة سعادة الآخرة وشقاوتها (١). جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»، قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله». وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الناس من طال عمره وحسن عمله» (٢). قال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة (٣). فمن عمره الله تعالى إلى أن بلغ الستين فأكثر، فليجعله كما مر معنا (سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى)، و (عمر التذكر والتوفيق). وختاماً أوجز أموراً ينبغي على المسلم الذي بلغه الله هذا العمر

стр. 50

أن يأتي بها ويحرص عليها منها: ١ - أن يكثر من أن يدعو الله تعالى ببعض ما ثبت عنه ﷺ بما يناسب هذه المرحلة، مثل: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» (١)، فإنه لا يدري: أيهما خير له، الموت أم الحياة؟ وكقوله ﷺ : «اللهم اجعل أوسع رزقك على عند كبر سني، وانقطاع عمري» قال المناوي: أي إشرافه على الانقطاع والرحيل من هذه الدار، فإن الإنسان عند الشيخوخة قليل القوة ضعيف الكد عاجز عن السعي فإذا وسع الله عليه رزقه حين ذلك كان عونا له على العبادة (٢). ٢ - أن يكثر من الذكر الاستغفار عن خطئه وتقصيره فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية (٣). وكما قال الشاعر: دعْ عنك ما قد فاتَ في عهد الصبا ... واذكر ذنوبكَ وابكِها يا مُذْنِبُ

стр. 51

٣ - أن يزيد من علمه اشرعي لمعرفة مراد الله تعالى، ويستدرك ما فاته، فإنه «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١). ولا أحصي عدد المرات التي سمعت فيها الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يقول عند شرحه هذا الحديث: ... إن من معاني هذا الحديث أن (من لم يرد الله به خيرا لا يفقهه في الدين). وهذا يشمل كل أحد حتى كبير السن، فإن العلم ليس له سن معين، بل الأمر كما قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة، وكان يقول: عن المحابر في أيدي طلاب العلم: هذه سرج الإسلام (٢). ولما قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله (٣). ويقول الغزالي: فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا جهلاً، فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها. وقال أيوب السختياني: أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه. وقيل لابي عمرو بن العلاء: أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير؟ فقال: إن كان الجهل يقبح به، فالتعلم يحسن به (٤).

стр. 52

٤ - أن يوجه قلبه وهمه إلى الدار الآخرة، حيث لم يبق إلا القليل، وليس بمقبول منه أفعال الشباب وفتوتهم، ولا أعنى أنه يهجر الدنيا ويتركها تماما ولكن كما ذكر سابقا، ينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة. وها هو الجاحظ يستنكر على شيخ لم يقدر لهذه المرحلة حق قدرها، فيقول: أترجو أن تكونَ وأنت شيخٌ ... كما قد كنتَ أيام الشباب لقد كذبتْكَ ليسَ ثوبٌ ... خليقٌ كالجديدِ من الثيابِ ٥ - أن يكتب وصيته وماله وما عليه، كما جاء في الحديث المتفق عليه: «ما حقُّ امرئ مسلم له شيءٌ يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه» ولكن عليه أن لا يجوز بأن يزيد أو ينقص في وصيته عما شرعه الله تعالى كأن يخص أحد الورثة بشيء أو يحرم آخرين، أو يوصي بأكثر من الثلث من ماله صدقة بعد موته لقوله ﷺ لسعد ﵁: «والثلث كثير» (١) أو كما قال ﷺ «إن الرجل ليعمل بطاعة الله أو المرأة ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضارَّان في الوصية فتجب لهما النار».

стр. 53

والحديث (فيه وعيد شديد وزجر بليغ وتهديد لأن مجرد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعددة، بلا شك أنها من أشد الذنوب لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم الضِّرار، فتكون الوصية المشتملة على الضرر مخالفة لما شرعه الله تعالى وما كان كذلك فهو معصية، وقد تقدم قريبا عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا بإسناد صحيح أن وصية الضرر من الكبائر، وذلك مما يؤيد معنى الحديث فما أحق وصية الضرار بالإبطال) (١). والمضارة هي إيصال الضرر بالحرمان أو بما يعد في الشرع نقصاناً إلى بعض من لا يستحق لولا هذه الوصية (٢). ٦ - أن يكثر من صلة الأرحام، وتعويض ما قصر فيه تجاههم فيما سلف، والإحسان إليهم لعل الخاتمة تنسي ما قبلها من تقصير أو إساءة. ٧ - أن يعمل على التحلل ممن أخطأ في حقهم بغيبة أو تعد على حقوق مالية أو معنوية قبل أن لا ينفعه مال ولا بنون. ٨ - أن يحرص على المكسب الحلال والمطعم والمشرب والملبس «أطيب مطعمك تستجب دعوتك» (٣).

стр. 54

٩ - أن يرسم لنفسه برنامجاً يومياً في الزيادة من الذكر والعبادة يستثمر فيه ما بقي من عمره – خصوصا الأوقات الفاضلة – بحيث لا يتراجع عن هذا البرنامج، ويجاهد نفسه أن لا يتركه، بل يزيد عليه، والأصل أن هذا حال المسلم في كل سن، لكن من وصل إلى هذا السن بها أولى. وأسوق هنا المعالم الأساسية في البرنامج اليومي لرجل صالح عايشته، وسمعت من جيرانه وبعض أقاربه: *الاستيقاظ قبل الفجر بزمن كافٍ ليصلي ما شاء الله له أن يصلي، ثم يوقظ أهل بيته عند الأذان ويذهب لصلاة الفجر، وبعدها يبقى في مصلاه ذاكرا حتى تطلع الشمس وترتفع فيصلي ركعتين رغبة في أجر حجة وعمرة تامة (١) كما صح عنه ﷺ . *الذهاب للمسجد قبل الأذان لقراءة القرآن وصلاة الرواتب والنوافل، وليكون في ميمنة الصف الأول خلف الإمام كما هو حاله دائماً. *صيام يومي الاثنين والخميس أو أحدهما من كل أسبوع. *الصلاة من الضحى ما ييسر الله له. *صلاة المغرب في مسجد فيه محاضرة أو درس علميٌّ ثلاث مرات في الأسبوع، وفي باقي أيام الأسبوع ربما بقي في المسجد القريب من بيته حتى ينتهي من صلاة العشاء في قراءة القرآن والذكر، لأنه قد تيقن أن المرء «إذا صلى لم تزل الملائكة تصلي

стр. 55

عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (١). *في بعض أيام الجمع يبقى في الجامع من صلاة الفجر إلى أن ينتهي من صلاة الجمعة، فإن لم يتيسر له ذلك فلا يفوته التفرغ التام للذكر آخر ساعةٍ من نهار الجمعة. *وهو يختم القرآن تلاوة كل شهر عدة مرات، ويكاد يختمه حفظاً، وهو لا يحدث بذلك ولكن القريبين منه يلحظون ذلك في استدلالاته، وعند فتحه على إمام نسي أو أخطأ في القراءة في الصلاة من أي موضع من القرآن. *لا يفوته أن يتصدق كل يوم ولو بشيء يسير، وربما اجتمع له في بعض الأيام الصدقة والصوم وعيادة المريض واتباع جنازة لعله ينال ما وعد به الرسول ﷺ في قوله: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» [رواه مسلم]. *وهكذا يكرر هذا الأعمال العظيمة أو أكثرها، فقد وجد فيها متعا لا يذوقها ولا يعرفها إلا من عاش مثلها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة). مع ملاحظة أنه لم يترك متابعة أمور أبنائه وبيته، ولكنه يفوض ويدرب أبناءه ويشرف عليهم، ويباشر أمور معاشه سويعات قليلة

стр. 56

ضحى وبعد العصر، لكن قلبه معلق بالمساجد والدار الآخرة. (١) وهو وغيره من الأخيار يعلمون أن أحسن الكلام كلام الله في كل شأن، فلم يترك الدنيا كلية بل اهتدي بقوله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. قال الحسن عندها: ما أحل الله لك منها، فإن لك فيه غنى وكفاية. وقال أيضا: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك. وقال الحسن وقتادة: معناه لاتضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ثم قال القرطبي: ويا ما أحسن هذا (٢). قال الإمام مسلم (باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، قوله ﷺ «إذا مات الانسانُ انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له،

стр. 57

إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف) (١). وأخيراً ليحرص صاحب الستين على أن يستمر عمله بعد موته بإحدى الثلاثة الأمور أو كلها التي ذكرها النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢). والحمد لله أولا وآخرا وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. * * *