سلسلة [صُوَى عَلَى الطَرِيقِ: ٥]
طرق الاستدلال بالسنة والاستنباط منها
الدكتور عبد العزيز الخياط
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
القاهرة - حلب - بيروت.
عدد الأجزاء: ١.
أَعَدَّهُ للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
стр. 2
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
القاهرة - حلب - بيروت
الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد آن الأوان لكي ندرس السُنَّةَ دراسة واعية للعظة والاعتبار، والعمل والاتباع، والقدوة والأسوة، وأن ندرسها دراسة واعية أيضاً؛ لاستنباط الأحكام الشرعية؛ وفاء ببيان حاجات العصر الاجتماعية، ومشكلاته المتعددة، عن طريق الاستدلال بها استدلالاً قائما على الاجتهاد، مِمَّنْ توافرت فيهم عناصر الاجتهاد وشروطه من علماء المسلمين، والاجتهاد - كما تعلم - ضرورة مُلِحَّةً، وبابه مفتوح للعلماء لا للجهلاء، وواجب على علماء المسلمين أن يتصدوا لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وأن لا ينتظروا أن يكون الاجتهاد جَمَاعِياً، فهذا جَيِّدٌ إن أمكن وقوعه، واجتماع علماء المسلمين عليه، ولكنه متعذر إن لم يكن مستحيلاً، فإنه من باب إجماع العلماء، وإجماع العلماء متعذر بعد عهد صحابة
стр. 4
رسول الله ﷺ على حكم شرعي واحد، لاختلاف مناحي التفكير، واختلاف البلدان والأحوال الاجتماعية من جهة، ولاختلاف العلماء في أصول الاجتهاد، وهذا يحتاج إلى تفصيل وبيان ليس هنا موضعه، ولكنني أبادر فأقرِّرُ أنَّ من رحمة الله بهذه الأُمَّةِ أنْ لا تلتزم مَذْهَباً مُعَيَّناً في الاجتهاد، ولا مدرسة مُعَيَّنَةً، ولا طريقة واحدة في التفكير، ولا تجمد على رأي واحد، لا تغيره ولا تُبَدِّلُهُ، بل دعا الإسلامُ إلى التفكير والتدبر، وترك لكل مجتهد أن يُعْمِلَ رأيه، ويبذل وسعه، لاستنباط الحكم الشرعي ضمن الإطار الإسلامي، والقيود والشروط التي تمنع الفوضى والاضطراب، ولا تجعله يخالف النص من الكتاب وَالسُنَّةِ، وإنما يجتهد في استنباط الحكم الشرعي من النص.
والدعوة إلى التَحَلُّلِ من مدارس الاجتهاد الإسلامية كلية، وَأَنْ لا تلتزم كل طائفة من الناس - غير قادرة على الاجتهاد - مذهباً أو مدرسة مُعَيَّنَةً، دعوة باطلة في زمننا هذا، لأنَّ شرط هذا أن يكون كل الناس علماء مجتهدين كعهد الصحابة، وأنْ يكون كُلٌّ منهم قادراً على أن يستنبط لنفسه ولغيره حكم الله من كتابه وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وهذا مُتَعذِّرٌ بل يكاد يكون في حكم
стр. 5
المستحيل في أيامنا هذه، لِبُعْدِ المجتمع عن تطبيق أحكام الله، وَبُعْدِ الناس عن الدراسات الشرعية وتعمقهم فيها، وانتشار الثقافات غير الإسلامية بين المسلمين مع تَعَدُّدِهَا، واختلاف أصولها ومناحيها، وتأثر كثير من المسلمين بأفكار غير إسلامية، وَتَعَوُّدِهِمْ عادات غير إسلامية، ودراساتهم دراسات غير إسلامية، يضاف إلى ذلك عجمة معظمهم، وعدم معرفتهم باللغة العربية، فكيف يكون الناس إذن مجتهدين؟ وكيف ندعو إذن إلى إسلام بلا مذاهب وبلا مدارس فكرية؟!.
فهي دعوة إلى التَحَلُّلِ والفوضى وإنْ يترك لكل مسلم أنْ يجتهد في استنباط حكم الله من الكتاب وَالسُنَّةِ على غير هُدًى ولا بصيرة ولا معرفة، فتخرج الأحكام عن حدود الشرع، ويقع المسلمون في التخبط والفوضى والانحلال والعياذ بالله تعالى.
غير أَنَّ هذا لا يمنع التوسعة في تَعَدُّدِ المجتهدين في الإسلام، واعتبار كل مجتهد مُصِيباً في رأي نفسه، ولو اعتبره غيره مُخْطِئاً
стр. 6
بحكم كونه مُخَالِفاً، ولقد كان لهذه التوسعة أثرها في تَعَدُّدِ مدارس الاجتهاد، وطرائق المجتهدين، وكانت من محاسن هذا الدين، فلا تحجير على العقول، ولا جمود على رأي واحد، وقد وردت النصوص بأنَّ هذا الاختلاف رحمة، جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَالْعَمَلُ بِهِ، لاَ عُذْرَ لأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّتِي، فَمَا قَالَ أَصْحَابِي، إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ فَأَيُّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلاَفُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ» (١).
وفي هذا الحديث فوائد أهمها:
١ - إخباره ﷺ باختلاف المذاهب من بعده في فروع المسائل ورضاه بذلك.
٢ - تقريره بِأَنَّ هذا الاختلاف رحمة بالأُمَّة.
стр. 7
٣ - تخيير المكلَّف بأن يأخذ بأي رأي شاء من آراء الصحابة من غير تعيين لأحدهم فيما لا نص فيه.
وقد كانت لصحابة رسول الله ﷺ مدارس لهم فيها أتباع كمدرسة عمر وَعَلِيٍّ وعثمان وابن عباس.
٤ - يؤخذ منه أيضاً أَنَّ كُلاًّ من المُجْتَهِدِينِ على هُدًى وَفِقْهٍ، فلا ينسب إلى أحد منهم تخطئة (١).
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: «مَا سَرَّنِي بِاخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمُرُ النَّعَمِ» ورواه البيهقي بلفظ: «ما سَرَّنِي لو أنَّ أصحابي لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة» كما رُوي عن القاسم بن محمد قوله: «كَانَ اخْتِلاَفُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً لِلْنَّاسِ» (٢).
وقد أراد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أنْ يحمل الناس على " موطأ مالك " فأبى ﵀ ذلك، وعاود الكرَّةَ الرشيدُ، فامتنع عليه وقال: «إِنَّ اخْتِلاَفَ العُلَمِاءِ رَحْمَةٌ مِنَ
стр. 8
اللهِ عَلَى الأُمَّةِ كُلٌّ يَتَّبِِعُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ، وَكُلٌّ عَلَى هُدًى، وَكُلٌّ يُرِيدُ اللهَ» (١).
والعلم باختلاف آراء المجتهدين يُؤَدِّي إلى معرفة مسالك الأئمة في استنباط الأحكام، ومعرفة طرائقهم في الاجتهاد، ويُبيِّنُ تفاوت أقدارهم في استخراج الأحكام، وَرَدِّ الفروع إلى الأصول، ويعلم طالب العلم القدرة على التدقيق، والبصر في القواعد، وَالتَمَكُّنِ من التمييز بين الفروق الدقيقة، ولذلك عَدَّ العلماء المعرفة في الاختلاف علماً غَزِيراً، روى ابن عبد البر في كتابه " جامع بيان العلم " أنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَسْمَعِ الاخْتِلاَفَ فَلاَ تَعُدُّوهُ عَالِمًا» وَرَوَى [عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ]، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ، حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَدَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ أَوْثَقُ مِنَ الَّذِي فِي [يَدِهِ]» (٢).
ومن الجميل هنا أَنْ نُورِدَ قول ابن تيمية: «وَلِهَذَا قَالَ [العُلَمَاءُ]
стр. 9
المُصَنِّفُونَ فِي الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الاجْتِهَادِيَّةِ لاَ تُنْكَرُ بِاليَدِ، وَلَيْسَ لأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا؛ وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ، فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَبِعَهُ وَمَنْ قَلَّدَ أَهْلَ الْقَوْلِ الآخَرِ فَلاَ إنْكَارَ عَلَيْهِ» (١).
وبهذا كان التوسع في الاجتهاد، ومعرفة الخلاف، وَتَعَدُّدِ وجوه الرأي في المسائل خصيصة من خصائص هذه الأُمَّة، تستطيع أنْ تجد لكل مشكلة حَلاًّ، ولكل نازلة رأياً، وَأَنْ تستنبط لما يَجِدُّ وما يتطور من شؤون الناس حكم الله فيه، رَفْعاً للحرج، وتيسيراً على الناس، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣).
وقد صنَّفَ رجل كتاباً في الاختلاف، فقال أحمد بن حنبل - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «لاَ تُسَمِّهِ " كِتَابَ الاِخْتِلاَفِ " وَلَكِنْ
стр. 10
سَمِّهِ " كتاب السُنَّةِ "».
ومن هنا وجب معرفة هذه السُنَّة، وبيان طرق الاستدلال بها، واختلاف العلماء في طرق الاستدلال بها رحمة وتوسعة، والإسلام نزل رحمة للعالمين.
ويجب أنْ نُؤكِّدَ بداهة أنه لا فرق بين القرآن والسُنَّة في استنباط الأحكام، وأنَّها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» أي السُنَّةَ، قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وذلك إمَّا على سبيل تفصيل ما أجمله القرآن (٢)، أو تقرير ما ذكره (٣)، أو توكيد ما بَيَّنَهُ (٤)، أو تخصيص العام منه (٥)، أو تفسير المطلق منه (٦). أو دلالتها على حكم سكت عنه القرآن (٧).
стр. 11
غير أنَّ هذا يحتاج إلى بعض التفصيل الضروري فيما يؤخذ من السُنّةِ في التشريع، وما يستنبط منها من أحكام.
فمن أفعاله ﵊ ما يؤخذ في التشريع، ومنها ما لا يؤخذ، فالهواجس النفسية، والحركات البشرية، وما لا يتعلق بالعبادات من الأمور الجِبِلِيَّةِ، كالقيام والقعود ونحوهما فليس في هذه تَأَسٍّ ولا اقتداء، ولا يتعلق بها أمر باتباع، ولا نهي عن مخالفة (١)، وكذلك ما نهى النبي ﷺ عن اتباعه فيه كالوصال في الصوم.
وما خرج عن الجِبِلََِّّة إلى التشريع بمواظبة النبي ﷺ عليه على وجه معروف، وهيئة مخصوصة كالأكل والشرب واللبس والنوم، فالراجح أنه يرجع إلى التشريع، وكل فعل ورد بياناً كقوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى»، «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وكالقطع في الكوع في السرقة، فهو دليل واجب الأخذ به بلا خلاف.
стр. 12
وإنْ ورد بَيَاناً لِمُجْمَلٍ، فحكمه حكم ذلك المُجْمَلِ، من وجوب أو نسب أو تحريم أو كراهية أو إباحة كأفعال الحج، والعمرة والصلاة، والزكاة وغيرها.
وإنْ ورد ابتداء وعلمت صفته من الأحكام ففيه أقوال أربعة:
أ - إِنَّ أُمَّتَهُ مثله في ذلك، إلاَّ أَنْ يدل دليل على اختصاصه به، مثل زواجه ﷺ أكثر من أربع نسوة، وهو أرجح الأقوال.
ب - إِنَّ أُمَّتَهُ مثله في العبادات دون غيرها.
ج - الوقف.
د - لا يكون شَرْعًا لنا إلاَّ بدليل، مثل الطواف حول البيت سَبْعاً، فإنه كان شَرْعًا لمن كان قبلنا، ولكنه شَرْعٌ لنا بِالسُنَّةِ.
وإنْ لم تعلم صفته في حقه، وظهر فيه قصد القربة ففيه أقوال:
درجة الاستدلال بالحديث:
درجة الاستدلال بالحديث تَتَعلَّقُ بِحُجِيَّةِ الحديث سواء أكان متواتراً أو آحاداً:
أما المتواتر فلا شك في حُجِيَّتِهِ، والأخذ به، سواء أكان لفظياً أو معنوياً؛ واللفظي هو ما اتفقت الجماعة عليه في اللفظ والمعنى، والمعنوي ما اختلفت روايته في اللفظ والمعنى، مع وجود معنى كلي متفق عليه في روايته (١)، وإنما الخلاف في حجية خبر الآحاد، فالجمهور من العلماء على وجوب العمل بخبر الواحد؛ مستدلين بالكتاب والسُنَّةِ، وعمل الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. والآحاد خبر لا يفيد العلم بنفسه عند الجمهور، وقال ابن حزم وأبو داود الظاهري: إنه يفيد العلم بنفسه.
...
стр. 16
شروط الاستدلال بحديث الآحاد:
يشترط للاستدلال بحديث الآحاد شروط من أهمها في الراوي: أَنْ يكون الراوي مسلماً من أهل التكليف، فلا تقبل رواية الكافر، أو الصغير أو المجنون، وَأَنْ يكون عدلاً ضابطاً، ومن أهمها في مدلول الخبر: أَنْ لا يكون مستحيل الوجود في العقل، وأنْ لا يكون مخالفاً لنص مقطوع به على وجه لا يمكن الجمع بينهما، وأنْ لا يكون مخالفاً لإجماع الأُمَّة، وأما إذا خالف القياس القطعي فالجمهور يقول: بأنه مقدَّم على القياس وهو الحق.
كما يشترط في لفظ الخبر أَنْ يرويه بلفظه كقوله ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١)، وكقوله ﷺ : «الْحَرْب خُدْعَة» (٢).
ويجوز روايته بالمعنى لمن كان عارفاً بمعاني الألفاظ، أو
стр. 17
جاء بمرادفها، إلاَّ إذا كان من جوامع الكلم (وهذا عند الجمهور) وقد قال مالك والجويني وعدد من العلماء بمنع نقل الحديث بمعناه، والأصح الأول لما فيه من الحرج، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة، كما يشترط في لفظ الخبر أنْ لا يحذف بعضه حذفاً مُخلاًّ، كحذف الاستثناء أو الشرط، وأنْ لا يزيد زيادة في غير بيان الحديث أو السبب.
***
стр. 18
أنواع طريق الاستدلال:
من المعلوم أنَّ طرق الاستدلال بألفاظ السُنّة هي طرق الاستدلال بألفاظ القرآن، وهي تشمل المدلولات اللغوية، والفهم العربي لنصوص السُنَّةِ، كما تشمل بيان الرسول ﷺ لما ورد من أحكام حسب ما ذكرنا.
وطرق الاستدلال أنواع:
أولاً: طرق استدلال الأحكام من الألفاظ:
ويكون ذلك بأحد طرق ثلاثة:
١ - النقل المتواتر وهو ما رواه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، مثل ألفاظ الأرض والنار والهواء والحر والبرد والسماء والنور والموت كقوله ﷺ : «عَادِيُّ الأَرْضِ للَّهِ وَرَسُولِهِ» (١) أو قوله: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (٢) فكلمتا «الأَرْضَ»
стр. 19
و «مَيِّتَةً»، معروف معناهما بالتواتر اللغوي لا يختلف فيه اثنان (١).
٢ - نقل الآحاد كنقل غريب الألفاظ كقوله ﷺ : «القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مُمَصْمِصَةٌ» أي مُطهِّرَةٌ مِنء دَنَسِ الخَطَأِ (٢). وقوله ﷺ : «إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا هَزْمَ الأَرْضِ فَإِنَّهَا مَأْوَى الهَوَامِّ» و" الهَزْمُ ": مَا تَشَقَّقَ مِنَ الأَرْضِ (٣).
ويدخل في النوعين الأولين ما يشتق من اللغة كقوله ﷺ : «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِمَيْسَمِهَا وَمَالِهَا وَحَسَبِهَا» (٤) فـ " المَيْسَمُ ": مفعل الوسامة وهي الجمال.
٣ - العقل من النقل كما إذا نقل إلينا أَنَّ الجمع المعرف يدخله الاستثناء، مثل الرجال، فهو متناول لجميع أنواع
стр. 20
الرجال، ولكن يمكن إخراج بعض ما ينتظمه اللفظ فتقول: الرجال خير من النساء، فلا يمنع أنْ يكون بعض النساء خير من الرجال.
٤ - وهناك مسألة تنازع فيها الأصوليون، وهي ثبوت اللغة بالقياس، كَأَنْ يُسَمَّى شيءٌ باسم له معنى ينظر في التسمية، ويوجد له معنى في غير المُسَمَّى الذي ثبت وضع اللفظ له. فالنبي ﷺ يقول: «لَعَنَ اللَّهُ شَارِبَ الْخَمْرِ» (١) فالخمر لفظ وضع لغة للتي من ماء العنب أو التمر إذا اشْتَدَّ وغلا وقذف بالزبد. ولكن فيه معنى آخر وهو ستر العقل، فيعتبر هذا علَّة التسمية، فيشمل كل شراب - من غير هذين - يستر العقل، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
والأصوليون أول ما اتَّجَهُوا في طرق الاستنباط إلى بيان الطرق اللفظية:
فقسّموا اللفظ باعتبار ما وضع له إلى ثلاثة أقسام:
стр. 21
١ - مشترك: وهو ما وضع لِمُتَعَدِّدِ المعاني، كالعين للجاسوس، والماء، والذهب، وعين الإنسان، والوجه. وقد اختار جمهور الأصوليين عدم جواز إطلاق المشترك وإرادة جميع معانيه، وإنما تدل القرينة على المراد منه، ورأى بعضهم جواز ذلك.
٢ - عام: وهو ما وضع بلفظ واحد لكثيرين يستغرقهم اللفظ، ويشمل كلمات العموم، وجميع صيغ العموم مثل: أسماء الشرط، والموصول، والاستفهام، والمُحَلَّى بأل الجنسية، والنكرة المنفية، والجمع المُحَلَّى باللام، والإضافة، ومثاله قوله ﷺ : «الإنسان مجزي بعمله إنْ شرّاً فشرٌّ وإنْ خيراً فخيرٌ» (*). فالعموم في الإنسان يشمل جميع بني البشر.
وقوله ﷺ : «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» (١) ففهم منها وجوب الصلاة على العموم من سمع النداء. ومثل قوله ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ» (٢) فهي عام في كل صدقة،
стр. 22
زكاة أو تَبَرُّعاً. وقوله ﷺ : «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١)، وقوله ﷺ : «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٢) عام في كل قاتل وفي كل إهاب.
ويستدل بالعام ما لم يرد عليه التخصيص، وقد نقل الإجماع على عدم العمل بالعام ما لم يبحث عن المخصص. قال الغزالي: «لاَ يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ [الأَدِلَّةِ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي الْمُخَصِّصَاتِ]؛ لأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ [الْمُخَصِّصِِ]» (٣). والصحيح أنَّ هذا رأي الجمهور (٤).
ودلالة العام على كل أفراده قطعية عند الحنفية، ما لم يتبع بالقرينة الدالة على بعض أفراده، ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أنَّ دلالة العام على كل أفراده ظنية.
٣ - خاص: وهو كل لفظ وضع لواحد أو لعدد محصور، كمحمد، أو قوم، فهي للرجال دون النساء. ومن الأحاديث
стр. 23
التي يستنبط فيه موجب الخاص قوله ﷺ للمرأة: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» (١)، ففهم من الخاص معنى الحيض، وأخذ من اللفظ حكم النهي عن الصلاة وقت الحيض.
وقوله ﷺ : «لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢) فلفظ (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) لفظ خاص بسورة الفاتحة، فاستدل الشافعية بالحديث على وجوب قراءة سورة الفاتحة.
والخاص أنواع:
١ - مطلق: وهو ما دلَّ على فرد أو أفراد، شائعة بدون قيد مستقل لفظاً، أو ما أريد به فرد غير مقيد، أي ما كان شائعاً في جنسه، والاستدلال به من السُنَّة مثل قوله ﷺ في صدقة الفطر: «أَدُّوا ... عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ... » (٣) فالأداء عن مطلق الحر والعبد من غير تقييد، لأنَّ دلالة المطلق غير مقيدة، ويحمل المطلق على إطلاقه.
стр. 24
٢ - مقيَّد: وهو ما دلَّ على فرد، أو أفراد شائعة بقيد مستقل لفظاً يُقَلِّلُ من شيوعه، ومثاله من السُنَّة قوله ﷺ : «أَدُّوا ... عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُسْلِمَيْنِ» (١) وقوله ﷺ لأبي ذر: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (٢)، فقد قيد المطلق في الحديث الأول بقوله (مُسْلِمَيْنِ) وقيده الأيام الثلاثة بأنها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، ومثله التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقد يحمل المطلق على المُقَيَّدِ إذا ورد في نص مطلقاً، وفي آخر مُقيَّداً، فإذا مَرَّ حديث مطلق فينبغي أنْ ننظر إنْ كان قد ورد مُقيَّداً أم لا، فلا يؤخذ الحكم الشرعي منه حتى نحمل المُقيَّدَ عليه، وذلك إذا اتحد في النصين الحكم والسبب، ومثاله قوله ﷺ : «لاَ عَقْرَ فِى الإِسْلاَمِ» (٣) فهو مطلق، قيَّدَهُ ما رواه أبو داود عن عبد الرزاق أنهم كانوا يعقرون عند القبر بقرة
стр. 25
أو شاة في الجاهلية، وإلاَّ فالذبائح من سنن الإسلام.
وأما إذا لم يتحد الحكم والسبب في النصين فلا يحمل أحد النصين على الآخر باتفاق الفقهاء، بل يعمل بالمطلق على إطلاقه، والمُقيَّد على تقييده، ومثاله ما روي عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَبِيُّ يُصَلِّيَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» (١) وهو مطلق في ركعات أربع فَصَّلَ كيفية أدائها ما أخرجه الطبراني في " الكبير " عن ابن عباس قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَى النَّهَارُ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ» (٢)، وفيه: «قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ [يَتَشَهَّدْ] بَيْنَهُنَّ وَ [سَلَّمَ] فِي آخِرِ الأَرْبَعِ» وروي عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» (٣).
وجمهور الفقهاء على أنهم يحملون المطلق على المقيَّد؛ رفعاً للتعارض بين النصوص، ومثاله: ما صحَّ أنه ﷺ قضى بالشُفعة للجار، وهو مطلق قيَّدَهُ قوله ﷺ : «اَلْجَارُ أَحَقُّ
стр. 26
بِشُفْعَةِ جَارِهِ , يُنْتَظَرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» (١) والحنفية هنا لا يحملون هذا المطلق على المُقيَّدِ: لأنهم لا يحتجون بمفهوم المخالفة، ولهذا تثبت الشفعة للجار الشريك في الطريق، والجار غير الشريك في الطريق.
٣ - قد يأتي الخاص على صيغة الأمر: وهي الصيغة المعلومة افعل وما يجري مجراها مقتضى بها الفعل حتماً مع استعلاء، وهي تأتي لمعانٍ مختلفة قد تبلغ ستة عشر معنى، من أههمها: الإيجاب كقوله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَسْعَ إِلَى الجُمُعَةِ» (٢)، «لاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٣)، وقوله: «اِسْتَنْزِهُوا مِنْ اَلْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْهُ» (٤).
والندب كقوله ﷺ : «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ» (٥)، وقوله: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ
وطريقة الاستدلال بالأمر تختلف بحسب القرائن، فالنصوص الآمرة قد تدل على الوجوب أو الإباحة، أو الندب، أو الإرشاد، أو الدعاء، ومن هنا نجد جانباً من اختلاف العلماء في ذلك. وَأَنَّ الأصل في الأمر الوجوب ولكن قد تصرفه القرائن إلى سواه.
٤ - وقد يأتي الخاص على صيغة النهي، والنهي: هو طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء.
فهل هذه الصيغة للتحريم أو للكراهة؟ إنها تفيد التحريم أو الكراهة، وإنَّ الأصل في النهي هنا التحريم، لكن قد يصرفه عن التحريم صارف إلى الكراهة.
فمن أمثلة نهي التحريم قوله ﷺ «لاَ تُجْمَعُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا» (١). فقد أفاد النهي عن التحريم، ومثله قوله ﷺ : «لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلاَ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» (٢)، وقوله: «لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ
стр. 29
بَعْضٍ» (١).
ومن أمثلة الكراهة ما روته السيدة عائشة ﵂: «أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» (٢) أي في الصلاة، وقوله ﷺ : «لاَ تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» (٣) ذهب الجمهور إلى أنه مكروه لا غير.
ومثله قوله ﷺ : «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ [ثَلاَثاً] (٤)» متفق عليه.
ومقتضى النهي شرعاً قبح النهي عنه، كما أنَّ مقتضى الأمر حسن المأمور به، لأنَّ الحكيم العليم - جَلَّ شَأْنُهُ - لا ينهى عباده عن فعل إِلاَّ لِقُبْحِهِ، ولا يأمرهم بشيء إِلاَّ لِحُسْنِهِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥).
стр. 30
ثانياً: طرق الاستدلال من الألفاظ الواضحة وغير الواضحة:
أ - الألفاظ الواضحة هي:
١ - الظاهر: هو ما دل على معناه دلالة واضحة - عند الحنفية - بحيث لا يحتاج الوقوف على معناه إلى قرينة خارجية، ولم يكن ذلك المعنى هو المقصود الأصلي من سياق الكلام، ويحتمل التخصيص، أو التأويل، أو النسخ (١).
ومثاله: دخل ﷺ على عائشة وعندها رجل، فكأنه تغيَّرَ وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» متفق عليه (٢)، فقوله ﷺ : «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» غير مقصود المعنى بطريق الأصالة، وإنما المقصود التأكد من أخوة الرضاعة، لأنه قاله لما رأى الرجل عند عائشة، وأخبرته أنه أخوها في الرضاعة. ولذلك لم يكن بيان أَنَّ الرضاعة من
стр. 31
المجاعة، هو المقصود الأصلي من السياق، وهو يحتمل التخصيص والتأويل والنسخ.
٢ - النص: وهو اللفظ الذي ظهر المراد منه وازداد وُضُوحاً بِأَنْ سِيقَ الكلام له مع احتماله التخصيص والنسخ والتأويل، ومثاله من السُنَّةِ ما ذكر في " الصحيحين " من حديث أم هانئ أنها أجارت رجلين من أحمائها وجاءت إلى النبي ﷺ تخبره أنَّ عليّاً أخاها لم يجز إجارتها. فقال: ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» فهو نص في جواز إجارة المرأة.
هذا وقد اعتبر بعض الفقهاء الظاهر والنص بمعنى واحد، ولكن الجمهور يُفَرِّقُ بينهما، والنص أقوى من الظاهر، ودلالة النص عند الشافعية قطعية، وحكمهما العمل بهما بما يدل عليهما عَمَلاً وما انتظمهما ثابت.
٣ - المفسر: هو اللفظ الذي ظهر المراد منه، وسيق الكلام له، وازداد وضوحاً بعدم احتماله التخصيص أو التأويل، لكنه يحتمل النسخ مثل قوله ﷺ : «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (١).
стр. 32
فهو لا يحتمل تأويلاً ولا تخصيصاً عند الشافعية.
والمفسر أقوى في دلالته على الحكم من الظاهر والنص، وإذا تعارض الظاهر والنص مع المفسر أُوِّلاَ ليوافقا المفسر، ومثال ذلك ما روي عن عائشة ﵂ أنَّ فاطمة بنت [أبي] حُبيش جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ قَالَ لَهَا: «لاَ، اجْتَنِبِى الصَّلاَةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِى وَتَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلاَةٍ، ثُمَّ صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ»، فهذا يعارض ما ورد في رواية أخرى أنه قال لفاطمة بنت [أبي] حبيش هذه: «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلاَةٍ» فعلى الرواية الأولى يوجب الوضوء لكل صلاة، وعلى الثانية يوجبها لوقت كل صلاة، فَيُؤَوَّلُ الأول ليكون المعنى لوقت كل صلاة (١)
стр. 33
٤ - المحكم: هو اللفظ الذي ظهر المراد منه وازداد قوة بعدم احتماله النسخ، أو التخصيص، أو التأويل كقوله ﷺ : «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١) وحكم المحكم أنه يجب العمل به قطعاً، ولا يحتمل الصرف عن ظاهره، ولا النسخ، ولا الإبطال.
ب - الألفاظ غير الواضحة هي:
١ - الخفي: هو اللفظ الذي يدل على معناه دلالة ظاهرة، لكن في انطباق معناه على بعض الأجزاء غموض وخفاء يحتاج إلى نظر، ومثاله في السُنَّةِ «نَهَى النَبِيُّ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُخَاصَرَةِ وَالمُلاَمَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ وَالمُزَابَنَةِ». رواه البخاري.
فالمخاصرة تدل على معناها دلالة واضحة: وهي بيع الثمار والحبوب قبل أنْ يبدو صلاحها. لكن هناك خفاء في انطباقها
стр. 34
على الثمر الذي بلغ حَداً ينتفع به، ولو لم يكن قد أخذ الثمر ألوانه واشتد الحَبُّ «مثل الخوخ الأخضر». ولذلك اشترط انتفاء القطع حتى يصح البيع، وإلاَّ لو أبقاه لشغل ملك البائع، وفي انطباقه على إبقاء ما بدا صلاحه خفاء كذلك، إذْ هل يشترط بقاؤه أو لا يشترط ومتى يصح في الحالين؟ خلاف بين العلماء.
ومثله قوله ﷺ : «لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِى رُبُعِ دِينَارٍ» (١) فمعنى السرقة واضح، لكن في انطباقه على بعض الأجزاء كَالنَبَّاشِ - وهو سارق أكفان الموتى - غموض، لنقصان معنى السرقة، لعدم وجود الحرز بينهما. وينطبق على الطَرَّارِ وهو الذي يقطع الجيوب والحوافظ.
٢ - المشكل: وهو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لاَبُدَّ من طريقة خارجية تُبَيِّنُ ما يراد منه بسبب غموض المعنى كحديث: «الْفَضْلُ رِباً» (٢) ففي بيان الفضل إشكال يحتاج إلى طريقة خارجية تُبَيِّنُ المراد منه.
стр. 35
٣ - المجمل: وهو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لاَبُدَّ من دليل نقلي عليه كألفاظ الصلاة والزكاة والحج والربا.
***
стр. 36
ثالثاً: طرق الاستدلال من الدلالات:
استنباط الحكم من السُنَّةِ لا يكون إلاَّ بعد فهم السُنَّة، إما عن طريق الفهم من لفظ النص كما بَيَنَّا، وإما عن طريق إشارته، أو دلالته عن طريق اقتضائه، ومن هنا قَسَّمَ الأصوليون طرق الاستدلال من الدلالة إلى أربعة أقسام:
١ - عبارة النص: وهي دلالة اللفظ على حكم المقصود من السياق أصالة، أو تَبَعاً ومثاله من السُنَّة رواية نافع عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الشِّغَارِ» (١) وقوله ﷺ : «يَا بَنِى بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَانْكِحُوا إِلَيْهِ». وَكَانَ حَجَّامًا. رواه أبو داود.
فحكم حرمة الشغار يستفاد من النص أصالة، وحكم جواز إنكاح الحجام مستفاد من النص تَبَعًا.
٢ - إشارة النص: وهي دلالة اللفظ على حكم لم يقصد أصالة ولا تَبَعًا، ولكنه لازم للمعنى لزوماً عقلياً أو عادياً،
стр. 37
ومثاله قوله ﷺ : «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا». (١) والحكم الذي دَلَّتْ عليه إشارة النص وهو تجويز ركوب المرهون لغير المالك، ولغير المرتهن إذا أذن له المرتهن.
ومثله قوله ﷺ للنساء: «تَقْعُدُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا فِي عُقْرِ بَيْتِهَا لاَ تَصُومُ وَلاَ تُصَلِّي» (٢)، قُلْنَ بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» فهم الشافعي من الحديث بإشارة النص أنَّ الحيض خمسة عشر يوماً لأنَّ لفظة الشطر موضوع للنصف، والحديث ليس مسوقاً له ولكنه لبيان نقصان دين المرأة.
وحكم عبارة النص وإشارته حكم قطعي، إلاَّ إذا وجد ما يصرفه عن ذلك. ودلالة الإشارة تحتاج إلى ذكاء ودقَّة فهم من المجتهد.
٣ - دلالة النص: وهي دلالة الكلام على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه، لاشتراكهما في علة يمكن فهمها للعارف باللغة العربية من غير نظر ولا اجتهاد، مثل ما روي
стр. 38
أنَّ أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ وهو ينتف شعره ويقول: هلكت هلكت، فقال: «مَاذَا صَنَعْتَ؟» فَقَالَ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، فضرب بيده على صفحة عنقه وقال: لا أملك إلاَّ رقبتي هذه. فقَالَ ﵊ «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» فَقَالَ: هل أتيت ما أتيت إلاَّ من الصوم، فقال: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». فقَالَ: لاَ أَجِدُ، فقال: «اجْلِسْ» فجلس فأتى بصدقات بني زريق فقال:
«خُذْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً فَتَصَدَّقْ بِهَاعَلَى المَسَاكِينِ» فقال: أهَلْ على أهل بيت أحوج إليها مني ومن عيالي؟ فوالله ما بين لابتي المدينة أحوج إليها مني ومن عيالي: فقال ﷺ : «كُلْهَا أَنْتَ وَعِيَالِكَ» (١) وزيد في بعض الروايات: «يُجْزِيك وَلاَ يُجْزِئَ أَحَداً بَعْدَك» فَدَلَّ الحديث على وجوب الكفارة بالجناية على الصوم بالأكل أو الشرب، وهو حكم مسكوت عنه، فهم من حكم النصوص، وهو الجماع في نهار رمضان، من غير حاجة إلى إعمال نظر. كما
стр. 39
يدل دلالة نص على وجوب الكفارة على زوجته، وإنْ لم ينص عليها. لأنَّ علَّةَ الجناية على الصوم مُتَحَقَّقَةٌ فيها أيضاَ.
ومثله في السُنَّةِ كذلك قوله ﷺ : «لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ» (١) فالقود بغير السيف كالمسدس دلالة النص، ومنها منع القَوَدِ، بِأَنْ يُفْعَلَ بالقاتل مثل ما فُعِلَ بالمقتول، كالرضخ بالحجارة، أو تفريق الأجزاء.
٤ - دلالة الاقتضاء: وهي دلالة الكلام على لازم متقدم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحَّته شرعاً وعقلاً، ومثاله في السُنَّة قوله ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢) فقد نفى أَنْ تكون الأعمال بدون نية، وهذا مخالف للواقع، فَلاَبُدَّ أَنْ يكون المعنى اقتضاء وهو أنَّ «صِحَّةَ» الأعمال لا تكون إلاَّ بالنية، ومثله أيضاً قوله ﷺ : «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ» (٣) أي لا صِحَّةَ لصيامه، لأنَّ الصيام واقع موجود
стр. 40
بدون نية، وذلك بدلالة الاقتضاء، ومثله قوله ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (١) أي من الدين النصيحة.
هذا وقد قَسَّمَ غير الحنفية: وهي دلالة اللفظ على حكم شيء ذكر في الكلام ونطق به (وتشمل دلالة العبارة والإشارة والاقتضاء عند الحنفية) والقسم الثاني: دلالة المفهوم: وهي دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكر في الكلام ولم ينطق به، وبهذا ينقسم عندهم الكلام إلى مفهومين: مفهوم الموافقة: وهو أنْ يدل اللفظ على مساواة المسكوت عنه المذكور في الحكم، وهذا ما يسمى عند الحنفية (دلالة النص) ومفهوم المخالفة: وهو دلالة الكلام على انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت عنه؛ لانتفاء قيد من القيود في المعتبرة في الحكم. ولم يأخذ الحنفية مفهوم المخالفة، وأخذ به الجمهور، ومثاله في السُنَّة قوله ﷺ : «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَّكَاةُ» (٢)، فمفهوم المخالفة أنه لا زكاة في الغنم المعلوفة.