Полный текст (657 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقفة مع لحظة التمكين لرسول الله ﷺ
قبل أن نعرف ما الذي عمله الرسول ﷺ في المدينة المنورة، أريد أن أقف وقفة وأقول: إن لحظة التمكين قد تكون قريبة جداً، راجع معي الفترة التي سبقت الهجرة إلى المدينة المنورة بثلاث سنوات.
قبل ثلاث سنوات من الهجرة كان عام الحزن الذي مات فيه أبو طالب والسيدة خديجة ﵁ وأرضاها، وأظلمت مكة تماماً، وأُغلق فيها باب الدعوة، حتى اضطر الرسول ﵊ لأول مرة في تاريخه أن يخرج من مكة المكرمة سعياً وراء إيصال الدعوة إلى غيرها؛ لأنه لم يجد أحداً في مكة المكرمة سيؤمن في تلك اللحظة، وخرج ﷺ في مشوار طويل شاق جداً إلى الطائف، وتعلمون جميعاً ما حدث في الطائف، وخرج منها ﷺ وقد رُمي بالحجارة وأُلقي التراب فوق رأسه وسُب بأقبح الألفاظ، ودخل مكة بعد ذلك في جوار مشرك وهو مطعم بن عدي، والمحلل للوضع يجد أنه من المستحيل حقاً في عرف أهل الدنيا وفي حسابات المادة أن تقوم لرسول الله ﷺ ولمن معه من المؤمنين المضطهدين المشردين المعذبين في داخل مكة المكرمة دولة، ولو بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين أو مائة سنة.
وراجع مرة أخرى الفترة المكية لتعرف صعوبة هذه الفترة، لا يوجد فيها أي أنصار من أي نوع، رفضت مكة الإيمان، ورفضت الطائف الإيمان، ورفضت كل القبائل التي أتت في العام العاشر والعام الحادي عشر من البعثة جميعاً الإيمان بالله وبرسوله الكريم ﷺ ، ولم يقبل من كل الذين دعاهم ﷺ الإيمان إلا ستة من الخزرج في آخر العام الحادي عشر من البعثة، كانت هذه الأحداث قبل الهجرة بسنتين، وفي غضون سنتين أصبح الرسول ﷺ قائداً لدولة، ومع أن الدولة بُقعة صغيرة لا تُرى على خريطة العالم في ذلك الوقت في المدينة المنورة، لكن أصبحت له دولة وأصبح ممكناً وزعيماً، وأصبح الجميع يسمع له ويطيع.
سبحان الله! حصل هذا بدون أي نوع من الشواهد، لم نكن نرى أي شاهد، لكن إذا قارنت هذا الوضع بما نحن عليه الآن في عصرنا هذا فإنك ستجد أن الشواهد لإقامة الأمة الإسلامية كثيرة جداً، راجع ثلاثين سنة أو أربعين سنة مضت كيف كان وضع المسلمين ووضعهم حالياً بفضل الله؟ كم من الناس يصلون الآن في المساجد؟ ففي الستينات لم يصل من الناس في المساجد إلا عدد قليل نادر، وتجد المصلي كبيراً جداً في السن، وانظر الآن إلى المساجد بحمد الله، فإنك ستجد عدد المصلين هائلاً وبالذات من الشباب.
كم من المحجبات والملتزمات بالزي الشرعي؟ كم من الدعاة أصحاب الفهم الصحيح الشامل للإسلام انتشروا في بقاع الأرض بكاملها؟ كم من الهيئات تتبنى الآن شئون الإسلام؟ بل انظر إلى كم من المتسلقين الراغبين في السيطرة على أفكار الناس يلوحون بالإسلام وينافقون المسلمين؟ فمن ثلاثين إلى أربعين سنة لم يكن هناك شيء اسمه نفاق للإسلام؛ لأن الإسلام كان ضعيفاً، أما في هذا الوقت فإن الجميع ينافق المسلمين، وإذا رأيت الرجل ينافق الإسلام أو ينافق المسلمين فاعلم أن الإسلام قوي وقاهر، وأن له حضوراً وهيبة وعظمة في قلب هذا الذي ينافق؛ ولذلك ينافقه، وبفضل الله الآن لو راجعنا قلوب ومشاعر العالم الإسلامي بصفة عامة تجد فيها انسياقاً طبيعياً فطرياً للإسلام.
أيضاً عند الانتخاب مثلاً تجد الناس يختارون من رفع لواء الإسلام وشعاره، وإن كانوا لا يعرفون اسمه؛ وذلك لأنه يتبنى الفكر الإسلامي الذي يحبه الناس، فهذه كلها علامات وشواهد على قرب قيام الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية بإذن الله.
أما أيام الرسول ﵊ فلم يكن هذا موجوداً في فترة عام الحزن ولا في العام الذي تلاه، ومع ذلك قامت الأمة الإسلامية، وأقيمت دولة إسلامية تقيم شرع الله في غضون ثلاث سنوات فقط.
стр. 177
الأعمال النبوية التي قام بها ﷺ بعد وصوله إلى المدينة المنورة
لابد أن تركز على الترتيبات النبوية بعد وصوله مشارف المدينة، أول شيء فعله كذا ثم كذا ثم كذا، فهذا الترتيب مقصود، وكل الإشارات في حياته ﷺ لها معنى، بل كل حركة وسكنة في حياته كانت بتوجيه ومراقبة من رب العالمين ، حتى اختياراته البشرية ﷺ التي كانت لا تتوافق مع ما يريده رب العالمين ؛ كان ينزل جبريل ﵇ مباشرة ليعدل المسار للرسول ﷺ ، وليوضح لهم مراد رب العالمين من هذه النقطة، فأصبحت السيرة النبوية من أولها إلى آخرها بوحي وتأييد من رب العالمين .
ولا وصول إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا باتباع خطوات الرسول ﷺ ، وبالترتيب الذي فعل ﷺ .
стр. 178
بناء مسجد قباء وبعده المسجد النبوي وأهمية ذلك
أول الخطوات إنشاء مسجد قباء، فقد ظل ﷺ في قباء أسبوعين تقريباً، وانتقل بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وسنرجع إلى النقطة هذه بعد قليل.
في المدينة المنورة استُقبل الرسول ﷺ من الأنصار استقبالاً كبيراً جداً ومشرفاً مرة أخرى، بعد أسبوعين من انتقاله من قباء، وتسابق الأنصار جميعاً بشتى قبائلهم على استقبال الرسول ﷺ ، وكان كل واحد من الأنصار يريد أن تأتي ناقته ﷺ إلى بيته، فكل فرد من الأنصار يريد أن يدخل النبي ﷺ عنده، لكن الرسول ﷺ قال كلمة أصبحت منهجاً لحياة الصحابة بعد ذلك، قال ﷺ : (دعوها فإنها مأمورة).
أي: دعوا الناقة فإنها مأمورة من رب العالمين ، وأنا أيضاً مأمور، والمؤمنون جميعاً مأمورون: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] فالرسول ﷺ لا يستطيع أن يختار إذا كان الله هو الذي يختار له أمراً من الأمور، وكأن الرسول ﷺ يقول: قد أجلس في بيت فلان أو بيت فلان، أو بيت أقربائي من بني النجار، أو بيت صحابي كبير، أو أحد ممن أحبهم، لكن إذا أمر الله فلا مجال للهوى ولا مجال للاختيار، فالذي يأمر الناقة هو رب العالمين ، وعلينا جميعاً أن نسمع ونطيع؛ هكذا علمهم بوضوح، وكان من الممكن أن ينزل الوحي ليقول للرسول ﵊: انزل في بيت فلان، أو ضع المسجد في هذا المكان الفلاني، لكن هذا المشهد العلني أمام الجميع، والجميع يتسابق لاستقباله ﷺ ، وهو يخرج نفسه تماماً من الاختيار ويجعل الاختيار الكامل لرب العالمين، هذا المشهد زرع معنى مهماً جداً، سيظل معنا طول فترة المدينة المنورة، وما أكثر التشريعات والأحكام التي نزلت في المدينة المنورة، وقد لا يفقهها عامة الناس، وقد لا يدركون الحكمة من وراء الأمر، ومع ذلك عليهم أن يسمعوا ويطيعوا لله رب العالمين، وبركت الناقة في مكان معين في المدينة المنورة، وفي هذا المكان قرر الرسول ﷺ أن يبني المسجد النبوي.
فأول شيء فعله ﷺ في قباء هو بناء المسجد، وأول شيء فعله في المدينة المنورة بناء المسجد النبوي، وفعله هذا ليس مصادفة أو إشارة عابرة، بل هو منهج أصيل.
فلا قيام لأمة إسلامية بغير تفعيل لدور المسجد؛ فالمساجد في هذا الوقت كثيرة، لكن كثيراً منها غير مُفعّل كمسجد، مخطئ من ظن أن المسجد لم ينشأ إلا لأداء الصلوات الخمس فقط، بل في بعض الدول الإسلامية يُقفل المسجد مباشرة بعد الصلاة، وكأن دوره الوحيد هو الصلاة فقط.
إن دور المسجد في بناء الأمة الإسلامية أعمق من ذلك بكثير، وليست أهمية المسجد في حجمه أو شكله أو زخرفته أو قص الشريط لفتحه، هذه كلها شكليات فارغة لا قيمة لها، والرسول ﷺ كان ينهى عن هذه الشكليات، وكان ينهى عن المبالغة في تزيين المساجد، وكان يقول: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد) هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل ﵀ وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنس ﵁ وأرضاه، ولفظ ابن خزيمة: (يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلاً)، تجد المساجد ضخمة وكبيرة جداً وتجد فيها صفاً أو صفين! وقال ﷺ : (ما أُمرت بتشييد المساجد) والتشييد: رفع البناء زيادة عن الحاجة، وقال في رواية أبي داود: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)، نهتم بالشكليات كالرخام والزخارف وما إلى ذلك، ولا نهتم بالتربية داخل المسجد.
والمسجد في حياة الأمة له أدوار في غاية الأهمية، من ذلك: الحفاظ على إيمان المسلمين، فالأساس الرئيس الذي اجتهد ﷺ في زرعه في صحابته هو الإيمان بالله ، والمسجد كما يظهر من اسمه هو مكان للسجود لرب العالمين ، للرضوخ الكامل له، والطاعة المطلقة لكل أوامره.
فمن الصعب جداً أن يجلس المسلمون في بيت الله ؛ ليأخذوا قراراً أو يعتمدوا رأياً، ثم هم يخالفون ما أراده الله منهم.
والمسجد مكان يحفظ على المسلمين دينهم؛ ولهذا كانت حياة المسلمين تدور في مجملها حول محور المسجد، فالصلاة في المسجد لا ينبغي التخلف عنها إلا في ظروف ضيّقة ومحدودة؛ لأن المسجد مكان لالتقاء المسلمين وتقوية للأواصر بينهم، فعدم الحضور لصلاة الجماعة في المسجد عمل لا يقوي الأواصر بين المسلمين، فأنت إذا كنت تحافظ على الصلاة خم
стр. 179
كيفية بنائه ﷺ للمسجد النبوي
وقف ﷺ مع صحابته جميعاً يبنون المسجد النبوي بالمدينة المنورة، وفي بناء هذا المسجد دروس لا تُحصى: أولاً: البساطة في البناء، والاهتمام الكامل بالجوهر لا بالشكل.
كان المسجد مبنياً من اللبن والجريد، ومع ذلك أخرج عمالقة حكموا العالم بعد ذلك.
وكان الجميع يتمنى أن يحمي الرسول ﷺ ويفديه بنفسه وروحه، وأن يفديه من كل تعب أو نصب، ولكن الرسول ﷺ نزل بنفسه مع الصحابة ليبني المسجد ويأخذ معهم التراب، وينقل معهم الحجارة، ويقيم الأعمدة، ويخطط للمسجد، وهذه من أبلغ الوسائل لتربية الشعوب.
ثانياً: المشاركة الحقيقية والمعاناة الكاملة مع الشعب، وسنجد هذه النقطة معنا في سيرته ﷺ كاملة، ففي بدر تجده يقاتل بنفسه ﷺ ، وفي أحد كذلك، وفي حفر الخندق يحفر معهم، وفي السفر والحضر معهم في مشاكلهم وأفراحهم وخلافاتهم، معهم في كل أزمة وفي كل لحظة، معهم حتى إلى القبور، فأي واحد منهم يموت يحرص ﷺ على الذهاب معه إلى قبره، فمن أول ما بدأ أخذ يربي إلى أن مات ﷺ ، وهكذا مع عموم شعبه ﷺ ، فمهما كان الإنسان بسيطاً أو فقيراً أو من قبيلة أخرى أو من لون آخر أو من جنس آخر، فكل المسلمين عنده سواء، وهو ﷺ واحد منهم، وهكذا كان زعماء الأمة في زمان قوة المسلمين.
فهذه أسس رئيسة لبناء الأمة الإسلامية، وما نتحدث عنه الآن في إيجاز يحتاج إلى تفصيلات كثيرة جداً، وتأصيل في داخل الأمة الإسلامية لترفع رأسها من جديد.
стр. 180
كيفية بناء بيت النبي ﷺ في المدينة
هناك موقف لطيف حصل من الرسول ﷺ بعد قرار بناء المسجد في هذا المكان، أنتم تعرفون أن الرسول ﷺ قال عن الناقة: (دعوها فإنها مأمورة)، وبذلك حُدد مكان المسجد النبوي، وفي هذا الوقت لم يكن النبي ﷺ قد سكن المدينة المنورة، ولم يبن له بيتاً، فأين يسكن ﷺ ؟ قال: (أي بيوت أهلنا أقرب؟) لم يبحث ﷺ عن أفخم بيوت المدينة أو أقربها إلى قلبه، لكن قال: (أي بيوت أهلنا أقرب؟) أياً كانت هذه الدار، فكل ديار المسلمين داره ﷺ ، بغض النظر عن أصولهم أو عرقياتهم أو عن قبائلهم، فقد يكون المسلم الباكستاني أو السوري أو الإندونيسي أو الأمريكي أقرب إلى المسلم من أخيه الذي يربطه النسب به ولا يشترك معه في العقيدة، وما أبلغ ما قاله رب العالمين لنوح ﵇: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] سبحان الله! ابنه ليس من أهله؛ لأنهما مختلفان في العقيدة، وها هو الرسول ﷺ يبحث عن أقرب بيوت أهله، مع أن الرسول ﵊ من قريش، وهؤلاء من الأوس والخزرج، وأقرب بيت كان هو بيت أبي أيوب الأنصاري ﵁، وفيه مكث الرسول ﵊، وحدثت فيه أحداث لطيفة لا يسمح المجال بتفصيلها.
استقر الرسول ﵊ في بيت أبي أيوب الأنصاري، وظل فيه فترة من الزمن إلى أن بُني له بيت، وعندما نقول: بيت، فهذا مجاز، فالرسول ﷺ بُني له حجرة بسيطة جداً وصغيرة تفتح على المسجد، وكان كل زوجة من زوجات الرسول ﵊ لها حجرة واحدة، وفي هذه اللحظة التي أتى فيها إلى المدينة المنورة لم يكن متزوجاً إلا بالسيدة سوده بنت زمعة ﵂ وأرضاها، فكانت له حجرة واحدة، وكان قد عقد على السيدة عائشة ﵂، لكن لم يبن بها بعد.
ويبدأ الرسول ﵊ في بناء دولة لا تحكم المدينة فقط، بل تحكم دولة مؤهلة لقيادة الأرض بكاملها، ولهز عروش ضخمة وممالك عظمى من هذا البناء البسيط الصغير.
إن المسجد النبوي البسيط الذي بُني في ذلك الوقت لا شك أنه مجهود هائل، ولا شك أنه في ظن كثير من الناس حلم بعيد المدى ومستحيل، لكن سبحان الله! هذا الحلم تحقق وبخطوات معروفة وثابتة.
إذاً: لابد لنا في هذه المجموعات من المحاضرات أن نتعرف على خطوات الرسول ﷺ : الخطوة الأولى سبق وأن قلناه: إنها خطوة الإيمان الحقيقي اليقيني بالله ، وهذه بنيت في مكة وأول قدومه إلى المدينة ﷺ ، فقد حرص ﷺ على التأكيد عليها، وعلى زرع معناها من جديد في المسجد النبوي ومسجد قباء.
стр. 181
الطوائف الموجودة في المدينة المنورة وخارجها وكيفية تعامله ﷺ معها
أول شيء فعله الرسول ﵊ بعد بناء المسجد دراسة واقع المدينة المنورة بعد الهجرة إليها.
من الذي يعيش في المدينة المنورة؟ من حول المدينة المنورة؟ من أصحاب المدينة المنورة؟ من يعادي المدينة المنورة؟ من يحايد المدينة المنورة؟ فالرسول ﵊ يبني دولة على أرض فيها الكثير من المتغيرات الهائلة، والمشاكل الضخمة، والأزمات الطاحنة.
وهكذا تعددت الطوائف التي يجب أن يتعامل معها رسول الله ﷺ من أول يوم هاجر فيه، وكل طائفة لها مشاكل خاصة وحسابات مختلفة وأزمات متشعّبة، ولها أولويات تختلف كثيراً عن أولويات الطوائف الأخرى.
من هي الطوائف المختلفة، حتى نعرف كيف كانت حكمة الرسول ﵊ في التعامل مع هذه الطوائف المختلفة؟ هذه الطوائف تستطيع أن تقسمها إلى ثلاث مجموعات، وسوف تظهر بعدها مجموعة رابعة خطيرة جداً في المدينة المنورة، لكن بعد سنتين من الهجرة إلى المدينة المنورة.
стр. 182
طائفة المسلمين
المجموعة الأولى من هذه الطوائف: مجموعة المسلمين، والمسلمون هؤلاء أكثر من نوع وطائفة: الطائفة الأولى: أهل المدينة الأصليون من المسلمين، الذين عُرفوا بعد هذا بالأنصار، هؤلاء كانوا طائفتين كبيرتين: الأوس والخزرج، وكانت هناك مشاكل كبيرة بين الطائفتين، وسننظر كيف تعامل الرسول ﷺ مع هذه المشاكل.
الطائفة الثانية: طائفة المهاجرين الذين فروا بدينهم من مكة إلى المدينة بغير زاد ولا مال ولا بيوت ولا أي شيء، وكان موقفهم حرجاً جداً.
الطائفة الثالثة: طائفة المهاجرين إلى الحبشة، وعددهم كبير، وكان عددهم أكثر من (٨٠) رجلاً وامرأة مع أولادهم وممتلكاتهم، وهم موجودون في الحبشة ولهم فيها سنوات.
الطائفة الرابعة: المسلمون في القبائل غير المكية الذين يعيشون في شبه استقرار، ولكن بعيداً عن المدينة المنورة كبعض المسلمين في اليمن، وبعض المسلمين في قبيلة غفار، وفي قبيلة أسلم، وفي غيرها من القبائل، فهم بعيدون عن المدينة المنورة، وليس لهم سند واضح في داخل المدينة المنورة، ومع ذلك هم في قبائلهم أعزة.
الطائفة الخامسة: طائفة المستضعفين في مكة، الذين لم يهاجروا إلى المدينة المنورة؛ لضعفها وقلة حيلتها، كـ أم الفضل ﵂ زوجة العباس بن عبد المطلب، والعباس لم يسلم بعد، وهي امرأة ضعيفة فكيف تهاجر بمفردها، ومعها ابنها عبد الله بن عباس ﵁ وأرضاه، وكان يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين في مكة، فلم يستطع أن يهاجر.
فهذه خمس طوائف من المسلمين، وعلى رسول الله ﷺ أن يضع حلاً وطريقة ومنهجاً لكل طائفة، وهي طوائف متباينة كما ترون، كل طائفة تعيش في ظروف لها خلفيات وتربية وأصول.
إذاً: الوضع معقد جداً، وعلى الرسول ﷺ أن يحل كل هذه المشاكل، ويقيم دولة متجانسة من هذه الطوائف المختلفة من الناس.
هذه أول مجموعة من الذين تعامل معهم رسول الله ﷺ .
стр. 183
طائفة المشركين
المجموعة الثانية: طائفة المشركين، وهذه المجموعة مختلفة تماماً، فقد فُرض عليه ﷺ أن يتعامل معها، ولم يعتقد أحد أن المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها الرسول ﵊ سوف تمتلئ بالمسلمين، بل إن استقبال الأوس والخزرج للنبي ﷺ كان من قبل المسلمين، فهناك الكثيرون من الأوس والخزرج إلى هذه اللحظة لم يسلموا، ظلوا على شركهم، وظلوا يعبدون أصنامهم في وجود الرسول ﷺ .
إذاً: أولاً: المشركون من الأوس والخزرج.
ثانياً: المشركون من الأعراب حول المدينة، وهي قبائل عاشت على السلب والنهب وقطع الطريق في معظمها، فهي قبائل خطيرة جداً لا تريد إلا المصالح والسرقة والنهب، فكيف سيتعامل الرسول ﷺ معها؟ ثالثاً: المشركون من القبائل الكبرى حول المدينة، فبعض القبائل الكبيرة الضخمة حول المدينة ما زالت مشركة، كيف سيتعامل معها الرسول ﵊؟ كقبيلة جهينة وقبيلة مزينة.
رابعاً: المشركون من قريش، ولا يظن أحد أن قريشاً ستنسى قصة الرسول ﵊ بمجرد الهجرة، نعم، المسافة طويلة ما بين مكة والمدينة المنورة، والظروف قاسية، طريق صحراوي وعر في ذلك الوقت، ومع ذلك يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فهذا أمر واضح أن قريشاً لن تنسى القصة، وبالفعل لم تنس قريش.
стр. 184
طائفة اليهود
المجموعة الثالثة: مجموعة اليهود، واليهود معروف عنهم أنهم أهل غدر وخيانة، وهم في ذلك الوقت أهل قوة وسلاح وعتاد، فكيف سيتعامل معهم الرسول ﷺ ، خاصة أنهم لم يكونوا حول المدينة المنورة، بل كانوا داخل المدينة المنورة، وهم ثلاث قبائل قوية قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة؟ وليس هذا فحسب، فهناك في شمال المدينة المنورة قبائل تعيش في منطقة خيبر ووادي القرى، وكلها قبائل اليهود.
فكيف سيتعامل الرسول ﷺ مع هؤلاء اليهود؟ أتراه يعاهدهم أم يحاربهم؟ هناك طرق مختلفة جداً للتعامل كانت في حياة الرسول ﵊، ولكل طريقة منها ظرف، فإن لم أكن أعرف الظروف التي من أجلها اختار ﷺ منهجاً معيناً في التعامل مع هذه الطوائف المختلفة المتباينة فإني لن أفهم السيرة جيداً؛ لذلك يجب الوقوف عند كل حدث من هذه الأحداث وتحليله بدقة، لكي نعرف ما هي الأبعاد التي من وراء هذا الحدث؛ ومن أجلها أخذ الرسول ﷺ قراراً دون قرار.
فهذه المجموعات الثلاث مهمة جداً، تعامل معها رسول الله ﷺ ، وهي: مجموعة المسلمين، ومجموعة المشركين، ومجموعة اليهود.
وسوف تظهر لنا بعد سنتين مجموعة المنافقين، لكن سنؤجل الكلام عليها عندما نصل إليها.
يا ترى! ما الذي فعله الرسول ﵊ مع كل مجموعة من هذه المجموعات؟ ويا ترى! كيف كان تعامله مع هذه الطوائف المتباينة؟ ويا ترى! ما هو حكم الشارع الإسلامي في التعامل مع هذه النوعيات المختلفة من البشر؟ بما أن الكلام هذا يحتاج إلى تفصيل كثير، والوقت هنا لا يتسع، نؤجل -إن شاء الله- الحديث عن هذه الأسئلة المهمة إلى اللقاء القادم.
قبل أن ننتهي نلخص الدروس المهمة جداً التي خرجنا بها من هذه المحاضرة، وهي كيف يمكن أن تُبنى أمة الإسلام؟ أولاً: الأصول الثلاثة: لا إله إلا الله.
أن محمداً رسول الله ﷺ .
أن هناك بعثاً يوم القيامة، يحاسب فيه رب العالمين المحسن على إحسانه بالجنة، والمسيء على إساءته بالنار.
ثانياً: تسابق المسلم إلى البذل وإلى العطاء، كما تسابق الأنصار ﵃ وأرضاهم إلى استقبال الرسول ﷺ ، مع خطورة استقباله في داخل المدينة المنورة.
ثالثاً: المسجد ودوره في بناء الأمة الإسلامية واتساع الأفق عند المسلم؛ لكي يعرف أن دور المسجد ليست في الصلاة فقط، وإنما له دور في كل نقطة من نقاط حياة المسلم.
رابعاً: المشاركة بين القائد والشعب، مشاركة الرسول ﵊ للمسلمين في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم.
خامساً: رباط العقدية الذي وضحه ﷺ عندما قال: (أي بيوت أهلنا أقرب؟)، فالرابط الذي يربط المسلمين هو رباط العقيدة، وليس رباط القبيلة ولا اللون ولا الجنس ولا اللغة ولا غير ذلك من الأمور.
سادساً وأخيراً: فقه الواقع، لكي يعرف الرسول ﷺ كيفية التعامل في داخل المدينة المنورة صنف الناس كلهم إلى الطوائف التي تنتمي إليها، ومن ثم كان تعامله ﷺ مع كل طائفة مختلفاً.
وهذا الذي سوف نعرفه إن شاء الله في الدرس القادم.
أسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 185
سلسلة السيرة النبوية_ مجتمع المدينة
لما استقر النبي ﷺ في المدينة أخذ يقف موقف السياسي الحكيم في جمع المسلمين على كلمة واحدة، وظهر ذلك جلياً في مؤاخاته بين الأوس والخزرج، تمهيداً للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد المعاهدات والتحالفات مع المشركين الذين كانوا حول المدينة، واستطاع النبي ﷺ أن يكوِّن دولة قوية بأبدع سياسة وأحكم تصرف في التاريخ.
стр. 186
ملخص الخطوات التي سار عليها النبي ﷺ في تأسيس الدولة الإسلامية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني من دروس العهد المدني في السيرة النبوية.
تحدثنا في الدرس السابق عن هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، وكيف أسس فيها أمة من لا شيء فدولة المدينة المنورة كانت قبل رسول الله ﷺ لا تمثل إلا قبيلتين صغيرتين في الجزيرة العربية، ولا مقارنة مطلقاً بينها وبين الدول الكبرى الموجودة في العالم، ومع ذلك أسس رسول الله ﷺ دولة قوية وقفت على قدم المساواة مع القوى العالمية الموجودة في ذلك الزمن، بل وتفوقت عليها كما سيتبين ذلك إن شاء الله في الدروس والحلقات القادمة.
هذه الخطوات التي سار عليها ﷺ وأسس بها الدولة الإسلامية، لابد أن تبرز بعناية كما ذكرنا في الدرس السابق.
فقد ذكرنا من هذه الخطوات في الدرس السابق الإيمان الجازم برب العالمين ، وبقدرته وبحكمته وعلمه ، وإحاطته بكل شيء، ونصرته للمسلمين، وتأييده لإقامة هذه الأمة إن ارتبط المسلمون به، هذا أمر في منتهى الأهمية، وأساس رئيس من الأسس التي تبنى عليها الأمة الإسلامية.
الأساس الثاني في غاية الأهمية: وهو الإيمان الجازم بأن ما أتى به رسول الله ﷺ ، أتى به لكونه رسولاً من عند رب العالمين ، فكل ما قاله وشرعه ﷺ يقع منا موقع القرآن الكريم، فيصبح المصدر التشريعي للإسلام عندنا القرآن الكريم والسنة المطهرة.
الأساس الثالث في غاية الأهمية: هو الإيمان الجازم بالبعث يوم القيامة وبالحساب، وبأن الله مطلع على أعمالنا، ومطلع على قلوبنا، وسيجزينا بالجنة إن عملنا صالحاً، وسيجازينا بالنار إن عملنا غير ذلك.
وتحدثنا أيضاً عن دور المسجد في بناء المجتمع المسلم، وتنوع هذا الدور من ناحية الحفاظ على إيمان الأمة، والترابط والتراحم بين المسلمين، وإذابة الفوارق بين الحكام والمحكومين، وبين الأغنياء والفقراء وغير ذلك من الأمور المهمة جداً في دور المسجد.
وأيضاً ذكرنا مشاركة رسول الله ﷺ قائد المسلمين لشعبه في كل أمور الحياة، بما فيها بناء المسجد وغير ذلك من الأمور التي فصلنا فيها في الدرس السابق.
стр. 187
كيفية تعامل النبي ﷺ مع المسلمين في المدينة
وصلنا في الدرس السابق إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي تعامل الرسول ﵊ مع الطوائف المختلفة الموجودة في المدينة المنورة في ذلك الوقت، وفي خارج المدينة المنورة، وترتبط علاقتها بشكل مباشر مع المسلمين، وذكرنا أن هذه الطوائف نستطيع أن نجمعها في ثلاث مجموعات كبرى: مجموعة المسلمين بشتى أنواعهم، ومجموعة المشركين، ومجموعة اليهود.
وسنرى اليوم كيف تعامل ﷺ مع كل طائفة من هذه الطوائف؟ أولاً: مجموعة المسلمين، وهذه أهم مجموعة عند الرسول ﵊، فهي عصب الدولة الإسلامية، فالمسلمون يقوم على أكتافهم الصرح الضخم الهائل: أمة الإسلام.
стр. 188
المؤاخاة بين الأوس والخزرج
أول طائفة من المسلمين: طائفة الأوس والخزرج (الأنصار)، وهؤلاء هم أهل المدينة الأصليون الذين استضافوا الرسول ﵊ والمهاجرين ﵃ وأرضاهم في المدينة المنورة، وقدموا تضحيات كبيرة جداً لإيواء المسلمين، مع كل المخاطر والمشاكل التي قابلت الأنصار نتيجة هذا العمل العظيم، فالأنصار في المدينة المنورة من الأوس والخزرج هما من أكبر القبائل العربية في ذلك الوقت.
كانت قبيلة الخزرج ثلاثة أضعاف قبيلة الأوس تقريباً، لكن المشكلة الكبرى التي واجهت رسول الله ﷺ أن العلاقة بين القبيلتين قبل الإسلام كانت في منتهى الشراسة والعنف، فآثار الدماء لم تجف بعد من سيوف هؤلاء وهؤلاء، وقد قامت بين الأوس والخزرج حرب مشهورة في التاريخ، يقال لها: يوم بعاث، وكانت هذه الحرب قبل بيعة العقبة الأولى بسنتين فقط.
فالمطلوب من الرسول ﵊ أن يوحد الأوس والخزرج في كيان واحد؛ يدافع عن المدينة المنورة ويحل مشاكلها، ويقف مع الرسول ﵊ في خندق واحد، يقف الأوسي بجانب الخزرجي، ولا يتذكر مطلقاً أي ثأر كان بينه وبين إخوانه من القبيلة الأخرى، وهذا شيء صعب جداً خاصة في هذه البيئة القبلية العربية القديمة.
اعتمد الرسول ﷺ اعتماداً كبيراً على صدق إيمان الأنصار ﵃ وأرضاهم في التأليف بين قلوبهم، فجمع الأوس والخزرج وذكرهم بالله ، ووضح لهم أن الرابط الأساسي بين المسلمين في هذا الدين الجديد الذي بعث به ﷺ هو رباط العقيدة، فكل رباط غير هذا الرباط لا ينظر إليه مطلقاً، وكما ذكرنا أن الرسول ﷺ قال: (أي ديار أهلنا أقرب؟)، يسأل عن ديار أهله من الأوس والخزرج، وكان فرع الرسول ﵊ بعيداً جداً عن فرع الأوس والخزرج، فقريش عدنانيون، والأوس والخزرج قحطانيون، وهما فرعان كبيران جداً، فإذا كان الرسول ﵊ وهو من قريش يعتبر أن الأوس والخزرج أهله، فما بالك بالأوس والخزرج الذين هم من فرع واحد، يقال له: بنو قيلة من القحطانيين؟ وهكذا ضرب الرسول ﷺ على هذا الوتر الحساس؛ ولصدق إيمان الأوس والخزرج تقاربت القلوب، سبحان الله! الإسلام يغير تماماً من تكوين الإنسان، ويغير من كل الدوافع التي كانت تحركه قبل ذلك، فيترك قوانين الأرض الوضعية المادية؛ لينتقل بعد ذلك إلى قانون السماء الرفيع، وهكذا نسي الأوس والخزرج تماماً كل الثارات القديمة، وتوحدوا مع رسول الله ﷺ في خندق واحد.
فهذه أول خطوة عملها الرسول ﵊، وهي قبل خطوة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ومعلوم أن الناس يعرفون قصة المؤاخاة، لكنهم لا يعلمون أن الرسول ﵊ جلس جلسة مهمة مع الأوس والخزرج؛ ليضع الأساس المتين لبناء الأمة الإسلامية قبل أن يؤاخي بينهم وبين المهاجرين.
إذاً: أول طائفة تعامل معها ﷺ هي طائفة الأوس والخزرج، وآخى بينها على أساس الدين.
стр. 189
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
الطائفة الثانية: طائفة المهاجرين من مكة إلى المدينة، وكان وضعهم الاقتصادي في منتهى الخطورة، فقد تركوا أموالهم، وتركوا الديار والأهل والعشيرة، تركوا كل شيء، وانتقلوا إلى بلد جديد تماماً، وكثير من الذين هاجروا لم يزوروا المدينة المنورة قبل ذلك مطلقاً، وهذه أول مرة يخرجون فيها من مكة إلى المدينة.
تخيل كيف أن شخصاً ترك كل حياته وأعماله وتجارته، وانتقل إلى حياة جديدة وليس معه شيء، وإلى أرض جديدة ليست مألوفة بالنسبة له، وإلى فرع من القبائل لا يمت إليه بصلة قريبة، أضف إلى كل ذلك أن المدينة المنورة كانت تعاني من الفقر، فالأنصار كانوا فقراء، ونحن نظن أن الأنصار أغنياء، وما ذلك إلا لكثرة عطائهم؛ فالإيثار الذي كان يتميز به الأنصار كان يعطيهم صبغة الأغنياء، لكن عموم الأنصار كانوا فقراء، والقلة منهم كانوا أغنياء، فكيف يؤتى بمجموعة من فقراء المهاجرين الذين تركوا كل شيء وراء ظهورهم، فتحمل المدينة المنورة عبئاً ضخماً بإيواء مجموعة أخرى من البشر، وهم لا يكادون يعيشون وينفقون على أنفسهم، فكيف ينفقون على غيرهم؟ فكيف يحل رسول الله ﷺ هذه المشكلة الضخمة؟ فهذه مشكلة اقتصادية كبرى ستواجه المدينة المنورة عند نزول المهاجرين إليها؟ الحالة النفسية أيضاً للمهاجرين كانت صعبة جداً، فالمهاجر قد ترك كل شيء وانتقل إلى المدينة المنورة، فهو يحتاج إلى تطييب الخاطر.
احتوى الرسول ﵊ هذه الأزمة بمنتهى الحكمة، وكل هذا كان بمنهج رباني إلهي، فالله قد أنزل قرآناً في هذه الأمور، وأوحى إلى رسول الله ﷺ بأفعال وأعمال عملها وحدت المسلمين في كيان قوي وجميل جداً.
ومعلوم أن الإنسان الذي يهاجر من بلده إلى بلد آخر يشعر بشيء من الذلة والضعف، ويحتاج إلى من يقول له: لا، أنت لست ذليلاً ولا ضعيفاً، بل أنت قوي عندما تركت بلدك وتركت كل شيء، وكان من الممكن أن يكون كل شيء معك ولا تؤمن بهذا الدين الجديد، فأنت رجل معظم ومكرم ومقدم على غيرك، هكذا فعل الله في كتابه الكريم، فقد أنزل آيات رفعت من قدر المهاجرين؛ فالمهاجر أصبح يفتخر بأنه مهاجر، والأنصاري أصبح يفتخر بأنه آوى مهاجراً، وانظر إلى كلام رب العالمين في كتابه الكريم: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران:١٩٥]، ويقول ربنا : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨]، ويقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠] إلى آخر الآيات.
هذه الآيات وغيرها رفعت من معنويات المهاجرين، فهذا الشيء يدعو إلى الفخر فعلاً، بل نتج عنها تهيئة نفسية جميلة جداً للأنصار، إذ يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أي: فقر ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
إذاً: تسابق المهاجرون للهجرة، وتسابق الأنصار للنصرة ﵃ أجمعين.
وهذا الأمر ليس موجوداً إلا في المنهج الإسلامي، وانظروا إلى حال اللاجئين في بقاع العالم المختلفة، فأي مجموعة من اللاجئين لأي ظرف من الظروف، سواء كانت ظروفاً عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك يمثلون عبئاً ثقيلاً على أهل البلد التي هاجروا إليها، بل اللاجئون أنفسهم يشعرون بذلة وضعف وهوان؛ لكونهم تركوا ديارهم وأرضهم وعشيرتهم وما يمتلكون، والدولة التي آوتهم تشعر بعبء اقتصادي ثقيل وسياسي، ينتج عن ذلك ضغوط عليها من هنا وهناك؛ وما ذلك إلا لأنهم ليسوا مرتبطين برب العالمين ، والأمر في النهاية يعود إلى الإيمان، فالإيمان من أهم أصول بناء الأمة الإسلامية، بل هو أهمها على الإطلاق.
قال سبحانه في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٤]، هؤلاء المهاجرون ثم يقول: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٤] هؤلاء الأنصار ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤].
إذاً: لا أستطيع أن أبني أي تشريع إسلامي أو قانون
стр. 190
التهيئة النفسية للمهاجرين والأنصار
أول شيء عمله الرسول ﵊ بوحي من رب العالمين : أنه هيأ الأنصار والمهاجرين لقبول فكرة ترك الديار في مكة، والانتقال إلى المدينة المنورة، وهذا شيء صعب، لكن بفضل الله كانت قوة إيمان المهاجرين والأنصار كفيلة بأن تطبق هذا المعنى كما أراده رب العالمين .
فهذا كان أول محور احتوى به الرسول ﵊ أزمة انتقال المهاجرين من مكة إلى المدينة.
المحور الثاني في غاية الأهمية: الكفالة السريعة للمهاجرين، فلابد لهذه الأعداد الضخمة التي دخلت المدينة المنورة أن تؤوى بصورة مناسبة، وأول شيء فعله رسول الله ﷺ لإيواء المهاجرين كان أمراً عجيباً غير متكرر في التاريخ، فهو ﵊ أول من بدأ هذا الأمر، ولا نسمع عنه إلا في أمة الإسلام، هذا الأمر هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والفكرة كانت عجيبة، جمع الرسول ﷺ المهاجرين والأنصار في بيت أحد الأنصار، وبدأ يؤاخي بين كل مهاجري وأنصاري، وجعل الأخوة في كل شيء حتى وصل الأمر إلى الميراث، يعني: لو مات مهاجري يرثه الأنصاري والعكس كذلك، لكن هذا الحكم نسخ بعد ذلك، وأصبحت الأخوة في كل شيء إلا الميراث.
стр. 191
الكفالة السريعة للمهاجرين عن طريق المؤاخاة
كانت هذه المؤاخاة مؤاخاة حقيقية، وكان لهذا الأمر تطبيقات عملية كثيرة في حياتهم، ومن أشهر القصص في ذلك ما حدث بين سعد بن الربيع أحد كبار الأنصار ﵁، ومن شهداء أحد كما سنبين إن شاء الله في الدروس القادمة، وبين المهاجري عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه، والذي كان تاجراً في مكة، لكنه ترك كل شيء، وأتى المدينة المنورة بلا شيء.
روى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه: أن سعد بن الربيع ﵁ قال لـ عبد الرحمن بن عوف: إني أكثر الأنصار مالاً فسأقسم مالي نصفين.
كان سعد بن الربيع رجلاً غنياً عنده أموال كثيرة، ولو أعطى عبد الرحمن بن عوف (٥%) أو (١٠%) من ماله فهذا كثير، ومع ذلك من تجرده وحبه لأخيه وشعوره الكامل بأن هذه أخوة في الله، قال: سأقسم مالي نصفين.
ولكي تتأكد من صعوبة هذا الأمر تخيل نفسك أنك تفعل هذا الأمر، تخيل أحد إخوانك في أزمة، فأتيت برصيدك الذي في البنك إذ كنت غنياً، وقمت بتقسيم هذا المال بينك وبينه، هذا أمر شاق وصعب، لكن الأمر الثاني أصعب وأصعب، فقد قال سعد بن الربيع: ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها.
سبحان الله! هذا أمر عجيب وغريب، لكن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه كان نبيل النفس، قال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ يريد أن يعمل، ويخرج رزقه من تعبه وكده، خاصة أنه أحد التجار المشهورين في الإسلام، فدلوه على سوق بني قينقاع، وتاجر حتى كثر ماله.
الشاهد في القصة أن المؤاخاة كانت حقيقية، ولم تكن هذه المؤاخاة فقط للإيواء المالي والاقتصادي والسكني للمهاجرين ﵃ وأرضاهم، ولكن كانت مؤاخاة في كل شيء، وكان الأخ يطمئن على أخيه في أمور الآخرة، كما كان يطمئن عليه في أمور الدنيا، وقصة سلمان الفارسي ﵁ مشهورة، وذلك عندما آخى الرسول ﵊ بينه وبين أبي الدرداء ﵁ وأرضاه وأبو الدرداء من الأنصار؛ وسلمان الفارسي ليس من العرب أصلاً، بل هو من الفرس ﵁ وأرضاه، فانظر إلى عمق العلاقة التي كانت بين الاثنين، مع أن كل واحد منهما من أصل بعيد تماماً عن الثاني.
ثبت في صحيح البخاري: أن سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه زار أبا الدرداء في بيته، فرأى أم الدرداء متبذلة: وفي رواية: رثة الهيئة، فقال لها سلمان وكان ذلك قبل فرض الحجاب على المسلمات-: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، وفي رواية: ليس له حاجة في نساء الدنيا.
فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له سلمان: كل، فقال أبو الدرداء: إني صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل.
قال: فأكل.
إذاً: وجد سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه مشكلة عند أخيه أبي الدرداء، وجده منصرفاً تماماً إلى العبادة والصيام والقيام وترك أهل بيته، وهذه مشكلة عائلية حقيقية في داخل بيته، ففرغ سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه وقته لإصلاح مشكلة أخيه، وبدأ يضبط عنده بعض المفاهيم التي كانت ستربك له حياته وأسرته، فجلس معه وأقسم عليه أن يفطر ويقطع هذا الصيام، فقد كان الصيام نفلاً، فقطع أبو الدرداء الصيام، وأكل مع سلمان الفارسي، فلما كان الليل -أي: أول الليل- أراد أبو الدرداء أن يقوم الليل كله، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب ليقوم فقال -أي: سلمان - نم، فلما كان آخر الليل قام سلمان وقال له: قم الآن، فصليا من آخر الليل، وأراد سلمان أن يعطي له خلاصة درس تربوي فرغ نفسه لهذا الدرس أربعاً وعشرين ساعة، قال: إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، وفي رواية الترمذي: ولضيفك عليك حقاً.
فأعط كل ذي حق حقه.
لم يقتنع أبو الدرداء ﵁ وأرضاه تمام الاقتناع، فذهب إلى الرسول ﵊ يشكو سلمان إليه أنه جعله يفطر وجعله يقوم من آخر الليل فقط، فقال ﷺ : صدق سلمان، يعني: ما قاله سلمان هو التوازن الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، وهو الحق والعدل.
الشاهد في ذلك أن سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه وهو فارسي كان أخاً لـ أبي الدرداء وهو عربي أنصاري، وكان سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه يدخل بيت أ
стр. 192
رفع قيمة الأخوة
أعطى ﷺ كماً هائلاً من الأحاديث التي تشجع على الأخوة وترفع من أجرها، قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لأنفسه) فقد ربط موضوع الأخوة بالإيمان بالله ، وهذا الحديث في البخاري، بل إنه قال في رواية مسلم عن أبي هريرة: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، وعلى هذا النسق جاءت أحاديث كثيرة ترفع من درجة الأخوة في الله؛ ولذلك كانت الطائفتان تفعلان ذلك الأمر وهما يرجوان من الله أجراً وثواباً عن الأخوة في الله، فرفعوا من قيمة الأخوة في قلوبهم، وبالتالي كان لها أثر فعال حقيقي واقعي في حياتهم.
стр. 193
الميثاق الذي وضعه النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار لتنظيم العلاقة بينهم
ما فعله ﷺ من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ورفع قيمة الأخوة، وتقريب الأمور للمسلمين بأن هناك أجراً وثواباً وجنة نتيجة هذه الأعمال العظيمة التي يقومون بها؛ بعد ذلك كله رأى ﷺ أن هذا ليس كافياً لتثبيت دعائم الأخوة في الدولة الإسلامية، فنحن سنكون دولة إسلامية حقيقية، دولة ستواجه تحديات خطيرة، ولا يستقيم أبداً أن يترك هذا الأمر فيها للنفس: أنا أريد أو لا أريد، أنا أحب أو لا أحب، بل لابد من وضع قوانين ودساتير مكتوبة، فوضع ﷺ ما يعرف بالميثاق، وهو ميثاق مشهور وموجود في أكثر من رواية من روايات السيرة الموثقة، وفيه توضيح كامل للعلاقة بين المهاجرين والأنصار، وأصبح هذا القانون أو الدستور الذي يطبق في أي بلد من بلاد العالم ملزماً لجميع الأطراف.
هناك بنود كثيرة نمر على بعضها بإيجاز لضيق الوقت.
الأول: أنهم أمة واحدة من دون الناس، أذاب كل الفوارق بين عموم المسلمين فالمهاجرون والأنصار أمة واحدة.
الثاني: يقول ﷺ : (المهاجرون من قريش يتعاقلون بينهم) أي: يدفعون الدية، فلو قتل أحد من المهاجرين أحداً من الناس، وكانت له الدية؛ يجتمع المهاجرون ليدفعوا دية القتيل.
قال: (وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين) يعني: لو أن أحداً من المهاجرين وقع في الأسر؛ يجتمع المهاجرون سوياً، ليدفعوا فدية هذا الأسير فيفكوا أسره.
قال: (وكل قبيلة من الأنصار يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين).
يعني: قسم الرسول ﵊ المجتمع المسلم إلى عدة طوائف على أساس القبيلة، فالمهاجرون كلهم من قريش، وهذه المجموعة تجتمع سوياً لتفدي عانيها وتدفع الدية عن القاتل منها، وكذلك كل قبيلة من الأنصار، الأوس لوحدهم والخزرج لوحدهم، وقد يقسم الأوس إلى أكثر من فرع، والخزرج إلى أكثر من فرع.
قال: (على معاقلهم الأولى) أي: كما كانوا يتعاقلون قبل دخول الإسلام إلى المدينة المنورة.
وما فعل النبي ﷺ ذلك إلا لأن المؤاخاة وحدها لا تستطيع دفع الديات وفك العاني، وليس هناك بيت مال للمسلمين، إذ إن الدولة كانت فقيرة جداً لا ثروات فيها، فلابد للمسلمين أن يخلصوا أمورهم بأنفسهم، إذا كان الأنصاري أخاً لواحد من المهاجرين، وحصلت عليه دية مقدارها مائة ناقة لن يقدر أن يدفعها له، فلابد أن يجتمع قوم على دفعها، فجمع النبي ﷺ أهل المدينة لهذا الأمر على أساس القبيلة، مع أن الإسلام يكره القبلية في أمور، ولكنه لا ينبذها بالكلية، بل لابد من أن يطور هذه الرابطة؛ لتخدم الإسلام والمسلمين في إطار الشرع، فجعلها في أمور المؤاخاة وفي أمور المواساة والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين: فك الأسير، ودفع دية القاتل لأهل القتيل، والمساعدة في أمور المجتمع المختلفة بروابط الرحم التي بين القبيلة.
فكل واحد منهم يحرص على أن يحل مشكلة إخوانه عن طريق هذا القانون، وهذا القانون لا يستقيم تطبيقه أبداً إلا إذا رسخت معاني الأخوة التي تحدثنا عنها قبل ذلك؛ لذلك فإن التشريع الإسلامي كله لا نقدر أن نأخذ منه جزءاً ونترك جزءاً، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، فكل جزئية تكمل موضوعاً معيناً، وفي النهاية هذا الشرع المتكامل يصلح لإدارة الدنيا والدين.
إذاً: الرسول ﵊ أقر مبدأ القبلية، ولكن في هذه الجزئية، ومبدأ القبلية مقبول في الفقه الإسلامي، ولكن في إطار الشرع كما ذكرنا، مثال ذلك: إذا اعتدي على حرمات دولة من دول الإسلام والمسلمين، فإن الشرع يفرض على أهل الدولة في داخل الخلافة الإسلامية الكبرى أن يقاتلوا في سبيل الله للدفاع عن أنفسهم، فإن لم يستطع أهل القطر الواحد أن يدفعوا عن أنفسهم لزم الأقرب فالأقرب أن يساعدهم، لكن لا يتعين القتال على أهل المغرب إذا احتلت بلدة من بلاد المشرق، إن كان أهل المشرق يستطيعون رد المعتدي.
فهذا الوضع يقبله الإسلام، ويقبله في أمور أخرى، كالزكاة، فلا تخرج الزكاة من قطر إلى آخر حتى تكفي أهل القطر، وهكذا بالضبط مع كل أمور الإسلام، فالإسلام واحد يكفي الأرض إلى يوم القيامة.
ولو افترضنا أن قبيلة من القبائل كانت فقيرة إلى الدرجة التي لا تستطيع فيها أن تدفع الفدية أو الدية، تأتي نقطة أخرى في الميثاق؛ لتحل هذه المشكلة، يقول ﷺ : (وأن المؤمنين لا يتركون مفرحاً)، يعني: شخصاً كثير الأطفال، وعليه أزمات متلاحقة.
قال: (لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه في فداء أو عقل).
فلو افترضنا أن هناك قبيلة لم تستطع أن تدفع عن أحد المسلمين دية كانت عليه أو فدية، فلابد أن يجتمع المسلمون جميعاً، فهم مجتمع متماسك.
الثالث: (وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بي
стр. 194
الكفالة طويلة المدى للمهاجرين
جاء الأنصار ﵃ وأرضاهم إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا له: (يا رسول الله! اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين النخيل، فقال ﷺ : لا).
فالرسول ﷺ واقعي، فهو لا يريد من الأنصار أن يدفعوا مبالغ كبيرة وقد يندمون بعد ذلك، فأراد الأنصار أن يعطوا المهاجرين فرصة للنمو داخل المجتمع المسلم الجديد، فقال الأنصار للمهاجرين: إذن تكفونا المئونة ونشرككم في الثمر، فقال المهاجرون: اللهم.
فبدأ المهاجرون يعملون في أرض الأنصار، ويقسمون الناتج بينهما، وبذلك تفاعل المهاجرون داخل الدولة الإسلامية، ليسوا مجرد معسكرات لاجئين في خيام، فيكونون عبئاً على الدولة التي استضافتهم، ولكن أصبحوا عنصراً فعالاً داخل المجتمع.
стр. 195
إعطاء الحريات للمهاجرين داخل المدينة المنورة
المحور الأخير في تثبيت أركان الدولة الإسلامية مع شتى فرقها أو طوائفها: هو إعطاء كل الحريات للمهاجرين أن يفعلوا مثل الأنصار في المدينة، كحرية التملك، وحرية الزواج؛ وحرية الدخول في مجالس الشورى، وحرية قيادة الجيوش، بل قيادة الدولة نفسها، والمعروف أن الرسول ﷺ من المهاجرين، وخلفاءه من بعده من المهاجرين، إلى أزمنة طويلة، ولا نعلم أنصارياً تولى خلافة المسلمين أبداً.
فقد رسخ النبي ﷺ هذا الأمر، وأعطيت لهم كل صلاحيات أهل البلد، فذابوا ذوباناً طبيعياً في البلد، وأصبحوا عنصراً رئيساً من عناصر المدينة المنورة، وبعد عدة سنوات لم يعد هناك فارق بين المهاجرين والأنصار، بل كلهم ينتمون إلى المدينة المنورة الدولة الإسلامية الأولى، وهذا في منتهى الرقي، فقد أعطى هذا الترسيخ ثباتاً وقوة للدولة الإسلامية، فكل شخص يدافع عن المدينة؛ لأنها بلده وموطنه الأصلي الذي عاش فيه، فقد نسي تماماً قصة البلد الذي جاء منه، بل كثير من المهاجرين بقي في المدينة المنورة حتى بعد فتح مكة وعودة الديار التي كانت مسلوبة منهم إليهم، فقد ظلوا يعيشون في المدينة بعد أن أصبحت المدينة هي دولتهم.
إن هذا العمل له تطبيق في واقعنا، فأمريكا فعلت نفس هذا الفعل، وكأنها تقرأ التاريخ الإسلامي، فالذي يراجع تاريخ أمريكا يجد شيئاً عجيباً، فقد كان تعداد سكان أمريكا في أوائل القرن الثامن عشر خمسة ملايين، أما الآن وبعد مائتي سنة صار تعدادهم أكثر من ثلاثمائة مليون، وأصبح لها قوة كبيرة وقاهرة، ولها أساطيل وجيوش ومخابرات ومصانع، ولها دولة كبيرة وعملاقة، والسبب في ذلك أنها فعلت ما فعله الرسول ﵊ قبل (١٤٠٠) سنة، فقد حققت أمريكا الوحدة بين أفرادها، كما أن الرسول ﵊ وحد الأوس مع الخزرج، ثم وحد الأنصار مع المهاجرين وجعلهم كلهم كياناً واحداً، كذلك حدت أمريكا نفسها حتى صارت (٥٢) ولاية في بعض قارة كاملة، وتمثل دولة واحدة ورئيساً واحداً، فلابد أن يعطيها هذا قوة.
الأمر الثاني الذي فعلته أمريكا هو نفس الأمر الذي فعله رسول الله ﷺ قبل مئات السنين، فقد قامت أمريكا بإعطاء فيز للناس الذين يأتون من خارج أمريكا ليعيشوا فيها، ويأخذون حقوق المواطن الأمريكي، ومع مرور الوقت يذوبون في المجتمع الأمريكي، ويصبحون أمريكيين يدافعون عن أمريكا كأنها بلدهم، فعندما تراجع التاريخ تجد أن أصول الأمريكان من ألمانيا وإنجلترا وإيرلندا والشرق الأوسط، ومن المسلمين والنصارى واليهود، طوائف شتى مرت عليهم السنوات تلو السنوات، وأصبحوا في الأخير أمريكيين يساعدون الأمريكيين، وأعطوهم حرية التملك والزواج والدخول في مجالس الشورى، فجدك الأكبر ولد في أمريكا، وكلنا رأينا الانتخابات السابقة التي قبل فيها أحد اللبنانيين أن يترشح في رئاسة الجمهورية لأمريكا.
فهذا العمل عمله الرسول ﵊ قبل مئات السنين، ولكن عمله ﷺ كان راقياً عظيماً، فهو لم يجعل الدافع لهذا التمازج والاختلاط الرائع بين الطوائف المختلفة في الدولة الإسلامية أمراً من أمور الدنيا فقط، بل جعله كما علمه ربه مجتمعاً أخوياً متماسكاً، مرتبطاً بالآخرة، بالإضافة إلى سعادة الدنيا، فليس هناك ظلم في إقامة الدولة الإسلامية ولا إبادة ولا فساد؛ لأن التشريع قائم على شرع رب العالمين ، فالله وضع لنا هذا التشريع، وأراد به سعادة الدنيا والآخرة، بينما التشريعات الأخرى قد تحقق نوعاً من السعادة في الدنيا، ولكنها سعادة منقوصة لا شك في ذلك، فهناك أنواع كثيرة جداً من التعدي والظلم والفساد كما ذكرنا، وليس فيها همة إلى الآخرة.
هذا هو المثال الراقي للإسلام، فالإسلام يستطيع أن ينعمك في الدنيا وينعمك أيضاً في الآخرة، فكفالة المهاجرين كانت كفالة طبيعية حتى ذابوا داخل المجتمع المدني لأزمنة لا يعلم عددها إلا رب العالمين .
هكذا حلت أزمة المهاجرين داخل المدينة المنورة، وبالعكس انقلبوا من كونهم أزمة إلى قوة للدولة الإسلامية.
стр. 196
المهاجرون إلى الحبشة وكيفية تعامل النبي ﷺ معهم
في الحبشة أكثر من (٨٠) شخصاً، وهم عند ملك لا يظلم عنده أحد، لكن الحبشة غير مؤهلة لإقامة دولة إسلامية، وذكرنا تفصيلات ذلك عند الحديث عن دروس الفترة المكية من السيرة النبوية، ولما انتقل الرسول ﷺ إلى المدينة وشعر بشيء من الاستقرار، أرسل يستدعي بعض المهاجرين في الحبشة؛ ليساعدوه في إقامة الصرح الضخم الهائل الذي سيقيمه في المدينة المنورة؛ وذلك لأن الدولة الإسلامية تحتاج إلى طاقات كثيرة، وفي نفس الوقت لم يندفع النبي ﷺ اندفاعاً عاطفياً وأتى بكل المهاجرين الذين كانوا في الحبشة لمساعدة المسلمين، فإنه لو فعل ذلك قد يضيع على المسلمين فرصة بقاء بعض المسلمين؛ لأنه قد يحصل استئصال للقاعدة الإسلامية الموجودة في المدينة، وهذا وارد؛ لأن قريشاً لن تسكت، واليهود لن يسكتوا، والمشركين من الأوس والخزرج لن يسكتوا، والقبائل حول المدينة لن تسكت، وفارس والروم لن يسكتوا، فكل هذه مخاطر ضخمة حول الأمة الإسلامية.
فأبقى ﷺ عدداً لا بأس به من المهاجرين في الحبشة إلى أن تستقر الأوضاع تماماً، ويطمئن إلى أن دولة الإسلام لا تستأصل، وما جاءت هذه المجموعة إلا بعد صلح الحديبية بعد ست سنوات كاملة، وذلك بعد أن اطمأن الرسول ﷺ إلى أن المدينة المنورة أصبحت دولة لا تستأصل، وقتها جاء كل المهاجرين الذين كانوا موجودين في الحبشة.
стр. 197
مسلمو القبائل البعيدة وتعامل النبي ﷺ معهم
المسلمون في القبائل البعيدة عن المدينة المنورة، منهم في اليمن وفي غفار وفي أسلم، ومنهم الذين كانوا في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، أبقاهم ﷺ في أماكنهم ولم يأمرهم بالهجرة إلى المدينة المنورة؛ لأن كل واحد من هؤلاء كان نقطة مضيئة في مكانه، فالرسول ﷺ يشتغل بالدعوة في داخل المدينة وما حولها، لكن النقاط البعيدة جداً لم يصل إليها رسول الله ﷺ ، مثال ذلك: الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ وأرضاه، كان موجوداً في قبيلة دوس في اليمن، والمسافة بين اليمن والمدينة أكثر من (١٠٠٠) كيلو متر، فكيف يصل إليهم الرسول ﷺ ؟ فبعث طفيل بن عمرو الدوسي ليقوم بالدعوة في هذا المكان.
وضماد الأزدي يقوم بالدعوة في الأزد.
وأبو ذر الغفاري يقوم بالدعوة في غفار وعمرو بن عبسة يقوم بالدعوة في أسلم، وهكذا كل واحد في مكانه، ومع مرور الوقت كثر المسلمون في هذه القبائل المختلفة، وجاء الوقت المناسب، واستدعى رسول الله ﷺ هذه القبائل، فأتى منها المسلمون، وزادت قوة المسلمين في المدينة المنورة.
فقدوم هؤلاء في أول الأمر قد يلفت الأنظار إلى قوة المدينة المنورة، وقد يحفز الناس على استئصال المسلمين في المدينة المنورة بسرعة، وفي نفس الوقت يقلل من فرصة الدعوة في قبائلهم، فآثر ﷺ أن يبقى الوضع كما هو عليه بالنسبة لهم، إلى أن تستقر الأوضاع، وبالفعل استدعاهم بعد صلح الحديبية.
стр. 198
مسلمو مكة وكيفية التعامل مع وضعهم
آخر طائفة: هي طائفة المسلمين المستضعفين في مكة، الذين لم يستطيعوا أن يهاجروا وليس لهم حيلة، فهؤلاء أمرهم الرسول ﵊ بالكتمان قدر المستطاع، فلا يخرجوا سرهم ولا يعلنوا إسلامهم؛ حتى لا يستأصلوا، إلى أن يأتي الله بأمره، ولم تحل مشكلة هؤلاء إلا بعد فتح مكة، وظلوا في مرحلة السرية طيلة ثمان سنوات من عمر العهد المدني.
إذاً: هذا كان تصرف الرسول ﷺ مع الطوائف المختلفة من المجتمع المسلم، وهاأنتم ترون التصرف النبوي في منتهى الحكمة، ويتغير باختلاف الظرف الذي يعيش فيه المسلم.
стр. 199
المشركون وكيفية تعامل النبي ﷺ معهم
هذه مجموعة ثانية خطيرة تعامل معها رسول الله ﷺ أيضاً في فترة بناء الدولة الإسلامية في أولها؛ واستمر التعامل مع هذه الطائفة إلى قبيل موت رسول الله ﷺ ، هذه هي مجموعة المشركين، ومثل ما قلنا من قبل: إن المشركين كانوا من طوائف شتى.
стр. 200
المشركون من أهل المدينة وكيفية تعامل النبي ﷺ معهم
الأولى: المشركون من أهل المدينة من الأوس والخزرج، فهؤلاء كانوا في غاية الأهمية بالنسبة لرسول الله ﷺ ؛ فإستراتيجية العمل مع المشركين في داخل الدولة في الحالة السلمية هي إيصال الدعوة، والجوار بالتي هي أحسن، وتجنب الصدام قدر المستطاع، بل التعاون في القضايا المشتركة.
تعالوا لنرى موقف المشركين في المدينة من الرسول ﷺ ما هي طبيعته؟ وكيف تعامل الرسول ﷺ مع كل واحد منهم؟ بعض المشركين لما دخل الرسول ﷺ المدينة المنورة قرروا الخروج منها، منهم أبو عامر الفاسق الذي كان معروفاً بـ أبي عامر الراهب.
هذا الرجل عندما دخل الرسول ﷺ المدينة قرر أن يخرج منها، ودار بينه وبين الرسول ﵊ حوار أوضح فيه ما في داخله، وقرر الخروج من المدينة، هذا الرجل كان اسمه: أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي استشهد في أحد.
هذا الرجل كان يدعي أنه راهب، وأنه على دين الحنيفية، ولبس المسوح وادعى العلم أيام الجاهلية، فلما هاجر الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة، جاء إليه أبو عامر الراهب، وبدأ يحاوره، قال أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال ﷺ : (جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال الراهب: فأنا عليها، فقال ﷺ : إنك لست عليها) أي: هناك تحريف كبير في الديانة التي أنت عليها الآن.
قال أبو عامر الراهب: بلى عليها، إنك أدخلت يا محمد! في الحنيفية ما ليس منها، فقال ﷺ : ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر الراهب: الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً)، يعرض برسول الله ﷺ ، وبتهمه بالكذب، وأن الله سيميته طريداً غريباً وحيداً، فقال ﷺ : (أجل.
فمن كذب فعل الله تعالى به ذلك).
فكان أبو عامر الراهب كذلك؛ فإنه لما دار هذا الحوار بينهما وجد التفاعل من الأنصار مع رسول الله ﷺ ، والتعامل معه كزعيم للمدينة المنورة، فبعد أن رأى ذلك لم يستطع أن يجلس في المدينة المنورة، وخرج منها وعاش في مكة المكرمة، وسماه رسول الله ﷺ : بـ أبي عامر الفاسق بدلاً من أبي عامر الراهب.
عاش أبو عامر الفاسق في مكة المكرمة ثمان سنوات كاملة، إلى أن جاء الفتح الإسلامي لمكة المكرمة في سنة ثمان من الهجرة، فهرب من مكة واتجه إلى الطائف، ثم بعدها بقليل أسلم أهل الطائف سنة تسع من الهجرة، فهرب من الطائف وعاش في الشام، وهناك مات طريداً غريباً وحيداً، فهو وأمثاله من الناس الذين خرجوا من المدينة المنورة وعددهم بضعة عشر رجلاً، تركوا المدينة المنورة وهجروها إلى غيرها من البلدان، واستراح منهم العباد، لكن المجموعة الكبرى من مشركي الأوس والخزرج بقيت على شركها تعيش في داخل المدينة المنورة، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي ابن سلول الذي أصبح بعد ذلك زعيم المنافقين، هذا الرجل كان زعيم الخزرج، وكانت له مكانة كبيرة في المدينة المنورة عند أوسها وخزرجها سواء، وهو الوحيد الذي اجتمع عليه الأوس والخزرج لكي ينصبوه ملكاً على المدينة، وذلك قبل قدوم الرسول ﷺ ، وكانوا ينسجون له الخرز ليتوجوه كملك على المدينة المنورة، وهو أول اجتماع للمدينة المنورة على رجل واحد قبل رسول الله ﷺ ، وفجأة تغيرت الأحداث، وظهر أمر الرسول ﷺ ، وآمن به ستة من الخزرج من قبيلته، ثم اثنا عشر رجلاً في بيعة العقبة الأولى، ثم ثلاثة وسبعون رجلاً في بيعة العقبة الثانية، كل هذا لم يعلم به عبد الله بن أبي ابن سلول.
مع أنه كان رئيس وفد المدينة للحج في العام الذي بايع فيه الأنصار بيعة العقبة الثانية عام (١٣) من البعثة النبوية، وكان وقتها مشركاً؛ وكان وفد المدينة يضم داخله (٣٠٠) شخص من يثرب، منهم (٧٥) مسلماً و (٢٢٥) مشركاً، ولأنه كان زعيم الوفد كان يظن أنه يعرف كل شيء عن الوفد، ولما شك أهل قريش في إسلام بعض رجال الوفد ولقائهم برسول الله ﷺ نفى ذلك بشدة، وقال: لو حدث هذا لاستشارني قومي.
وفي ربيع أول من العام (١٤) من البعثة، أي: بعد ثلاثة شهور أو يزيد قليلاً، هاجر ﷺ إلى المدينة المنورة، وصار رئيساً وزعيماً على المدينة المنورة، وهكذا استلم الرسول ﵊ ما كان سيستلمه عبد الله بن أبي ابن سلول، فتحرك الحقد في قلبه على الرسول ﵊ على أشد ما يكون.
تخيل موقف عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد كان سيتوج ملكاً على المدينة لأول مرة في تاريخ المدينة
стр. 201
كيفية تعامل النبي ﷺ مع مشركي الأعراب والقبائل الكبرى المحيطة بالمدينة
كان الرسول ﵊ يبعث للمشركين الأعراب بعض من يدعوهم إلى الإسلام، وكان يتخير أفراد قبيلتهم، فمن أخطر القبائل التي كانت حول المدينة المنورة قبيلة غفار، أرسل إليها الرسول ﷺ أبا ذر الغفاري ﵁ وأرضاه، فأتى بنصف أهلها، ودعا لها ﷺ بقوله: (غفار غفر الله لها)، واستمرت فيهم الدعوة دون أن ينتقلوا إلى داخل المدينة المنورة، كانوا في ديارهم، وكان النبي ﷺ يرسل إليهم من يعلمهم ويدعوهم إلى الله .
وفي نفس الوقت أبرز النبي ﷺ للأعراب قوة المسلمين؛ حتى لا يغتر هؤلاء بأن المهاجرين هاجروا في حالة ضعف أو قلة إلى المدينة المنورة، فيغيرون على المدينة المنورة طمعاً فيها، فأظهر لهم قوة كما سيظهر لنا بعد ذلك، عندما كان يرسل ﷺ السرايا حول المدينة المنورة.
أما المشركون في القبائل الكبرى التي كانت حول المدينة المنورة، فقد حاول ﷺ أن يعقد معهم بعض المعاهدات، كما عقد معاهدة مع قبيلة جهينة، وهي قبيلة كبيرة في غرب المدينة المنورة، وكان هذا العقد في منتهى الأهمية؛ لأن غرب المدينة المنورة هو طريق القوافل القرشية المارة من مكة إلى الشام، فإذا أمن ﷺ قبيلة جهينة استطاعت الجيوش الإسلامية بعد ذلك التحرك في أمان في غرب المدينة، وقطع الطريق على قوافل قريش، كما سيتبين بعد ذلك.
إذاً: كانت سياسته مع القبائل الكبرى المحيطة بالمدينة المنورة محاولة عقد المعاهدات والأحلاف قدر المستطاع، تبقى مشكلة كبيرة جداً، ألا وهي مشكلة مشركي قريش، فبعض الناس يظنون أن الرسول ﵊ إذا انتقل مسافة (٥٠٠) كيلو متر عن مكة المكرمة فإن مكة هدأ بالها، ولم يعد عندها مشكلة مع المسلمين، وأنه ستهدأ الأوضاع، ولن يُطْلَبَ المسلمون في هذه البقاع البعيدة عن مكة المكرمة.
ولكن هذا ليس صحيحاً، يقول ربنا : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، فلابد أن المشركين في مكة سيسعون قدر المستطاع لغزو المدينة المنورة، وإخراج المسلمين منها، وللتعاون والتحالف مع أعداء المسلمين هنا وهناك لاستئصال شأفتهم تماماً، وهذا ما حدث بالفعل وبطرق مختلفة كما سنرى، وهذا الكلام كله يثبت لنا حقيقة مهمة جداً، وهي أنه لا خيار في المعركة، حتى وإن تجنب المسلمون المعركة، بل لابد أن تحدث سنة التدافع التي شرعها رب العالمين في خلقه وأرضه وإلى يوم القيامة، تدافع أهل الحق وأهل الباطل، حتى وإن كان أهل الحق لا يريدون أهل الباطل بسوء، لابد أن يبحث أهل الباطل عنهم ليتم اللقاء كما أراد رب العالمين للحرب بين الحق والباطل.
فيا ترى ماذا عمل المشركون؟ كيف خططوا؟ وكيف دبروا؟ وكيف تعاونوا؟ وكيف أثروا على مشركي يثرب هناك؟ وكيف عقدوا بعض الأحلاف مع القبائل حول المدينة المنورة؟ وكيف حاصروا المدينة المنورة؟ هذا حديث يطول، وأسأل الله أن يجمع بيننا على الخير دائماً حتى نتناول هذا الأمر وغيره من الأمور إن شاء الله في اللقاءات القادمة.
ونسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 202
سلسلة السيرة النبوية_ المشركون والدولة الإسلامية
إن الصورة الإجرامية التي يقوم بها أعداء الله على المسلمين لا تزول بتغير الزمان والمكان، فإن أعداء الله إذا سمعوا بأمة ترفع راية الإسلام أعلنوا ضدها العداء، وألبوا كل قوى الشر ضدها، وتظهر هذه الصورة جلية في حرب قريش للنبي ﷺ وأصحابه في المدينة المنورة، فقد شنوا على المسلمين حرباً نفسية واقتصادية وسياسية وعسكرية.
стр. 203
ملخص الخطوات المهمة لبناء الأمة الإسلامية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
تكلمنا في الدرسين الماضيين عن قواعد في غاية الأهمية لبناء الأمة الإسلامية، استخلصناها من مضمون العمل في خلال ثلاث عشرة سنة في مكة، واستخلصناها كذلك من الخطوات الأولى التي قام بها رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، هذه الخطوات في مجموعها تمثل حجر الأساس لصرح الأمة الإسلامية العظيم.
وسنقوم بتلخيص هذه الخطوات، بحيث تكون مجموعة في نقاط محددة معروفة، ثم نبدأ بعد ذلك إن شاء الله استكمال خطوات الرسول ﷺ في المدينة المنورة.
أهم هذه الخطوات التي ذكرناها: الأولى: الإيمان الكامل بالله وبأحقيته الكاملة في التشريع للمسلمين، والإيمان الجازم بأنه له الخلق والأمر.
الثانية: الإيمان اليقيني بأن رسول الله ﷺ مبلغ عن رب العزة ، ومن ثم فالتشريعات التي شرعها ﷺ ليست من نتاج فكره أو اجتهاده، إنما هي وحي من رب العالمين ، وجبت علينا فيها الطاعة، كما وجب علينا الطاعة للقرآن الكريم تماماً بتمام.
وسنخرج من هاتين الخطوتين بشيء مهم جداً، وهو أن القرآن والسنة هما المصدران الرئيسان للتشريع في الأمة الإسلامية، وأن هذا ليس لنا فيه خيار، هو فرض من ربنا علينا ، وبدون هذا المعنى لن تقوم أبداً أمة إسلامية ناجحة.
ولما نقول: القرآن والسنة المصدران الرئيسان للتشريع، فإننا نعني بذلك أن هناك مصادر أخرى للتشريع، مثل الاجتهاد، والقياس، والعرف، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة وغيرهما، لكن بشرط ألا يتعارض كل هذا مع المصدرين الرئيسين للتشريع: القرآن، والسنة.
وهذا الكلام سيعطينا بعدًا ثانيًا للسيرة، سيجعلنا ندرس المصدر الرئيس الثاني للتشريع، وهو حياة الرسول ﷺ ، وكيفية بنائه ﷺ للأمة، وكلامنا عن خطواته ومعاملاته وغزواته ومعاهداته ما هو إلا كلام عن صلب الدين، ومن ثم لابد من التحليل الدقيق والدراسة المتأنية لكل موقف من مواقف الرسول ﷺ ، ولا مانع من تفريغ الأوقات، بل والأعمار لهذه الدراسة؛ لأنها سبب نجاتنا في الدنيا والآخرة.
إذًا: هاتان قاعدتان في منتهى الأهمية في بناء الأمة الإسلامية، تربية الشعب على الإيمان الكامل بالله رب العالمين، وتربية الشعب على الإيمان الكامل برسوله الكريم ﷺ .
ومن قواعد بناء الأمة كذلك: التربية المتأنية للأمة على معنى مراقبة رب العالمين لكل أعمالنا، وأن هناك يوماً حتماً سيأتي، سيحاسب الله فيه البشر أجمعين: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
ومن قواعد بناء الأمة كذلك: تفعيل دور المسجد في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا.
ومن قواعد بناء الأمة كذلك: الوحدة بين المسلمين، ورأينا ذلك في توحيد الأوس والخزرج، ورأيناه كذلك في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإزالة الفوارق القبلية بين المسلمين؛ ليصبح رباط العقيدة هو الرباط الرئيس الذي يربط بين المسلمين وليس الرباط الوحيد؛ لأن الإسلام لا ينكر العلاقات الإنسانية الطبيعية بين الإنسان ورحمه، والإنسان وعشيرته، ولكن يحددها في أطر شرعية محددة تفيد في بناء الأمة الإسلامية.
ومن قواعد بناء الأمة كذلك والتي فصلنا فيها أكثر من مرة: فقه ودراسة المتغيرات الموجودة في الواقع، وتحديد طرق التعامل مع كل أزمة بحسب حجمها، وحسب الظروف التي تصاحب كل أزمة، ومن ثم يضع المسلم الحل المناسب في ضوء الأطر الشرعية.
ونحن رأينا تعامل رسول الله ﷺ كيف كان مختلفاً مع كل أزمة بحسب طبيعتها، فنجد أنه انتهج نهجاً حكيماً جداً في التعامل مع النوعيات المختلفة من الأفراد والقبائل التي استلزمت المرحلة أن يتعامل معها، فمع الأوس والخزرج قام بالصلح بينهما على أساس العقيدة والدين، ومع المهاجرين قام بخطوات مرتبة منظمة لاستيعابهم في المجتمع المدني، بل وتفعيلهم في بناء الأمة، فتحول المهاجرون من عبء اقتصادي وسياسي واجتماعي على المدينة المنورة إلى قوة فاعلة تضيف إلى خير المدينة وقوتها.
كذلك تعامله مع المسلمين في الحبشة حيث استقدم ﷺ بعضهم وأبقى بعضهم لحين استقرار الأوضاع.
وتعامله ﷺ مع المسلمين في القبائل البعيدة عن المدينة وليسوا من أهل مكة؛ أبقاهم في قبائلهم لينشروا الإسلام فيها، ولكي يوسعوا نطاق الحركة الدعوية في الجزيرة العربية، ومع المستضعفين من
стр. 204
مشركو أهل مكة وكيفية تعامل النبي ﷺ
قريش أكبر قبيلة وأعز قبيلة عربية، لها تاريخ مجيد، وليس من المعتاد في الجزيرة العربية أن تقف قبيلة في مواجهتها، بل كل القبائل تحرص على إقامة علاقات دبلوماسية قوية مع قريش؛ لأن قريشاً ترعى البيت الحرام، وتهتم بأمور الحجاج في مكة، ولها مكانة في قلوب العرب.
فإذا وضعت هذه الخلفية في تحليلك فلا شك أن قريشاً لن تسكت أبداً عن الطعن الخطير الذي وجهه الأوس والخزرج لكبريائها، عندما استضافوا الرسول ﷺ وأصحابه المؤمنين.
فالمسألة أصبحت مسألة كرامة وعناد وكبرياء عند قريش؛ حاول أكابر قريش وزعماؤها بشتى الطرق أن يقتلوا هذه الدعوة في مهدها، لكنهم لم يستطيعوا، وليس من السهل لهؤلاء الأسياد أن يسلِّموا بالهزيمة.
وقريش لها علاقة قوية بالأوس والخزرج، فقد كان بينهم تعاون وتحالف وتجارة وإجارة، بل كان بينهم مصاهرة وزواج، فأخوال الرسول ﷺ نفسه كانوا من بني النجار من الخزرج، ولا شك أن هجرة الرسول ﵊ إلى المدينة ستؤثر سلباً على علاقة قريش بالأوس والخزرج، وقد يتلو ذلك آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية، وستكون هناك آثار كبيرة ووخيمة على أهل مكة، فقريش تعرف أن الرسول ﵊ ذهب إلى المدينة المنورة حيث يسكن اليهود، ولو أسلم اليهود فإن هذا سيضيف قوة كبيرة جداً إلى قوة المسلمين.
فاليهود لديهم سلاح وحصون وعتاد وأفراد وأموال، وقد توقع القرشيون أن يسلم اليهود؛ وذلك لأنهم أهل كتاب، يتحدثون عن الإله الواحد، ويتحدثون عن الرسل والكتب السماوية، بل إنهم يتحدثون عن ظهور نبي في هذه الفترة من الزمان، فلا يستبعد أبداً إسلامهم كما في تحليل قريش.
وبالإضافة إلى كل هذه العوامل فإن المدينة المنورة تقع على طريق التجارة من مكة المكرمة إلى الشام، وأن وفود المسلمين في هذه المنطقة كقوة ودولة سيهدد مصالح قريش التجارية بقوة، وسيضرب اقتصاد مكة بضربات موجعة، فمن المستحيل أن تترك قريش دولة الإسلام هكذا دون مقاومة.
من أجل ذلك كله كان من المتوقع أن قريشاً لن تنسى قصة الرسول ﵊ وهجرته للمدينة، مع أنه صار بعيداً عنها حوالي (٥٠٠) كيلو متر، وهكذا تبقى السنة الإلهية الواضحة في كتاب الله العزيز ، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
стр. 205
الطرق التي استخدمتها قريش في التعامل مع النبي ﷺ وأصحابه في المدينة
стр. 206
المراسلات والمفاوضات مع مشركي المدينة وكيفية تعامل الرسول ﷺ معهم
اختارت قريش طريق العلاقات الدبلوماسية والمراسلات والمفاوضات مع أهل المدينة، لكنها كانت مفاوضات تحمل تهديداً خطيراً للمدينة المنورة، لم تكن في صورة عهود ومواثيق؛ بل كانت في صورة تهديد مباشر من القوة الأولى في الجزيرة العربية لقوة الأوس والخزرج.
راسلت قريش زعيم المشركين في المدينة عبد الله بن أبي ابن سلول، واستغلت رغبة عبد الله بن أبي ابن سلول في الملك والسيادة، وكراهيته لرسول الله ﷺ ، واستغلت طبيعته الخائنة التي لا تقدر على المواجهة، فأرسلت إليه وإلى مشركي المدينة بصفة عامة رسالة، ذكرها أبو داود في سننه، تقول قريش لـ عبد الله وأصحابه في هذه الرسالة: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم باللات والعزى لتقتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح ذراريكم.
تهديد مباشر لمشركي الأوس والخزرج بإخراج الرسول ﷺ أو بقتله، وجاء التهديد موافقاً لهوى عبد الله بن أبي ابن سلول؛ ولذلك فقد أخذ قراراً في منتهى الخطورة، إذ جمع المشركين من الأوس والخزرج وقرر أن يقاتل المسلمين من الأوس والخزرج، وهكذا تناسى عبد الله بن أبي ابن سلول تماماً عداءه القديم مع الأوس، تناسى الثارات العميقة والدماء التي سالت بين القبيلتين قبل ذلك، لم يعد يذكر إلا الحرب العقائدية الآن، سيقاتل المسلمين من أبناء الخزرج، وسيضع يده في يد المشركين من أبناء الأوس، فقد يظن البعض أن هذا غريب، لكنها حقيقة متكررة وسنة ثابتة، دائماً يجتمع أهل الباطل على اختلاف تصوراتهم وعقائدهم وطرقهم في التفكير لحرب المسلمين.
ستجدون ذلك متكرراً في قصة الرسول ﷺ ، وفي الفتوح الإسلامية فتوح فارس والروم والأندلس، وفي الحروب الصليبية وحروب التتار، وفي احتلال أوروبا للعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر والعشرين، وستجدونه الآن في أكثر من بقعة من بقاع العالم، وفي أكثر من نقطة من نقاط الصراع بين المسلمين وغيرهم، اتفاق اليهود مع النصارى، واتفاق اليهود مع الهندوس، واتفاق أمريكا مع روسيا، واتفاق إنجلترا مع فرنسا، واتفاق الشيوعيين مع الرأسماليين، ومع الاختلاف البين لهذه المدارس، إلا أنهم يتفقون ويتجمعون إذا كان عدوهم الإسلام، فالحرب عقائدية في المقام الأول، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩].
فجمع عبد الله بن أبي ابن سلول المشركين من الأوس والخزرج لحرب المؤمنين من الأوس والخزرج، وتجمع كذلك المسلمون لحرب المشركين، بوادر حرب أهلية خطيرة، وفتنة طائفية داخلية ستنشب بين المسلمين وطائفة أخرى على غير دينهم، تعيش معهم في داخل البلد الواحد.
حينها جاء الرسول ﷺ وحاول قدر المستطاع أن يوقف الصراع قبل أن يبدأ، وصل إليهم بالفعل قبل القتال، لكنه لا يستطيع هنا أن يذكر بالجنة والنار والعقيدة والمبادئ الإسلامية؛ لأن هناك مشركين، فلا يستطيع أن يقول لهم: قال الله وقال الرسول، فأخذ الرسول ﵊ يضرب على وترين في منتهى الأهمية، وهما وتران يمثلان عاملاً مشتركاً بين الفريقين.
الوتر الأول: وتر التحدي وإثارة النخوة والعزة والإباء، وكل هذه معانٍ يفتخر بها العرب كلهم، سواء كانوا مسلمين أو مشركين، قال لهم: (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت قريش تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم).
وهكذا حرك فيهم عنصر التحدي لقريش، وأخذ يلفت الأنظار إلى مكيدة قريش، ويقول لهم: لستم أنتم الذين تخدعكم قريش بمكيدة مكشوفة كهذه.
الوتر الثاني كان في منتهى الأهمية أيضاً: وتر الرحم والقبيلة.
قال لهم: (تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟) هل سيقتل الأوسي أوسياً؟ هل سيقتل الخزرجي خزرجياً؟ هل سيقتل اليثربي يثربياً من نفس الوطن، ويعيش نفس الظروف ويتعرض لنفس المخاطر؟ وهكذا ذكرهم جميعاً بالمواطنة ليثرب.
فلما سمع القوم هذا الكلام تفرقوا جميعاً مسلمهم ومشركهم، فهذه حكمة نبوية بالغة أنهت الفتنة الطائفية في داخل البلد الواحد تماماً، وأشد الناس فرحاً بهذه الفتنة الطائفية هم أعداء الأمة، فطرف ينهي طرفاً آخر، وطرف يقضي على طرف آخر، وهكذا كسرت شوكة الدولة دون عناء من الأعداء، وهذا الذي كانت تريده قريش، فالقائد الحكيم ﷺ منع ذلك باقتدار، وعلى كل المخلصين لهذا الدين أن يستوعبوا هذا الدرس تماماً، فما أكثر ما تثار الفتن الطائفية في البلاد الإسلامية، ولا تجر على البلد إلا الويلات والدمار، بل ما أكثر ما تثار الفتن بين المسلمين والمسلمين، جماعة تحارب جماعة، أو سلطة تحارب جماعة، والجميع في مرتبة واحدة، وقد رأينا ذلك في فلسطين والعراق والأردن ومصر وليبيا والجزائر وفي غيرها وغيرها.
فالرسول ﷺ يعلمنا كيف نتجنب الصراع الداخلي بكل وسيلة،
стр. 207
استخدام قريش للحرب النفسية على المسلمين
قامت قريش بالحرب النفسية على المسلمين بعد فشلها في إثارة الفتنة في المدينة بين المسلمين والمشركين أرسلت قريش رسالة إلى المسلمين، قالت: لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم.
هذا أسلوب قديم وحديث، وما زلت قريش تستخدم التهديد والوعيد.
وهذا وإن كان يحتمل أنه من قبيل الحرب النفسية الوهمية على المسلمين، إلا أن المسلمين أخذوه مأخذ الجد والاعتبار، فالعقل لا يمنع أن تغزو قريش المدينة المنورة، أو أن تخطط لقتل الرسول ﷺ ، فقد حاولوا أن يقتلوه أكثر من مرة، وآخرها كانت المحاولة التي تمت قبل الهجرة بقليل، وأرادوا أن يضربوا عنقه ﷺ بأربعين سيفاً في وقت واحد حتى يتفرق دمه بين القبائل كما كانوا يقولون، ورصدوا لمن يقتله أو يأسره مائة من الإبل وهو مبلغ ضخم جداً، فلا يستبعد أبداً أن ترصد قريش مائة من الإبل لمن يتسلل إلى داخل المدينة؛ ليقتل الرسول ﷺ ؛ لذلك فإن الرسول ﵊ كان كثيراً ما يبيت ساهراً حذراً من غدر قريش، وفي يوم من الأيام تعب ﷺ من كثرة السهر، روى البخاري ومسلم: أن السيدة عائشة قالت: قال ﷺ : (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له ﷺ بخير ثم نام).
هذا كان حال المسلمين في المدينة المنورة، الموقف فعلاً كان متأزمًا، وهذا الأمر لم يكن عارضاً، بل كان أمراً مستمراً، لم تقف حراسة الرسول ﷺ إلا بعد أن عصمه الله من الناس، وذلك لما نزل قول ربنا : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
لما نزلت هذه الآية أخرج ﷺ رأسه من القبة وقال: (يا أيها الناس! انصرفوا عني فقد عصمني الله وأوقف ﷺ الحراسة بذلك، وهذه خاصية لرسول الله ﷺ ، فلابد لعموم القيادات الإسلامية أن تحمي نفسها من أعدائها.
كما أن هذا التهديد لم يكن خاصاً بالرسول ﷺ فقط، بل كان لكل المؤمنين في المدينة المنورة، وخاصة القيادات الإسلامية، ونحن لا ننسى أن قريشاً رصدت مائة من الإبل لمن يأتي بـ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه حياً أو ميتاً.
يقول أبي بن كعب ﵁: (لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه) فاغتيال الزعامات الإسلامية هدف لأعداء الأمة، لكن هذا التهديد لم يجد مع المسلمين.
стр. 208
قطع قريش للعلاقات الدبلوماسية مع المدينة المنورة
لم ينجح تهديد قريش ولا وعيدها، فقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المدينة المنورة، وهددت بمنع أهل المدينة من زيارة البيت الحرام، مع أن البيت الحرام ليس ملكاً لقريش، وأعراف الجزيرة العربية وقوانينها بل وقوانين قريش نفسها تقضي بأن الذي يريد البيت الحرام لا بد أن يعطى الأمان، بل ويكرم ويخدم ويرعى، وكانت قريش تفتخر على غيرها من القبائل بأنها تسقي الحجيج وتعمر المسجد الحرام، ومع كل هذا تنكرت لكل ذلك، وقررت أن تنسى قوانينها أو تتناساها، وتتعربد في الأرض كما يحلو لها.
روى البخاري ﵀ قصة ذكر فيها: أن سعد بن معاذ ﵁ سيد الأوس انطلق إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف -كان صاحبه في الجاهلية- فقال لـ أمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت، فخرج به أمية بن خلف وذهب سعد ليطوف، فلما طاف سعد بن معاذ بالبيت الحرام قابله أبو جهل، فقال أبو جهل يخاطب أمية بن خلف ويتجاهل تماماً سعد بن معاذ مع أنه يعرفه: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد.
وكان أبو جهل يعرف سعداً؛ لأن أمية بن خلف يقول: هذا سعد.
دون تعريف كامل، فلم يقل له: هذا سعد بن معاذ سيد الأوس.
فقال أبو جهل مخاطباً سعداً: ألا أراك تطوف بمكة آمناً، وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً.
فهذا تهديد خطير، وكأن أبا جهل قد فقد صوابه وحنكته، وفقد كل حكمته في التعامل مع قبيلة قوية كقبيلة الأوس أو الخزرج، فقال سعد بن معاذ رافعاً صوته كما في رواية البخاري، يرد عليه بقوة: أما والله لئن منعتني هذا -أي: لئن منعتني من الطواف بالبيت الحرام- لأمنعك مما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة.
فهذا موقف جليل من الصحابي الجليل سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه يحتاج منا إلى وقفة، فالتذلل والخضوع والخنوع لزعماء الكفر وقادة الضلال وجبابرة الأرض لا يزيدهم إلا كبراً وغطرسة وظلماً وجوراً، أما الوقوف هذه الوقفة الجادة الحاسمة فلا شك أنه يزلزل كيانهم ويهز أعصابهم، ونحن نلاحظ أن سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه كان واقعياً جداً في تهديده، يعني: لم يهدده بقتل أو بغزو مكة أو بالقدوم إلى مكة للعمرة رغماً عن أنفه، ولكن هدده بما يملك.
هنا سعد بن معاذ لم يفقد مصداقية كلامه، بل كان كلامه في غاية التأثير، فهو ﵁ وأرضاه يعرف مواطن القوة عنده وما بيده ويعرف ما يضعف عدوه ويعرف مصالح مكة، فهذا موقف رجولي يليق بمؤمن.
قد يقول قائل: لماذا رد سعد بن معاذ ﵁ بغلظة هكذا على أبي جهل؟ بينما رد الرسول ﷺ قبل ذلك بلطف ولين على عبد الله بن أبي ابن سلول المشرك الخزرجي، مع أنه أيضاً أساء له القول قبل ذلك؟
الجواب
لاختلاف الظرف واختلاف المكان واختلاف الشخص المشرك الذي تم الحوار معه، فالرسول ﷺ كان يتحاور مع عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم المشركين في يثرب وقبيلته الخزرج، والخزرج لم تقف سداً منيعاً أمام الإسلام كما فعلت قريش، بل على العكس، فإن عدداً كبيراً جداً من الأنصار هم من قبيلة الخزرج، كما أن المشركين من قبيلة الخزرج بما فيهم عبد الله بن أبي بن سلول لم يسمعوا عن الإسلام إلا منذ فترة وجيزة، ولم يختلطوا برسول الله ﷺ وبالمؤمنين اختلاطاً كافياً؛ فلذلك الرسول ﵊ يؤمل كثيراً في إسلامهم، ويعتقد أنهم بطبيعتهم الرقيقة المشهورة عن أهل المدينة سيميلون إلى الإسلام عاجلاً أو آجلاً؛ لذلك هو لا يريد تصعيد الموقف مع قبيلة الخزرج، بل يريد امتلاك القلوب وإقناع العقول، وهذا كله يتطلب رفقاً في التعامل وليناً في الكلام.
أما موقف سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه مختلف تماماً، فهو موقف مع واحد من أكابر مجرمي قريش، بل مع أعتى عتاتها وأفجر فجارها، موقف مع فرعون هذه الأمة، وبث الرعب في قلبه أمر مطلوب، وإشعاره بالقلق والاضطراب واجب شرعي، وإثارة خوفه على ماله وسلطانه عمل إستراتيجي للمسلمين.
وتاريخ أبي جهل يشير إلى أنه لن يؤمن، خاصة أن رسول الله ﷺ دعا عليه قبل ذلك وقال: (اللهم عليك بـ أبي جهل)؛ لذلك فإن سعد بن معاذ لا يؤمل في إسلام أبي جهل لا من قريب ولا من بعيد، فكان قراره حاسماً في ذلك، وهو الوقوف
стр. 209
التضييق الاقتصادي من قريش على المدينة المنورة وموقف الرسول ﷺ من ذلك
رأينا التعامل مع بعض الرموز المشركة في داخل المدينة المنورة، ورأينا الحرب النفسية على المسلمين والتهديد والوعيد، ورأينا قطع العلاقات الدبلوماسية مع المدينة، وذلك لما قطع أبو جهل علاقاته مع سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، رأينا تغيير القوانين والتنكر للأعراف ونكث العهود، ومنع المسلمين من الوصول إلى مكة ظلماً وقهراً، هل اكتفت قريش بهذا كله؟ لا، لم تكتف بذلك، بل بدأت في تنفيذ خطوة أخرى، وهي عملية التضييق الاقتصادي على المدينة المنورة، وذلك بالتأثير على القبائل التي حول المدينة والمنورة، وبالاتصال أيضاً باليهود الذين يعيشون في داخل المدينة المنورة؛ لمنعهم من التعامل مع المسلمين.
استغلت قريش ما لها من نفوذ وعلاقات بالقبائل المختلفة؛ لتحاصر المسلمين وتضيق عليهم، لكن هذه الوسيلة مع خطورتها لم يكن لها التأثير الكافي على الدولة الإسلامية؛ لأن الرسول ﵊ من أول يوم نزل فيه المدينة المنورة قد عمل في حسابه أنه سيقابل مثل هذه المعضلة، وهي معضلة الحصار الاقتصادي من قريش للمدينة المنورة؛ لذلك خطط النبي ﷺ تخطيطاً في غاية الإبهار للخروج من الأزمة الاقتصادية، أدرك الرسول ﷺ من اللحظة الأولى التي بدأ يخطط فيها لبناء الأمة الإسلامية أن الأمة الإسلامية لا يمكن أن تبنى إلا على أكتاف أبنائها، والاقتصاد المسلم إذا كان معتمداً على الآخرين فإنه سيصبح اقتصاداً هشاً ضعيفاً لا قيمة له، فما بالكم لو كان يعتمد على عدو أو يعتمد على يهود؟ والموقف عند هجرة المسلمين للمدينة المنورة كان صعباً جداً، والمدينة لم تكن فقيرة فقط، بل إن اقتصادها إلى درجة كبيرة جداً كان في يد اليهود، فسوق المدينة الرئيس هو سوق بني قينقاع، ولعله السوق الوحيد في المدينة، والتجارة في معظمها تتم في داخل هذا السوق، حتى إن كبار التجار من الأنصار كانوا لا يتعاملون إلا في داخل هذا السوق، والأخطر من التجارة والسوق والمال هو الماء، والماء كان أيضاً في يد اليهود، وكان أهل المدينة يشترون الماء من الأبيار التي يمتلكها اليهود، وأشهر هذه الأبيار بئر رومة المشهور.
فماذا لو حدث اتفاق بين قريش واليهود؟ وماذا لو منع اليهود تجارتهم عن المسلمين ومنعوا ماءهم عن المسلمين؟ لا شك أن هذا موقف لا يحسد عليه أحد؛ لذلك خطط الرسول ﵊ من أول يوم للخروج من هذه الأزمة بمنتهى المهارة والدقة، سطر لنا أصولاً أصبحت من الثوابت في التشريع الإسلامي.
والتفصيل لهذه الوسائل يحتاج إلى وقت طويل إن شاء الله في محاضرتين خاصتين: الأولى: الرسول ﷺ والخروج من الأزمة الاقتصادية، والثانية: الرسول ﷺ وعلاج مشكلة الفقر.
لكن الآن سنوجز بعض العناوين المهمة في الخروج من الأزمة الاقتصادية.
أولاً: حرص الرسول ﵊ على توفير الماء المملوك للدولة الإسلامية، فالماء سلعة إستراتيجية، ولن تقوم دولة بلا ماء؛ لذلك روى أحمد والنسائي عن الأحنف بن قيس ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال: (من يبتاع بئر رومة ويغفر الله له)، كان بئر رومة ملكاً ليهود، فابتاعها عثمان بن عفان ﵁، ثم ذهب إلى رسول الله ﷺ وقال له: (يا رسول الله! ابتعتها بكذا وكذا، فقال ﷺ : اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك، فقال: اللهم نعم).
إن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه اقتصادي إسلامي كبير، وجه جهده كله لشراء ما ينفع الأمة ويفيدها بدلاً من التجارة في شيء من الرفاهيات أو الكماليات، وهذا كان بتوجيه من الرسول ﵊، يوجهه لشراء السلع الإستراتيجية، ومن هذه السلع الإستراتيجية الماء، وقد تكون هذه السلعة شيئاً آخر، قد تكون بترولاً أو قمحاً أو قطناً أو طاقةً نووية حسب الظروف.
هناك أمر في غاية الأهمية وهو أهمية التربية الإيمانية في بناء الأمة الإسلامية، فالرسول ﷺ لا يملك شيئاً دنيوياً يعوض به عثمان بن عفان عن الماء الذي اشتراه، ولا يتوقع أن يشتري المسلمون منه ذلك الماء لأنهم فقراء؛ لذلك فإنه حفزه بما في الآخرة، قال له: (من يبتاع بئر رومة ويغفر الله له)، وفي رواية: (وله الجنة) ولو لم يكن إيمان عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه يقينياً في الله وفي رسوله الكريم ﷺ وفي الجنة والنار لما هان عليه أن يدفع آلاف الدراهم دون عائد دنيوي، ولم يكن لهذه المشكلة أبداً أن تحل دون تطوع من اقتصادي مسلم غني يرغب في ثواب الآخرة؛ لأن بيت مال المسلمين لم يكن فيه مال.
لذلك كخطوة أولى قبل بناء الدولة لا بد من الاطمئنان على إيمان وعقيدة الجنود، الذين ستبنى على أكتافهم هذه الدولة، وبهذه الخطوة الجب
стр. 210
استخدام قريش الغارات على المدينة المنورة
كل هذه المحاولات الفاشلة من قريش لاستئصال خضراء المسلمين لم تمنع قريشاً من استمرار المحاولة والكيد والتدبير.
لما لاقت قريش هذه الصلابة في المقاومة؛ وهذه العبقرية في الأداء الإسلامي، وهذه الاحتراسية الدقيقة في بناء الأمم، لم تجد أمامها إلا أن تستخدم سلاح البطش والقوة التي اعتادت عليه قبل ذلك، والذي اعتاد عليه عموم الجبابرة والمجرمين والمتكبرين في الأرض، قررت القيام بغارة ليلية مباغتة على المدينة المنورة، ضربةً خاطفةً لعلهم يقتلون رجلاً أو ينهبون مالاً، أو يروعون امرأة أو طفلاً أو شيخاً.
هذه الغارة كانت بعد حوالي سنة تقريباً من هجرة الرسول ﵊، وكانت بقيادة أحد المشركين، كان اسمه كرز بن جابر الفهري، والذي أسلم بعد ذلك ﵁ وأرضاه وصار من الصحابة، أغار على المدينة ليلاً، وسرق بعضاً من ماشيتها إبل وغنم وبقر، وخرج الرسول ﵊ في إثره حتى يرجع الماشية، لكن أفلت كرز بما نهب، وهنا تبين لنا محاولات قريش.
كانت هذه هي محاولات قريش للصد عن سبيل الله، وكانت هذه محاولات قبيلة كبرى لاستئصال جذور حركة إسلامية ما زالت ناشئة في طور البناء، ولأن قريشاً القبيلة الكبرى تعلم أن هذه الحركة الإسلامية البسيطة تمتلك مقومات بناء دولة عظمى، فإنها سارعت لهدم البناء في أول مراحله، حتى لا تغامر بترك هذا البناء ينمو ثم يبتلعها بعد ذلك.
فعلت ذلك قريش، وكذلك تفعل الدول الكبرى الآن، وما زال المسلمون يتعجبون: لماذا دولة عملاقة ضخمة تهتم بأمر مجموعة من المسلمين البسطاء الفقراء الذين يعيشون على بقعة قد لا ترى على خريطة العالم؟ والسر أنهم يقرءون التاريخ، أعداؤنا يقرءون التاريخ ونحن نغفل عن قراءته كثيراً، قرأ أعداؤنا كثيراً في التاريخ منذ عهد الرسول ﷺ إلى زماننا هذا، وعلموا أن المجموعة القليلة من المسلمين إذا عاشت بشرع الله ، وطبقت قوانين الإسلام في كل صغيرة وكبيرة من حياتها، فإنها ما تلبث أن تنمو وتقوى، ثم تمكن في الأرض، ويصبح تمكينها في الأرض خارجاً عن حدود الاستئصال، بل وتصبح قوتها غير قابلة للهزيمة ما دامت مستمسكة بقانونها دون تحريف أو تبديل أو تكاسل أو إهمال.
وهذا الأمر تكرر في التاريخ، ولا زال يتكرر إلى الآن.
أذكر لكم مشكلة تؤرقني كثيراً، هذه المشكلة مشكلة السودان، فالسودان أعلنت أنها ستطبق شرع الله على بعض الولايات السودانية، ليس تطبيقاً كاملاً في كل السودان، ومع أن هذا التطبيق تطبيق جزئي وليس كلياً، إلا أن الدنيا قامت ولم تقعد، لقد ظهرت كلمة الإسلام في السودان، وهذا في عرف الكافرين أمر خطير، وتحركت قوى عظمى ودول كبرى لمنع هذا البلد من تطبيق شرع ربه .
يتعجب المراقبون لماذا دولة عملاقة مثل: أمريكا، أو دول متقدمة مثل: دول أوروبا الغربية أو الإسكندنافية أو دولة قوية كإسرائيل تهتم بشأن هذا البلد الفقير البسيط الذي يصارع بضراوة من أجل الحياة؟! فالمجاعات في السودان تقتل الآلاف المؤلفة، فلماذا هذا الزخم الإعلامي الكبير، وهذا التفخيم والتضخيم لأمر قضية السودان؟ ظهرت كلمة الإسلام في السودان، ولو قدر لهذا البلد أن ينمو فقد يغير من خريطة العالم، لا يغير فقط الإمكانات الاقتصادية المتوقعة ولا البترول ولا المزارع، لكن يرفع من شأن البشر الذين يحملون الإسلام في قلوبهم؛ لذلك فإن عموم أعداء الأمة أدركوا هذا الأمر جيداً وللأسف لم يدركه الكثير من المسلمين.
أولاً: ماذا فعلوا مع السودان الفقير؟ فعلوا نفس السيناريو الذي فعلته قريش القبيلة العظمى مع دولة المدينة المنورة الناشئة، فقد قاموا بمراسلات لبعض الانفصاليين خاصة من أصحاب الديانات الأخرى؛ للقضاء على الحركة الإسلامية في مهدها، ويا حبذا لو أثيرت فتن طائفية في أرجاء البلاد، وهذا كفعل قريش في مراسلتها مع عبد الله بن أبي ابن سلول، وكلكم ترون هذا الأمر على الشاشات الفضائية.
ثانياً: قاموا بالحرب النفسية على المسلمين في السودان، عن طريق التهديد والوعيد المستمر في وسائل الإعلام وعبر السفارات والأعوان والوسطاء.
ثالثاً: قطع الدول الكبرى لعلاقاتها الدبلوماسية مع السودان، وبذلك انفصلت السودان عن الواقع الذي تعيش فيه، وهذا شيء خطير.
رابعاً: تغيير القوانين والتنكر للأعراف الدولية، وتكوين الأحلاف التي ينكرها القانون الدولي، هذه الأحلاف تقوم بالتأثير على الدول الضعيفة؛ لأجل أخذ قرار يضر بمصلحة دولة أخرى، وهذا يكون عن طريق مال أو عن طريق ضغط عسكري أو عن طريق ضغط سياسي، وأمريكا فعلت ذلك فعلاً ضد السودان، فقد ضغطت على دول كثيرة جداً حتى تمنع السودان من الحصول على مقعد إفريقيا في مجلس الأمن، وأعطوا هذا المقعد لدولة أخرى، مع أن التصويت على المستوى الإفريقي كان لصالح السودان.
خامساً: الحصار الاقتصادي والضغط على الشعب إلى الموت، وما أحداث دارفور منا ببعيد.
سادساً: الغارات المفاجئة الغادرة لا على جيش ولا ع
стр. 211
سلسلة السيرة النبوية_ اليهود والدولة الإسلامية
لليهود طبيعة ممقوتة ذكرها الله سبحانه في كتابه، فقد وصفهم الله سبحانه بالغدر والخيانة ونكث العهود، ومع ذلك حاول النبي ﷺ وأصحابه التعامل معهم بالحسنى والصبر والحكمة، فقد كانت قوة المسلمين لا تسمح لهم بالمواجهة معهم، فظل المؤمنون يترقبون مرحلة جديدة يعلون فيها دين الله وينصرون نبيه ﷺ ، ويزيلون فيها قوة اليهود ويدكون معاقلهم.
стр. 212
كيفية تعامل النبي ﷺ مع اليهود داخل المدينة وخارجها
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
هذا هو الدرس الرابع من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدروس السابقة تحدثنا عن الظروف التي بدأ فيها ﷺ إنشاء دولته، وتحدثنا عن علاقته مع الطوائف المختلفة التي عاصرت هذا القيام، سواء كانوا مسلمين من أوس وخزرج ومهاجرين وغيرهم، أو كانوا مشركين.
وفي الدرس السابق تحدثنا عن مشركي قريش كفار مكة، وكيف كادوا لأمة الإسلام، وكيف خرج ﷺ من الأزمة بنجاح، وبتدبير متقن معروف وبخطوات ثابتة، وترك لنا تشريعاً يستطيع المسلمون أن يخرجوا به من كل أزمة مشابهة.
اليوم حديثنا مع أمر في غاية الأهمية والخطورة، وهو موقف الرسول ﷺ من اليهود الذين كانوا في داخل المدينة، تعلمون أنه في داخل المدينة تعيش ثلاث قبائل كبرى لليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وفي شمال المدينة المنورة ووادي القرى تعيش مجموعة ضخمة أخرى من اليهود متجمعة أساساً في منطقة خيبر، كيف تعامل ﷺ مع هذه الطوائف والقبائل المختلفة من اليهود؟
стр. 213
طبيعة اليهود وكيفية تعاملهم مع المسلمين
حتى نعرف تعامل الرسول ﷺ مع اليهود لابد أن نأخذ خلفية عن طبيعة اليهود، وخلفية عن إستراتيجية اليهود في التعامل مع المسلمين، ملخص تعامل اليهود مع المسلمين مذكور في قول الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، رأينا في الدرس الماضي المكائد والمؤامرات من قريش الكافرة في حربها ضد رسول الله ﷺ إلا أن حرب اليهود أشد، وعداوة اليهود أشد، ومكر اليهود أشد؛ ولذلك بدأ بهم رب العالمين في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢].
لنر طريقة تعامل المنهج الإسلامي مع اليهود، وطريقة تناول التشريع الإسلامي لقضية اليهود.
قبل أن يهاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة كان هناك إعداد نفسي ومعنوي للصحابة؛ من أجل أن يعرفوا إلى أين سيذهبون بعد ذلك، مع أنه مدة فترة مكة لم يعلم المسلمون أنهم سيرحلون ويهاجرون إلى المدينة المنورة، حيث تجمعات اليهود الكبيرة، لكن هذا إعجاز ظاهر في كتاب رب العالمين ، فكثير من الآيات القرآنية ذكرت اليهود في فترة مكة، والآيات المكية التي تحدثت عن اليهود وعن بني إسرائيل أكثر من أن تحصى، إن هذا المنهج جميل نريد أن نقف عنده وقفة، فنقول: إن ربنا كان يوسع الأفق عند المسلمين، فقبل أن تعرف أنك ستلتقي مع اليهود، وقبل أن تعرف أنه سيكون لك دولة في مكان ما، فإن الله يوسع لك الأفق، ويعرفك بما هو موجود في الأرض الآن، تجد آيات يستغربها المحلل لها، إلا أن يفقه المنهج الإسلامي الرفيع الذي أوحى به رب العالمين إلى نبيه الكريم ﷺ .
تجد مثلاً آيات في القرآن المكي عن الروم، وآيات في القرآن المكي عن اليهود، تجد الرسول ﵊ يخبر الصحابة عن ملوك العجم، يخبرهم عن قيصر وكسرى والمقوقس، يعرف زعماء العالم في زمانه، مع أن المسلمين في فترة مكة كانوا مضطهدين ومشردين وليست لهم دولة ولا شوكة، وكانوا مأمورين ﵃ أجمعين في فترة مكة المكرمة بالكف عن المشركين، يعني: احتمالية قيام دولة كانت بعيدةً جداً في الحسابات المادية، ومع ذلك فإن رب العالمين كان يعلمهم كيف يدور العالم حولهم، وهذا منهج حياة لابد أن نأخذ به، لا نقول: إننا دولة إسلامية بسيطة أو مجموعة من الملتزمين البسطاء القلة، لا داعي إلى معرفة أحوال العالم، وحقيقة أنك تحزن جداً عندما تجد شباباً كثيرين لا يعرفون عن أحوال الدنيا شيئاً، لا يعرفون ما الذي يحصل في فلسطين، وما الذي يحصل في الشيشان، وما الذي يحصل في كشمير، والعراق، والسودان، وما الذي يحصل بين الهند وباكستان، وما الذي يحصل بين أمريكا وروسيا، وما الذي يحصل بين أمريكا والصين، فالعلاقات الدولية الكثيرة المعقدة المتشابكة التي حول المسلمين لابد أن يفقهها المسلمون؛ لأنه سيأتي يوم من الأيام يستفيدون من هذه الأمور، فتظهر قوى وتندثر أخرى، وقد يؤثر ذلك سلباً أو إيجاباً على المسلمين.
تحدث القرآن المكي كثيراً عن بني إسرائيل، قبل أن يعرف المسلمون أنهم سيذهبون إلى المدينة المنورة، وقد ترك القرآن المكي انطباعات إيجابية كثيرة عن اليهود، وهذا الغرض معروف، وسنتكلم عنه بعد قليل.
كان يتحدث القرآن المكي عن بني إسرائيل دائماً بلفظ بني إسرائيل، لم يذكر كلمة اليهود أبداً؛ لأن كلمة اليهود استحدثت بعد ذلك في بني إسرائيل، جاءت هذه الكلمة بعد أن خالفوا كثيراً، لكن في الفترة التي كانت قبل المخالفة، وكانوا فيها أتباعاً لموسى ﵇ ومن بعده من الأنبياء، كان يطلق عليهم في القرآن الكريم: بنو إسرائيل.
وإسرائيل هو نبي الله يعقوب ﵇، فنسبة هؤلاء إلى نبي تعطي لهم تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، فترفع قيمة بني إسرائيل في قلوب المسلمين.
أيضاً تكررت كلمة (أهل الكتاب) ثلاثين مرة في القرآن كاملاً، منها آية واحدة فقط في القرآن المكي، وجاءت في قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فلفظة: (أهل الكتاب) تضم اليهود والنصارى، وجاء فيها الأمر بالمخاطبة بالتي هي أحسن.
وتحدث رب العالمين في كثير من الآيات عن موسى ﵇، وتكرر ذكر موسى ﵇ في القرآن (١٣٦) مرة، منها (١٢٢) مرة في القرآن المكي، تركيز وتكثيف كبير جداً على قصة موسى ﵇، ومعظم قصة موسى مع فرعون، وليس عن مخالفات بني إسرائيل الكثيرة، وإن كان هذا موجوداً.
إجمالاً: ذكر رب العالمين أنه أعطى بني إسرائيل كثيراً وكثيراً، حتى قال في القرآن المكي: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، وهناك آيات كثيرة تشبه هذا المعنى.
و
стр. 214
ذكر ما فعله الرسول ﷺ مع اليهود لتأليف قلوبهم
عندما دخل الرسول ﵊ المدينة حاول أن يرقق قلوب اليهود، وأراد إشعارهم بأنهم فريق واحد من المؤمنين، فعمل شيئين بوحي من رب العالمين .
الأمر الأول: هو اتجاه القبلة ناحية بيت المقدس، ثبت في البخاري ومسلم أن الرسول ﵇ توجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً من بداية دخوله المدينة حتى قبيل بدر بقليل كما سنرى إن شاء الله في الأحداث.
وهذه القبلة الواحدة تعطيهم انطباعاً واضحاً أنهم فريق واحد يتجهون إلى قبلة واحدة، فنحن وهم نعبد إلهاً واحداً، ونؤمن بالأنبياء السابقين جميعاً.
بقيت جزئية واحدة فقط، وهي أن اليهود يؤمنون برسول الله ﷺ ، الذي هو مذكور عندهم في الكتب المقدسة لاسيما التوراة والإنجيل، وعندهم علامات وبشارات كثيرة تؤكد أنه هو النبي الخاتم ﷺ .
الأمر الثاني: صيام يوم عاشوراً.
لما دخل الرسول ﵊ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه ﷺ ، وأمر المسلمين بصيامه).
فالمسلمون واليهود يصومون يوماً واحداً في السنة، وهذا اليوم فيه تعظيم لموسى ﵇، بل وتقليد له، فالرسول ﷺ وهو النبي الخاتم وأتباعه المؤمنون يقلدون موسى ﵇ في صيامه لهذا اليوم الذي نجاه الله فيه، فكل هذا تقريب للقلوب، ومحاولة لاكتساب قلوب اليهود، فنحن لسنا أعداء لليهود، فكلنا نعبد إلهاً واحداً.
стр. 215
قصة إسلام عبد الله بن سلام وموقف يهود بني قينقاع من إسلامه
بدأ ﷺ في دعوته لليهود، وجمع اليهود مرة ومرتين وثلاثاً، كان يجمع القبائل بعضها مع بعض أحياناً، وأحياناً يخاطب الأفراد ﷺ .
وجاء إليه أناس من بني قينقاع ومن بني النضير ومن بني قريظة، وأول من جاء إليه عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه، كان اسمه الحصين بن سلام ﵁ قبل أن يسلم، وسماه الرسول ﷺ عبد الله وهو من بني قينقاع، لما سمع بقدوم الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة أراد أن يختبره ليعرف أهو الرسول المذكور في التوراة أو غيره؟ فذهب إليه وقال له: (إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ : أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها، قال: أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك) يعني: يكذبونني، يقولون: أنت تقول كلاماً ليس موجوداً في التوراة، (فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت -يعني: اختبأ داخل البيت- فقال ﷺ : أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال ﷺ : أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم ذلك مراراً، فقالوا مثل ذلك.
قال: فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال اليهود: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه).
وفي رواية: (أن عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه قال لهم: يا معشر اليهود! اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله جاء بحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم ﷺ .
وهنا وضحت الرؤية تماماً أمام الرسول ﷺ ، فاليهود كلهم يعرفون تمام المعرفة أنه رسول، ومع ذلك ينكرون.
أسلم عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه، وأسلم بعد ذلك مجموعة قليلة جداً من اليهود، أما عموم اليهود فقد ظلوا على كفرهم.
هذا كان موقف بني قينقاع.
следующие страницы →