وأحالهمْ في معْرفةِ أسْمائهِ وصفاتهِ على عقولهمْ وآرائهمْ، لا على كتابهِ، بلْ أرادَ منهمْ أنْ لا يحْملوا كلامهُ على ما يعْرِفونَ منْ خطابهمْ ولغتهم، معَ قدْرتهِ على أنْ يصرِّحَ لهمْ بالحقِّ الذي ينبغي التَّصْريحُ بهِ، ويريحهمْ مِنَ الألفاظِ التي توقعهمْ في اعْتقادِ الباطلِ، فلمْ يفعلْ، بلْ سلكَ بهمْ خلافَ طريقِ الهدى والبيانِ، فقدْ ظنَّ به ظنَّ السَّوءِ، فإنَّه إنْ قالَ: إنَّهُ غيرُ قادرٍ على التعْبيرِ عَنِ الحقِّ باللفظِ الصَّريحِ الذي عبَّر بهِ هوَ وسلفُهُ، فقدْ ظنَّ بقدْرتهِ العجزَ، وإنْ قالَ: إنَّهُ قادرٌ ولمْ يبيِّنْ، وعدَلَ عنِ البيانِ، وعَنِ التَّصْريحِ بالحقِّ إلى ما يوْهمُ، بلْ يُوقِعُ في الباطلِ المحالِ، والاعْتقادِ الفاسدِ، فقدْ ظنَّ بحكمتهِ ورحمتهِ ظنَّ السَّوء، وظنَّ أنَّهُ هوَ وسلفهُ عبَّروا عَنِ الحقِّ بصريحهِ دونَ اللهِ ورسولهِ، وأنَّ الهدى والحقَّ في كلامهم وعباراتهم. وأمَّا كلامُ الله، فإنَّما يؤخذُ منْ ظاهرهِ التَّشبيهُ، والتَّمثيلُ، والضَّلالُ، وظاهرُ كلامِ المتهوِّكين (١) الحيارى، هوَ الهدى والحقُّ، وهذا منْ أسوإ الظنِّ بالله، فكلُّ هؤلاءِ مِنَ الظَّانينَ بالله ظنَّ السَّوء، ومِنَ الظَّانينَ بهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهليةِ (٢).
الوجهُ الخامسُ:
أنَّ الذينَ يقولونَ: إنَّ الأخذَ بظاهرِ الكتابِ والسنَّةِ منْ أصولِ الكفرِ لا يعلمونَ ما هيَ الظواهرُ وأنَّهم يعتقدونَ شيئًا ظاهر النص. والواقع أنَّ النَّص لا يدلُّ عليهِ بحالٍ مِنَ الأحوالِ فضلًا عنْ أنْ يكونَ ظاهره. فبنوا باطلًا على باطلٍ، ولا شكَّ أنَّ الباطلَ لا يُبنى عليه إلَّا الباطل. ولو تصوَّروا معاني ظواهرِ الكتابِ والسنَّةِ على حقيقتها لمنعهم ذلكَ، منْ أن يقولوا ما قالوا.
стр. 326
وأصولُ الكفرِ يجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يحذرَ منها كلَّ الحذرِ، ويتباعدَ منها كلَّ التباعدِ ويتجنبُ أسبابها كلَّ الاجتنابِ، فيلزمُ على هذا القولِ المنكرِ الشنيعِ وجوبُ التباعدِ مِنَ الأخذِ بظواهرِ الوحي.
فتنفيرُ النَّاسِ وإبعادهم عنْ كتابِ الله، وسنَّةِ رسولهِ، بدعوى أنَّ الأخذَ بظواهرِهما منْ أصولِ الكفرِ هو منْ أشنعِ الباطلِ وأعظمهِ كما ترى.
وهذا كما ترى، وبما ذكرنا يتبيَّنُ أنَّ منْ أعظمِ أسبابِ الضَّلالِ، ادِّعاء أنَّ ظواهرَ الكتابِ والسنَّةِ دالَّةٌ على معانٍ قبيحةٍ، ليستْ بلائقةٍ. والواقعُ في نفسِ الأمرِ بُعدهَا وبراءتها منْ ذلكَ.
فنوصي «أنفسنا وإخواننا المسلمينَ بتقوى الله تعالى وعدمِ التهجُّم على الله تعالى وعلى كتابهِ بالدَّعاوى الباطلةِ والتمسُّكِ بنورِ الوحيِ الصحيحِ في المعتقدِ وغيرهِ، لأنَّ السلامةَ متحققةٌ في اتِّباع الوحي وليستْ متحققةً في شيءٍ غيره:
ونَهْجُ سبيلي واضحٌ لمن اهْتَدَى ... ولكنَّها الأهواءُ عَمَتْ فَأَعْمَتْ» (١)
وكلامُ الدسوقي «مع كونهِ ظلمًا لنا، يا ليتهُ كان كلامًا صحيحًا مستقيمًا، فكنَّا نحلله من حقِّنا ويستفادُ ما فيهِ مِنَ العلمِ!! ولكن فيهِ منْ تحريفِ كتابِ الله والإلحادِ في آياته وأسمائه، والكذبِ والظلمِ، والعدوان الذي يتعلق بحقوقِ اللهِ مما فيه؛ لكنْ إنْ عفونا عنْ حقِّنا، فحقُّ اللهِ إليهِ لا إلى غيرهِ» (٢).
السؤالُ الرابعُ
ما معنى قول السَّلفِ: أمِرُّوهَا كما جاءتْ بلا كيفٍ ؟
قولهمْ ﵃: «أمرُّوها كما جاءت» ردٌّ على المعطِّلة، وقولهمْ: «بلا كيفٍ» ردٌّ على الممثِّلةِ.
стр. 327
وسأل رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن فقال: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] كيفَ استوى؟ فقال: «الاستواءُ غيرُ مجْهولٍ، الكيفُ غيرُ معْقولٍ، ومِنَ الله الرسالة، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التَّصْديقُ» (١).
وقال رجلٌ للإمامِ مالكٍ: يا أبا عبدِ الله: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] كيفَ استوى؟ قال: «الكيفُ غيرُ معْقولٍ، والاستواءُ منهُ غيرُ مجْهولٍ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسُّؤالُ عنهُ بدعةٌ» (٢).
فقولُ ربيعةَ ومالكٍ: «الاسْتواءُ غيرُ مجْهولٍ، والكيفُ غيرُ معْقولٍ، والإيمانُ بهِ واجبٌ» موافقٌ لقولِ الباقينَ: «أمِرُّوها كما جاءتْ بلا كيفٍ»؛ فإنَّما نفوا علمَ الكيفيَّةِ، ولمْ ينْفوا حقيقةَ الصِّفةِ.
ولو كانَ القومُ قدْ آمنوا باللَّفظِ المجرَّدِ منْ غيرِ فهمٍ لمعْناه على ما يليقُ بالله؛ لما قالوا: «أمرُّوها كما جاءتْ بلا كيفٍ»؛ فإنَّ الاسْتواءَ حينئذٍ لا يكونُ معْلومًا؛ بلْ مجْهولًا بمنْزلةِ حروفِ المعجمِ.
وأيضًا؛ فإنَّه لا يحْتاجُ إلى نفيِ علمِ الكيفيَّةِ إذا لمْ يفهمْ عَنِ اللَّفظِ معنًى؛ وإنَّما يحْتاجُ إلى نفيِ علمِ الكيفيَّةِ إذا أثْبتت الصِّفاتُ.
وأيضًا؛ فإنَّ منْ ينْفي علوَّ الله على العرشِ والنزولَ لا يحْتاجُ أنْ يقولَ: بلا كيفٍ! فمنْ قال: إنَّ الله ليس على العرشِ. لا يحتاجُ أنْ يقولَ: «بلا كيفٍ»، فلو كانَ مذهبُ السَّلفِ التفْويضَ في المعْنى؛ لما قالوا بلا كيفٍ.
стр. 328
وأيضًا؛ فقولهم: «أمرُّوها كما جاءت»: يقتضي إبْقاءُ دلالتهَا على ما هي عليهِ، فإنَّها جاءتْ ألْفاظًا دالةً على معاني؛ فلو كانتْ دلالتهَا منْتفيةً؛ لكانَ الواجبُ أنْ يقالَ: «أمرُّوا لفظهَا مع اعْتقادِ أنَّ المفْهومَ منها غيرُ مرادٍ»، أو «أمرُّوا لفْظَهَا مع اعْتقادِ أنَّ الله لا يوصفُ بما دلَّتْ عليهِ حقيقةً». وحينئذٍ فلا تكونُ قدْ أُمرَّتْ كما جاءتْ، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيفٍ؛ إذْ نفيُ الكيفِ عمَّا ليسَ بثابتٍ لغوٌ مِنَ القولِ (١).
فلا يقالُ إنَّ السَّلفَ - رحمهم الله تعالى - تلقَّوا النُّصوصَ فلم يفهموها، ففوَّضوا معناها. ولا يجوزُ أن يشتملَ القرآنُ على ما لا يُعلمُ معناه (٢) - حاشاهم منْ ذلكَ - «بل كفُّوا عَنِ الثرثرةِ، والتشدُّقِ، لا عجزًا بحمدِ الله عَنِ الجدالِ والخصامِ، ولا جهلًا بطرقِ الكلامِ، وإنَّما أمسكوا عَنِ الخوضِ في ذلكَ عنْ علمٍ ودرايةٍ، لا عنْ جهلٍ وعمايةٍ» (٣).
السؤالُ الخامسُ
كيف استوى على العرش ؟
مِنَ المعلومِ أنَّ صفاتِ كلِّ موصوفٍ تناسبُ ذاتهُ وتلائمُ حقيقتهُ؛ فمنْ لم يفهمْ منْ صفاتِ الرَّبِّ - الذي ليس كمثله شيءٌ - إلَّا ما يناسبُ المخلوق فقدْ ضلَّ في عقلهِ ودينهِ.
فقولُ السَّائلِ: كيفَ استوى؟ بمنزلةِ قولهِ: كيفَ ينزلُ؟ وقولهِ: كيفَ يسمعُ؟ وكيفَ يبصرُ؟ وكيفَ يعلمُ ويقدرُ؟ وكيفَ يخلقُ ويرزقُ؟
فنحنُ نعلمُ معنى الاستواءِ ولا نعلمُ كيفيَّتهُ، ونعلمُ معنى السَّمعِ والبصرِ والعلمِ والقدرةِ، ولا نعلمَ كيفيَّةَ ذلكَ. ونعلم معنى الرَّحمةِ والغضب والرضا والفرحِ والضَّحكِ ولا نعلمَ كيفيَّةَ ذلكَ (٤).
стр. 329
قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: «ما صحَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالهُ فلا يقالُ فيهِ لِمَ وكيفَ» (١).
وقالَ البربهاريُّ ﵀: «ولا يقولُ في صفاتِ الربِّ: كيفَ؟ ولمَ؟ إلَّا شاكٌ في الله ﵎» (٢).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ ﵀: «وأنَّهُ استوى على العَرْشِ، بلا كَيْفٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى انتهى منْ ذلكَ إلى أنَّه استوى على العرشِ، ولم يَذْكُرْ كيفَ كانَ استواؤُهُ» (٣).
وقالَ عبدُ العزيز بن يحيى المكي ﵀ (٢٤٠هـ) في «الردِّ على الزنادقة والجهمية»: «فقال الجهميُّ: أخبرني كيفَ استوى على العرشِ؟ أهوَ كمَا يُقالُ: استوى فلانٌ على السريرِ، فيكون السريرُ قد حوى فلانًا وحدَهُ إذا كانَ عليهِ، فيلزمكَ أنْ تقولَ: إنَّ العرشَ قدْ حوى الله وحدَهُ إذا كانَ عليه، لأنَّا لا نعقلُ الشَّيءَ على الشيءِ إلَّا هكذا. قالَ: فيُقالُ لهُ: أمَّا قولكَ: كيفَ استوى؟ فإنَّ الله لا يجري عليهِ كيفَ، وقدْ أخبرنَا أنَّهُ استوى على العرشِ، ولم يخبرنا كيفَ استوى، فوجبَ على المؤمنينَ أنْ يصدِّقوا ربَّهم باستوائهِ على العرشِ، وحرَّمَ عليهم أنْ يصفوا كيفَ استوى، لأنَّهُ لمْ يخبرهمْ كيفَ ذلكَ، ولمْ ترهُ العيونُ في الدنيا فتصفهُ بما رأتْ، وحرَّمَ عليهم أنْ يقولوا عليهِ منْ حيثُ لا يعلمونَ، فآمنوا بخبرهِ عَنِ الاستواءِ، ثمَّ ردُّوا علمَ كيفَ استوى إلى الله» (٤).
стр. 330
وقال معمر بن أحمد الأصبهانيُّ ﵀ (٤١٨هـ): «جميعُ ما وردَ منَ الأحاديثِ في الصِّفاتِ؛ كلُّ ذلكَ بلا كيفٍ ولا تأويلٍ نؤمنُ بها إيمانَ أهلِ السلامةِ والتسليمِ، ولا نتفكَّرُ في كيفيَّتها، وساحةُ التَّسليمِ لأهلِ السنَّةِ، والسلامةُ واسعةٌ بحمدِ الله ومنِّهِ، وطلبُ السلامةِ في معرفةِ صفات الله أوجبُ وأولى، وأقِمنْ وأحرى، فإنَّه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فليسَ كمثلهِ شيءٌ: ينفي كلَّ تشبيهٍ وتمثيلٍ، وهو السميع البصير: ينفي كلَّ تعطيلٍ وتأويلٍ، فهذا مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ والأثرِ، فمنْ فارقَ مذهبهم فارقَ السنَّةَ، ومنِ اقتدى بهم وافقَ السنَّةَ، ونحنُ بحمدِ الله منَ المقتدينِ بهم، المنتحلينَ لمذاهبهم، القائلينَ بفضلهم، جمعَ اللهُ بيننا وبينهم في الدَّارينِ، فالسنَّةُ طريقتنا، وأهلُ الأثرِ أئمتنا، فأحيانا اللهُ عليها وأماتنا عليها برحمتهِ إنَّهُ قريبٌ مجيبٌ» (١).
وقال الحافظ إسماعيلُ بنُ محمدٍ التيميُّ ﵀ (٥٣٥هـ): «الاستواءُ معلومٌ كونهُ مجهولُ كيفيَّتهُ، واستواءُ نوحٍ على السفينةِ معلومٌ كونهُ معلومٌ كيفيَّتهُ؛ لأنَّهُ صفةٌ لهُ، وصفاتُ المخلوقينَ معلومةٌ كيفيَّتها. واستواءُ الله على العرشِ غيرُ معلوم كيفيَّتهُ؛ لأنَّ المخلوقَ لا يعلمُ كيفيَّةَ صفاتِ الخالقِ؛ لأنَّهُ غيبٌ ولا يعلمُ الغيبَ إلَّا الله، ولأنَّ الخالقَ إذا لمْ يشبه ذاتهُ ذاتَ المخلوقِ لمْ يشبه صفاتهُ صفات المخلوق. فثبتَ أنَّ الاستواءَ معلومٌ، والعلمُ بكيفيَّتهِ معدومٌ، فعلمهُ موكولٌ إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]» (٢).
وقال السفاريني ﵀:
السؤالُ السادسُ
هل مذهبُ السَّلفِ أسلمُ، ومذهبُ الخلفِ أحكمُ وأعلمُ ؟
شاعَ عندَ المتأخرينَ مِنَ المتكلِّمينَ: أنَّ طريقةَ السَّلفِ أسلمُ، وأنَّ طريقةَ الخلفِ أحكمُ، وهذا ليس بمستقيمٍ؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ طريقةَ السَّلفِ مجرَّدُ الإيمانِ بألفاظِ القرآنِ والحديثِ منْ غير فقهٍ في ذلكَ، وأنَّ طريقةَ الخلفِ هي استخراجُ معاني النُّصوصِ المصروفةِ عنْ حقائقها بأنواعِ المجازاتِ.
فجمعَ هذا القائلُ بينَ الجهلِ بطريقةِ السَّلفِ، والدَّعوى في طريقةِ الخلفِ.
ثمَّ هذا القولُ إذا تدبَّرهُ الإنسانُ وجدَهُ في غايةِ الجهالةِ؛ بلْ في غايةِ الضَّلالة.
أليسَ هذا صريحًا: أنَّ السَّلفَ كانوا ضالِّينَ عَنِ التوحيدِ والتنزيهِ وعَلِمَهُ المتأخرونَ؟! وهذا فاسدٌ بضرورةِ العلمِ الصحيحِ والدينِ المتينِ ... فيصفونَ إخوانهم بالفضيلةِ في العلمِ والبيانِ، والتحقيقِ والعرفانِ، والسَّلفَ بالنَّقصِ في ذلكَ والتقصيرِ فيهِ، أو الخطأ والجهلِ.
ولا ريبَ أنَّ هذا وإنْ لمْ يكنْ تكفيرًا للسَّلفِ، ولا تفسيقًا لهم، كان تجهيلًا لهم وتخطئةً وتضليلًا، ونسبةً لهم إلى الذنوبِ والمعاصي، وإنْ لم يكنْ فسقًا فزعمًا: أنَّ أهلَ القرونِ المفضولة في الشَّريعةِ أعلمُ وأفضلُ منْ أهلِ القرونِ الفاضلةِ.
ومِنَ المعلومِ بالضَّرورةِ لمنْ تدبَّرَ الكتابَ والسنَّةَ، وما اتَّفقَ عليهِ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ منْ جميعِ الطوائفِ: أنَّ خيرَ قرونِ هذهِ الأمَّةِ - في الأعمالِ والأقوالِ، والاعتقادِ وغيرهَا منْ كلِّ فضيلةٍ أنَّ خيرَها -: القرنُ الأوَّلُ، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، كما ثبتَ ذلكَ عَنِ النبيِّ ﷺ منْ غيرِ وجهٍ، وأنَّهم أفضلُ مِنَ الخلفِ في كلِّ فضيلةٍ: منْ علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادةٍ، وأنَّهم أولى بالبيانِ لكلِّ مُشْكِلٍ. هذا لا يدفعهُ إلَّا منْ كابرَ المعلومَ بالضَّرورةِ منْ دينِ الاسلامِ، وأضلَّهُ الله على علمٍ.
стр. 333
هذا وقدْ قال ﷺ : «لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا الذي بعدهُ شرٌّ منهُ، حتَّى تلقوا ربَّكم» (١). فكيفَ يحدثُ لنا زمانٌ فيهِ الخيرُ في أعظمِ المعلوماتِ وهو معرفةُ الله تعالى؟ هذا لا يكونُ أبدًا.
وما أحسن ما قالَ الشافعيُّ ﵀ في رسالتهِ: «هم فوقنا في كلِّ علمٍ وعقلٍ ودينٍ وفضلٍ، وكلِّ سببٍ يُنالُ به علمٌ أو يدركُ به هدًى، ورأيهم لنا خيرٌ منْ رأينا لأنفسنا» (٢).
وقالَ العلَّامةُ الشنقيطيُّ ﵀: قولهم: «إنَّ مذهبَ السَّلفِ أسلمُ، ومذهبَ الخلفِ أحكمُ وأعلمُ» فنقول:
أوَّلًا: وصفوا مذهبَ السَّلفِ بأنَّهُ أسلمُ، وهي صيغةُ تفضيلٍ مِنَ السَّلامةِ (٣) ومَا كانَ يفوقُ غيرهُ ويفضلهُ في السَّلامةِ فلا شكَّ أنَّهُ أعلمُ منهُ وأحكمُ.
ثانيًا: اعلموا أنَّ المؤولينَ ينطبقُ عليهم بيتُ الشافعيِّ ﵀:
رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ ... ومِنَ البِرِّ ما يَكُونُ عُقُوقًا
وإيضاحُ المقارنةِ: أنَّ منْ كانَ على معتقدِ السَّلفِ الصَّالحِ إذا سَمِعِ مثلًا قولَهُ تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] امتلأ قلبهُ مِنَ الإجلالِ والتَّعظيمِ والإكبارِ لصفةِ ربِّ العالمينَ التي مَدَحَ بها نفسَهُ وأثنى عليهِ بهَا، فجزمَ بأنَّ تلكَ الصِّفةِ التي تمدَّحَ بهَا خالقُ السمواتِ والأرضِ بالغةٌ مِنْ غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينهَا وبينَ صفاتِ الخلقِ.
стр. 334
وبإجلالِ تلكَ الصِّفةِ وتعظيمهَا وحملهَا على أشرفِ المعاني اللائقةِ بكمالِ منْ وَصَفَ بهَا نفسَهُ وجلالهُ، يسهلُ على المؤمنِ السَّلفيِّ أنْ يؤمنَ بتلكَ الصِّفةِ، ويثبتها لله كمَا أثبتهَا الله لنفسهِ على أساسِ التنزيهِ.
فيكونُ أوّلًا: منزِّهًا سالمًا منْ أقذارِ التَّشبيهِ.
وثانيًا: مؤمنًا بالصِّفاتِ، مصدِّقًا بها، على أساسِ التَّنزيهِ. فيكونُ سالمًا منْ أقذارِ التَّعطيلِ.
فيجمعُ بينَ التَّنزيهِ والإيمانِ بالصِّفاتِ على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فمعتقدهُ طريقُ سلامةٍ محقَّقةٍ؛ لأنَّهُ مبنيٌّ على ما تضمنتهُ آيةُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] الآية، مِنَ التَّنزيهِ، والإيمانِ بالصِّفاتِ.
فهوَ تنزيهٌ منْ غيرِ تعطيلٍ، وإيمانٌ منْ غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيلٍ.
وكلُ هذا طريقُ سلامةٍ محقَّقةٍ، وعملٌ بالقرآنِ. فهذا هوَ مذهبُ السَّلفِ.
وأمَّا ما يسمُّونهُ مذهبُ الخلفِ فالحاملُ لهم فيهِ على نفيِ الصِّفاتِ وتأويلها: هو قصدهم تنزيهُ الله عنْ مشابهةِ الخلقِ.
ولكنَّهمْ في محاولتهم لهذا التنزيهِ وقعوا في ثلاثِ بلايا، ليستْ واحدةً منها إلَّا وهي أكبرُ منْ أختها:
الأولى: منْ هذهِ البلايا الثلاث: أنَّهم إذا سمعوا قولَ الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] زعموا أنَّ ظاهرَ الاستواءِ في الآيةِ هو مشابهةُ استواءِ المخلوقينَ. فتهجَّموا على ما وصفَ اللهُ بهِ نفسَهُ في محكمِ كتابهِ، وادَّعوا عليهِ أنَّ ظاهرَهُ المتبادر منهُ هو التَّشبيهُ بالمخلوقينَ في استوائهم.
فكأنَّهم يقولونَ لله: هذا الاستواءُ الذي أثنيتَ بهِ على نفسكَ في سبع آياتٍ منْ كتابكَ ظاهرهُ قذرٌ نجسٌ لا يليقُ بكَ لأنَّهُ تشبيهٌ بالمخلوقينَ، ولاَ شيءَ مِنَ الكلامِ أقذرُ وأنجسُ منْ تشبيهِ الخالقِ بخلقِه! سبحانكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ!
стр. 335
وهذهِ هي البَلِيَّةُ الأولى التي هيَ التَّهجُّمُ على نصوصِ الوحيِ وادِّعاءُ أنَّ ظاهرَها تشبيهُ الخالقِ بالمخلوقِ، وناهيكَ بهَا بليَّة.
ثمَّ لمَّا تقرَّرتْ هذه البليَّةُ في أذهانهمْ، وتقذَّرتْ قلوبهمْ بأقذارِ التَّشبيهِ، اضطروا بسببها إلى نفيِ صفةِ الاستواءِ فرارًا منْ مشابهةِ الخلقِ التي افتروها على نصوصِ القرآن أنَّها هي ظاهرها.
ونفيُ الصِّفةِ التي أثنى الله بها على نفسِهِ منْ غيرِ استنادٍ إلى كتابٍ أو سنةٍ هو البليَّةُ الثانيةُ التي وقعوا فيها.
فحملوا نصوصَ القرآنِ أوَّلًا على معانٍ غيرُ لائقةٍ بالله، ثمَّ نفوهَا منْ أصلهَا، فرارًا مِنَ المحذورِ الذي زعموا.
والبليَّةُ الثالثةُ: أنَّهمْ يفسِّرونَ الصِّفةَ التي نفوهَا بصفةٍ أخرى، منْ تلقاءِ أنفسهم، منْ غيرِ استنادٍ إلى وحيٍ؛ معْ أنَّ الصِّفةَ التي فسَّرها بها هي بالغةٌ غايةَ التَّشبيهِ بالمخلوقينَ. فيقولون ﴿اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ظاهرهُ مشابهةُ استواءِ المخلوقينَ. فمعنى ﴿اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: استولى، ويستدلون بقولِ الراجزِ في إطلاقِ الاستواءِ على الاستيلاءِ:
قد استوى بِشْرٌ عَلَى العِراقِ ... من غير سَيفٍ وَدَمٍ مهراقِ
ولا يدرونَ أنَّهم شبَّهوا استيلاءَ الله على عرشهِ الذي زعموهُ باستيلاءِ «بِشْرِ بنِ مروانَ» على العراقِ!!
فأيُّ تشبيهٍ بصفاتِ المخلوقينَ أكبرُ منْ هذا؟! وهلْ يجوزُ لمسلمٍ أنْ يشبِّهَ صفةَ الله التي هي الاستيلاءُ المزعومُ بصفةِ بشرٍ التي هيَ استيلاؤهُ على العراقِ؟
وصفةُ الاستيلاءِ منْ أوغلِ الصِّفاتِ في التَّشبيهِ بصفاتِ المخلوقينَ، لأنَّ فيها التَّشبيهَ باستيلاءِ مالكِ الحمارِ على حمارهِ، ومالكِ الشَّاةِ على شاتهِ ويدخلُ فيها كلُّ مخلوقٍ قهرَ مخلوقًا واستولى عليه.
وفي هذا منْ أنواعِ التَّشبيه ما لا يحصيهِ إلَّا الله.
стр. 336
فإنْ زعمَ مَنْ شَبَّهَ أولًا، وعطَّلَ ثانيًا، وشبَّه ثالثًا أيضًا، أنَّ الاستيلاءَ المزعومَ منزَّهٌ عنْ مشابهةِ استيلاءِ المخلوقينَ.
قلنا لهُ: نحنُ نسألك ونطلبُ منكَ الجوابَ بإنصافٍ: أيُّهمَا أحقُّ بالتَّنزيهِ عنْ مشابهةِ الخلقِ! الاستواءُ الذي مَدَحَ الله بهِ نفسَهُ في محكمِ كتابهِ وهو في نفسِ القرآنِ الذي يتلى، ولتاليهِ بكلِّ حرفٍ منهُ عشرُ حسنَاتٍ، لأنَّهُ كلامُ الله، أمِ الأحقُّ بالتَّنزيهِ هو الاستيلاءُ الذي جئتمْ بهِ منْ تلقاءِ أنفسكمْ منْ غيرِ استنادٍ إلى وحيِ؟.
ولا شَكَّ أنَّ الجوابَ الحقَّ: أنَّ اللَّفظَ الواردَ في القرآنِ أحقُّ بالتَّنزيهِ والحملِ على أشرفِ المعاني وأكملها، منَ اللَّفظِ الذي جاءَ بهِ معطِّلٌ مِنْ كِيسِهِ الخاص، لا مستندَ لهُ مِنَ الوحيِ!
وبهذهِ الكلماتِ القليلةِ يظهرُ لكمُ: «أنَّ مذهبَ السَّلفِ أسلمُ وأحكمُ وأعلمُ» (١) وأهدى إلى الطريق الأقوم. ومذهبُ الخلفِ - الذي هو التأويلُ - بدعةٌ أحدثها المنتحلونَ وتمسَّكَ بها المبطلونَ (٢).
السؤالُ السابعُ
هل التحدُّث بآياتِ الصفاتِ وأحاديثها فيه تلبيسٌ على العامَّةِ وفتنةٌ لهم، وفيه تمزيقُ وحدة الأمَّةِ؟
اعلمْ - بارك الله فيك - بأنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ ينكرونَ على السلفيينَ التحدُّثَ بأحاديثِ الصِّفاتِ، زاعمينَ أنَّهُ فتنةٌ على العامَّةِ، وفيه مِنَ الإضلالِ وتمزيقِ وحدة الأمَّةِ.
وهذا الكلامُ باطلٌ منْ وجهينِ:
الأولُ:
أنَّ النبي ﷺ كان يتلو آياتِ الصِّفاتِ ويتكلَّمُ بكلامهِ الذي فيهِ خبرٌ عَنِ الله تعالى وصفاتهِ، وكانَ يغشاهُ عليه الحضريُّ والبدويُّ، فلو كانَ بيانُ توحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ تلبيسًا على العامَّةِ لم يتفوَّه النبيُّ ﷺ بشيءٍ منْ ذلكَ.
стр. 337
و «منْ زعمَ: أنَّ إطلاقَ ما أطلقهُ رسولُ الله ﷺ على الله ، في مجالسهِ الشريفةِ، ومجامعهِ المنيفةِ ممنوعٌ لنا، ومنهيٌّ عنه؛ فقدْ أتى بابًا كبيرًا، منْ أبوابِ إساءةِ الأدبِ بالله وبرسوله. ولم يَكُنِ الله ولا رسولهُ، قطٌّ: عاجزينَ عنْ أنْ لا يأتيا بهذه الألفاظِ الموهمةِ: للتَّجسيم والتَّشبيه. بلْ قالا مَا يكونُ صريحًا في التَّنزيهِ والتَّقديسِ.
فهذا الزعمُ - منْ أهلِ التَّأويلِ، والكلامِ -: منْ أبطلِ الباطلاتِ، وأنكرِ المنكراتِ.
ونحنُ إذا تلونَا قولَه سبحانهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *﴾ [الإخلاص: ٤] تلاشَتْ شُبَهُ التمثيلِ والتكييفِ، بحذافيرهَا. ولم يبقَ لشيءٍ مِنَ التجسيمِ والتشبيهِ مَسَاغٌ.
فنحنُ نسبِّحهُ ونقدِّسهُ عنْ جميعِ سماتِ النَّقصِ، والزوالِ. ونثبتُ لهُ ما أثبتهُ لنفسهِ المقدَّسة، ووصفهُ بهِ رسولهُ - فيمَا صحَّ عنهُ، روايةً - وهذا هوَ مختارُ جمهورِ السَّلف، ومشربُ الصالحينَ مِنَ الخلفِ. ومنْ خالفَ ذلكَ: فقدْ خالفَ هذه الشريعةَ، بلِ الشرائعَ كلَّها» (١).
الثاني:
القولُ بأنَّ بيانَ صفاتِ الله تعالى بدونِ تعطيلها وبدونِ تحريفِ نصوصها فيهِ إضلالٌ وتمزيقٌ لوحدةِ الأمَّةِ، قولٌ في غايةِ السفاهةِ والفسادِ، فإنَّ المتكلِّمينَ مِنَ الجهميَّةِ المعطِّلةِ هم الذين مزَّقُوا وحدةَ هذهِ الأمَّةِ، وأتوا بضلالِ التَّعطيلِ وإضلالِ التَّحريفِ.
وأمَّا السَّلفيُّون فهم بحمدِ اللهِ يدعونَ النَّاس إلى ما كان عليه سلفُ هذهِ الأمَّةِ ولا يجمعُ شملُ هذهِ الأمَّة إلَّا بتوحيدِ العقيدةِ وتوحيدِ الصُّفوفِ. وهذا لا يمكنُ إلَّا بالتمسُّكِ بالكتابِ والسنَّةِ وما عليهِ أئمَّةُ هذهِ الأمَّةُ في العقائدِ والأعمالِ (٢).
стр. 338
ونحنُ نقولُ: لا مخافةَ على العَامَّةِ منْ فهمِ الاستواءِ فهمًا فاسدًا. فإنَّ كتابَ الله وسنَّة نبيِّه ﷺ قدْ تلقتهما الأمَّةُ بالقبولِ والتَّسليمِ ولم يُتَطَرَّقْ إلى أذهانِ أحدٍ منهم هذا المفهومُ الخاطئُ، وإنَّما يُخَافُ على العَّامةِ منْ تأويلاتِ أهلِ الكلامِ ودعاويهم الباطلةِ. الذين يرددون في مجالسهم: «كانَ اللهُ ولا مكان وهو الانَ على ما عليهِ كان» و «إنَّ الله خلقَ العرشَ إظْهارًا لقدْرتهِ ولمْ يتخذه مكانًا لذاتهِ» وأمثال هذا الهذيان الذي هوَ منْ وحيِّ الشَّيطانِ.
السؤالُ الثامنُ
هل آياتُ الصِّفاتِ مِنَ المتشابَه ؟
اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ أهلَ الكلامِ جعلوا آياتِ الصفاتِ مِنَ المتشابَهِ التي لا يعلمُ معناها إلَّا الله .
وهذا افتراءٌ قبيحٌ، وبهتٌ صريحٌ، وكذبٌ شنيعٌ، وتقوُّلٌ فظيعٌ، وضلالٌ وإضْلالٌ. وهذا يتبيَّنُ منْ وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ:
أنَّ الله قالَ في كتابهِ العزيزِ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا *﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ *﴾ [ص: ٢٩]، وقال ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ *﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا *﴾ [النساء: ٨٢].
فالله «قدْ أمرَ بتدبُّر القرآنِ مطلقًا، ولم يستثن منهُ شيئًا لا يتدبَّر، ولا قالَ: لا تدبَّروا المتشابه، والتدبُّر بدونِ الفهمِ ممتنعٌ، ولو كانَ مِنَ القرآنِ ما لا يُتَدبَّر لم يعرفْ، فإنَّ الله لم يميِّز المتشابه بحدٍ ظاهرٍ حتَّى يجتنبَ تدبُّرُه» (١).
فمنْ جعلَ السَّابقينَ الأوَّلِينَ مِنَ المهاجرينَ والأنصارِ والتَّابعينَ لهم بإحسانٍ غير عالمين بمعاني القرآن جعلهم بمنزلةِ الكفَّارِ والمنافقينَ فيما ذمَّهم الله تعالى عليه (١).
السادسُ:
أنَّ الله تعالى قالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
ولوْ لمْ يكنِ القرآنُ مفهومًا ومعلومًا لمْ يكنْ كافيًا ولمْ يكنْ برهانًا.
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: ومِنَ المحالِ أن يكونَ الكتابُ الذي يخالفهُ صريحُ العقلِ كافيًا، وإنما يكون كافيًا لمنْ قدَّمهُ على كلِّ معقولٍ ورأيٍّ وقياسٍ وذوقٍ، وحقيقةٍ وسياسةٍ، فهذا الكتابُ في حقِّهِ كافٍ لهُ، كما أنَّهُ إنَّما يكونُ رحمةً وذكرى لهُ دونَ غيرهِ، وأمَّا منْ أعرضَ عنهُ أو عارضهُ بآراءِ الرجالِ فليس بكافٍ لهُ ولا هو في حقِّهِ هدًى ولا رحمةً، بلْ هوَ مِنَ الذين آمنوا بالباطلِ وكفروا بالله (٢).
السابعُ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
فإنَّهُ يدلُّ على أنَّهُ يبيِّنُ للنَّاسِ جميعَ ما نُزِّلَ إليهم فيكونُ جميعُ المنزل مبينًا عنه يمكنُ معرفتهُ وفهمهُ، وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] يدلُّ على ذلكَ، فإنَّ التفكُّرَ طريقٌ إلى العلمِ وما لا يمكنُ العلمُ بهِ لا يؤمرَ بالتفكُّرِ فيهِ.
الثامنُ:
стр. 342
قولُهُ تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *﴾ [الأعراف: ٣]، وقولُهُ تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦].
ومعلومٌ أنَّ اتباعَ ما أمرهم الله تعالى مِنَ الكتاب والحكمة إنَّما يمكنُ بعدَ فهمهِ وتصوُّرِ معناه، ومَا كانَ مِنَ الكلامِ لا يمكنُ أحدًا فهمهُ لمْ يمكن اتباعهُ، بلْ كانَ الذي يسمعهُ كالذي لا يسمعُ إلَّا دعاءً ونداءً، وإنَّما الاتباعُ لمعاني الكلامِ.
التاسعُ:
قولُهُ تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
ومعلومٌ أنَّ حكمَ الله بالكتابِ أو حكمَ الكتابِ بين المختلفين لا يمكنُ إلَّا إذا عرفوا ما حكمَ بهِ مِنَ الكتابِ، وما تضمَّنهُ الكتابُ مِنَ الحكمِ، وذلكَ إنَّما يمكنُ إذا كانَ ممَّا يمكنُ فهمُ معناهُ وتصوُّرُ المرادُ بهِ دونَ ما يمتنعُ ذلكَ منهُ.
العاشرُ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
قال المفسِّرونَ: لو جعلهُ قرآنًا أعجميًا لأنكروا ذلكَ، وقالوا: هلَّا بَيَّنْتَ آياتهِ بلغةِ العربِ لنفهمهُ، أقرآنٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ؟! (١).
стр. 343
فقدْ بيَّن أنَّه لو جعلهُ أعجميًا لأنكروهُ، فجعلهُ عربيًا ليفهمَ معناهُ، وليندفعَ مثلُ هذا القولِ، ومعلومٌ أنَّه لو كان أعجميًا لأمكنهم التَّوصلُ إلى فهمهِ بأنْ يترجمَ لهم مترجمٌ، إمَّا أنْ يسمعَهُ مِنَ الرسولِ ويترجمهُ، أو يحفظهُ لهم أعجميًا ثمَّ يترجمهُ لهم، كما أنَّ مِنَ العجمِ منْ يحفظُ القرآنَ عربيًا ولا يفهمُ، ويُتَرْجَمُ لهُ، وأمَّا إذا كان عربيًا لا يمكنُ أحدًا أنْ يفهمهُ لا الرسولُ ولا المرسلُ إليهم فإنكارُ هذا أعظمُ منْ إنكارِ كونهِ أعجميًا، وإذا كان الله تعالى قدْ بيَّن أنَّه لا يفعلُ الأوَّلَ فهوَ ألَّا يفعل هذا أولى وأحرى.
الحادي عَشَرَ:
أنَّ الله تعالى وصفَ آياتِ القرآنِ بقولهِ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقولُهُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].
وما لا يمكن فهمهُ فإنَّهُ لم يُحْكَمْ، ولم يُفَصَّلْ، ولم يبَيَّنْ.
الثاني عَشَرَ:
أنَّ الله مدحَ القرآنَ وبيَّنَ اشتماله على علمهِ، كمَا قالَ : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦].
وإذا كانَ كذلكَ دلَّ على أنَّ ما فيهِ منَ العلمِ لمْ يستأثرِ الله تعالى بهِ بلْ أنزلهُ إلى عبادهِ وعلَّمهم إيَّاه، وهوَ منْ علمهِ الذي قالَ فيهِ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهذا لا يكونُ إلَّا إذا أمكنَ فهمُ معناه، وإلَّا فاللَّفظُ الذي لا يمكنُ فهمُ معناه لا علمَ فيهِ لأحدٍ، ومثلُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤].
الثَّالِثُ عَشَرَ:
стр. 344
وأيضًا فالكلامُ إنَّما المقصودُ بهِ الإفهامُ، فإذا لمْ يُقصدْ بهِ ذلكَ كان عبثًا وباطلًا، والله تعالى قدْ نزَّهَ نفسَهُ عنْ فعلِ الباطلِ والعبثِ. فكيفَ يقولُ الباطلَ والعبثَ ويتكلَّمُ بكلامٍ ينزلهُ على خلقهِ لا يريدُ بهِ إفهامهم؟! (١).
الرابع عَشَرَ:
أنَّ الله تحدَّى العربَ بالقرآنِ، ولوْ لمْ تكنْ معانيه معلومةً لديهم لمْ يصحَّ أنْ يتحدَّاهم بهِ.
الخامس عَشَرَ:
إنَّ الصَّحابةَ والتَّابِعينَ قد تكلَّموا في معاني آياتِ الصفاتِ بل قدْ فَسَّروا جميعَ القرآنِ وعلِموا معانيه.
قال شيخ الإسلام ﵀: «فالسَّلفُ مِنَ الصَّحابةِ والتابعينَ وسائرِ الأمَّةِ قدْ تكلَّموا في جميعِ نصوصِ القرآنِ: آياتُ الصفاتِ وغيرهَا، وفسَّروها بما يوافقُ دلالتها وبيانها، ورووا عَنِ النبيِّ ﷺ أحاديثَ كثيرةً توافقُ القرآنَ، وأئمَّةُ الصَّحابةِ في هذا أعظمُ منْ غيرهم» (٢).
قال ابنُ مسعود ﵁: «والله الذي لا إلَه غيرُه ما أنزلت سورةٌ منْ كتابِ الله إلَّا أنا أعلمُ أينَ أنزلتْ، ولا أنزلتْ آيةٌ منْ كتابِ الله إلَّا أنَا أعلمُ فيما أنزلتْ، ولو أعلمُ أحدًا أعلَمَ مني بكتاب الله تبلغه الإبلُ لركِبْتُ إليه» (٣).
وقال ﵁: «كُنَّا إذا تَعَلَّمْنَا من النَّبيِّ ﷺ عشرَ آيات مِنَ القرآنِ لم نتعلَّم مِنَ العشرِ الذي نزلت بعدها حتَّى نعلم ما فيه» (٤).
فالصَّحابة ﵃ نقلوا عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهم كانوا يتعلَّمُون منهُ التفسيرَ مَعَ التلاوةِ، ولم يذكرْ أحدٌ منهم عنه قطٌ أنه امتنع من تفسير آية (٥).
стр. 345
فمنْ قالَ إنَّ جبريلَ ﵇ ومحمدًا ﷺ والصَّحابةَ والتابعينَ وسلفَ الأمَّةِ كانوا يقرءونَ نصوصَ الصِّفاتِ ولا يعرفونَ لها معنًى بلْ معناها ممَّا استأثرَ الله بهِ فقدْ كذبَ على القومِ، والنُّقولُ المتواترةُ عنهم تكذِّب هذا الزعمَ (١).
السَّادس عَشَرَ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِيَ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *﴾ [سبأ: ٥]. فلولاَ أنَّهم عرفوا معنى ما أنزلَ كيفَ عرفوا أنَّه حقٌ أو باطلٌ، وهل يحكمُ على كلامٍ لم يُتَصَوَّر معناه أنَّهُ حقٌّ أو باطلٌ؟ (٢).
السابعُ عَشَرَ:
قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ *﴾ [الطارق: ١٣] أي: فاصلٌ يفصلُ بينَ الحقِّ والباطلِ، فكيفَ يكونُ فصلًا إذا لم يكنْ إلى معرفةِ معناه سبيلٌ؟ (٣).
الثامنُ عَشَرَ:
أنَّ اللهَ يَسَّرَ القرآنَ للذِّكرِ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *﴾ [القمر: ١٧]. وتيسيرهُ للذِّكرِ يتضمَّنُ أنواعًا مِنَ التيسيرِ:
إحداها: تيسيرُ ألفاظهِ للحفظِ.
الثاني: تيسيرُ معانيهِ للفهمِ.
الثالث: تيسيرُ أوامرهِ ونواهيهِ للامتثالِ.
стр. 346
ومعلومٌ أنَّه لو كانَ بألفاظٍ لا يفهمهَا المخاطَبُ، لم يكنْ ميسَّرًا لهُ، بلْ كانَ معسَّرًا عليهِ، فهكذا إذا أريدَ مِنَ المخاطَبِ أنْ يفهمَ مِنْ ألفاظهِ ما لا يدلُّ عليهِ مِنَ المعاني، أو يدلُّ على خلافهِ فهذا منْ أشدِّ التعسيرِ، وهوَ منافٍ للتيسيرِ؛ فإنَّه لا شيءَ أعسرُ على الأمَّةِ منْ أنْ يرادَ منهمْ أن يفهموا منْ آياتِ الصِّفاتِ ما لا تدلُ عليهِ، بل تَدلُّ على خلافهِ ويقولُ: اعلموا يا عبادي أنِّي أردتُ منكم أنْ تعلموا أنِّي لستُ فوقَ العالمِ، ولا تحتَهُ، ولا فوقَ عرشي، ولا ترفعُ الأيدي إليَّ ولا يعرجُ إليَّ شيءٌ، ولا ينزلُ منْ عندي شيءٌ منْ قولي: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]. ومن قولي: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. ومنْ قولي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ومنْ قولي: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]. ومنْ قولي: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. ومنْ قولي: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ومنْ قولي: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١]. ومنْ قولي: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]. ومنْ قولي: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. ومنْ قولي: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
ومن افترائهم عليه: ما ذكرهُ الكتاني في كتابه: «فهرس الفهارس» نقلًا عنْ أبي عبد الله المقري حيثُ قالَ عنْ شيخ الإسلام: كانَ لهُ مقالاتٌ شنيعةٌ منْ إمرارِ حديثِ النزولِ على ظاهرهِ وقوله فيه: كنزولي هذا (١).
ومن ذلك: ما يدعيهِ أبو بكر الحصني في كتابه: «دفع شبه منْ شبَّه وتمرد» (ص٤١): أنَّ ابن تيميةَ كانَ يجلسُ في صحنِ الجامع الأموي فذكر ووعظ وتعرَّض لآياتِ الاستواءِ ثمَّ قال: واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا.
وفيما يلي نوردُ قطوفًا دانيةً منْ كلامهِ، وظلالًا وارفةً منْ بيانهِ، تتضمنُ دفاعًا عنهُ.
١ - إنَّ اللهَ تعالى فوقَ العالمِ مباينٌ لهُ، والمخلوقاتُ لا تحصرهُ ولا تحوزهُ ولا يفتقرُ إلى العرشِ ولا غيرهِ، مَعَ أنَّهُ عالٍ عليهَا مباينٌ لها، وليسَ مماثلًا لها، ولا يجوزُ عليهِ ما يجوزُ عليها (٢).
٢ - إنَّ الله تعالى فوقَ العرش، وليسَ هو داخلًا في العرشِ، ولا هوَ مفتقرٌ إلى العرشِ؛ بل هوَ الحاملُ بقوَّتهِ للعرشِ ولحملةِ العرشِ، فكيفَ يلزمُ على هذا أنْ يكونَ داخلًا في العرشِ أو مفتقرًا إليهِ؟! (٣).
٣ - الخالقُ فهو الغنيُّ عمَّا سواهُ، فلا يفتقرُ في شيءٍ منْ ذاتهِ وصفاتهِ وأفعالهِ إلى أمرٍ منفصلٍ عنهُ، بلْ كلُّ ما كانَ منفصلًا عنهُ فهوَ مفتقرٌ إليهِ، وهوَ سبحانهُ غنيٌّ عَنْ ذلكَ المنفصلِ الذي هو مفتقرٌ إليهِ، فلا يحتاجُ فيمَا يجددُهُ منْ أفعالهِ القائمةِ بنفسهِ التي يريدهَا ويقدرُ عليهَا إلى أمرٍ مستغنٍ عنهُ (٤).
стр. 349
٤ - إنَّ الله لا يماثلُ غيرهُ في شيءٍ مِنَ الأشياءِ حتَّى يتساويا في حكمِ القياسِ، بل هو سبحانهُ أحقُّ بكلِّ حمدٍ، وأبعدُ عنْ كلِّ ذمٍّ، فمَا كانَ منْ صفاتِ الكمالِ المحضةِ التي لا نقصَ فيهَا بوجهٍ مِنَ الوجوهِ، فهو أحقُّ به منْ كلِّ ما سواهُ، وما كانَ منْ صفاتِ النَّقصِ فهوَ أحقُّ بتنزيههِ عنهُ منْ كلِّ مَا سواهُ (١).
٥ - الرُّوحُ توصفُ بأنَّها تعرجُ إذا نامَ الإنسانُ، وهيَ مَعَ هذا في بدنِ صاحبها لمْ تفارقهُ بالكليَّةِ ... فهذا الصُّعودُ الذي توصفُ به الرُّوحُ لا يماثلُ صعودَ المشهوداتِ، فإنَّها إذا صعدتْ إلى مكانٍ فارقتْ الأوَّلَ بالكليَّةِ، وحركتهَا إلى العلوِّ حركةُ انتقالٍ منْ مكانٍ إلى مكانٍ، وحركةُ الرُّوحِ بعروجهَا وسجودهَا ليسَ كذلكَ.
فالرَّبُّ سبحانهُ إذا وصفهُ رسولهُ ﷺ بأنَّهُ ينزلُ إلى سماءِ الدنيا كلَّ ليلةٍ، وأنَّهُ يدنو عشيةَ عرفةَ إلى الحجَّاجِ: لم يلزمْ منْ ذلكَ أنْ تكونَ هذه الأفعالُ منْ جنسِ ما نشاهدهُ منْ نزولِ هذهِ الأعيانِ المشهودةِ، حتَّى يقالَ: ذلكَ يستلزمُ تفريغَ مكانٍ وشغلَ آخر، فإنَّ نزولَ الرُّوحِ وصعودها لا يستلزمُ ذلكَ فكيفَ بربِّ العالمينَ؟! وكذلكَ الملائكةُ لهم صعودٌ ونزولٌ منْ هذا الجنسِ.
فلا يجوزُ نفيُ ما أثبتهُ الله ورسولهُ مِنَ الأسماءِ والصِّفاتِ، ولا يجوزُ تمثيلُ ذلكَ بصفاتِ المخلوقاتِ، لا سيَّما ما لا نشاهدهُ مِنَ المخلوقاتِ. فإنَّ ما ثبتَ لمَا لا نشاهدهُ مِنَ المخلوقاتِ مِنَ الأسماءِ والصفاتِ ليسَ مماثلًا لما نشاهدهُ منها فكيفَ بربِّ العالمينَ الذي هو أبعدُ عنْ مماثلةِ كلِّ مخلوقٍ منْ مماثلةِ مخلوقٍ لمخلوقٍ؟! وكلُّ مخلوقٍ فهوَ أشبهُ بالمخلوقِ الذي لا يماثلهُ مِنَ الخالقِ بالمخلوقِ سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ علوًا كبيرًا (٢).
стр. 350
٦ - الذي يجبُّ القطعُ بهِ أنَّ الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في جميع ما يصفُ بهِ نفسهُ، فمنْ وصفهُ بمثلِ صفاتِ المخلوقينَ في شيءٍ مِنَ الأشياءِ فهوَ مخطيءٌ قطعًا كمنْ قالَ: إنَّهُ ينزلُ فيتحرَّكُ وينتقلُ كمَا ينزلُ الإنسانُ مِنَ السطحِ إلى أسفلِ الدَّارِ كقولِ مَنْ يقولُ: إنَّهُ يخلو منهُ العرشُ، فيكونُ نزولهُ تفريغًا لمكانِ وشغلًا لآخرَ. فهذا باطلٌ يجبُ تنزيهُ الرَّبِّ عنهُ ... فإنَّ الله أخبرَ أنَّهُ الأعلى وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١] ... فهو سبحانهُ الأعلى منْ كلِّ شيءٍ، كما أنَّهُ أكبرُ منْ كلِّ شيءٍ، فلو صارَ تحتَ شيءٍ منَ العالمِ لكانَ بعضُ مخلوقاتهِ أعلى منهُ، ولمْ يكنْ هوَ الأعلى، وهذا خلافُ ما وصفَ بهِ نفسهُ (١).
٧ - علوُّه على العرشِ وعلى غيرهِ من المخلوقاتِ لا يوجبُ افتقارَهُ إليهِ، فإنَّ السَّمَاءَ عاليةٌ على الأرضِ وليستْ مفتقرةً إليهَا، والهواءُ عالٍ على الأرضِ وليسَ مفتقرًا إليهَا، وكذلكَ الملائكةُ عالونَ على الأرضِ وليسوا مفتقرينَ إليها. فإذا كانَ المخلوقُ العالي لا يجبُ أنْ يكونَ مفتقرًا إلى السَّافلِ، فالعليُّ الأعلى، الخالقُ لكلِّ شيءٍ، الغنيُّ عنْ كلِّ شيءٍ، أوْلى أنْ لا يكون مفتقرًا إلى المخلوقاتِ مع علوِّه عليها (٢).
٨ - إنَّ الله فوقَ سماواتهِ على عرشهِ بائنٌ منْ خلقهِ، امتنعَ أنْ يكونَ محصورًا أو محاطًا بشيءٍ موجودٍ غيره ... ويمتنعُ أيضًا أنْ يكونَ محتاجًا إلى شيءٍ منْ مخلوقاتهِ؛ لا عرشٍ ولا غيرهِ، بلْ هوَ بقدرتهِ الحاملُ للعرشِ ولحملتهِ، فإنَّ البائنَ عَنِ المخلوقاتِ العالي عليهَا يمتنعُ أنْ يكونَ في جوفِ شيءٍ منها (٣).
стр. 351
٩ - العرشُ إذا سُمِّيَ جهةً ومكانًا وحيِّزًا، فالله تعالى هو ربُّهُ وخالقُهُ، والعرشُ مفتقرٌ إلى الله افتقارَ المخلوقِ إلى خالقهِ، والله غنيٌّ عنهُ مِنْ كلِّ وجهٍ (١).
١٠ - أهلُ السنَّةِ والجماعةِ يثبتونَ أنَّ الله على العرشِ، وأنَّ حملةَ العرشِ أقربُ إليهِ ممَّنْ دونهم، وأنَّ ملائكةَ السَّماءِ العليا أقربُ إلى الله مِنْ ملائكةِ السَّماءِ الثانية (٢)، وأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا عُرجَ بِهِ إِلَى السَّماء صارَ يزدادُ قربًا إلى ربِّهِ بعروجهِ وصعودهِ، وكانَ عروجُهُ إلى الله، لا إلى مجرَّدِ خَلقٍ من خلقهِ، وأنَّ روحَ المصلِّي تَقربُ إلى الله في السُّجودِ، وإنْ كانَ بدنهُ متواضعًا. وهذا هوَ الذي دلَّتْ عليهِ نُصوصُ الكتابِ (٣).
١١ - إنَّ النُّصوصَ كلَّها دلَّتْ على وصفِ الإلهِ، بالعلوِّ والفوقيِّةِ على المخلوقاتِ، واستوائهِ على العرشِ.
стр. 352
فيظنُّ المتوهِّمُ أنَّهُ إذا وُصِفَ بالاستواءِ على العرشِ: كانَ استواؤهُ كاستواءِ الإنسانِ على ظهورِ الفلكِ والأنعامِ، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣] فيتخَيَّلُ أنَّهُ إذا كانَ مستويًا على العرشِ كانَ محتاجًا إليه، كحاجةِ المستوي على الفلكِ والأنعامِ، فلو انخرقتِ السفينةُ لسقطَ المستوي عليهَا، ولو عثرت الدَّابَّةُ لخرَّ المستوي عليها. فقياسُ هذا أنَّه لو عدمَ العرشُ لسقطَ الرَّبُّ ﵎ .. وكانَ هذا الخطأُ منْ خطئهِ في مفهومِ استوائهِ على العرشِ، حيثُ ظنَّ أنَّهُ مثلُ استواءِ الإنسانِ على ظهورِ الأنعامِ والفلكِ.
وليسَ في هذا اللَّفظِ ما يدلُّ على ذلكَ، لأنَّه أضافَ الاستواءَ إلى نفسهِ الكريمةِ كمَا أضافَ إليهَا سائرَ أفعالهِ وصفاتهِ ... فلمْ يذكر استواءً مطلقًا يصلحُ للمخلوقِ، ولا عامًّا يتناولُ المخلوقَ، كما لمْ يذكر مثلَ ذلكَ في سائرِ صفاتهِ، وإنَّما ذكرَ استواءً أضافهُ إلى نفسهِ الكريمةِ.
فلو قُدِّر - على وجهِ الفرضِ الممتنع - أنَّه مثلُ خلقهِ - تعالى الله عنْ ذلكَ - لكانَ استواؤهُ مثلَ استواءِ خلقهِ، أمَّا إذا كانَ هو لَيسَ مماثلًا لخلقهِ، بلْ قدْ عُلِمَ أنَّهُ الغنيُّ عَنِ الخلقِ، وأنَّهُ الخالقُ للعرشِ ولغيرهِ، وأنَّ كلَّ ما سواهُ مفتقرٌ إليهِ، وهو الغنيُّ عن كلِّ ما سواهُ، وهو لمْ يَذْكُرْ إلَّا استواءً يَخُصُّهُ، لمْ يَذْكُرِ استواءً يتناولُ غيرَهُ ولا يصلحُ لهُ، كما لمْ يذكرْ في علمهِ وقدرتهِ ورؤيتهِ وسمعهِ وخلقهِ إلَّا ما يختصُّ بهِ، فكيفَ يجوزُ أنْ يُتوهَّمَ أنَّه إذا كانَ مستويًا على العرشِ كانَ محتاجًا إليهِ، وأنَّه لوْ سقطَ العرشُ لخرَّ منْ عليهِ! سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ والجاحدونَ علوًّا كبيرًا.
стр. 353
هلْ هذا إلَّا جهلٌ محضٌ وضلالٌ ممَّن فهمَ ذلكَ وتوهَّمهُ، أو ظنَّهُ ظاهرَ اللَّفظِ ومدلوله، أو جوَّز ذلكَ على ربِّ العالمينَ الغنيِّ عنِ الخلقِ! بلْ لوْ قُدِّرَ أنَّ جاهلًا فهمَ مثلَ هَذَا، وتوهَّمهُ، لَبُيِّنَ لهُ أنَّ هذا لا يجوزُ، وأنَّهُ لمْ يدلَّ اللَّفظُ عليهِ أصلًا، كمَا لمْ يدلَّ على نظائرهِ في سائرِ ما وصفَ بهِ الرَّبُّ نفسهُ (١).
١٢ - إنَّ الله تعالى خلقَ العالمَ بعضهُ فوقَ بعضٍ، ولمْ يجعلْ عالِيَهُ مفتقرًا إلى سافلهِ. فالهواءُ فوقَ الأرضِ، وليسَ مفتقرًا إلى أنْ تحملهُ الأرضُ، والسَّحابُ أيضًا فوقَ الأرضِ، وليس مفتقرًا إلى أنْ تحملهُ، والسَّماواتُ فوقَ الأرضِ وليستْ مفتقرةً إلى حملِ الأرضِ لها.
فالعليُّ الأعلى ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكهُ إذا كانَ فوقَ جميعِ خلقهِ: كيفَ يجبُ أنْ يكونَ محتاجًا إلى خلقهِ، أو عرشهِ! أو كيفَ يستلزمُ علوُّه على خلقهِ هذا الافتقارَ وهوَ ليسَ بمستلزمٍ في المخلوقاتِ! وقدْ عُلِمَ أنَّ ما ثبتَ لمخلوقٍ منَ الغِنى عنْ غيرهِ فالخالقُ أحقُّ بهِ وأولى (٢).
١٣ - قولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] إنَّه على ظاهرهِ لمْ يقتضِ ذلكَ أنْ يكونَ ظاهرهُ استواءً كاستواءِ المخلوقِ (٣).
١٤ - لله تعالى استواءٌ على عرشهِ حقيقةً وللعبدِ استواءٌ على الفلكِ حقيقةً، وليسَ استواءُ الخالقِ كاستواءِ المخلوقينَ، فإنَّ الله لا يفتقرُ إلى شيءٍ ولا يحتاجُ إلى شيءٍ، بل هو الغنيُّ عنْ كلِّ شيءٍ.
стр. 354
واللهُ تعالى يحملُ العرشَ وحملتهُ بقدرتهِ، ويمسكُ السماواتِ والأرضَ أنْ تزولا. فمنْ ظنَّ أنَّ قولَ الأئمَّةِ: إنَّ الله مستوٍ على عرشهِ حقيقةً يقتضي أنْ يكونَ استواؤهُ مثلَ استواءِ العبدِ على الفلكِ والأنعامِ، لزمهُ أنْ يكونَ قولُهم: إنَّ الله لهُ علمٌ حقيقةً، وسمعٌ حقيقةً، وبصرٌ حقيقةً، وكلامٌ حقيقةً، يقتضي أنْ يكونَ علمهُ وسمعهُ وبصرهُ وكلامهُ مثلَ المخلوقينَ وسمعهمْ وبصرهمْ وكلامهمْ (١).
١٥ - مَنْ قالَ: إنَّ عِلْمَ الله كعلمي، أو قدرتهُ كقدرتي، أو كلامهُ مثلُ كلامي، أو إرادتهُ ومحبتهُ ورضاهُ وغضبهُ مثلُ إرادتي ومحبتي ورضائي وغضبي، أو استواؤهُ على العرشِ كاستوائي، أو نزولُه كنزولي، أو إتيانُه كإتياني، ونحو ذلكَ، فهذا قدْ شبَّه الله ومثَّلهُ بخلقهِ، تعالى الله عمَّا يقولونَ، وهوَ ضالٌّ خبيثٌ مبطلٌ، بلْ كافرٌ.
ومنْ قال: إنَّ الله ليس له علمٌ، ولا قدرةٌ ولا كلامٌ، ولا مشيئةٌ، ولا سمعٌ ولا بصرٌ، ولا محبةٌ ولا رضى، ولا غضبٌ، ولا استواءٌ، ولا إتيانٌ ولا نزولٌ فقد عطَّلَ أسماءَ الله الحسنى وصفاتِهِ العلى، وألحدَ في أسماءِ الله وآياته وهو ضالٌّ خبيثٌ مبطلٌ بلْ كافرٌ (٢).
١٦ - وهوَ سبحانهُ فوقَ سماواتهِ على عرشهِ بائنٌ منْ خلقهِ ليسَ في مخلوقاتهِ شيءٌ منْ ذاتهِ ولا في ذاتهِ شيءٌ منْ مخلوقاتهِ. وهو سبحانهُ غنيٌّ عنِ العرشِ وعَنْ سائرِ المخلوقاتِ لا يفتقرُ إلى شيءٍ مِنْ مخلوقاتهِ، بلْ هوَ الحاملُ بقدرتهِ العرشَ وحملةَ العرشِ.
стр. 355
وقدْ جعلَ تعالى العالمَ طبقاتٍ، ولمْ يجعلْ أعلاهُ مفتقرًا إلى أسفله، فالسَّماءُ لا تفتقرُ إلى الهواءِ، والهواءُ لا يفتقرُ إلى الأرضِ. فالعليُّ الأعلى ربُّ السَّماواتِ والأرضِ وما بينهما - الذي وصفَ نفسهُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *﴾ [الزمر: ٦٧]- أجلُّ وأعظمُ وأغنى وأعلى مِنْ أنْ يفتقرَ إلى شيءٍ بحملٍ أو غيرِ حملٍ، بلْ هوَ الأحدُ الصمدُ الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ لهُ كفوًا أحد، الذي كلُّ ما سواهُ مفتقرٌ إليهِ، وهوَ مستغنٍ عنْ كلِّ ما سواه (١).
١٧ - إنَّ الله تعالى فوقَ عرشهِ على الوجهِ الذي يليقُ بجلالهِ، ولا أقولُ فوقَهُ كالمخلوقِ على المخلوقِ كمَا تقولهُ المشبِّهةُ، ولا يقالُ أنَّهُ لا فوقَ السَّماواتِ ولا على العرشِ ربٌّ كما تقولهُ المعطِّلةُ الجهميَّةُ، بلْ يقالُ أنَّهُ فوقَ سماواتهِ على عرشهِ بائنٌ من خلقهِ (٢).