← Акыда

Акыда · id 37343

الكلمات الحسان في بيان علو الرحمن

عبد الهادي بن حسن وهبي

Полный текст (378 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٤ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» (١). ٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللهَ لَنَا! فَرَفَعَ يَدَيْهِ (٢). ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ صاحِبَ الصُّورِ مُنْذُ وُكِّلَ بهِ مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ العَرْشِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُؤمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ» (٣).

стр. 37

قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ (٤٦٣هـ): «ومِنَ الحجَّةِ: في أنَّهُ على العرشِ، فوقَ السَّماواتِ السَّبعِ، أنَّ الموحِّدينَ أجمعينَ، مِنَ العربَ والعجمِ، إذا كَربهم أمرٌ، أو نَزلتْ بهم شدَّةٌ، رَفَعُوا وجوهَهُم إلى السَّماءِ، يَستغيثونَ ربَّهم ﵎؛ وهذا أشهرُ وأعرفُ، عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، منْ أنْ يحتاجَ فيهِ إِلَى أكثرِ منْ حكايتهِ؛ لأنَّهُ اضطرارٌ لمْ يُؤَنِّبْهم عليهِ أحدٌ، ولا أنكرهُ عليهمْ مسلمٌ» (١). وقالَ ابنُ أبي شيبةَ ﵀ (٢٩٧هـ): «وأجمعَ الخلقُ جميعًا أنَّهم إذا دعوا الله جميعًا، رفعوا أيديهمْ إلى السَّماءِ، فلوْ كانَ اللهُ في الأرضِ السُّفلى، ما كانوا يرفعونَ أيديهمْ إلى السَّماءِ وهو معهم في الأرضِ» (٢). وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ (٣٢٤هـ): «ورأينا المسلمينَ جميعًا يرفعونَ أيديهم إذا دَعَوْا نحوَ السماءِ، لأنَّ اللهَ مستوٍ على العرشِ الذي هو فوقَ السَّموات. فلولا أنَّ الله على العرشِ، لم يرفعُوا أيديَهم نحو العرشِ، كما لا يحطُّونها إذا دَعَوْا إلى الأرضِ» (٣).

стр. 38

وقالَ ابنُ قدامةَ ﵀ (٦٢٠هـ): «إنَّ الله تعالى وصفَ نفسهُ بالعلوِّ في السَّماءِ، ووصفهُ بذلكَ محمَّدٌ خاتمُ الأنبياءِ، وأجمعَ على ذلكَ جميعُ العلماءِ مِنَ الصَّحابةِ الأتقياءِ والأئمَّةِ مِنَ الفقهاءِ، وتواترتِ الأخبارُ بذلكَ على وجهٍ حصلَ بهِ اليقينُ، وجمعَ الله تعالى عليهِ قلوبَ المسلمينَ، وجعلهُ مغروزًا في طباعِ الخلقِ أجمعينَ، فتراهم عندَ نزولِ الكربِ بهم يَلْحَظُونَ السَّماءَ بأعينهم، ويرفعونَ نحوها للدعاءِ أيديهم، وينتظرونَ مجيءَ الفرجِ منْ ربِّهم، وينطقونَ بذلكَ بألسنتهمْ، لا ينكرُ ذلكَ إلَّا مبتدعٌ غالٍ في بدعتهِ، أو مفتونٌ بتقليدهِ واتِّباعهِ على ضلالتهِ» (١). الرابعُ عَشَرَ: النُّصوصُ الدَّالةُ على رؤيةِ أهلِ الجنَّةِ لهُ تعالى مِنَ الكتابِ والسنَّةِ ، وإخبارُ النبيِّ ﷺ أنَّهم يرونهُ كرؤيةِ الشمسِ والقمرِ (٢) ليلةَ البدرِ ليسَ دونهُ سحابٌ، ولا يرونهُ إلَّا منْ فوقهم (٣).

стр. 39

وهذهِ المسألةُ منْ أشرفِ مسائلِ أصولِ الدينِ، «وأجلِّها قدْرًا، وأعْلاها خطرًا، وأقرِّها لعيونِ أهْلِ السنَّةِ والجماعةِ، وأشدِّها على أهْلِ البدْعةِ والفرقةِ، وهي الغايةُ التي شمَّرَ إليهَا المشمِّرونَ، وتنافسَ فيهَا المتنافسونَ، وتسابقَ إليهَا المتسابقونَ، ولِمِثْلِهَا فليعْملِ العاملونَ، اتَّفقَ عليهَا الأنبياءُ والمرسلونَ، وجميعُ الصَّحابةِ والتَّابعونَ، وأئمَّةُ الإسلامِ على تتابعِ القرونِ، وأنْكرهَا أهْلُ البدعِ المارقونَ، والجهميَّةُ المُتَهَوِّكونَ، والفرعونيَّةُ المعطِّلونَ، والباطنيةُ الذينَ همْ منْ جميعِ الأدْيانِ مُنْسَلِخُونَ، وبحبائلِ الشيطانِ مُتَمَسِّكونَ، ومنْ حبْلِ الله منقطعونَ، وعلى مَسَبَّةِ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ عاكفونَ، وللسنَّةِ وأهْلهَا محاربونَ، ولكلِّ عدوٍّ للهِ ورسولهِ ودينهِ مُسَالِمُونَ، وكلُّ هؤلاءِ عنْ ربِّهمْ مَحْجُوبُونَ، وعنْ بابهِ مَطْرُودُونَ» (١). قالَ : ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (٢).

стр. 40

قالَ الحافظُ الذهبيُّ ﵀: «أحاديثُ رؤيةِ اللهِ في الآخرةِ متواترةٌ، والقرآنُ مصدِّقٌ لها» (١). وفيما يلي أوردُ بعضَ الأحاديثِ الدَّالَّة على رؤيةِ الله في الجنَّةِ. ١ - عنْ عمّارِ بْنِ ياسرٍ ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : « ... وأسألكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهكَ والشوقَ إلى لقائكَ» (٢). قال الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمَّدٍ التيميُّ ﵀: والنبيُّ ﷺ لا يسألُ سؤالًا يستحيلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يبعثُ نبيًَّا إلَّا وهوَ عالمٌ بما يجري عليهِ (٣). وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: أوَ مَا سَمِعْتَ سُؤالَ أَعْرَفِ خَلْقِهِ ... بِجلاَلِهِ المَبْعُوثِ بِالقُرْآنِ شَوْقًا إلَيْهِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ الذِي ... بِجَلاَلِ وَجْهِ الرَّبِّ ذِي السُّلْطَانِ الشَّوْقُ لَذَّةُ رُوحِهِ فِي هَذِهِ الدُّ ... نْيا وَيَوْمَ قِيَامَةِ الأبْدَانِ تَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ الَّذي فَازَتْ بِهِ ... دُونَ الجَوَارِحِ هَذِهِ العَيْنَانِ واللهِ مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ألَذُّ ... مِنَ اشْتِيَاقِ العَبْدِ لِلرَّحْمَنِ وَكَذَاكَ رُؤيَةُ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ ... هِيَ أكْمَلُ اللَّذَّاتِ للإِنْسَانِ لَكِنَّمَا الجَهْمِيَّ يُنْكِرُ ذَا وَذَا ... وَالوَجْهَ أيْضًا خَشْيَةَ الحِدْثَانِ تَبًّا لَهُ المَخْدُوع أنْكَرَ وَجْهَهُ ... وَلِقَاءَهُ وَمَحَبَّةَ الدَّيَّانِ وَكَلاَمَهُ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوَّهُ ... وَالعَرْشَ عَطَّلَهُ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَرَاهُ فِي وَادٍ وَرُسْلُ الله فِي ... وَادٍ وَذَا مِنْ أعْظَمِ الكُفْرَانِ (٤)

стр. 41

٢ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ (١) مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ». ثُمَّ تلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٢). قالَ صدِّيق حسن خان ﵀: «وتفسيرُ الزيادةِ النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ سبحانهُ، وقد ثَبَتَ التفسيرُ بذلكَ منْ قولِ رسولِ الله ﷺ فلمْ يبقَ حينئذٍ لقائلٍ مقالٌ ولا التفاتٌ إلى المُجَادَلاتِ الواقعةِ بينَ المُتَمَذْهِبَةِ الذين لا يعرفونَ مِنَ السنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما ينتفعونَ بهِ، فإنَّهم لو عرفوا ذلكَ لَكَفُّوا عنْ كثيرٍ منْ هَذَيَانِهِمْ. واللهُ المستعانُ» (٣).

стр. 42

٣ - عَنْ أَبِي موسى الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِياءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (١). قَالَ ابنُ القيِّم ﵀: «فهذا يدلُّ أنَّ رداءَ الكبرياءِ عَلَى وجههِ ﵎ هُوَ المانعُ مِنْ رؤيةِ الذَّاتِ، وَلاَ يمنعُ مِن أصلِ الرؤيةِ؛ فإنَّ الكبرياءَ والعظمةَ أمرٌ لازمٌ لذاتهِ تَعَالَى، فَإِذَا تجلَّى سُبْحَانَهُ لعبادهِ يومَ القيامةِ، وكشفَ الحجابَ بينهم وبينهُ، فَهُوَ الحجابُ المخلوقُ. وأمَّا أنوارُ الذَّاتِ الَّذِي يحجبُ عنْ إدراكهَا فذاكَ صفةٌ للذَّاتِ، لاَ تفارقُ ذاتَ الرَّبِّ ﷻ . ولو كشفَ ذَلِكَ الحجابَ لأحرقتْ سبحاتُ وجههِ مَا أدركهُ بصرهُ مِنْ خلقهِ. وتكفي هَذِهِ الإشارةُ فِي هَذَا المقامِ للمصدِّقِ الموقِنِ، وأمَّا المعطِّلُ الجهميُّ فكلُّ هَذَا عندهُ باطلٌ ومحالٌ» (٢). ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» (٣).

стр. 43

قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «والمخاطبونَ بهذا قومٌ عربٌ يعلمونَ المرادَ منهُ، ولا يقعُ في قلوبهم تشبيههُ سبحانه [بالشمسِ والقمرِ] بلْ هم أشرفُ عقولًا، وأصحُّ أذْهانًا، وأسلمُ قلوبًا منْ ذلكَ، وحقَّقَ ﷺ وقوعَ الرؤيةِ عيانًا برؤيةِ الشمسِ والقمرِ تحقيقًا لها، ونفيًا لتوهُّمِ المجازِ الذي يظنُّهُ المعطِّلونَ» (١). وقالَ ﵀: مَا بَعْدَ تِبْيَانِ الرَّسولِ لنَاظِرٍ ... إِلَّا العَمَى وَالعيْبُ فِي العُمْيَانِ فَانْظُرْ إلَى قَولِ الرَّسُولِ لِسَائِلٍ ... مِنْ صَحْبِهِ عَنْ رُؤيَةِ الرَّحْمَنِ حَقًّا تَرَوْنَ إلَهَكُمْ يَومَ اللِّقَا ... رُؤيَا العِيَانِ كَمَا يُرَى القَمَرَانِ كَالبَدْرِ لَيْلَ تَمامِهِ وَالشَّمْسِ فِي ... نَحْرِ الظَّهِيرَةِ مَا هُمَا مِثْلاَنِ بَلْ قَصْدُه تَحْقِيقُ رُؤيَتِنَا لَهُ ... فَأتَى بأظْهَرِ مَا يُرَى بِعِيَانِ وَنَفَى السَّحَابَ وَذَاكَ أمرٌ مَانِعٌ ... مِنْ رُؤيَةِ القَمَرَينِ فِي ذَا الآنِ فَإذَا أتَى بالمُقْتضِي وَنَفَى المَوَا ... نِعَ خَشْيَةَ التقْصِيرِ فِي التِّبْيَانِ صَلَّى عَلَيهِ الله مَا هَذَا الذِي ... يَأتِي بِهِ مِنْ بَعْدِ ذَا التِّبْيَانِ مَاذَا يَقُولُ القَاصِدُ التبيَانَ يَا ... أهْلَ العَمَى مِنْ بَعْدِ ذَا التِّبْيَانِ (٢).

стр. 44

٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجليِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ ليلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذَا لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (١). قالَ الإمامُ البغويُّ ﵀: «وقولُه: «كما ترونَ» ليسَ كافُ التَّشبيهِ للمرئيِّ بالمرئيِّ، بلْ كافُ التَّشبيهِ للرؤيةِ التي هي فعلُ الرائي بالرؤيةِ، ومعناهُ: تَرَوْنَ ربَّكم رؤيةً لا شكَّ فيها، كما تَرونَ القمرَ ليلةَ البدرِ لا مريةَ فيها» (٢). وقالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: «ومعلومٌ أنَّا نرى الشمسَ والقمرَ عيانًا مواجهةً، فيجبُ أنْ نراهُ كذلكَ، وأمَّا رؤيةُ ما لا نُعَايِنُ ولا نُواجِهُهُ فهذهِ غيرُ مُتَصَوَّرَةٍ في العقلِ، فَضْلًا عنْ أنْ تكونَ كرؤيةِ الشَّمسِ والقمرِ. وأمَّا قولُه «لا تُضَامُونَ» يُروى بالتَّخفيفِ. أي: لا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ في رؤيتهِ كما يلحقُ النَّاسَ عندَ رؤيةِ الشَّيءِ الحسنِ كالهلالِ. فإنَّهُ قدْ يَلْحَقُهُمْ ضَيْمٌ في طلبِ رؤيتهِ حينَ يُرى؛ وهوَ سبحانهُ يتجلَّى تجليًّا ظاهرًا فيرونَهُ كما تُرى الشمسُ والقمرُ بلا ضَيْمٍ يَلْحَقُكُمْ في رؤيتهِ.

стр. 45

وقيلَ: «لا تَضَامُّون» بالتَّشديدِ، أي: لا ينضمُّ بعضُكمْ إلى بعضٍ كمَا يتضامُّ النَّاسُ عندَ رؤيةِ الشيءِ الخفيِّ كالهلالِ، وهذا كُلُّه بيانٌ لرؤيتهِ في غايةِ التَّجَلِّي والظُّهورِ بحيثُ لا يَلْحَقُ الرائي ضررٌ ولا ضيمٌ كما يلحقهُ عندَ رؤيةِ الشَّيءِ الخفيِّ والبعيدِ والمحجوبِ ونحو ذلكَ» (١). ٦ - عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَرَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا رَزِينٍ! أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مُخْلِيًا بِهِ؟» قلْتُ: بَلَى! قَالَ: «فَاللهُ أَعْظَمُ وَذَلِكَ آيَةٌ فِي خَلْقِهِ» (٢). وإثباتُهُ ﷺ جوازَ الرؤيةِ لجميعِ الخلقِ في وقتٍ واحدٍ وكلُّ منهم يكونُ مُخْليًا بهِ بالقياسِ على رؤيةِ القمرِ مَعَ قولهِ: «اللهُ أَعْظَمُ» دليلٌ واضحٌ على أنَّ النَّاسَ يرونهُ مواجهةً عيانًا يكونُ بجهةٍ منهم. وأنهُ إذا أمكنَ في بعضِ مخلوقاتهِ أنَّهُ يراهُ النَّاسُ في وقتٍ واحدٍ كلُّهم يكونَ مخليًا بهِ، فالله أولى أنْ يمكنَ ذلكَ فيهِ فإنَّهُ أعظمُ وأجلُّ (٣) وأكْبرُ منْ كلِّ شيءٍ. فهذا يُزيلُ كلَّ إشْكالٍ، ويبْطلُ كلَّ خيالٍ (٤).

стр. 46

قالَ ابنُ أبي العزِّ الحنفيُّ ﵀: «وليسَ تشبيهُ رؤيةِ الله تعالى برؤيةِ الشمسِ والقمرِ تشبيهًا لله، بلْ هوَ تشبيهُ الرؤيةِ بالرؤيةِ، لا تشبيهُ المرئي [وهو الله] بالمرئي [وهو الشمسُ والقمرُ]، ولكنْ فيه دليلٌ على علوِّ الله على خلقهِ، وإلَّا فهلْ تعقلُ رؤيةٌ بلا مقابلةٍ! ومنْ قالَ: يُرى لا في جهةٍ (١)،

стр. 47

فليراجع عقلهُ!! فإمَّا أنْ يكونَ مكابرًا لعقلهِ، أو في عقلهِ شيءٌ، وإلَّا فإذا قالَ: يُرى لا أمامَ الرائي، ولا خلفهُ، ولا عنْ يمينهِ ولا عنْ يسارهِ ولا فوقهُ ولا تحتهُ ردَّ عليهِ كلُّ منْ سمعهُ بفطرتهِ السليمةِ. ولهذا ألزمَ المعتزلةُ مَنْ نفى العلوَّ بالذَّاتِ بنفي الرؤيةِ، وقالوا: كيفَ تُعْقَلُ رؤيةٌ بغيرِ جهةٍ» (١). قالَ ابنُ القيِّم ﵀: فَسَلِ المُعَطِّلَ هَلْ يُرى مِنْ تَحْتِنَا ... أمْ عَنْ شَمَائِلِنَا وَعَنْ أيْمَانِ أَمْ خَلْفَنَا وَأمَامَنَا سُبْحَانَهُ ... أمْ هَلْ يُرَى مِنْ فَوقِنَا بِبَيَانِ يَا قَومُ مَا فِي الأمرِ شَيْءٌ غَيْرَ ذَا ... أوْ أنَّ رُؤيَتَهُ بِلاَ إمْكَانِ إذْ رُؤيَةٌ لاَ فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ ... ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ ... ـوَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ (٢). وقالَ ﵀: «والذي تفهمهُ الأممُ على اختلافِ لغاتِها وأوهامِها منْ هذهِ الرؤيةِ رؤيةُ المقَابَلَةِ والمُوَاجَهَةِ التي تكونُ بينَ الرائي والمرئي فيهَا مسافةٌ محدودةٌ غيرُ مُفْرِطةٍ في البعدِ، فتمتنعُ الرؤيةُ، ولا في القربِ، فلا تمكنُ الرؤيةُ، لا تعقلُ الأممُ غيرَ هذا، فإمَّا أنْ يَرَوْهُ سبحانهُ منْ تحتهم - تعالى الله - أو منْ خلفهم، أو منْ أمامهمْ، أو عنْ أيمانهم، أو عنْ شمائلهم، أو منْ فوقهم، ولا بدَّ منْ قسمٍ منْ هذهِ الأقسامِ إنْ كانتِ الرؤيةُ حقًّا، وكلُّها باطلٌ سوى رؤيتهم لهُ منْ فوقهم.

стр. 48

ولا يتمُّ إنكارُ الفوقيَّةِ إلَّا بإنكارِ الرؤيةِ، ولهذا طَرَدَ الجهميَّةُ أَصْلَهُم، وصرَّحوا بذلكَ، وركَّبوا النَفْيَيْنِ معًا، وصدَّقَ أهلُ السنَّةِ بالأمرينِ معًا، وأقرُّوا بهما، وصارَ مَنْ أثبتَ الرؤيةَ، ونفى علوَّ الرَّبِّ على خلقهِ واسْتِوَاءَهُ على عرشهِ مُذَبْذَبًا بينَ ذلكَ لا إلى هؤلاءِ، ولا إلى هؤلاءِ» (١). الخامسُ عَشرَ: التصريحُ بنزوله كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدنيا ، والنُّزولُ المعقولُ عندَ جميعِ الأممِ إنَّما يكونُ من العُلُوِّ إلى أَسْفَلَ (٢). عن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (٣). اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ حديثَ النزولِ «حديثٌ كبيرٌ جليلٌ، تنادي جلالتهُ وفخامتهُ وعظمتهُ على أنَّهُ قدْ خرجَ منْ مشكاةِ النبوةِ» (٤)، و «هو قرَّةٌ لعيونِ أهلِ الإيمانِ، وشجىً في حلوقِ أهلِ التَّعطيلِ والبهتانِ» (٥)، يجبُ الأخذُ بظاهرهِ منْ غيرِ تأويلٍ ولا يجبُ أنْ يستوحشَ منْ إطلاقِ مثلِ ذلكَ. قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ (٢٠٤هـ): «القولُ فِي السنَّةِ التي أنَا عليهَا ورأيتُ أصحابَنا عليها، أهلَ الحديثِ الذينَ رأيتهم فأخذتُ عنهم، مثلُ سفيانَ [بن عيينة] ومالكٍ وغيرهما:

стр. 49

الإقرارُ بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله .. وأنَّ اللهَ على عرشه في سمائهِ يقربُ منْ خلقهِ كيفَ شاء. وأنَّ الله تعالى ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا كيفَ شاءَ» (١). وقالَ الدَّارِمِيُّ ﵀ (٢٨٠هـ): «والآثارُ التي جاءتْ عنْ رسول الله ﷺ فِي نزولِ الرَّبِّ ﵎ تدلُّ عَلَى أنَّ اللهَ فوقَ السَّماواتِ عَلَى عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ» (٢). وقالَ الإمامُ الطبريُّ ﵀ (٣١٠هـ): «وأنَّهُ يهبطُ كلَّ ليلةٍ وينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، لخبرِ رسولِ اللهِ ﷺ » (٣). عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي يَهْبِطُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ؟ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (٤). وعقدَ الإمامُ ابنُ خزيمة ﵀ (٣١١هـ) بابًا في كتابِ «التوحيدِ» افتتحهُ بقولهِ: بابُ ذكرِ أخبارٍ ثابتةِ السَّندِ، صحيحةِ القوامِ، رواها علماءُ الحجازِ والعراقِ عنِ النبيِّ ﷺ في نزول الرَّبِّ جلَّ وعلا إلى السَّماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ.

стр. 50

نشهدُ شهادةَ مقرٍّ بلسانهِ، مصدِّقٍ بقلبهِ، مستيقنٍ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ نزولِ الرَّبِّ منْ غيرِ أنْ يصفَ الكيفيَّةَ لأنَّ نبيَّنا المصطفى ﷺ لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ نزولِ خالقنَا إلى السَّماءِ الدنيا وأعلمنا أنَّهُ ينزلُ، والله جلَّ وعلا لمْ يتركْ ولا نبيَّهُ ﵇ بيانَ ما بالمسلمينَ إليهِ الحاجة منْ أمرِ دينهم، فنحنُ قائلونَ مصدِّقونَ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ النزولِ غيرُ متكلِّفينَ القولَ بصفتهِ أو بصفةِ الكيفيَّةِ، إذِ النبيُّ ﷺ لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ النزولِ. وفي هذهِ الأخبارِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ الله جلَّ وعلا فوقَ سماء الدُّنيا - الذي أخبرنا نبيُّنا ﷺ أنَّهُ ينزلُ إليها - إذْ محالٌ في لغةِ العربِ أنْ يقولَ: ينزلُ منْ أسفلَ إلى أعلى، ومفهومُ الخطابِ أنَّ النزولَ منْ أعلى إلى أسفلَ (١). وقالَ أبو العبَّاس السرَّاج ﵀ (٣١٣هـ): «منْ لم يُقِرَّ ويؤمنْ بأنَّ اللهَ تعالى يعجَبُ، ويضحَكُ، وينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقولُ: «منْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيه؟» فهو زنديقٌ كافرٌ، يستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عنقهُ، ولا يُصَلَّى عليهِ ولا يُدْفنُ في مقابرِ المسْلمينَ» (٢). قالَ الذهبيُّ معقِّبًا عَلَى هَذَا الأثرِ: «قلتُ: إنَّما يكفرُ بعدَ علمهِ بأنَّ الرسولَ ﷺ قالَ ذلكَ، ثمَّ إنَّهُ جحدَ ذلكَ ولمْ يؤمنْ بهِ» (٣). وقالَ أبو بكرٍ بن أبي داودَ محدِّثُ بغدادَ (٣١٦هـ): تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله واتّبع الهُدى ... وَلاَ تَكُ بِدْعيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الّتِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُووَتَرْبَحُ

стр. 51

وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ... بِلا كَيْفَ، جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ إِلَى طَبَقِ الْدُّنْيَا يمُنُّ بِفَضْلِهِ ... فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ يَقُولُ: أَلا مُسْتَغْفرٌ يَلْقَ غَافِرًا ... وَمُسْتَمْنِحُ خَيْرًَا وَرِزْقًَا فَيُمْنَحُ رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لاَ يُرَدُّ حَديثُهُم ... ألاَ خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُم وَقُبِّحُوا (١) وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ (٣٢٤هـ): «ونصدِّقُ بجميعِ الرواياتِ التي يثبتهَا أهلُ النَّقلِ مِنَ النزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأنَّ الرَّبَّ يقولُ: هلْ منْ سائلٍ؟ هلْ منْ مستغفرٍ؟ وسائر ما نقلوهُ وأثبتوهُ خلافًا لما قالهُ أهلُ الزَّيغِ والتَّضليلِ. ونعوِّلُ فيمَا اختلفنَا فيهِ على كتابِ ربِّنا وسنِّةِ نبيِّنا وإجماعِ المسلمينَ ومَا كانَ في معناه. ولا نبتدعُ في دينِ الله ما لمْ يأذنْ بهِ لنا، ولا نقولُ على الله ما لا نعلم» (٢). وقالَ ﵀: «وممَّا يؤكِّدُ أنَّ الله مستوٍ على عرشهِ دونَ الأشياءِ كلِّها ما نقلهُ أهلُ الروايةِ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ . وذكرَ حديثَ النزولِ بالسندِ عنْ ثلاثةٍ منَ الصحابةِ وهم: جبيرُ بنُ مطعمٍ وأبو هريرة ورفاعةُ الجهنيُّ ﵃» (٣). وقالَ الإمامُ المشهورُ ابنُ أبي زمنين ﵀ (٣٩٩هـ) تعليقًا علَى حديثِ النزولِ: «هذا الحديثُ بيِّنٌ أنَّ الله على عرشهِ في السَّماءِ دونَ الأرضِ، وهو أيضًا بيِّنٌ في كتابِ الله، وفي غيرِ ما حديثٍ عنْ رسولِ الله ﷺ . ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى» (٤).

стр. 52

وقالَ الإمامُ أبو عمرو الداني ﵀ (٤٤٤هـ): «ومنْ قولهم: إنَّ الله ﷻ وتقدَّست أسماؤهُ: ينزلُ في كلِّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا في الثلثِ الباقي مِنَ الليلِ، فيقولُ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وهلْ منْ سَائِلٍ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، وهلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ، على ما صحَّتْ بهِ الأخبارُ، وتواترتْ بهِ الآثارُ عنْ رسولِ الله ﷺ . نزولهُ ﵎ كيفَ شاءَ، بلا حَدٍّ، ولا تكييفٍ. وهذا دينُ الأُمَّةِ، وقولُ أهلِ السُّنَّةِ في هذه الصِّفاتِ أنْ تُمَرَّ كما جاءتْ بغيرِ تكييفٍ، ولا تحديدٍ، فمنْ تجاوزَ المَرْوِيَّ فيها وكَيَّفَ شيئًا منها ومَثَّلَها بشيءٍ منْ جوارحِنا وآلَتِنا فقدْ ضلَّ واعْتَدَى، وابتدعَ في الدينِ ما ليسَ منهُ، وخَرَقَ إجماعَ المسلمينَ، وفارقَ أئمَّةَ الدِّينِ» (١). وقالَ ﵀: فمِنْ صَحِيح ما أَتَى به الأثر ... وَشَاعَ فِي النَّاسِ قَدِيمًَا وانْتَشَرْ نُزُولُ رَبِّنَا بلا امْتِراء ... فِي كلِّ ليلةٍ إِلى السّماءِ مِنْ غَيرِ مَا حَدٍّ وَلاَ تَكْيِيفِ ... سُبْحَانَهُ مِنْ قَادرٍ لَطيف (٢). وقالَ ابنُ عبد البرِّ ﵀ (٤٦٣هـ) تعليقًا على حديثِ النزولِ: «هَذَا حديثٌ ثابتٌ منْ جهةِ النَّقلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتهِ، وفيهِ (٣) دليلٌ على أنَّ الله في السَّماءِ على العرشِ منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ، وعلمهُ في كلِّ مكانٍ كمَا قالتِ الجماعةُ أهلُ السنَّةِ أهلُ الفقهِ والأثرِ (٤)، ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى (٥).

стр. 53

قال: وأمَّا قولهُ ﷺ في هذا الحديثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنا»، فالذي عليهِ أهلُ العلمِ منْ أهلِ السنَّةِ والحقِّ الإيمانُ بمثلِ هذا وشِبْهِهِ مِنَ القرآنِ والسُّننِ دونَ كيفيَّةٍ فيقولونَ: ينزلُ ولا يقولونَ كيفَ النزولُ ولا يقولونَ كيفَ الاستواءُ ولا كيفَ المجيءُ في قولهِ : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *﴾ [الفجر: ٢٢]، ولا كيفَ التجلِّي في قولهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]» (١). وقالَ الإمامُ أبو إسماعيل الصابوني ﵀ (٤٤٩هـ) «ويثبتُ أصحابُ الحديثِ نزولَ الرَّبِّ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا، منْ غيرِ تشبيهٍ لهُ بنزولِ المخلوقينَ، ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ، بلْ يثبتونَ ما أثبتهُ رسولُ الله ﷺ ، وينتهونَ فيهِ إليهِ، ويُمِرُّونَ الخبرَ الصحيحَ الواردَ بذكرهِ على ظاهرهِ» (٢) - إلى أنْ قالَ: «فلمَّا صحَّ خبرُ النزولِ عنْ رسولِ الله ﷺ ، أقرَّ بهِ أهلُ السنَّةِ، وقبلوا الخبرَ، وأثبتوا النزولَ على مَا قالهُ رسولُ الله ﷺ ، ولمْ يعتقدوا تشبيهًا لهُ بنزولِ خلقهِ، ولمْ يبحثوا عنْ كيفيَّتهِ إذْ لا سبيلَ إليها بحالٍ، وعلموا وتحقَّقوا واعتقدوا أنَّ صفاتِ الله لا تشبهُ صفاتِ الخلقِ كما أنَّ ذاتَهُ لا تشبهُ ذواتَ الخلقِ، تعالى الله عمَّا يقولُ المشبِّهةُ والمعطِّلةُ علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا» (٣). وقالَ الإمامُ الإسماعيليُّ ﵀ (٤٦٩هـ): «وأنَّه ينزلُ إلى السَّماء الدنيا على ما صحَّ بهِ الخبرُ عنْ رسولِ الله ﷺ بلا اعتقادِ كيفيَّةٍ» (٤).

стр. 54

وقالَ أبو الخطَّاب الكلْواذَاني ﵀ (٥١٠هـ) في عقيدتهِ: قالوا: النزولُ؟ فقلتُ: ناقلُه لنا ... قومٌ تَمَسُّكُهُمْ بشرعِ محمَّدٍ قالوا: فكيفَ نزولٌ؟ فأَجَبْتُهُم ... لم يُنْقَلِ التكييفُ لي فِي مُسْنَدٍ (١) وقَالَ الشيخ عبدُ الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي ﵀: وَاللهُ يَنْزِلُ كُلَّ آخِرَ لَيْلَةٍ ... لِسَمَائِهِ الدُنْيَا بِلا كِتْمَانِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُجِيبهُ ... فَأَنَا القَرِيبُ أُجِيبُ مَنْ نَادَانِي حَاشَا الإِلَهَ بِأَنْ تُكَيَّفَ ذَاتُهُ ... فَالْكَيفُ وَالتَّمْثِيلُ مُنْتَفِيَانِ وَالأَصْلُ أَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ ... شَيءٌ تَعَالَى الرَّبُّ ذُو الإِحْسَانِ (٢) وقال أبو الطيِّبُ: حضرتُ عندَ أبي جعفرٍ الترمذيِّ (٢٩٥هـ) فسألهُ سائلٌ عنْ حديثِ نزولِ الرَّبِّ، فالنزولُ كيفَ هو يبقى فوقُه علوٌّ؟ فقالَ: «النزولُ معقولٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ» (٣). قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: «صدقَ فقيهُ بغدادَ وعالمها في زمانهِ، إذِ السُّؤالُ عَنِ النزولِ ما هوَ؟ عِيٌّ، لأنَّهُ إنَّمَا يكونُ السؤالُ عنْ كلمةٍ غريبةٍ في اللُّغةِ، وإلَّا فالنزولُ والكلامُ والسمعُ والبصرُ والعلمُ والاستواءُ عباراتٌ جليةٌ واضحةٌ للسَّامعِ، فإذا اتَّصفَ بها منْ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، فالصِّفةُ تابعةٌ للموصوفِ، وكيفيَّةُ ذلكَ مجهولةٌ عندَ البشرِ» (٤). وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَكَذَا نُزُولِ الرَّبِّ ﷻ ... فِي النِّصْفِ مِن لَيْل وَذَاكَ الثَّاني

стр. 55

فَيَقُولُ لَسْتُ بِسَائِلٍ غَيْرِي بِأحْـ ... ـوَالِ العِبَادِ أنَا العَظِيمُ الشَّانِ من ذاكَ يَسْألُنِي فَيُعْطى سُؤْلَهُ ... مَنْ ذَا يَتُوبُ إلَيَّ مِنْ عِصْيَانِ من ذاكَ يَسْألُنِي فَأغْفِر ذَنْبَهُ ... فَأَنَا الوَدُودُ الوَاسِعُ الغُفْرَانِ مَنْ ذَا يُريدُ شِفَاءَهُ مِنْ سُقْمِهِ ... فَأَنَا القَرِيبُ مُجِيبُ مَنْ نَادَانِ ذَا شَأنُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ... حَتَّى يَكُونَ الفَجْرُ فَجْرًا ثَانِ يَا قَومُ لَيْسَ نُزُولُهُ وَعُلوُّهُ ... حَقًّا لَدَيْكُمْ بَلْ هُمَا عَدَمَانِ وَكَذَاكَ يَقُولُ لَيْسَ شَيْئًا عِنْدَكُمْ ... لاَ ذَا وَلاَ قَوْلًا سِوَاهُ ثانِ كلٌّ مَجَازٌ لاَ حَقِيقَةَ تَحْتَهُ ... أوِّلْ وَزِدْ وَانْقُصْ بِلاَ بُرْهَانِ (١) السادسُ عَشَرَ: إخبارُهُ ﷺ أنَّه تردَّد بينَ موسى ﵇ وبينَ ربِّه ليلةَ المعراجِ بسببِ الصَّلاةِ ، فيصعدُ إلى ربِّهِ، ثمَّ يعودُ إلى موسى ﵇ عدَّةَ مرَّاتٍ (٢).

стр. 56

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « ... أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ. فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ. فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً ... قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» (١). قالَ ابنُ خزيمة ﵀: «وفي الأخبارِ - أي أخبارُ المعراجِ - دلالةٌ واضحةٌ أنَّ النبيَّ ﷺ عرجَ بهِ مِنَ الدُّنيا إلى السَّماءِ السابعةِ وأنَّ الله تعالى فرضَ عليهِ الصَّلواتِ على ما جاءَ في الأخبارِ. فتلكَ الأخبارُ كلُّها دالَّةٌ على أنَّ اللهَ الخالقَ الباري فوقَ سبعِ سماواتٍ» (٢).

стр. 57

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: «ومحمَّدٌ ﷺ لمَّا عرجَ بهِ إلى ربِّهِ وفرضَ عليهِ الصَّلواتِ الخمسِ، ذكرَ أنَّهُ رجعَ إلى موسى، وأنَّ موسى قالَ لهُ: ارجعْ إلى ربِّكَ فسلهُ التَّخفيفَ إلى أمَّتكَ، كما تواترَ في أحاديثِ المعراجِ (١). فمحمَّدٌ ﷺ صدَّق موسى في أنَّ ربَّهُ فوق السَّمواتِ (٢)، وفرعونُ كذَّبَ موسى في أنَّ ربَّهُ فوق. فالمقرُّونَ بذلكَ متَّبعونَ لموسى ومحمَّدٍ، والمكذِّبونَ بذلكَ موافقونَ لفرعونَ» (٣). وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَاللهُ أكْبَرُ مَنْ رَقَا فَوْقَ الطِّبَا ... ق رَسُولُهُ فَدَنَا مِنَ الدَّيَّانِ وَإلَيْهِ قَدْ عَرَجَ الرَّسُولُ حَقِيقَةً ... لاَ تُنْكِرُوا المِعْرَاجَ بِالبُهْتَانِ وَدَنَا مِنَ الجَبَّارِ ﷻ ... ودَنَا إلَيْهِ الرَّبُّ ذُو الإحْسَانِ (٤). السابعُ عَشَرَ: النُّصوصُ الواردةُ فِي ذكرِ العرشِ وصفتهِ وإضافتهِ غالبًا إِلَى خالقهِ ﵎ وأنَّه تَعَالَى فوقهُ . قَالَ الله : ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. ﴿إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٥]. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أي: لَهُ مكانةٌ ووجاهةٌ عندهُ، وَهُوَ أقربُ الملائكةِ إِلَيْهِ، وفي قولهِ: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠] إشارةٌ إِلى علوِّ منزلةِ جبريلَ، إذْ كَانَ قريبًا مِنْ ذي العرشِ سُبْحَانَهُ (٥).

стр. 58

وقالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ *﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، فأضافَ العرشَ إِلَى نفسهِ، كَمَا تضافُ إِلَيْهِ الأشياءُ العظيمةُ الشريفةُ، وهذا يدلُّ عَلَى عظمةِ العرشِ، وقربهِ منهُ سُبْحَانَهُ واختصاصهِ بهِ؛ بلْ يدلُّ عَلَى غايةِ القربِ والاختصاصِ، كَمَا يضيفُ إِلَى نفسهِ بـ «ذو» صفاتهِ القائمةِ بِهِ، كقولهِ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ﴿ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمن: ٢٧] (١). ويقالُ: ذو العزَّةِ، وذو الملكِ، وذو الرَّحمةِ ونظائرُ ذَلِكَ. فلوْ كَانَ حظُّ العرشِ منهُ حظَّ الأرضِ السَّابعةِ، لكانَ لاَ فرقَ أَنْ يقالَ: ذو العرشِ، وذو الأرضِ (٢). وقال تعالى: ﴿ويحملُ عرش ربك﴾ [الحاقة: ١٧]، وإضافةُ العرشِ إلى اللهِ تقتضي «إضافةً تخصُّهُ كما في سائرِ المضافاتِ إلى اللهِ، كقولهِ: بيتُ اللهِ، وناقةُ اللهِ، ونحوِ ذلك. وإذا كانَ العرشُ مضافًا إلى الله في هذه الآية إضافة اختصاصٍ، وذلك يوجبُ أن يكونَ بينهُ وبين اللهِ من النسبةِ ما ليس لغيرهِ، فما يذكرهُ الجهمية منَ الإستيلاء والقدرة وغيرِ ذلك أمرٌ مشتركٌ بين العرش وسائرِ المخلوقاتِ، وهذه الآية تنفي أن يكونَ الثابتُ منَ الإضافةِ هو القدر المشترك، وتوجبُ اختصاصًا للعرش بالله ليس لغيره» (٣). وتدبَّر - رحمك الله - الأحاديثَ التاليةَ الواردةَ في ذكرِ العرشِ:

стр. 59

١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ما منْ عبدٍ أتى أخًا لهُ يَزُورُه فِي اللهِ إلَّا نادى منادٍ منَ السَّماءِ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَتْ لكَ الجَنَّةُ، وإلَّا قالَ اللهُ فِي ملكوتِ عَرْشِهِ: عبدي زَارَ فِيَّ، وعَلَيَّ قِراهُ، فلمْ أَرْضَ لهُ بِقِرًى دُونَ الجَنَّةِ» (١). ٢ - عنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «أُذنَ لي أنْ أُحَدِّثَ عنْ مَلَكٍ منْ ملائكةِ اللهِ، منْ حَمَلَةِ العَرْشِ: إنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عَاتِقِهِ، مَسِيرَةَ سَبْعمَائَةِ عَامٍ» (٢). ٣ - عَنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قَالَ: دخلَ النبيُّ ﷺ عَلَى بلالٍ وعندهُ صبرةٌ منْ تمرٍ، فقالَ: «مَا هَذَا يَا بلالُ؟» قَالَ: أُعِدُّ ذَلِكَ لأضيافكَ. قَالَ: «أَمَا تَخْشَى أنْ يكونَ لَكَ دُخَانٌ فِي نارِ جهنَّمَ؟! أَنْفِقْ بلالُ! وَلاَ تَخْشَى منْ ذِي العَرْشِ إِقْلاَلًا» (٣). ٤ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوسَ فإنَّهُ أوسطُ الجنَّةِ، وأعلى الجنَّةِ، وفوقَهُ عرشُ الرَّحْمنِ» (٤). قَالَ ابنُ خزيمة ﵀: «فالخبرُ يصرِّحُ أنَّ عرشَ ربِّنا جلَّ وعلاَ فَوْقَ جنَّتهِ، وقدْ أعلمنَا جلَّ وعلاَ أنَّهُ مستوٍ عَلَى عرشهِ، فخَالِقُنا عالٍ فَوْقَ عَرْشِهِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ جنَّتهِ» (٥).

стр. 60

٥ - عنْ جويريةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ منْ عندهَا بكرةً حينَ صلَّى الصبحَ، وهي في مسجدها. ثمَّ رجعَ بعدَ أنْ أضحى، وهيَ جالسةٌ. فقالَ: «ما زِلْتِ على الحالِ التي فَارَقْتُكِ عليهَا؟» قالتْ: نعمْ. قالَ النبيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاَثَ مرَّاتٍ. لَوْ وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ ورِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١). قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: «المقصودُ بالحديثِ نهايةُ ما يمكنُ منَ المعدودِ، وغايةُ ما يمكنُ منَ القولِ. والمحبوبُ هوَ كلامُ الرَّبِّ ورِضَاهُ، وذِكْرُ عددِ خلقِهِ، وزِنَةِ عَرْشِهِ (٢). فهذا يُبَيِّنُ أنَّ زنةَ العرشِ أثقلُ الأوزانِ» (٣). الثامنُ عَشَرَ: إخبارهُ تعالى عنْ فرعونَ أنَّهُ رامَ الصُّعودَ إلى السَّمَاء ليطِّلع إلى إله موسى، فيكذِّبهُ فيما أخبرهُ منْ أنَّهُ سبحانهُ فوقَ السَّماوات . قالَ الله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ *﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].

стр. 61

ففي هذهِ الآيةِ بيانٌ بيِّنٌ، ودلالةٌ ظاهرةٌ، على أنَّ موسى قدْ كانَ أعلمَ فرعونَ أنَّ ربَّهُ - جلَّ وعلا - أعلى وفوق، فمنْ أجلِ ذلكَ أمرَ ببناءِ الصَّرحِ، ورامَ الاطِّلاعَ إليه، واتَّهمَ موسى بالكذبِ في ذلكَ. والجهميَّةُ لا تعلمُ أنَّ الله فوقَها بوجودِ ذاتهِ فهمْ أعْجزُ فهمًا منْ فرعونَ (١). قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «فكذَّبَ فرعونُ موسى في إخْباره إيَّاهُ بأنَّ ربَّهُ فوقَ السَّماءِ. وعندَ الجهميَّةِ: لا فرقَ بينَ الإخْبارِ بذلكَ، وبينَ الإخبارِ بأنَّهُ يأكلُ ويشْربُ، وعلى زعمهمْ يكونُ فرعونُ قدْ نزَّهَ الرَّبَّ عمَّا لا يليقُ بهِ، وكَذَبَ موسى في إخْبارهِ بذلكَ إذْ مَنْ قالَ عندهم: إنَّ ربَّهُ فوقَ السَّمواتِ فهوَ كاذبٌ. فهمْ في هذا التَّكذيبِ موافقونَ لفرعونَ، مخالفونَ لموسى ولجميعِ الأنبياءِ، ولذلكَ سمَّاهم أئمَّةُ السنَّة فرْعونيَّة، قالوا: وهمْ شرٌّ مِنَ الجهميَّةِ؛ فإنَّ الجهميَّةَ يقولونَ: إنَّ الله في كلِّ مكانٍ بذاتهِ، وهؤلاءِ عطَّلوهُ بالكليِّةِ، وأوقعوا عليهِ الوصفَ المطابقَ للعدمِ المحضِ. فأيُّ طائفةٍ منْ طوائفِ بني آدمَ أثبتتِ الصانعَ على أيِّ وجهٍ كانَ قولُهم خيرًا منْ قولِهم» (٢).

стр. 62

وقالَ ابنُ قدامة ﵀: «والمخالفُ في هذهِ المسألةِ قدْ أنكرَ هذا يزعمُ أنَّ موسى كاذبٌ في هذا بطريقِ القطعِ واليقينِ، مع مخالفتهِ لرَبِّ العالمينَ، وتخطئتهِ لنبيِّهِ الصَّادقِ الأمينِ، وتركهِ منهجَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، والأئمَّةِ السَّالفينَ، وسائرِ الخلقِ أجمعينَ. ونسألُ الله تعالى أنْ يعصمَنا مِنَ البدعِ برحمتهِ، ويوفِّقَنا لاتِّباعِ سنَّتهِ» (١). وقالَ السَّعديُ ﵀ في قولهِ تعالى: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]: «فهذا صريحٌ في تكذيبهِ لموسى في قولهِ إنَّ الله فوقَ السَّماواتِ والخلقِ كلِّهم، وتبعَ فرعونَ على قولهِ هذا جميعُ «الجهميَّةِ الفرعونيَّةِ»، ورموا ببلائهم «أهلَ السنَّةِ والجماعةِ» وقالوا: إنَّ مذهبَهم مذهبُ فرعونَ الذي اعتقدَ علوَّ الله على خلقهِ، وهذا منَ العجائبِ وقلبِ الحقائقِ (٢). ومِنَ المعلومِ أنَّ «الجهميَّةَ» أولى بفرعونَ في هذهِ الحالةِ، لأنَّهُ قالها إنكارًا، وهو نفسُ مذهبِ «الجهميَّةِ»، فإنَّهم أنكروا كلامَ اللهِ وعلوَّهُ على خلقهِ، كمَا أنكرَ فرعونُ ذلكَ بتكذيبهِ لرسالةِ موسى ولعلوِّ الله، وليسَ بينهم فرقٌ، إلَّا أنَّ فرعونَ صرَّحَ بالإنكارِ وهمْ موَّهوا العباراتِ وزخرفوا الألفاظَ، وقبَّحوا الحسنَ وحسَّنوا القبيحَ، وسَمَّوا أنفسهم أهلَ الحقِّ، وسَمَّوا غيرهم أهلَ الباطلِ، فانخدعوا لهذهِ الزخارفِ وخدعوا غيرهُم» (٣). وقالَ ابنُ القيِّم ﵀: وَمِنَ المَصَائِبِ قَولُهُمْ إنَّ اعتِقَا ... دَ الفوقِ مِنْ فِرْعَونَ ذِي الكُفرانِ

стр. 63

فَإذَا اعتقَدْتُم هَذَا فأشْيَاعٌ لَهُ ... أنْتُمْ وَذَا مِنْ أعظَمِ البُهْتَانِ فاسْمَعْ إذًا مَنْ ذَا الذِي أوْلَى بِفِرْ ... عَوْنَ المعطِّلِ جَاحِدِ الرَّحمنِ وَانظُرْ إلَى مَا جَاءَ فِي القَصَصِ التِي ... تَحْكِي مَقَالَ إِمَامِهِمْ بِبَيَانِ واللهُ قَدْ جَعَلَ الضَّلاَلَةَ قُدْوةً ... بِأئِمَّةٍ تَدْعُو إلَى النِّيرانِ فإِمَامُ كُلِّ مُعَطِّلٍ فِي نَفْيِهِ ... فِرْعَونُ مَعْ نَمْرُودَ مَعْ هَامَانِ طَلَبَ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ مُكَذِّبًا ... مُوسَى وَرَامَ الصَّرْحَ بالبُنْيَانِ بَلْ قَالَ مُوسَى كَاذِبٌ فِي زَعْمِهِ ... فَوْقَ السَّمَاءِ الرَّبُّ ذُو السُّلْطانِ فَابْنُوا لِيَ الصَّرْحَ الرَّفِيعَ لَعَلَّنِي ... أرْقى إليْهِ بِحِيلَةِ الإِنْسَانِ وأظنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِي قَولِهِ ... اللهُ فَوقَ العَرْشِ ذُو السُّلطَانِ وكذاك كذَّبهُ بأنَّ إلهَهُ ... نَادَاهُ بالتَّكليمِ دُونَ عِيَانِ هُوَ أنْكَرَ التَّكْلِيمَ وَالفَوقِيَّةَ الـ ... ـعُلْيَا كَقَولِ الجَهْمِ ذِي صَفْوَانِ فَمَنِ الذِي أوْلَى بِفِرْعَون إذًا ... مِنَّا ومِنْكُمْ بَعْدَ ذَا التِّبْيَانِ (١). التاسعُ عَشَرَ: تنزيهُ اللهِ نفسَهُ عن موجبِ النُّقصانِ، وعمَّا يوجبُ التمثيلَ والتشبيهَ . فنزَّهَ اللهُ نفسَهُ عَنِ الوالدِ والولدِ والزوجةِ والكفؤ، قالَ : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وقالَ : ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا *﴾ [الجن: ٣]. ونزَّهَ نفسهُ عَنِ اللُّغوبِ قالَ : ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمالِ قدرتهِ، وأنَّهُ لا يلحقهُ اللُّغوبُ في الأعمالِ العظيمةِ مثلَ خلقهِ السَّمواتِ والأرضَ، كما يلحقُ المخلوق اللغوب إذا عَمِلَ عملًا عظيمًا.

стр. 64

ونزَّهَ نفسَهُ عمَّا لمْ يقلْهُ أحدٌ ولمْ ينسبهُ إليهِ، تحذيرًا منْ وقوعهَا حتَّى لا تقع بخاطرِ أحدٍ. فنزَّهَ نفسهُ عَنِ الطعمِ مع أنَّ أحدًا لمْ يصفهُ بهِ، قالَ الله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]. ونزَّهَ نفسهُ عَنِ الموتِ، فقالَ : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] لكمالِ حياتهِ. ونَزَّهَ نفسهُ عَنِ السنةِ والنَّومِ، فقالَ : ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمالِ حياتهِ وقيوميَّتهِ، إذِ النَّوْمُ أخو الموتِ. ولهذا كانَ أهلُ الجنَّةِ لا ينامونَ مَعَ كمالِ الراحةِ، كمَا لا يموتونَ. ونَزَّه نفسهُ عَنِ النِّسيانِ مع أنَّ أحدًا لمْ ينْسبهُ إلى شيءٍ منْ ذلكَ، قالَ : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، لكمالِ علمهِ وحفظهِ. ونَزَّهَ نفسهُ عَنِ الظُّلمِ فقالَ : ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] لكمالِ عدلهِ وغناه ورحمتهِ. ونَزَّه نفسهُ عَنِ العبثِ والباطلِ، قالَسبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] لكمالِ حكمتهِ. ونزَّهَ نفسهُ عنْ مقالةٍ قالها بعضُ طوائفِ اليهودِ أنَّ العُزَيْرَ ابنُ الله.

стр. 65

فإذا كانَ الله قدْ نَزَّهَ نفسهُ عمَّا تقدَّمَ منَ العيوبِ والنَّقائصِ، فلأي شيءٍ إذًا لمْ ينزِّه نفسهُ عنْ تلكَ المقالةِ - وهي كونهُ تعالى فوقَ عرشهِ - إذا كانتْ متضمنةً لمعنًى فاسدٍ لا يجوزُ اعتقادهُ في حقِّ الله تعالى، مَعَ شهرةِ هذهِ المقالةِ، وتفاقمِ أمْرِهَا، فكانتْ هي أحقَّ منْ هذا كلِّهِ للتنبيهِ على فسادهَا والتحذيرِ منهَا. فكيفَ والأمرُ بالعكسِ فهوَ دائمًا يبدي ويعيدُ في ذكرِ علوِّهِ وفوقيَّتهِ ويقرِّرُ ذلكَ بكلِّ دليلٍ وبرهانٍ، بأوجزِ العباراتِ وأدلِّهَا وأبسطهَا وأقطعهَا للعذرِ وألزمهَا للحجَّةِ. فلو فرضَ أنَّ النُّصوصَ خاليةٌ منْ تقريرِ العلوِّ والاستواءِ على العرشِ لكانَ تركهُ تنزيهه عَنِ العلوِّ أكبرَ دليلٍ على تقريرِ ذلكَ، ورضاهُ بهِ والعِلم بأنَّهُ غيرُ منافٍ لكمالهِ، فكيفَ وهوَ معَ ذَلِكَ والأدلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كلُّها على خلافِ قولِ «الجهميَّةِ» (١). قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: «إنَّهُ عندَ المعطِّلةِ النُّفاةِ كونُ الله سبحانهُ فوقَ العالمِ مستوٍ على عرشهِ بمنزلةِ كونهِ يأكلُ ويشربُ وينامُ، بلْ هوَ بمنزلةِ إثباتِ الزوجةِ والولدِ لهُ في كونِ هذا منافيًا لإلهيتهِ وربوبيتهِ وقدمهِ وكون علوِّهِ على خلقهِ واستوائهِ على عرشهِ منافيًا لذلكَ. وهذا منْ أعظمِ القدحِ في العقولِ والفطرِ والشرائعِ والنبواتِ والكتبِ المنزلةِ، فإنَّها فرَّقتْ بيَن الأمرينِ تفرقةً معلومةً بالاضطرارِ، لكلِّ منْ لهُ أدنى مسكةٍ منْ عقلٍ. فمنْ سوَّى بينَ الأمرينِ، وجعلَ تنزيهَ الرَّبِّ عنهَا منْ لوازمِ الإقرارِ بهِ فليبكِ على عقلهِ وإيمانهِ» (٢).

стр. 66

العشرون: مِنَ البراهين الدَّالَّةِ على علوِّ الله على خلقهِ واستوائهِ على عرشهِ الدليلُ العظيمُ والبرهانُ القاطعُ ، وهو ما يحصلُ منْ مجموعِ الأدلَّةِ السابقةِ وغيرها. فإنَّهُ يحصلُ منْ سردِ أنواعهَا وأفرادهَا ونصوصهَا وقواطعهَا ما يوصلُ إلى اليقينِ الاضطراريِّ والعلمِ الضروريِّ الذي لا يمكنُ دفعهُ ويحصلُ الجزمُ التَّامُ الذي لا ريبَ فيهِ بعلوِّ الله وارتفاعهِ واستوائهِ على عرشهِ. وذلكَ أنَّ واحدًا مِنَ الأدلَّةِ يفيدُ العلمَ بالمقصودِ، ثمَّ الآخرُ كذلكَ، ثمَّ يستفادُ من انْضمامِ أحدهما للآخرِ دلالةٌ أخْرى، ثمَّ منْ مجموعِ الجميعِ دلالةٌ هي أقْوى أنواعِ الدلالاتِ، فتتزايدُ شواهدُ الإيمانِ، وتتعاونُ أدلَّتهُ حتى يكونَ الإيمانُ في القلبِ أرْسخَ مِنَ الجبالِ (١). فأيُّ بيانٍ للمقصودِ أعظمُ منْ هذا؟ (٢). أيَرُدُّ ذُو عقْلٍ سَليمٍ قَطُّ ذَا ... بَعْدَ التَّصَوُّرِ يَا أولِي الأذْهَانِ واللهِ مَا رَدَّ امرُؤ هَذَا بِغَيْـ ... ـرِ الجَهْلِ أوْ بِحَميَّةِ الشَّيطَانِ (٣) وهذهِ الأنواعُ مِنَ الأدلَّةِ لو بسطتْ أفرادهَا لبلغتْ نحوَ ألفِ دليلٍ (٤). ونحنُ نطالبُ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ «بجوابٍ صحيحٍ عنْ دليلٍ واحدٍ ونعلمُ قبلَ المطالبةِ أنَّهُ لو اجتمعَ كلُّ جهميٍّ على وجهِ الأرضِ لما أجابوا عنهُ بغير المكابرةِ والتَّشنيعِ على أهلِ الإثباتِ بالتَّجسيمِ والتنفيرِ والسَّبِّ» (٥) والطعنِ والافتراءِ والتكفيرِ. وَاللهِ مَا لَكُمُ جَوَابٌ غَيْرُ تَكْـ ... ـفِيرٍ بِلاَ عِلْمٍ وَلاَ إيقَانِ (٦) وهذهِ وظيفةُ كلِّ مبطلٍ قامتْ عليهِ حجةُ الله. * * *

стр. 67

أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي العُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ لمَّا كانَ الكلامُ في أسماءِ اللهِ وصفاتهِ وأفعالهِ وخلقهِ وأمرهِ نفيًا وإثباتًا، مدارهُ على الوحي، كانَ أسعدَ النَّاسِ بالصَّوابِ فيهِ مَنْ تلقَّى ذلكَ منْ مشكاةِ الوحي المبين، ورغبَ بعقلهِ وفطرتهِ وإيمانهِ عن آراءِ المتهوِّكينَ، وتشكيكاتِ المتكلِّمينَ، وتكلُّفاتِ المتنطِّعينَ، واستمطرَ ديمَ الهدايةِ مِنْ كلماتِ أعلمِ الخلقِ بربِّ العالمينَ، فإنَّ كلماتهِ الجوامع النَّوافعِ في هذا البابِ وفي غيرهِ كَفَتْ وشَفَتْ، وجمَّعت وفرَّقتْ، وأوضحتْ وبيَّنتْ، وحلَّتْ محلَّ التفسيرِ والبيانِ لما تضمَّنهُ القرآنُ. ثمَّ تلاهُ أصحابهُ منْ بعدهِ على نهجهِ المستقيمِ، وطريقِهِ القويمِ، فجاءتْ كلماتهم كافيةً شافيةً، مختصرةً نافعةً، لقربِ العهدِ ومباشرةِ التلقِّي مِنْ تلكَ المشكاةِ، التي هيَ مظهرُ كلِّ نورٍ، ومنبعُ كلِّ خيرٍ، وأساسُ كلِّ هدًى، ثمَّ سلكَ على آثارهم التابعونَ لهم بإحسانٍ، فاقتفوا طريقَهُم، ورَكِبوا منهاجَهُمْ، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا على ما كانوا عليهِ (١). وفيما يلي أوردُ أقوالهم في العلوِّ والفوقيَّةِ مستعينًا بالله ﵎. ١ - حُمَيدُ بنُ ثوَرٍ أبو المثنى الهلالي، شاعرٌ مشهورٌ إسلاميٌّ، أدركَ النبيَّ ﷺ بالسنّ ... روى الزُبيرُ بنُ بكارٍ عنْ أبيهِ، أنَّ حميدَ بنَ ثورٍ وفدَ على بعضِ بني أميّة، فقالَ: ما جاءَ بكَ! فقال: أتاكَ بي اللهُ الذي فوقَ عَرْشِهِ ... وخيرٌ ومعروفٌ عليك دليلُ (٢)

стр. 68

٢ - ابنُ عَبّاسٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه دخلَ على عائشةَ ﵂ وهيَ تموتُ، فقالَ لهَا: «كنتِ أحبَّ نساءِ رسولِ الله ﷺ ولمْ يكُنْ يُحِبُّ إلَّا طيِّبًا، وأنزلَ اللهُ براءَتَكِ منْ فَوْقِ سَبْعِ سماواتٍ» (١). وقال ﵁ فِي قولهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]: لم يستطعْ أنْ يقولَ: منْ فوقهم؛ عَلِمَ أنَّ الله منْ فوقهم (٢). ٣ - زينبُ بنتُ جَحْشٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ زَيْنَبَ بِنت جَحْشٍ كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماوات» وفي لفظٍ: كانتْ تقولُ: «إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (٣). ٤ - ابنُ مَسْعُودٍ قالَ ابنُ مسعود ﵁: «العَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفَى عليهِ شيءٌ منْ أَعْمَالِكُم» (٤). ٥ - عَائِشَةُ قالتْ ﵂: «وأيمُ اللهِ إنِّي لأَخْشَى لو كُنْتُ أُحِبُّ قَتْلَهُ لَقَتَلْتُ - تعني عثمان ـ، وَلَكِنْ عَلِمَ اللهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ أَنِّي لَمْ أُحِبَّ قَتْلَهُ» (٥).

стр. 69

٦ - أَبو ذَرٍّ عَنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: «لمَّا بَلغَ أبا ذرٍّ مَبعثُ النبيِّ ﷺ قالَ لأخيهِ: ارْكَبْ إلى هذا الوادِي فاعْلَمْ لي عِلْمَ هذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ» (١). قولهُ: (يأتيهِ الخبرُ مِنَ السَّماءِ) المرادُ بهِ الوحيُ. وهلْ يوحي إلَّا الله . فهوَ كغيرهِ مِنَ الأحاديثِ الدَّالَّةِ على العُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ. ٧ - ابنُ عُمَرَ عن زيدِ بنِ أَسْلَمٍ قالَ: مَرَّ ابنُ عمرُ براعٍ فقال: هلْ منْ جَزَرَةٍ؟ فقالَ: ليسَ هاهنا ربُّها، قالَ ابنُ عمر: تقولُ لهُ: أكلَهَا الذئبُ. قالَ: فرفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: فَأَيْنَ اللهُ؟ فقالَ ابنُ عمر: أنا واللهُ أحقُّ أنْ أقولَ: أَيْنَ اللهُ؟ واشترى الراعي والغنمَ، فأعتقهُ، وأعطاهُ الغنمَ (٢). ٨ - مَسروقٌ كَانَ مسروقٌ إِذَا حَدَّثَ عنْ عائشةَ قَالَ: حدَّثتني الصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيقِ، حبيبةُ حبيبِ اللهِ، المُبَرَّأَةُ منْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ (٣). ٩ - أيوبُ السُّخْتِيَانِيُّ قالَ أيُّوبُ السُّخْتِيَانِيُّ - وذكرَ المعتزلةَ -: «إِنَّما مدارُ القومِ على أنْ يَقُولوا ليسَ في السَّماءِ شيءٌ» (٤). ١٠ - سليمان التِّيميُّ قَالَ سليمانٌ التِّيمِيُّ ﵀: «لَوْ سُئِلتُ أينَ اللهُ؟ لقلتُ: فِي السَّمَاءِ» (٥).

стр. 70

١١ - مقاتلُ بنُ حِيَّانَ (قبل١٥٠ه ـ) قالَ عالمُ خراسانَ مقاتلُ بن حِيَّانَ ﵀ في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]: «هُوَ على عَرْشِهِ وعِلْمُهُ مَعَهُمْ» (١). ١٢ - الأَوزاعيُّ (١٥٧ه ـ) قالَ عالمُ الشَّامِ الأوزاعيُّ ﵀: كُنَّا - والتَّابعونَ متوافرونَ - نقولُ: «إنَّ اللهَ على عرشهِ، ونؤمنُ بما وَرَدَتْ بهِ السُّنَّةُ منْ صِفَاتِهِ» (٢). قالَ شيخُ الاسلامِ ابنُ تيميَّةَ معلِّقًا: «فقدْ حكى الأوزاعيُّ - وهوَ أحدُ الأئمَّةِ الأربعةِ في عصرِ تابعي التابعينَ الذين همْ مالكٌ، إمامُ أهلِ الحجازِ، والأوزاعيُّ إمامُ أهلِ الشَّامِ، والليثُ إمامُ أهلِ مصرَ، والثَّوريُّ إمامُ أهلِ العراقِ - حكىَ شُهْرَةَ القولِ في زمنِ التَّابعينَ بالإيمانِ بأنَّ الله فوقَ العرشِ، وبصفاتهِ السَّمعية (٣)؛ وإنَّما قالَ الأوزاعيُّ هذَا بعدَ ظهورِ مذهبِ جهمٍ، المنكِرِ لكونِ اللهِ فوقَ عرشهِ، والنَّافي لصفاتهِ، ليعرفَ النَّاسُ أنَّ مذهبَ السَّلف كانَ خلافَ ذلكَ» (٤). فقد تبيَّنَ للقارئ اللَّبيبِ أنَّ نفيَ علوِّ الله على العرشِ، مقولةُ جهمِ بنِ صفوانَ الضالُّ المبتدعُ، رأسُ الجهميَّةِ، الذي زرَعَ شرًّا عظيمًا. فكيفَ تطيبُ نفسُ مؤمنٍ، بلْ نفسُ عاقلٍ: أن يسلكَ سبيلَ الجهميَّةِ، ويَدَعَ سبيلَ الذين أنعمَ الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصالحينَ؟! فبعدًا لمن كان جهمٌ سلفَهُ، واستبدلَ سبيلَهُ بسبيلِ النبيِّ ﵌ وصحابتِهِ.

стр. 71

وما عوضٌ لنا منهاجُ جهمٍ ... بمنهاجِ ابنِ آمنةَ الأمينِ فرحمَ الله من قال بقولِ أهل الحديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وتركَ دينَ جهمٍ وشيعتَهُ. جعلنا الله ممن هُديَ إلى صراطه المستقيم، ووفَّقنا لاتباع رضى ربِّ العالمين، والاقتداء بنبيه محمدٍ ﵌ خاتم النبيين، والسلف الصالحين. ١٣ - سفيانُ الثوريُّ عالمُ زمانهِ (١٦١ه ـ) قَالَ معدانُ: سألتُ سفيانَ الثوريَّ عنْ قولهِ : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] قَالَ: عِلْمُهُ (١). ١٤ - مالك إمام دار الهجرة (١٧٩ه ـ) قالَ الإمامُ مالك ﵀: «اللهُ في السَّمَاءِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكَانٍ لا يَخْلُو منهُ شَيءٌ» (٢). ١٥ - حمَّادُ بنُ زيدٍ البصريّ (١٧٩ه ـ) قال حمَّادُ بنُ زيدٍ ﵀: «إنَّما يَدُورُونَ على أنْ يقولوا ليسَ في السَّمَاءِ إلهٌ. يعني الجهميَّة» (٣). قال الذهبيُّ ﵀ معقِّبًا: «مقالةُ السَّلفِ وأئمَّةِ السنَّةِ؛ بلْ والصَّحابةُ واللهُ ورسولهُ والمؤمنونَ، أنَّ الله فِي السَّمَاءِ، وأنَّ اللهَ عَلَى العرشِ، وأنَّ اللهَ فَوْقَ سماواته، وأنَّه ينزلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيا، وحُجَّتهم على ذلكَ النُّصوصُ والآثارُ. ومقالةُ الجهميَّةِ: أنَّ الله ﵎ في جميعِ الأمكنةِ، تعالى الله عنْ قولهم، بلْ هوَ معنا أينمَا كنَّا بعلمهِ.

стр. 72

ومقالةُ مُتَأَخِّري المتكلِّمينَ [مِنَ المعتزلةِ والماتريديةِ والأشعريةِ]: أنَّ الله تعالى ليسَ في السَّمَاءِ، ولا على العرشِ، ولا على السَّمَاوَاتِ، ولا في الأرضِ، ولا داخلَ العالمِ، ولا خارجَ العالمِ، ولا هوَ بائنٌ عنْ خلقهِ ولا متَّصلٌ بهم! وقالوا: جميعُ هذهِ الأشياءِ صفاتٌ للأجسامِ والله تعالى فمنزَّهٌ عَنِ الجسمِ!. قالَ لهم أهلُ السنَّةِ والأثرِ: نحنُ لاَ نخوضُ في ذلكَ، ونقولُ ما ذكرناهُ اتِّباعًا للنُّصوصِ، وإنْ زعمتم ... ولا نقولُ بقولكمْ، فإنَّ هذهِ السلوبَ نعوتُ المعدومِ، تعالى الله ﷻ عَنِ العدمِ، بلْ هوَ موجودٌ متميِّزٌ عنْ خلقهِ، موصوفٌ بما وصفَ بهِ نفسَهُ، منْ أنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ بِلاَ كَيْفٍ» (١). أقولُ: أرجو أنْ يتدبَّرَ كلامُ هذا الإمامِ. فقدْ ذكرَ في مسألةِ علوِّ الله تعالى ثلاثةَ مذاهبَ: الأولُ: مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ أصحابِ الحديثِ: وهو أنَّ الله فوقَ العالَمِ بائنٌ منْ خَلْقِهِ عَالٍ على العَرْشٍ، وأنَّ هذا هو قولُ اللهِ ورسولِه ﷺ وجميعِ المؤمنين. والثاني: قولُ أصحابِ جَهْم بنِ صَفْوانَ: وهو أنَّ الله تعالى في كلِّ مكانٍ، وهو قولُ الحُلوليةِ. والثالثُ: قولُ المُعَطِّلةِ كالمعتزلةِ والماتريديةِ والأشعريةِ: وهو أنَّ الله تعالى لا فوقَ العالَمِ ولا تحتهُ ولا داخلَ العالمِ ولا خارجَهُ ولا مُتَّصِلٌ بالعالَمِ ولا منفصلٌ عنهُ (٢). ١٦ - عبدُ الله بنُ المباركِ، شيخُ الإسلامِ (١٨١ه ـ) قالَ عليُّ بنُ الحسنِ بن شقيق: قلتُ لعبدِ الله بنِ المبارك: كيفَ نعرفُ ربَّنا ؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى العَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ» (٣).

стр. 73

فرحم الله ابن المبارك، لقد أتى بأصل المعرفة التي لا يصلح لأحدٍ معرفةٌ ولا إقرارٌ بالله سبحانه إلَّا بها، وهو المباينة لخلقه جلَّ وعلا، والعلو على العرش (١). فمن لم يعرفه بذلك، لم يعرف إلهه الذي يعبده. قالَ الذهبيُّ معقِّبًا: قلتُ: الجهميَّةُ يقولونَ: إنَّ الباري تعالى في كلِّ مكانٍ، والسَّلفُ يقولونَ: إنَّ عِلْمَ الباري في كلِّ مكانٍ، ويحتجُّونَ بقولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يعني بالعلمِ، ويقولونَ: إنَّهُ على عَرْشِهِ اسْتَوَى كمَا نطقَ بهِ القرآنُ والسنَّةُ ... ومعلومٌ عندَ أهلِ العلمِ مِنَ الطوائفِ أنَّ مذهبَ السَّلفِ إمرارُ آياتِ الصِّفاتِ وأحاديثهَا كمَا جاءتْ منْ غيرِ تأويلٍ ولا تحريفٍ، ولا تشبيهٍ ولا تكييفٍ، فإنَّ الكلامَ في الصِّفاتِ فرعٌ على الكلامِ في الذَّاتِ المقدَّسةِ. وقدْ عَلِمَ المسلمونَ أنَّ ذاتَ الباري موجودةٌ حقيقةً، لا مِثْلَ لها، وكذلكَ صفاتهُ تعالى موجودةٌ، لا مِثْلَ لها (٢). ١٧ - جرير الضبيُّ، محدِّث الري (١٨٨ه ـ) قال جريرُ بنُ عبدِ الحميد ﵀: «كلامُ الجهميَّةِ أَوَّلهُ عَسَلٌ وآخِرُهُ سُمٌّ، وإنَّما يحاولونَ أنْ يقولوا: ليسَ في السَّمَاءِ إلهٌ» (٣). ١٨ - عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي (١٩٨ه ـ) قال الذهبيُّ ﵀: نقلَ غيرُ واحدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عنْ عبدِ الرحمنِ - الذي يقولُ فيهِ عليُّ بنُ المديني: حافظُ الأمَّةِ، لو حلفتُ بينَ الركنِ والمقامِ لحلفتُ أنِّي ما رأيتُ أعلمَ منْ ابنِ مهدي - قال:

стр. 74

«إنَّ الجهميَّةَ أرادوا أنْ يَنْفُوا أن يكونَ اللهُ كَلَّمَ موسى؛ وأنْ يكونَ على العَرْشِ، أرى أنْ يُسْتَتابُوا، فإنْ تابوا وإلا ضُرِبَتْ أعناقُهُمْ» (١). ١٩ - أبو معاذ البلخي الفقيه (١٩٩ه ـ) قال أبو قُدامةَ السرخسيُّ: سمعتُ أبا معاذٍ خالدَ بنَ سليمانَ بفرغانةَ يقولُ: «كانَ جهمٌ على معبرِ ترمذ، وكانَ فصيحَ اللِّسانِ، ولمْ يكنْ لهُ علمٌ ولا مجالسةٌ لأهلِ العلمِ، فكلَّم السمنية، فقالوا لهُ: صفْ لنَا ربَّكَ الذي تعبدهُ، فدخلَ البيتَ لا يخرجُ منهُ، ثمَّ خرجَ إليهم بعدَ أيَّامٍ، فقالَ: هوَ هذا الهواءُ مَعَ كلِّ شيءٍ، وفي كلِّ شيءٍ، ولا يخلو منهُ شيءٌ، فقالَ أبو معاذ البلخيُّ الفقيهُ: كذَبَ عدوُّ اللهِ، بل اللهُ ﷻ على العَرْشِ كمَا وَصَفَ نَفْسَهُ» (٢). وقال يحيى بنُ أيوب: سمعتُ أبا نُعيمٍ البلخيَّ قالَ: «كَانَ رجلٌ منْ أهلِ مرو صديقًا لجهمٍ ثمَّ قطعهُ وجفاهُ فقيلَ لهُ: لِمَ جفوتهُ؟ فقالَ: جاء منهُ ما لا يحتملُ، قرأتُ يومًا آيةَ كذاَ وكذَا - نسيهَا يحيى - فقالَ: ما كانَ أظرف محمَّدًا، فاحتملتهَا، ثمَّ قرأ سورةَ طه، فلمَّا قالَ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] قالَ: أمَا واللهِ لو وجدتُ سبيلًا إلى حَكِّها لَحَكَكْتُهَا مِنَ المصحفِ، فاحتملتهَا. ثمَّ قرأَ سورةَ القصصِ، فلمَّا انتهى إلى ذكرِ موسى قالَ: ما هذا؟ ذكر قصةً في موضعٍ فلم يُتِمَّها ثمَّ ذكرَ ههنا فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ رمى بالمصحفِ من حِجْرِهِ برجليهِ!!! فَوَثَبْتُ عليهِ» (٣). فهذا شيخُ النَّافينَ لعلوِّ الربِّ عَلَى عرشهِ ومُبَايَنَتِهِ منْ خَلْقِهِ.

стр. 75

وذكرَ ابنُ أبي حاتم عنهُ بإسنادهِ عَنِ الأصمعيِّ قَالَ: قَدِمَتِ امرأةُ جَهْمٍ فقالَ رجلٌ عندهَا: اللهُ عَلَى عَرْشِهِ. فقالتْ: محدودٌ عَلَى محدودٍ. قَالَ الأصمعيُّ: هي كافرةٌ بهذهِ المقالةِ. فهذهِ المقالةُ إِمَامَاهَا هَذَا الرجلُ وامرأتهُ وما أَوْلاهُ بأنْ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *﴾ [المسد: ٤ - ٥] (١). ٢٠ - منصورُ بن عمار (٢٠٠ه ـ) كتبَ بِشْرٌ المرِّيسيُّ إلى منصور بن عمَّار يسألهُ عنْ قولهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] كيفَ استوى؟ فكتبَ إليهِ: «اسْتِوَاؤُهُ غيرُ محدودٍ، والجوابُ فيه تَكَلُّفٌ، مُسَاءَلَتُكَ عنهُ بِدْعَةٌ، والإيمانُ بِجُمْلَةِ ذَلِكَ وَاجِبٌ» (٢). ٢١ - الإمامُ الشافعيُّ (٢٠٤ه ـ) قال ﵀: «القولُ فِي السنَّةِ التي أنا عليهَا، ورأيتُ أصحابَنا عليهَا، أهلَ الحديثِ الذينَ رأيتهم فأخذتُ عنهم، مثلُ سفيانَ ومالكٍ وغيرهمَا: الإقرارُ بشهادةِ أنْ لاَ إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمدًا رَسُولُ الله، وأنَّ اللهَ عَلَى عرشِهِ فِي سمائِهِ يقربُ منْ خَلْقِهِ كيفَ شاءَ» (٣). «وأنَّ الله يُرى فِي الآخرةِ يَنْظُرُ إليهِ المؤمنونَ عيانًا جهارًا، ويسمعونَ كلامَهُ. وأَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ» (٤). وقال ﵀ في «الرسالةِ»: «الحمدُ للهِ الذي هوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وفَوْقَ ما يَصِفُهُ خَلْقُهُ» (٥).
следующие страницы →