← История

История · id 37376

التتار من البداية إلى عين جالوت

راغب السرجاني

Полный текст (248 стр.). Показаны 211–248 · переход к 216.

стр. 211

انتصار المسلمين على الهزيمة النفسية التي أصابتهم من التتار الأثر الثاني لموقعة عين جالوت: انتصار المسلمين في عين جالوت على الهزيمة النفسية البشعة التي كانوا يعانون منها، والتي فصلنا ذكرها في أول المحاضرات، فقد خرج المسلمون من حالة الإحباط الشديدة التي كانت تسيطر عليهم، وعلموا أن الأمل في الله يجب ألا ينقطع أبداً، وأنه مهما تعاظمت قوة الكافرين فإنها ولا شك إلى زوال، وفقهوا حقيقة قول الله : ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧]. وأدرك المسلمون بوضوح أنهم يستطيعون الانتصار بأنفسهم دون أن ينتظروا جيش المهدي أو جيش غيره، ويستطيعون أن يصنعوا النصر بأيديهم إذا عادوا إلى الله ، فالله هو الذي ينصر ويؤيد ويمنح العزة والتمكين، ولكن لابد أن يقدم المسلمون شيئاً. واستمع إلى قول الله في سورة التوبة حيث يقول على لسان المؤمنين: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢]. هكذا فقه المسلمون هذه الحقيقة الواضحة في أنهم لابد أن يصنعوا النصر بأيديهم، ولابد أن يتحركوا بأنفسهم ويعملوا، ثم ينزل الله نصره على من يشاء من عباده. فظهر للمسلمين بوضوح بعد عين جالوت أن الله قادر على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهم وإن كانوا يعلمون ذلك علماً نظرياً قبل عين جالوت، فإن موقعة عين جالوت جاءت كالدرس العملي التطبيقي الذي لا يبقي شكاً في قلب أحد. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧].

стр. 212

عودة الهيبة للأمة الإسلامية الأثر الثالث: عودة الهيبة للأمة الإسلامية بعد غياب دام أكثر من ستين سنة، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية في أواخر القرن السادس الهجري في درجة عظيمة جداً من درجات النصر والفخر والسيادة، وذلك بعد انتصاري حطين في المشرق في فلسطين، والأرك في المغرب في الأندلس، حدث بعد ذلك انكسار شديد في حالة الأمة الإسلامية، وضاعت هيبتها، حتى بدأت الكلاب تنهش في جسدها، والأفاعي تجول بأرضها، ولكن بعد عين جالوت ألقي الجلال والمهابة على الأمة الإسلامية، حتى إن هولاكو الذي كان يستقر في تبريز في فارس، ومعه عدد ضخم جدًا من القوات التترية لم يفكر في إعادة احتلال بلاد الشام مرة أخرى، بل أقصى ما فعله هو إرسال حملة انتقامية أغارت على حلب، وسفكت دماء بعض أهلها كنوع من إثبات الوجود، والانتقام لقائده الشهير كتبغانوين، لكن هيبة الأمة الإسلامية وقرت في صدره، فلم يشأ أن يلقي بجيشه في مهلكة جديدة، وما فكر مرة ثانية في احتلال الشام، وهيبة الأمة لا تعود إلا بعين جالوت أو أشباهها، وصدق الخليفة الراشد العظيم عثمان بن عفان ﵁ حين قال: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

стр. 213

القضاء على التتار في بلاد الشام الأثر الرابع من آثار عين جالوت: فناء قوة التتار العسكرية في منطقة الشام وتركيا وفلسطين كما فصلنا، ولم يسمع عن التتار في هذه المنطقة لمدة عشرات السنين بعد ذلك، فقد اختفى القهر والظلم والبطش والتشريد، وأمن الناس على أرواحهم وأموالهم وأرضهم وأعراضهم، ولم يروع الناس أحد في هذه المناطق إلا بعد عين جالوت بأكثر من مائة وأربعين عاماً، حين دخل السفاح التتري الجديد تيمورلنك بلاد الشام، فاجتاح حلب ودمشق سنة (٨٠٤) هجرية، وهذا الكلام إن شاء الله سنتكلم عليه بالتفصيل عند الحديث عن دولة المماليك في مجموعة خاصة بها من المحاضرات، وعند الحديث أيضاً عن الخلافة العثمانية العظيمة، ولكن ما يهمنا في هذا المجال هو أن موقعة عين جالوت الخالدة أمنت المسلمين (١٤٦) سنة كاملة.

стр. 214

إعطاء الشرعية لدولة المماليك الأثر الخامس لموقعة عين جالوت: إعطاء شهادة الميلاد الحقيقية لدولة المماليك العظيمة، فقد حملت هذه الدولة العظيمة راية الإسلام لمدة (٢٧٠) سنة، وقد كانت بداية حكم المماليك منذ سنة (٦٤٨) هجرية عند ولاية شجرة الدر، أي: قبل موقعة عين جالوت بعشر سنوات، ثم زوجها الملك المعز عز الدين أيبك المملوكي، ولكن عين جالوت هي التي أعطت الشرعية أمام جميع المسلمين لدولة المماليك، فقد حقق المماليك في غضون عشر سنوات انتصارين هائلين على أعداء الإسلام: الانتصار الأول: انتصار المنصورة وفارسكور على جيوش الصليبيين بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا. الانتصار الثاني: انتصار عين جالوت، ولئن كانت القيادة العامة لجيش المسلمين في موقعة المنصورة ثم في موقعة فارسكور قيادة أيوبية، فإن الجيش كان معتمداً في الأساس على المماليك، أما في عين جالوت فالانتصار كان مملوكياً خالصاً، فكانت القيادة مملوكية والجيش مملوكي، ولذلك شعر الجميع أن هؤلاء المماليك هم أقدر الناس على قيادة الأمة، فسلموا لهم. وهكذا نشأت الدولة المملوكية، وحملت على عاتقها صد هجمات أعداء الله من تتار أو صليبيين، وكانت دولة جهادية في معظم فتراتها. ومع أن دولة المماليك حاولت أن تضفي شرعية على وجودها بصورة أكبر بعد ذلك حين استضافت أبناء بني العباس في القاهرة ابتداءً من سنة (٦٥٩) هجرية بعد سنة من عين جالوت مباشرة، وفي عهد الظاهر بيبرس ﵀، إلا أن دولة المماليك لم تكن تمثل الخلافة الحقيقية للمسلمين؛ لأنها لم تكن في أقصى اتساعها تسيطر إلا على أجزاء محدودة من العالم الإسلامي، فكانت تسيطر على مصر والشام والحجاز واليمن وأجزاء من العراق وأجزاء من ليبيا، وأما بقية العالم الإسلامي فكان موزعاً بين طوائف شتى، ولم يجد المسلمون معنى الخلافة الحقيقية الجامعة لكل المسلمين، إلا بعد قيام الخلافة العثمانية العظيمة التي أعادت جمع المسلمين بعد سنوات من التفرق. وعلى العموم فدولة المماليك كانت أقوى دول المسلمين في فترة وجودها، وكانت أكثرها جدية، وأعظمها هيبة، ولذلك كثيراً ما يطلق المؤرخون على العهد الذي عاش فيه المماليك العهد المملوكي، متجاهلين بذلك كثيراً من الممالك والدول الصغيرة التي عاشت إلى جوار دولة المماليك. إذاً: فدولة المماليك ولدت ميلاداً حقيقياً بعد عين جالوت، وحملت راية الإسلام حوالي (٢٧٠) سنة، إلى أن جاءت الخلافة العثمانية الكبرى، لتحمل راية المسلمين بقوة بعد دولة المماليك.

стр. 215

توحد مصر والشام الأثر السادس وهو أثر في منتهى الأهمية: عودة الوحدة العظيمة بين مصر والشام، حيث كونت تحالفاً إستراتيجياً صلباً مثّل حاجزَ صدٍ رائع ضد الهجمات الأجنبية، فمصر والشام بما فيها فلسطين يمثلان قلب العالم الإسلامي إستراتيجياً وسياسياً وجغرافياً وثقافياً وتاريخياً، واتحادهما يمثل عامل أمان كبير جداً لكل المنطقة، كما أنه يقلل كثيراً من أطماع الطامعين في العالم الإسلامي، ومعظم أعداء الإسلام يركزون تفكيرهم على منطقة مصر والشام، وذلك لأسباب دينية واقتصادية وعسكرية وغيرها، ومن هذا يتضح لنا أنه لا نجاة لهذه المنطقة إلا بوحدة شاملة بين كل الشام، بما فيه سوريا وفلسطين والأردن ولبنان وبين مصر؛ ليكوّنا كياناً واحداً، وهذا هو ما فعلته دولة المماليك الناشئة، وفعله من قبل نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله، وفعلته بعد ذلك الخلافة العثمانية القوية، وصدق الله إذ يقول في كتابه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. وقد شاهدنا في كل لحظات التقدم والتفوق في تاريخ المسلمين الوحدة بين المسلمين، وبالذات بين منطقة مصر والشام.

стр. 216

انتهاء حكم الأيوبيين الأثر السابع وهو أثر ملحوظ جداً: اختفى معظم الأمراء الأيوبيين، الذين كانوا أقزاماً في ذلك الزمن الذي لا يعيش فيه إلا العمالقة، والذين فرطوا تماماً في حمل الأمانة الثقيلة التي خلفها لهم جدهم العظيم صلاح الدين الأيوبي ﵀، ولم يكن لهم من هم إلا الصراع على السلطة وجمع المال وتوريث الأبناء، وعاشوا حياتهم في مؤامرات ومكائد، وداسوا على كل الفضائل والمكارم في صراعاتهم، حتى اشتهر بينهم موالاة النصارى تارة، والتتار تارة أخرى، بل واستعانوا بهم في حرب إخوانهم من المسلمين، وأحياناً في حرب إخوانهم الأشقاء، وظلّ هؤلاء الأقزام يُذيقون شعوبهم الألم والظلم والقهر والخيانة، ويقاومون أي مشروع للوحدة تحت راية واحدة؛ لأن كل واحد منهم يريد الحكم لنفسه، وظلوا يقاومون الحكم المملوكي في مصر سنوات طويلة، ويتعاونون مع الصليبيين لإسقاطه، إلى أن حدثت موقعة عين جالوت الخالدة، فكشفت هذه الزعامات الوهمية الفارغة أمام شعوبها وسقطت، وعرف كل زعيم منهم قدره الحقيقي، ورضي بما يناسب حجمه، فإما أن يرضى بإمارة بسيطة تحت حكم قطز العظيم ﵀ كما رضي بذلك الأشرف الأيوبي كما فصلنا منذ قليل، وإما أن ينخلع من مكانه ويترك المكان للأقوياء العظماء، فقد حفظت عين جالوت الأمة وحمتها من أعدائها التتار، وحمتها كذلك من شر أبنائها، من أمثال هذه الزعامات الفارغة.

стр. 217

تحرير بلاد الشام من الإمارات الصليبية الأثر الثامن: وهو في منتهى الأهمية، ويحتاج إلى تفصيل طويل، وسنتكلم عليه إن شاء الله عند الحديث عن الحروب الصليبية في مجموعة أخرى من المحاضرات، وهذا الأثر هو نتيجة الوحدة بين مصر والشام، واختفاء الأمراء الأيوبيين الأقزام من على الساحة، وظهور الدولة المملوكية القوية، والطبيعة الجهادية لدولة المماليك، والنشأة الإسلامية والحمية الدينية والفقه العالي الرفيع لهذه الدولة، حدث أمر هائل عظيم، فقد أخذ المماليك على عاتقهم بعد عين جالوت: مهمة تحرير بلاد الشام وفلسطين من الإمارات الصليبية التي ظلت تحكم هذه المناطق منذ سنة (٤٩١) من الهجرة، أي: مدة (١٦٦) سنة، وهذه الإمارات الصليبية كانت قد عاشت وتمركزت في هذه المناطق في الشام وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا، ولكن بعد عين جالوت بدأ المسلمون يتفرغون لهذه الإمارات الصليبية، ومع أن عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي ﵏ قد بذلوا جميعاً جهوداً مضنية لتحرير هذه المناطق إلا أنه بقي كثير منها لم يحرر، كما فرط أبناؤهم في بعض الولايات المحررة، فتنازلوا عنها من جديد للصليبيين. ولذلك فبعد عين جالوت وبعد استقرار المماليك في الحكم بدءوا يوجهون جيوشهم الواحد تلو الآخر لتحرير هذه البلاد الإسلامية العظيمة في كل هذه المناطق. فبدأ الظاهر بيبرس ﵀ الذي تولى الإمارة بعد قطز ﵀ منذ سنة (٦٥٩) من الهجرة يعني: بعد عين جالوت بشهور قليلة في إرسال الحملات الواحدة تلو الأخرى لتحرير هذه الإمارات الصليبية، وبعد جهاد مضن بدأت الإمارات الصليبية في التساقط في أيدي المسلمين في سنة (٦٦٤) هـ، -يعني: بعد عين جالوت بخمس سنوات، وحرر المسلمون عدة مدن فلسطينية، فقد حرروا قيسارية وحيفا وحصن أرسوف، وفي سنة سنة (٦٦٥) حررت صفد في الشمال الشرقي لفلسطين، وبينما كان الظاهر بيبرس ﵀ يحرر هذه البلاد في فلسطين كان سيف الدين قلاوون ﵀ أحد أعظم قواده يحرر قليقية في تركيا، وهي مدينة من أعظم المدن في تركيا، وهي إمارة صليبية قديمة، وانتصر هناك على قوات الأرمن النصرانية بقيادة الملك هيثوم، الذي تحالف مع هولاكو في إسقاط بغداد ثم إسقاط الشام، وجمع سيف الدين قلاوون غنائم لا تحصى، وأسر من الصليبيين ونصارى الأرمن أربعين ألفاً. وفي سنة (٦٦٥) هجرية، وسنة (٦٦٦) هجرية حرر الظاهر بيبرس يافا، وفي سنة (٦٦٧هـ) حررت أنطاكيا وهزم الأمير بوهمند الذي أيضاً كان متحالفاً مع التتار في إسقاط الشام وفي حرب المسلمين هناك، وكانت أنطاكيا أول مملكة صليبية في بلاد المسلمين، فقد احتلت سنة (٤٩١) هجرية، وكانت أغنى الإمارات، حتى إن غنائمها من الذهب والفضة كانت توزع على الفاتحين بالمكيال وليس بالعدد من كثرتها، ولم يبق عند وفاة الظاهر بيبرس ﵀ من المدن الإسلامية المحتلة إلا القليل، مثل عكا، وكانت أقوى المدن المحتلة، وبعض المدن في سوريا ولبنان مثل: صور وصيدا وبيروت وطرطوس واللاذقية في سوريا. وفي سنة (٦٨٤) من الهجرة حررت طرابلس، يعني: بعد عين جالوت بست وعشرين سنة على يد السلطان المملوكي المنصور قلاوون. ثم خلفه بعد ذلك ابنه السلطان العظيم جداً الأشرف خليل بن قلاوون ﵀، وهو من أعظم سلاطين المسلمين، وقد أخذ على عاتقه تحرير كل الممالك الصليبية المتبقية، فحررت عكا الحصينة سنة (٦٩٠) هجرية، يعني: بعد حوالي قرنين كاملين من الاحتلال الصليبي، وبعد فشل كل أمراء المسلمين السابقين على مدى هذين القرنين بتحريرها، وبفتح عكا سقطت أعظم معاقل الصليبيين في الشام، وبعدها بقليل حررت صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس واللاذقية، وبذلك انتهى الوجود الصليبي تماماً من الشام بعد اثنين وثلاثين سنة من موقعة عين جالوت، مما يجعل كل هذا التحرير أثراً مباشراً من آثار عين جالوت، فما أعظم تلك الموقعة التي أعزت الإسلام بهذه الصورة العجيبة، وفي غضون سنوات قليلة! وهناك تفاصيل في غاية الأهمية والروعة في تحرير كل هذه المدن والإمارات، وسنأتي لها إن شاء الله عند الحديث عن الحروب الصليبية في مجموعة خاصة بها بإذن الله.

стр. 218

ارتفاع القيمة العلمية للقاهرة الأثر التاسع: ارتفاع قيمة مدينة القاهرة العاصمة المصرية بعد انتصار عين جالوت وبعد قيام دولة المماليك، فقد كانت دولة المماليك أعظم دولة في المنطقة في ذلك الزمن، وقد رفع هذا جداً من قيمة مدينة القاهرة، وبالذات بعد التدمير الذي لحق ببغداد سنة (٦٥٦) من الهجرة، وبعد سقوط قرطبة سنة (٦٣٦) من الهجرة، فلم يبق من عواصم العلم والقوة والبأس في بلاد المسلمين إلا مدينة القاهرة، إنها أصبحت أعظم هذه المدن، فقد أصبحت قبلة العلماء والأدباء، ونشطت الحركة العلمية جداً فيها، وعظم جداً دور الأزهر، وأصبح ولا يزال بفضل الله من أعظم جامعات العالم الإسلامي، وحمل لواء الدفاع عن الدين، ونشر الدعوة، وحمل لواء الجهر بالحق عند السلاطين والمطالبة بالحقوق، وتزعم الحركات الجهادية القوية ليس في زمان دولة المماليك فقط، بل حتى في الأزمان التي تلتهم كذلك وإلى زماننا، وبذلك توارثت الأجيال في هذه المدينة العريقة القاهرة الدعوة إلى الله ، وتوارثت الصحوة الإسلامية، وحمل هم المسلمين ليس في مصر وحدها، بل في العالم أجمع.

стр. 219

إسلام الكثير من التتار الأثر العاشر والأخير وهو من أعجب الآثار وأعظمها: عندما رأى كثير من التتار دين الإسلام عن قرب، وقرءوا عن أصوله وقواعده وتشريعاته، وعلموا آدابه وفضائله، ورأوا أخلاقه ومبادئه، أعجبوا به إعجاباً شديداً، فقد كانوا كعامة البشر يعانون من فراغ ديني هائل، ولم يكن عندهم الياسق، وكان مؤلفاً من مختلف الأديان مع بعض الاختراعات التي عملها جنكيز خان، فكانوا يعانون من فراغ ديني هائل، وليس هناك تشريع يقترب أو يحاول الاقتراب من دين الإسلام، ومن اهتم به وبحث فيه فلابد أن يرتبط به إن كان صادقاً في بحثه، وباحثاً عن الحقيقة فعلاً. فبدأ بعض التتار يؤمنون بدين الإسلام، ثم شاء الله أن يدخل الإيمان في قلب أحد زعماء القبيلة الذهبية التي هي أحد الفروع الكبيرة جداً في قبائل التتار، وهذا الزعيم هو ابن عم هولاكو مباشرة وأخو باتو قائد التتار المشهور الذي تكلمنا عليه أيام فتح أوروبا، وتلقب هذا الزعيم بعد إسلامه باسم بركة، وتولى زعامة القبيلة الذهبية سنة (٦٥٢) من الهجرة، يعني: قبل عين جالوت بست سنوات، وكانت المنطقة التي يحكمها تعتبر شبه مستقلة عن دولة التتار، وهي المنطقة الواقعة شمال بحر قزوين، في جنوب الاتحاد السوفييتي، وبدخول هذا الرجل في الإسلام دخلت أعداد كبيرة من قبيلته في الإسلام، وهذا أمر في منتهى الغرابة؛ لأن هذا كان قبل عين جالوت بست سنوات، فمن الغريب جداً أن التتار الأقوياء يدخلون في دين الضعفاء، فالتتار في ذلك الوقت كانوا يتحكمون في رقاب المسلمين، والمسلمون يهزمون في كل مواقعهم، وهي من المرات القليلة جداً في التاريخ أن يدخل الغازي في دين من يغزوه، والقوي في دين الضعيف، ولكن هذا دين الإسلام، الذي يخاطب الفطرة البشرية، وهذا يعزز المسئولية على أكتاف الدعاة أن يصلوا بهذا الدين إلى غيرهم من أهل الأرض جميعاً، فإن من وصل إليه الدين صحيحاً نقياً فإنه يرجى إسلامه بإذن الله مهما كان معادياً للإسلام في بدء حياته. ثم بعد موقعة عين جالوت تزايد جداً عدد المسلمين في القبيلة الذهبية، حتى أصبح كل أهلها من المسلمين، فقد أثرت فيهم القوة والانتصار، وتحالفوا مع الظاهر بيبرس ضد هولاكو، ولهم مع هولاكو حروب متكررة طويلة جداً. والجدير بالذكر في هذا المقام أن نذكر أن هناك بقايا من هذه القبيلة الذهبية ما زالت موجودة إلى الآن، وهي: عبارة عن بعض الإمارات الإسلامية مثل: إمارة قازان، وإمارة القرم، وإمارة استراخان، وإمارة النوغاي، وإمارة خوارزم، وكل هذه الإمارات ما زالت إلى الآن محتلة من روسيا، ولم تحرر حتى بعد أن تفكك الاتحاد السوفييتي وسقط، ولا يعلم بها أحد. ونسأل الله لها ولسائر بلاد المسلمين التحرر الكامل والسيادة المطلقة على أراضيها. ولاشك أن هناك آثاراً أخرى كثيرة لهذه الموقعة الخالدة، والأمر بين يدي الباحثين والدارسين لدراستها، فموقعة عين جالوت من أعظم المواقع في تاريخ الأرض.

стр. 220

أسباب النصر في عين جالوت لا يفوتنا في هذا المقام أن نقف ونتدبر في أسباب هذا النصر العظيم في عين جالوت، وهي وقفة في غاية الأهمية. تكلمنا بالتفصيل في محاضرة سابقة على خطوات قطز ﵀ في إعداد الأمة، وفي إعداد الجيش المنتصر، ونعيد في إيجاز شديد بعض الأسباب التي أخذ بها قطز ونجملها في هذا الحديث الآتي:

стр. 221

الإيمان بالله السبب الأول وهو أعظم الأسباب: الإيمان بالله ، والاعتقاد الجازم بأن النصر لا يكون إلا من عند الله ؛ ولذلك اهتم قطز ﵀ بالناحية الإيمانية عند الجيش والأمة، وعظم جداً دور العلماء، وحفز على حرب التتار من منطلق إسلامي، وليس من منطلق قومي أو عنصري، ولخص ذلك في عين جالوت بكلمته الموفقة: واإسلاماه! ولم يقل: وامصراه! أو واملكاه! أو واعروبتاه! فقد كانت الغاية واضحة جداً عند قطز ﵀، وكانت هويته إسلامية تماماً، فوضوح الرؤية ونقاء الهوية كان سبباً مباشراً من أسباب النصر، بل هو أعظمها على الإطلاق. وقد ظهر لنا بوضوح رسوخ هذا الأمر في نفس قطز ﵀ عندما لجأ إلى الله عند الأزمة الخطيرة في عين جالوت، حيث وقف متضرعاً يناجي ربه ويقول: يا الله! انصر عبدك قطز على التتار. فالدعاء هو العبادة، وهو اعتراف من العبد بعبوديته لله ، وإعلان صريح من العبد أنه محتاج لرب العالمين. وكان قطز ﵀ يدرك في كل خطوة من خطوات إعداده أنه لن يفلح إلا إذا أراد الله ذلك، ولابد أن يطلب من الله باستمرار وبإلحاح وبخشوع وبتضرع أن ينصر الإسلام والمسلمين، فلم ينسب قطز ﵀ النصر لنفسه ولو مرة واحدة، بل كان دائماً ينسبه إلى الله ؛ لأنه يعلم أنه قد طلب النصر من الله كثيراً، وأن الله قد تفضل وتكرم عليه وعلى المؤمنين بالنصر والتوفيق، فلله تعالى المنة والفضل.

стр. 222

الوحدة بين المسلمين السبب الثاني وهو أيضاً هام جداً: الوحدة بين المسلمين، فالأمة المتفرقة لا تنصر، وقد حرص قطز ﵀ منذ اليوم الأول لارتقائه عرش مصر أن يوحد المسلمين قدر ما يستطيع، فقد عفا عن المماليك البحرية وجمعهم مع المماليك المعزية، وراسل ملوك الشام الأيوبيين، وتقرب منهم، وضمهم إلى قواته، مع كونهم قد حاربوه قبل ذلك سنين طويلة، وضم الجنود الشامية والخوارزمية والمتطوعين إلى جيشه بغض النظر عن أصولهم وأعراقهم، ونجح في تحقيق ما كان يعتقد الكثيرون أنه من المستحيل، وهو الوحدة بين المسلمين.

стр. 223

رفع راية الجهاد السبب الثالث: إذكاء روح الجهاد في الأمة، فقد تيقن قطز ﵀ أن أهم السبل لاستعادة حقوق المسلمين هو الجهاد، وأنه وإن كان الإسلام دين السلام إلا أنه دين الجهاد والقوة والكرامة والعزة كذلك، وأدرك ﵀ أن اختيار الحرب أحياناً يكون هو الاختيار الشريف الوحيد.

стр. 224

الأخذ بالأسباب المادية في الجهاد السبب الرابع: الإعداد الجيد للمعركة، فقد أخذ قطز ﵀ بكل الأسباب المادية لتقوية جيشه، من إعداد للسلاح، وتدريب للجنود، وترتيب للصفوف، ووضع الخطة المناسبة، واختيار المكان المناسب، وعقد الأحلاف الدبلوماسية المناسبة، وتهيئة الجو على أفضل ما يكون، ويكفي أن نذكر هنا بالصورة الجميلة البهية الرائعة التي كانت عليها جيوش المماليك في عين جالوت، وكأنها تتجه إلى عرض عسكري، وليس إلى معركة ضارية، ومن لم يعد العدة فلا شك أنه واهم، وليس هذا مخالفاً لشرع الله ، ولا مضاداً بأي صورة من الصور للتوكل على الله ؛ فالتوكل: هو الأخذ بالأسباب كاملة، واللجوء إلى الله لجوءاً كاملاً كذلك.

стр. 225

التربية بالقدوة السبب الخامس: القدوة التي ضربها قطز ﵀ لجنوده ولأمته في كل الأعمال، وتربية القدوة أفضل بآلاف المرات من تربية الخطب والمقالات. وقد كان قطز ﵀ قدوة في كل شيء، فقد كان قدوة في أخلاقه وفي نظافة يده وفي جهاده وفي إيمانه وفي عفوه، وفي كل شيء. فلم يشعر الجنود أبداً بأنهم غرباء عن قطز، فقد نزل ﵀ بنفسه إلى خندق الجنود وقاتل معهم، فكان حتماً أن يقاتلوا معه.

стр. 226

عدم موالاة الكفار السبب السادس: عدم موالاة أعداء الأمة، فلم يوال قطز ﵀ التتار أبداً مع فارق القوة والإعداد بينهما، كما لم يوال أمراء النصارى في الشام أبداً مع احتياجه لذلك، وقد سقط الكثير من الزعماء قبله في مستنقع الموالاة للكفار، وكان منطلقهم في ذلك أن يجنبوا أنفسهم أساساً ثم شعوبهم كما يدَّعون ويلات الحروب، فارتكبوا خطأً شرعياً شنيعاً، بل أخطاءً مركبة، فتجنب الجهاد مع الحاجة إليه خطأ، وتربية الشعب على الخنوع لأعدائه هذا خطأ آخر، وموالاة العدو واعتباره صديقاً خطأ ثالث. وأما قطز ﵀ فقد كان واضح الرؤية، وقد تحقق له هذا الوضوح في الرؤية بفضل تمسكه بشرع الله ، فلم يوال كافراً أبداً على حساب المسلمين.

стр. 227

تقوية الروح المعنوية وبث الأمل في الأمة السبب السابع: بث روح الأمل في الجيش والأمة. فالأمة المحبطة من المستحيل أن تنتصر، فالإحباط والقنوط واليأس ليست أبداً من صفات المؤمنين، ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فعمل قطز ﵀ على رفع الروح المعنوية للجيش وللأمة، ووضح لهم أن نصر الله للأمة التي سارت في طريقه ليس أمراً محتملاً، بل هو أمر مؤكد يقيني، وهو أمر عقائدي كتبه الله، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].

стр. 228

الأخذ بالشورى السبب الثامن من أسباب النصر في عين جالوت: الشورى الحقيقية التي سار على هداها قطز ﵀ في كل خطواته تقريباً، وأقصد بالشورى الحقيقية الشورى التي تسعى حقيقة للوصول إلى أفضل الآراء، لا التي تسعى إلى تثبيت وتدعيم وتأكيد رأي الزعيم، والشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، وليست أمراً تجميلياً أو تكميلياً، ولا يصلح لأمة تريد النهوض أن تهمل هذا الأمر الأصولي في الإسلام.

стр. 229

إسناد الأمر إلى أهله السبب التاسع: توسيد الأمر إلى أهله، فقد ولى قطز ﵀ أولئك الذين يتصفون بصفتين رئيسيتين وهما: الكفاءة، والأمانة، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، أي: القوي في مجال عمله، المتفوق على أقرانه، السابق لهم المتقن لعمله المبدع فيه، والأمين الذي لا يضيع حق الله ولا حق العباد، ولا حق الأمة، ولا حق نفسه، فقد ولى قطز ﵀ فارس الدين أقطاي الصغير رئاسة الجيش مع كونه من المماليك البحرية، وولى ركن الدين بيبرس على مقدمة جيش المسلمين في عين جالوت، مع كونه منافساً له، وصاحب تاريخ وقوة، وزعيماً للمماليك البحرية، وكذلك ولى ﵀ أمراء الشام على بلادهم، ولم يول أصحابه وأقاربه، ومن كان على هذه الصورة فلابد أن ينصر، فمن حفظ الأمانة فلابد أن يحفظه رب العالمين .

стр. 230

الزهد في الدنيا السبب العاشر وهو من أهم أسباب النصر: الزهد في الدنيا، وما فشل الزعماء الوهميون سواءً في زمان قطز، أو في زماننا، أو إلى يوم القيامة إلا بغرقهم في الدنيا وانغماسهم فيها، وما ظلموا شعوبهم، ووالوا أعداءهم إلا جرياً وراء المادة وسعياً وراء الدنيا. وقد رأينا في هذه السلسلة الذين تعلقوا بالدنيا كيف كانت حياتهم وطموحاتهم وأحلامهم، ثم كيف باعوا أنفسهم وشعوبهم وأخلاقهم، بل وعقيدتهم من أجل أغراض رخيصة جداً من أغراض الدنيا، ورأينا كيف عاشوا في ذلة ثم ماتوا في ذلة كذلك، فقد رأينا محمد بن خوارزم، وجلال الدين بن خوارزم، والمستعصم بالله، وبدر الدين لؤلؤ، والناصر يوسف الأيوبي وغيرهم وغيرهم، كل هؤلاء عاشوا في ذلة وماتوا في ذلة. وأما قطز ﵀ فقد فطن إلى هذا المرض الذي ابتلي به هؤلاء الضعفاء فزهد فيه وتجنبه، وعلم أن متاع الدنيا مهما زاد فهو قليل، وأن نعيمها مهما كان له بريق فهو زائل ومنقطع، فلذلك لم يفتن بالدنيا لحظة، ولم يطمع فيها قيد أنملة، بل حرص على أن يبيع دنياه كلها، ويشتري الجنة، فترك المال الغزير الذي كان تحت يده، ولم يطمع فيه، وباع ما يملك ليجهز جيوش المسلمين المتجهة لحرب التتار، ولم يطمع في كرسي الحكم, فعرض القيادة على الناصر يوسف الأيوبي على ضحالة قدره إذا قبل بالوحدة بين مصر والشام، ولم يطمع ﵀ في استقرار عائلي أو اجتماعي أو أمن وأمان، بل كرس حياته للجهاد والقتال على صعوبته وخطورته، بل لم يطمع في طول حياة، فقد خرج بنفسه وهو الشاب الصغير على رأس الجيوش ليحارب التتار في حرب مهلكة، ولا شك أنه كان يعلم أنه سيكون أول المطلوبين للقتل، لكنه كان مشتاقاً بصدق إلى الجهاد، ومتمنياً للموت في سبيل الله، فقد كان زاهداً حقاً في الدنيا، ولم يتردد لحظة، وكانت حياته تطبيقاً عملياً جداً لكل كلماته؛ لذلك أعطاه الله الدنيا التي فر منها، وأعطاه الكرسي الذي زهد فيه، وأعطاه الغنائم الهائلة والمال الوفير الذي لم يحرص عليه أبداً، فعاش ﵀ عزيزاً شريفاً، رافعاً رأسه، معزاً لدينه، محبوباً من شعبه، مرهوباً من أعدائه. فرحم الله هذا العلم الجليل والقائد الفذ قطز الذي تعلمنا منه وما زلنا نتعلم كيف يعيش المسلم بالقرآن، وكيف تخالط كلمات الحبيب المصطفى ﷺ كل ذرة في كيانه. ونسأل الله أن يصلح آخرته كما أصلح دنياه، وأن يعزه أمام الخلائق يوم العرض الأكبر، كما أعزه في عين جالوت، وأن يكتب اسمه في سجل الصادقين المخلصين المجاهدين، كما كتب اسمه قبل ذلك في سجل الخالدين. هذه هي أسباب النصر في هذه الموقعة الجليلة. نسأل الله أن ييسر لنا تحقيقها حتى نرى رجلاً أو رجالاً كـ قطز، وحتى ننعم بنصر أو انتصارات كعين جالوت، وما ذلك على الله بعزيز. كما نسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يجعل لنا في التاريخ عبرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 231

سلسلة التتار_ بغداد بين سقوطين يتشابه أعداء الأمة في خططهم وبرامجهم وأساليبهم في غزوهم للأمة الإسلامية، ويساعدهم على ذلك ضعف الأمة، بالإضافة إلى الأمراض التي تنتشر فيها، فلا بد من معالجة أمراضها معالجة جادة، والتمسك بأسباب النصر وتحقيقها، ليتحقق النصر الموعود.

стр. 232

التشابه بين التتار والأمريكان في غزو بغداد أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع المحاضرة الثانية عشرة والأخيرة من محاضرات قصة التتار: من البداية إلى عين جالوت. في المحاضرات السابقة تحدثنا عن قصة التتار من بدايتها إلى عين جالوت، وذكرنا فيها تفصيلات وأغفلنا أخرى، وما أغفلناه من هذه التفصيلات لم يكن إلا لضيق الوقت فقط مخافة التطويل، وإلا فالقصة تحتاج أضعاف ذلك الوقت كي تحلل بعناية وتدرس بدقة، ولكن بعد هذه القصة لا بد لنا من وقفة. نحن لم نقص هذه القصة لمجرد ذكر ما سبق من تاريخ وأحداث على الأرض، أو لمجرد التنظير والتحليل دون عمل أو وقفة، بل للعبرة والتفكر والاستفادة، ولقراءة المستقبل، وما أشبه اليوم بالبارحة! ما أشبه سقوط بغداد تحت أقدام الأمريكان بسقوطها تحت أقدام التتار! وما أشبه المسلمين أيام التتار بمسلمي اليوم! وما أشبه حكام المسلمين أيام التتار بحكام المسلمين اليوم! وما أشبه التتار بالأمريكان! وما أشبه حلفاء التتار بحلفاء الأمريكان! فهي صورة متكررة في التاريخ بشكل عجيب، والأمثلة على هذه الصورة كثيرة جداً في التاريخ، ونحن سنحاول ربط هذه القصة بواقعنا، وإذا أردنا أن نتحدث عن صور أخرى من جوانب التاريخ الإسلامي بصفة خاصة، أو جوانب التاريخ الإنساني بصفة عامة فسنجد كثيراً من الصور تتشابه مع واقعنا الآن، وانظروا إلى هذه المقارنة بين سقوط بغداد الأول وسقوطها الثاني. ظهر التتار فجأة على مسرح الأحداث تماماً كما ظهر الأمريكان، فأمة التتار أمة بلا تاريخ، قامت على السلب والنهب، وقتلوا الملايين من الأبرياء؛ ليقيموا دولتهم على جماجم البشر، ولتسقى حضارتهم إن كانت هذه حضارة بدماء الملايين المظلومين، وكذلك فعل الأمريكان، فقد قتلوا مئات الألوف بل الملايين من الهنود الحمر؛ لكي يقيموا لهم دولة، ونهبوا ثروات غيرهم، وأقاموا ما يسمونه أيضاً بحضارتهم على أشلاء وجماجم سكان البلاد الأصليين، ومرت الأيام وصار الأمريكان قطباً أوحداً في الأرض تماماً كما صار التتار، ولم يقبلوا بالآخر أبداً، ورسخوا الظلم والبطش والقهر في الأرض مع ادعائهم المستمر أنهم ما جاءوا إلا لنشر العدل والحرية والأمان للشعوب، وهكذا فعل التتار. وما أشبه طاولة مفاوضات التتار بطاولة مفاوضات الأمريكان، فهم يعطون عهوداً ولا ضمير، ومواثيق ولا أمان، وكلمات جوفاء تطلق في الهواء لتسكين الشعوب وخداعهم إلى حين، وعزمهم مبيت قبل التعهد على نقض العهود، والنية معقودة قبل اللقاء على الطعن في الظهر، وقد دخل الأمريكان بلاد المسلمين بحجج واهية كما دخلها التتار بحجج واهية، ولم يحتاجوا أبداً إلى دليل دامغ أو إلى حجة ساطعة، بل كلها أوهام في أوهام، وادعاءات في ادعاءات، فهم تارة يدعون محاربة الإرهاب، وتارة ترسيخ الديمقراطية، وتارة تحرير الشعوب، وتارة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وتارة البحث عن زعيم هنا أو هناك، وهكذا، فهم يريدون أي سبب ليدخلوا من ورائه؛ لأنهم حتماً سيدخلون. وحارب الأمريكان في بلاد المسلمين حروباً كحروب التتار، وكانت حروبهم بلا قلب، لا تفرق بين مدني ومحارب أبداً، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين طفل أو شاب أو شيخ كبير، واستولى الأمريكان على ثروات المسلمين تماماً كما فعل التتار، وإلا فما الفارق بين البترول، وبين الذهب والفضة، وما الفارق بين تغيير المناهج وتبديلها وتزييفها، وبين إغراق مكتبة بغداد وطمس كل ما هو إسلامي، فكلاهما يتميزان بروح همجية لا تقبل الحضارة، وكأن الله أراد أن يطابق بين أفعال الأمريكان وأفعال التتار، فجعل خطوات الأمريكان في إسقاط بغداد شديدة الشبه بخطوات التتار، فكما تمركز التتار أولاً في أفغانستان كذلك تمركز الأمريكان في أفغانستان، وكما تحالف بدر الدين لؤلؤ زعيم الأكراد في شمال العراق مع التتار، كذلك تحالف أكراد الشمال العراقي مع الأمريكان. وكما فتح كيكاوس الثاني وقلج أرسلان الرابع المجال الأرضي التركي لقوات التتار، فتح الأتراك الآن المجال الجوي التركي، وليس هناك فرق بين المجال الأرضي والمجال الجوي. وكما اخترقت الجيوش التترية أراضي المسلمين دون مقاومة لتصل إلى العراق، كذلك اخترقت جيوش الأمريكان أراضي المسلمين الآن، وليس فقط بدون مقاومة، ولكن بترحيب عال وباستقبال حار، فما أشبه اليوم بالبارحة. وكما فكر التتار في التعاون مع الشيعة في العراق فكر الأمريكان في ذلك، وكما استغل التتار بعض المنافقين من المسلمين لبث الحرب الإعلامية التي تحط من نفسيات المسلمين وتلقي الرعب في قلوبهم، قام الأمريكان بنفس الشيء، حتى رأينا الصحف القومية في البلاد الإسلامية تتحدث عن تدريبات وتسليحات وإمكانيات الأمريكان، وتوسع الفجوة

стр. 233

الأسباب والأمراض التي تؤدي إلى هزيمة المسلمين كل هذا الشبه بين التتار والأمريكان لا يخيفني ولا يرهبني، فملة الكفر واحدة، وحال الكفار يتشابه في كل الأزمان، وإنما ما يخيفني حقاً ويرهبني هو تشابه واقع المسلمين اليوم مع واقعهم أيام التتار، ونحن كما ذكرنا في درس سابق لا نهزم أبداً لقوة الكفار، سواء كانوا من التتار أو من الفرس أو من الروم أو الروس أو الأمريكان أو غيرهم، وإنما نهزم لضعفنا في المقام الأول. افتقر المسلمون أيام التتار لكل مقومات النصر قبل عين جالوت وقبل أيام قطز ﵀، فكان لا بد من الهزيمة والذل والهوان، وكذلك افتقر المسلمون في زماننا إلى نفس مقومات النصر، فكانت النتيجة هي العربدة الأمريكية والروسية والهندوسية واليهودية والصربية في أراضي المسلمين. إن الأمراض الأخلاقية تفشت في الأمة الإسلامية أيام التتار، فكانت سبباً في انهيارهم الرهيب أمام التتار، وهي نفس الأمراض الأخلاقية التي تفشت في أمتنا اليوم. لذلك لا بد أن يقف المسلمون وقفة صادقة مع أنفسهم، يفتشون فيها عن أدوائهم الخطيرة، ويسألون أنفسهم: لماذا يفعل بهم أهل الأرض ما يشاءون مع أن المسلمين يزيدون على المليار؟ فهذا سؤال لا بد من الإجابة عليه بصدق، ولماذا لا يأبه بنا أهل الشرق والغرب؟ ولماذا نزع الله المهابة منا من قلوب أعدائنا، وألقى في قلوبنا الوهن والضعف والخور؟ وهذا يحتاج منا أن نراجع التاريخ والواقع. تكلمنا في المحاضرات السابقة بصفة عامة عن أسباب النصر أيام قطز ﵀، وهي نفس أسباب النصر في كل معارك المسلمين، بدءاً من أيام الرسول ﷺ ، ومروراً بكل الانتصارات الإسلامية وإلى زماننا الآن، بل وإلى يوم القيامة؛ لأن أسباب النصر من السنن الإلهية التي لا تتغير ولا تتبدل، يقول تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢]. والذي يطلع على أسباب النصر سيدرك بوضوح أن الأمة الإسلامية في زمان انكسارها وضعفها قد تخلت كثيراً عن هذه الأسباب، وابتليت بالعديد من الأمراض الخطيرة، والتي هي ببساطة شديدة عكس أسباب النصر التي ذكرناها في الدرس الثامن من هذه الدروس. وسنحاول هنا استعراض الأمراض والأسباب التي تعاني منها أمتنا الآن، ثم كيف نتخلص من هذه الأمراض.

стр. 234

عدم وضوح الهوية الإسلامية المرض الأول: عدم وضوح الهوية الإسلامية، والقاعدة الإسلامية الأصيلة التي وضحت لنا بعد عين جالوت هي: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ونصر الله يكون بتطبيق شرعه والالتفاف حول راية إسلامية واحدة، ولا بد أن تكون الراية إسلامية بوضوح، فلا عنصرية ولا قبلية ولا قومية. وأما البعد عن منهج الله ، وقبول الحلول الشرقية والغربية، والإعراض عن كتاب الله وعن سنة رسوله الكريم ﷺ فهذا أصل البلاء وموطن الداء، ولم يتغير المسلمون إلا عندما ظهر من ينادي بالنداء الجميل العميق: وإسلاماه، كما وضحنا قبل ذلك في أسباب النصر في عين جالوت، ومهما حاول أي قائد أن يحفز شعبه بغير الإسلام فلن يفلح هو أو أمته أبداً، فقد أبى الله أن ينصرنا إلا إذا ارتبطنا به في الظاهر والباطن، إذا كان ظاهرنا وباطننا إسلامياً، وسياستنا مسلمة، واقتصادنا وإعلامنا وقضاؤنا وجيشنا إسلامياً، بوضوح دون تستر ولا معارضة ولا خوف ولا وجل، فليس هناك ما نستحي منه، بل الذي يتبرأ من الدين هو الذي يجب أن يستحي. وعند النظر إلى واقعنا نجد أن الذين يتكلمون في الدين يجب عليهم أن يكونوا حريصين جداً، فكل كلمة محسوبة عليهم، وعليهم أن ينتقوا الألفاظ بدقة، وألا يكون للكلمات مرام أخرى، وأما الذين يتكلمون في الفجور والإباحية فإنهم يتكلمون كما يريدون، وبدون ضابط أو رابط، فبرامج الفيديو كليب والبرامج الماجنة والإعلانات القذرة تتكلم دون رقيب أو حسيب، وكيف تنصر أمة فقدت هويتها إلى هذه الدرجة؟! فالأمة التي يستحي فيها العالم أن يقول كلمة الحق، ولا يستحي فيها الفاجر أن يجاهر بفسوقه ومجونه، كيف تنصر؟ فلا بد لنا من وقفة مع هذه النقطة. فضياع الهوية الإسلامية هو المرض الأول والرئيس لتمكن أعداء الأمة من بلادنا.

стр. 235

الفرقة بين المسلمين المرض الثاني: الفرقة بين المسلمين، وهي عكس الوحدة بين المسلمين، وكما كانت تتصارع الأقليات الإسلامية أيام التتار وجلال الدين يعيش فساداً في بلاد المسلمين، بينما جيوش التتار تقبع على بعد خطوات قليلة جداً منه، كذلك نرى الآن الخلاف والشقاق يدب بين كل بلاد المسلمين تقريباً، وقلما تجد قطرين إسلاميين متجاورين إلا ووجدت بينهما صراعاً على حدود، أو اختلافاً على قضية، فقد انشغل المسلمون تماماً بأنفسهم، وتركوا الجيوش المحتلة تعربد في ربوع العالم الإسلامي، وجعلوا همهم التراشق بالألفاظ والخطب، وأحياناً بالحجارة والسلاح مع إخوانهم المسلمين، ولا شك أن التنازع بين المسلمين قرين الفشل، كما ذكر ربنا ذلك في كتابه بوضوح فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، فهذا مرض من الأمراض الخطيرة التي نراها بأعيننا، وهي تفسر لنا تمكن الأمريكان وغيرهم من بلاد المسلمين.

стр. 236

الترف والركون إلى الدنيا المرض الثالث: الترف والركون إلى الدنيا، فقد كبرت الدنيا جداً في عيون المسلمين أيام التتار، وكذلك في أيامنا، فهناك أجيال كاملة من المسلمين اليوم لا تعيش إلا لدنياها، وإن كانت حقيرة وذليلة، فاليوم كل فرد يعيش لنفسه، ويجمع المال ويتجمل ويحسن معيشته، ويتنعم بأنواع الطعام والشراب والمراكب والمساكن، ويستمتع بأنواع الغناء المختلفة وأساليب الموسيقى المتجددة، وهكذا غرق المسلمون في دنياهم، وتجد الكثير من الشباب يحفظ من الأغاني الماجنة أكثر مما يحفظ من القرآن، وكثير منهم يعرف بالتفصيل تاريخ حياة الفنانين والفنانات الأحياء منهم والأموات، ويعرف سيرة كل لاعب في بلادنا أو في غيرها، ولا يعلم شيئاً عن تاريخ وسيرة أبطال وعلماء وقواد المسلمين، بل لا يعلم شيئاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ، بل قد لا يعلم شيئاً عن الرسول ﷺ نفسه، وهذا مرض يحتاج إلى علاج. فالترف من أسباب الهلكة الواضحة، يقول الله في كتابه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، وقد وصل الترف اليوم في بلاد المسلمين إلى عموم المسلمين، حتى وصل إلى فقرائهم، فتجد الرجل قد لا يجد قوت يومه وهو لا يستغني عن السيجارة، ويكاد لا يجد ما يستر به نفسه وأولاده، ثم يجلس الساعات على المقاهي وما إلى ذلك، وقد لا يستطيع أن يعلم أولاده، ولكنه يحرص كل الحرص على اقتناء فيديو أو طبق فضاء، وأما الترف الفكري فهو كثير جداً، فتجد أذهان الكثير ممن يعتبرون أنفسهم من المثقفين مملوءة بأشياء لا تسمن ولا تغني من جوع أبداً، إما أفكار فلسفية، أو مدارس علمانية، أو نظريات مادية، أو أقوال وحكم لأناس لا يزنون شيئاً أبداً في ميزان الحق، وهذا لا يصح لأمة تعاني الأزمات، وأكثر من بقعة من بقاعها محتلة، وهي متأخرة في معظم مجالات الحياة، في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية، بل والأخلاقية، فهذا لا يستقيم أبداً، ولكنه واقع نراه بأعيننا، وهو واقع أليم، ونحن لا نريد أن نكون كالنعام نضع رءوسنا في الرمال، ونخفي هذه الحقائق عن أعيننا لنعيش في سعادة، فهذا من الغباء والحماقة. فعلينا أن نواجه أمراضنا، ونقف وقفة جادة لنعالجها، ولن يصلح حال المسلمين وتحرر بلادهم أبداً إلا بتطبيق شرع ربنا، وموافقتنا لسننه في النصر، وهذا مشاهد في التاريخ وفي الواقع.

стр. 237

ترك الجهاد المرض الرابع من أمراض الأمة الإسلامية الخطيرة: ترك الجهاد، وهذا نتيجة طبيعية للانغماس في الدنيا والترف الزائد عن الحد، فقد ترك المسلمون الجهاد، ورضوا بالسير في ذيل الأمم، وقبلوا ما سماه عدوهم: السلام، وهو في الواقع استسلام، ولم يفقه المسلمون الآن كما لم يفقهوا أيام التتار أن السبيل الأساسي لاستعادة حقوق المسلمين المنهوبة هو الجهاد، وأن السلام لا يمكن أن يكون خياراً إلا في بعض الظروف، وأما إذا انتهبت حقوق المسلمين، وسفكت دماؤهم وشردوا عن أرضهم، واستهزئ بدينهم وبرأيهم وبمكانتهم فلا يمكن أن يكون السلام هو الخيار المطروح، فالسلام لا يكون إلا باستعادة كامل الحقوق، ولا يكون إلا ونحن أعزاء، نمتلك قوة الردع الكافية للرد على العدو إذا خالف معاهدة السلام، أما بدون ذلك فالسلام لا يكون سلاماً، بل يكون استسلاماً، وهو ما لا يقبل في الشرع. ويجب أن يفقه المسلمون جيداً أن كلمة الجهاد ليست عيباً يجب أن نستحي منها أو نداريها، ولا كلمة قبيحة يجب أن تنزع من مناهج التعليم ومن وسائل الإعلام ومن صفحات الجرائد والكتب، ومن خطب الجمعة ومن الدروس ومن غير ذلك، بل هي كلمة عظيمة جداً، فالجهاد ذروة سنام الإسلام وأعلى ما فيه، شاء ذلك أعداء الأمة أم أبوا، سواء من خارجها أو من أبنائها، فكلمة الجهاد بمشتقاتها وردت في كتاب الله أكثر من (٣٠) مرة، وكلمة القتال بمعنى قتال الأمة لأعدائها وردت أكثر من (٩٠) مرة في كتاب الله ، وكلمة النصر وردت أكثر من (١٤٠) مرة، فأين نذهب بهذه الكلمات والآيات؟ وأين نذهب بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال:٦٥]؟ وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]؟ ومتى تظهر الغلظة إذا كانت كل بلاد المسلمين محتلة، ونحن لا زلنا نبحث على السلام؟ وأين نذهب بقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]؟ وأنى لأمة تريد أن تحمي نفسها، وتدافع عن عرضها وشرفها أن تترك الجهاد والقتال؟ وفي أي عرف أو قانون أو ملة تصر الأمة التي احتل شرقها وغربها على عدم الحديث عن الجهاد والقتال والحرب والإعداد؟ ومرض ترك الجهاد وترك الحديث عنه وترك الإعداد له من أعظم أمراض الأمة، ولم يوجد في تاريخنا أبداً قيام إلا به، ولنا في التاريخ عبرة.

стр. 238

إهمال الإعداد وترك الأخذ بالأسباب المرض الخامس وهو مرض خطير كذلك: إهمال الإعداد المادي للحروب، وقد رأينا كيف اجتهد التتار في إعداد كل ما يمكنهم من النصر، سواء من الجنود أو السلاح، أو تجهيز الطرق أو وضع الخطط، أو الاهتمام بالأحلاف والحرب النفسية، أو إعداد الخطط البديلة، وكان إعدادهم متميزاً حقاً، وعلى الجانب الآخر كان المسلمون يعيشون في واد آخر، فقد أهملت الجيوش الإسلامية وانحدر مستواها، ولم يعد يهتم حاكم بتحديث سلاحه أو تدريب جنده، ولم توضع الخطة المناسبة، ولم توجد المخابرات الدقيقة، وتهاون المسلمون جداً في إعدادهم، ورتبوا أولوياتهم بصورة مخزية، فأنفقوا الملايين على القصور والرخام والحدائق والحفلات، لم ينفقوا شيئاً على الإعداد العسكري والعلمي والاقتصادي للبلاد، فقلّ ظهور النماذج المتفوقة في المجالات العلمية والقيادية والإدارية، وكثر ظهور المطربين والمطربات والراقصين والراقصات واللاعبين واللاعبات واللاهين واللاهيات، وأمة بهذا الإعداد لن تحرر بلادها من عدو محتل، ولا بد أن تهزم، وأمة الإسلام بغير إعداد لا بد أن تهزم، وليس معنى التوكل على الله أن نهمل الأسباب، ولا معنى الإعداد أن نهمل الاعتماد على ربنا ، بل لا بد من الأمرين معاً، أن نبذل قصارى جهدنا في إعداد الأسباب المادية، وأن نلجأ إلى الله بصدق لينصرنا على أعدائنا، وأن ييسر لهذه الأسباب أن تؤتي نتائجها. إذاً: إهمال الإعداد مرض خطير جداً وما زال مستمراً، وراجعوا الإحصائيات لحال الأمة الإسلامية في المجالات العلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية؛ من أجل أن تعرفوا مدى المأساة التي تعيشها الأمة.

стр. 239

افتقاد القدوة المرض السادس: افتقار المسلمين إلى القدوة، فتربية القدوة أفضل آلاف المرات من تربية الخطب والمقالات، فالجنود يشعرون بالغربة الشديدة ويفقدون الحماس تماماً إذا افتقدوا القدوة، وإذا ألقي ألف خطاب للتحميس على الجهاد، فلن يفعل شيئاً إذا وجد الجنود قائدهم أول المختبئين عند الكوارث. كذلك إذا ألقي ألف خطاب عن تحمل الظروف الصعبة والرضا بالقليل والزهد في الدنيا وتحمل المصائب الاقتصاية، لا يغني شيئاً إن وجد الشعب زعيمه يتنعم في القصور، وينفق الملايين على راحته وسعادته ورفاهيته وحفلاته الصاخبة. وكذلك ألف خطاب عن الأخلاق الحميدة، لا يقدم شيئاً في الأمة إن كان الذي يقتدى به ما يصلي أصلاً ولا يصوم، ولا يتسم بنظافة اليد واللسان والضمير والوجدان، إذ كيف يلتزم شعب بدينه وبشرع ربه وهو قلّما استمع إلى لفظ الجلالة من زعيمه أو أستاذه أو مربيه؟

стр. 240

موالاة الأعداء المرض السابع وهو خطير جداً: موالاة أعداء الأمة، وليس في ديننا لبس ولا غموض، وقد تركنا ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فموالاة أعداء الأمة مرض خطير، وقد كانت هذه المصيبة دوماً سبباً مباشراً من أسباب سقوط الأمة الإسلامية، وما جرَّت موالاة أعداء الأمة على الأمة إلا الويلات والكوارث، وإنها والله لخزي الدنيا وعذاب الآخرة. يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٧]، وهذا تحذير مباشر وخطير. وقد رأينا في هذه السلسلة كيف اقترف الكثير من زعماء المسلمين جريمة موالاة التتار، ورأينا العواقب بوضوح، بل رأينا كيف أن هذه الموالاة الممقوتة لم تنفع حتى أصحابها؛ لأنه عادة أول ما يضحي النصارى أو اليهود بمن والاهم من المسلمين؛ لأنهم لا وزن لهم عند الله ولا قيمة، فيا ليت الذي يبيع نفسه وأمته ودينه للشيطان وأعوانه يعلم أنه يبيع كل ذلك بلا ثمن، وأنه يخسر دنياه وآخرته، وأنه مهما استفاد فيما يعتقد فهو في النهاية خاسر، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧].

стр. 241

الإحباط المرض الثامن: الإحباط، فالأمة المحبطة من المستحيل أن تنتصر، والقنوط ليس أبداً من صفات المؤمنين، قال الله : ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، فقد عمل التتار كما عمل الأمريكان وأتباعهم على خفض الروح المعنوية للشعوب المسلمة إلى أدنى درجة ممكنة، وعظموا كل ما هو تتاري أو أمريكي، وخفضوا كل ما هو مسلم، ووسعوا الفجوة جداً بين إمكانيات العدو وإمكانيات الأمة، وصوروا لهم أنه لا سبيل لهم للنجاة إلا بالخنوع والخضوع والتسليم. والعودة إلى الله ليس من الضروري أن تأخذ وقتاً طويلاً، بل يعود المسلم إذا أراد العودة إلى ربه في لحظة، ويجد أن الله في خير استقبال له، وأنه يفرح بتوبته وبعودته، فيمكِّنه ويعطيه السيادة في الأرض، ويحوطه برعايته، فهو يتودد إلى ربه وربه يتودد إليه. ونحن الذين نحتاج إلى ربنا سواء في الدنيا أو في الآخرة، وقد رأينا أن مصيبة التتار على عظمها وعلى كونها أعظم آلاف المرات من المصائب التي نمر بها الآن، قد أتبعت بنصر مجيد على يد قطز ﵀، وكان من أهم الأسباب للنصر أنه ﵀ رفع الروح المعنوية لجيشه ولشعبه، وعلمهم أن التتار خلق من خلق الله لا يعجزونه أبداً، وأن المسلمين إذا ارتبطوا بالله فلا سبيل لأحد عليهم مهما كان، لا تتار ولا يهود ولا أمريكان، وعلمهم ﵀ أن الدولة الأخيرة لا بد أن تكون للمسلمين، وليعلم المسلمون في كل زمان أن النصر لا يأتي إلا بعد أشد لحظات المجاهدة، وأنه إذا أوصدت كل الأبواب وأظلمت الدنيا، وشعر المسلمون أن الأزمة قد بلغت الذروة التي لا ذروة بعدها، فكل هذه علامات واضحة وبينة على أن النصر قد أصبح قريباً جداً، واستمعوا إلى قول الله في سورة البقرة حيث يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، أي: إذا وصل الأمر إلى الذروة وقالوا: متى نصر الله؟ ثم عقب بقوله: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، أي: عند وصول المأساة إلى الذروة يأتي نصر الله ، فهذه من سنن رب العالمين في كونه وفي خلقه.

стр. 242

توسيد الأمر لغير أهله المرض التاسع: توسيد الأمر لغير أهله، فقد رأينا في قصة سقوط بغداد الأولى، كيف أن الأمر كان قد وسد لغير أهله كثيراً، وضيعت الأمانة، وتولى المناصب العليا في البلد أناس افتقروا إلى الكفاءة، كما افتقروا إلى التقوى، فلم يكن فيهم قوة ولا أمانة، وهذه طامة كبرى، فإذا لم يصل إلى مراكز القيادة إلا أصحاب الوساطة أو القرابة أو الرشوة فهذا أمر خطير، بل شديد الخطورة، وإذا رأيتم أن القريب لا يوظف إلا قريبه، وأن المراكز تباع وتشترى وتهدى، وأن أصحاب الكفاءات لا تقدر كفاءتهم ولا يرفع من قدرهم، فاعلموا أن النصر في هذه الظروف مستحيلة. وإذا كنا الآن في ذيل الأمم كما كان الوضع أيام التتار، فلننظر إلى من يجلس في مراكز القيادة في مختلف المجالات، وكيف وصلوا إليها، فإذا رأينا أنهم وصلوا إليها بأسلوب لا يرضي الله ، فلنعلم أن النصر متأخر، ولن يأتي إلا بعد تعديل الأمور، وتسليم المناصب إلى من يستحقها، وتوسيد الأمر إلى أهله، وجعله بيد الذي جمع بين عمق العلم وصلاح العمل ونقاء الضمير وحسن السيرة.

стр. 243

غياب الشورى المرض العاشر والأخير: غياب الشورى، والشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، والذي لا يأخذ بها فإنه يضحي بملايين الطاقات في شعبه، ويفترض في نفسه الكمال، ويخالف طريق الأنبياء، ويزرع الضغينة في قلوب أتباعه، ويقع في الخطأ تلو الخطأ، وفوق ذلك كله فإنه يخالف أمر الله ، الذي جاء بلفظ صريح في كتابه العزيز حيث قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ونقصد بالشورى هنا الشورى الحقيقية لا الشورى الوهمية، التي ليس لها هم إلا جمع الآراء المؤيدة لرأي الزعيم الأوحد، ثم تغلب آراء الدكتاتور وترمي بقيمه الآراء في سلة المهملات. فهذا المرض من جملة الأمراض التي أدت إلى انهيار المسلمين تحت أقدام التتار، وكذلك انهيارهم الآن تحت أقدام أعدائهم من أمريكان أو يهود أو هندوس أو صرب أو غيرهم، فهذه الأسباب العشرة هي أسباب الهزيمة والهوان في أي عصر من العصور، ونحن لا نهزم لقوة أعدائنا، ولكن لضعفنا وسوء إعدادنا.

стр. 244

عوامل النصر أما كيف يكون النصر فهو أمر في منتهى البساطة والسهولة واليسر، ولا يوجد فيه لا لبس ولا غموض، وهو أن تعالج هذه الأمراض العشرة التي ذكرناها علاجاً حقيقياً صادقاً، ولا بد أن نعترف بوجود هذه الأمراض أولاً، ثم نسعى جاهدين صادقين لعلاجها؛ حتى نرقى بهذه الأمة، ونوظف كل الطاقات لتمكينها في الأرض. والنصر بإيجاز شديد جداً يكمن في الأمور العشرة التالية: الأول: العودة الكاملة غير المشروطة إلى الله وإلى شرعه الحكيم. الثاني: الوحدة بين المسلمين جميعاً على أساس الدين. الثالث: الإيمان بالجنة والزهد في الدنيا والبعد عن الترف. الرابع: تعظيم الجهاد والحث عليه، وتربية النشء والشباب على حب الموت في سبيل الله. الخامس: الاهتمام بالإعداد المادي من سلاح وعلم وخطط واقتصاد وتقنيات وسياسات وغير ذلك. السادس: إظهار القدوات الجليلة الإسلامية الأصلية وإبرازها وتعظيمها عند المسلمين. السابع: عدم موالاة أعداء الأمة، والفقه الحقيقي للفرق بين العدو والصديق. الثامن: بث روح الأمل في الأمة الإسلامية، ورفع الهمة والروح المعنوية للشعب. التاسع: توسيد الأمر إلى أهله، وأهله هم أصحاب الكفاءة والأمانة. العاشر: تفعيل دور الشورى الحقيقية التي تهدف فعلاً إلى الخروج بأفضل الآراء. هذه هي عوامل عشرة للنصر، وكل واحد منها يحتاج إلى محاضرات كثيرة ودروس منفصلة، وكل واحد منها يحتاج لجهد متواصل من كل مخلص في هذه الأمة، يريد لها القيام والسيادة والتمكين في الأرض.

стр. 245

بيان أن حالة الأمة اليوم أفضل من حالها أيام التتار هذه ملاحظة أخيرة في غاية الأهمية: مع كل التطابقات السابقة بين السقوطين القديم والحديث للأمة الإسلامية، إلا أن هناك فارقاً هاماً جداً بين القصتين، وهو يبعث الأمل الكبير في النفوس، وينفي عنها الإحباط المقيت، وهذا الفارق هو وجود المقاومة للمعتدين الغازين في العصر الحاضر، فقد شاهدنا مقاومة ضارية من الشعب العراقي بعد انهيار الجيش، وبالذات في المثلث السني، وشاهدنا الضحايا من المغتصب الأمريكي، وفشلاً أمريكياً في اختراق صفوف المقاومة، وتعاطفاً من العالم الإسلامي مع المجاهدين العراقيين، وقلقاً أمريكياً واضحاً، سواء في القيادة أو في المعارضة أو في الشعب أو في الجنود، حتى وصل الأمر إلى انتحار بعض الجنود في صفوف الجيش الأمريكي في العراق، وكل هذه المشاهدات لم نرها في القصة القديمة. وإذا راجعنا الوضع في فلسطين فسنجده متشابهاً مع ما ذكرناه الآن، ففي السابق لم نشاهد أي مقاومة للإمارات الإسلامية وقت سقوط الشام تحت أقدام الاحتلال التتري والصليبي، والآن نشاهد مقاومة ضارية في أرض فلسطين، ولم نشاهد اعترافاً أبداً بالوجود اليهودي في داخل أرض فلسطين إلا من طائفة من المنتفعين، وشتان بين أمة تقاوم وبين أمة تركع ولا تقاوم. وكل هذه المشاهدات التي لم نرها في القصة القديمة يعطي انطباعاً واضحاً أننا الآن في وضع أفضل، وأن حالتنا لم تصل إلى الحالة المتردية التي كانت عليها الأمة أيام التتار، وهذا يبعث الأمل لا شك في النفوس، ويقوي العزيمة على القيام من جديد، ونصر الأمة -والله- آت لا محالة مهما طال الزمان وتعقدت الظروف، وإذا كانت الأمة قد استطاعت الخروج من أزمتها الطاحنة أيام التتار، فنحن إن شاء الله على الخروج من أزمتنا أقدر، والله الذي أخرج قطز من بين صفوف المؤمنين قادر على إخراج أمثاله من بين صفوفنا، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]. وقصة التتار وقصة عين جالوت دورتان طبيعيتان من دورات التاريخ، فالتاريخ من طبيعته أن يصعد بأمة إلى أعلى الدرجات ثم يهوي بها إلى أسفل السافلين، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فقد صعد التتار ثم هبطوا، وهبط المسلمون ثم صعدوا، وسيكون بعد الصعود هبوط، وسيكون بعد الهبوط صعود، وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ونحن لا نعرض التاريخ لمشاهدة الصعود والهبوط فقط، ولكن لدراسة الأسباب التي أدت إلى رفعة قوم وإلى ذلة آخرين، والتاريخ كما ذكرنا يتكرر بصورة عادية، ومن قرأ التاريخ أضاف إلى خبراته خبرات السنين والأمم والزمان والمكان.

стр. 246

مقارنة بين قطز وجنكيز خان في قصة التتار رأينا كيف تحول مسار التاريخ تماماً بظهور رجل معين هو قطز ﵀، كما تحول مساره تماماً قبل ذلك أيضاً في نفس القصة بظهور رجل آخر هو جنكيز خان لعنه الله، وشتان بين الشخصيتين مع أن كليهما مغير، فلقد كان لكل منهما تأثير مهول أثر في الملايين وفي جغرافية الأرض وحركة التاريخ، ولكن شتان بين الأثرين. أما الأثر الأول: فقد استمد قوته من قوة الإيمان والروح وشريعة الإسلام. وأما الأثر الثاني: فقد استمد قوته من قوة الجسد والسلاح وشريعة الغاب، ومن السهل جداً أن تدمر، ولكن من الصعب جداً أن تبني، ومن السهل جداً أن تظلم، ولكن من الصعب جداً أن تعدل، ومن السهل جداً أن تغضب، ولكن من الصعب جداً أن تعفو، وهذه هي روعة الإسلام. وقطز إنسان كما أن جنكيز خان إنسان، ولكن الأول جمّل إنسانيته بالإسلام، والثاني حرم الإسلام، فتغيرت حركة التاريخ تبعاً لذلك، وقطز بنى حضارة الإنسان، واستحق أن يكون خليفة في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وجنكيز خان هدم حضارة الإنسان، واستحق بذلك أن يكون مسخاً ملعوناً، قال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨]، وأمثال جنكيز خان في الأرض كثير، وعلى عكس ذلك فأمثال قطز في الأرض قليل؛ لأنه كما ذكرنا ما أسهل التدمير وما أصعب البناء، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].

стр. 247

العظماء وصناعة التاريخ من المؤرخين من يشكك بأن التاريخ يصنعه إنسان بعينه، وأن الإنسان الفرد لا يقوى على تغيير المجتمعات وحركة التاريخ، ولكن التاريخ نفسه يثبت عكس ذلك، فقد تغيرت حركة التاريخ تماماً في أزمان كثيرة وفي أماكن متعددة بظهور أشخاص بعينهم، ولا أقول: إنها تغيرت بحياة رسول أو نبي فهذا واضح مفهوم، ووجود الوحي والتوجيه الرباني المباشر يجعل المقارنة مع بقية فترات التاريخ مستحيلة، ولكن أقول: إن حركة التاريخ تتغير بأشخاص معينة ليسوا بأنبياء ولا رسل، فقد تغيرت حركة التاريخ بوجود أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وحروب الردة شاهد على ذلك، وتغيرت حركة التاريخ بوجود عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وراجعوا فتوح الإسلام، وتغيرت حركة التاريخ بوجود عمر بن عبد العزيز ﵀ وموسى بن نصير وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود، صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وعبد الله بن ياسين ويوسف بن تاشفين وغيرهم كثير جداً ﵏ جميعاً، وعلى الرغم من أنهم يظهرون على فترات متباعدة، إلا أن أثرهم يمتد إلى آماد بعيدة. وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)، ولكن هذه الراحلة إن وجدت فيا سعادة أهل الأرض بوجودها. وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، وقطز لا شك أنه كان من هؤلاء المجددين، فإن شئت فتحدث عن إيمانه وخشوعه، وإن شئت فتحدث عن عفته وعفافه، وعن كفاءته ومهارته، وعن صدقه وإخلاصه، وعن جهاده وتضحيته، وعن قوته وبأسه، وعن صبره ومصابرته، وعن حلمه وتواضعه، وعن علمه وخبرته. فقد كان رجلاً مجدداً بمعنى الكلمة. وكان كما وصفه الإمام الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء حيث قال: كان فارساً شجاعاً سائساً ديناً، محبباً إلى الرعية، هزم التتار وطهر الشام منهم يوم عين جالوت، ويسلم له إن شاء الله جهاده، وكان شاباً أشقر، وافر اللحية، تام الشكل، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض الله شبابه بالجنة ورضي عنه. ووصفه ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية بقوله: كان شجاعاً بطلاً كثير الخير، ناصحاً للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيراً. ويعلق المؤرخون المسلمون دائماً على مسألة حب الناس للشخص، وحب الرعية للزعيم، فهذا مقياس دقيق جداً من مقاييس العظمة الحقيقية، فالصالحون من هذه الأمة لا يحبون إلا صالحاً، ولا يبغضون إلا فاسداً، ومن أجمع الصالحون على حبه فهو محبوب عند الله ، ومن أجمعوا على بغضه فهو بغيض عند الله ، وهذا كلام الحبيب المصطفى ﷺ ، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أُحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض). وهكذا نرى بوضوح في حركة التاريخ أن هناك رجالاً بعينهم يغيرون فعلاً من مسار التاريخ، ولكن مع وضوح هذا الأمر وجلائه أمام أعيننا في كل صفحات التاريخ، فإن العجيب أن الناس دائماً يبحثون عن هذا الرجل في خارج بيوتهم وشوارعهم ومدنهم، ويعتقدون دائماً أن هذا الرجل سيأتي من مكان بعيد وزمان بعيد، بل لعله يأتي من خارج الأرض، ولا يعد كل واحد منا نفسه وأهله وأبناءه وإخوانه ليكونوا هذا الرجل المغير، فلماذا لا تكون أنت قطز؟ ولماذا لا يكون ابنك قطز؟ ولماذا لا يكون هو أخاك؟ إننا ندرس التاريخ لكي نسير على درب الصالحين ونتجنب دروب الفاسدين، فلماذا لا نسير على خطوات قطز ﵀ الواضحة الثابتة لنصل إلى عين جالوت، في زمان كثر فيه أشباه التتار؟ ووالله ما عاد لدينا عذر، فقد أقيمت علينا الحجة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢].

стр. 248

قصة قطز أثناء حكمه ووفاته ﵀ هذه هي قصة قطز ﵀، وبقي في القصة مفاجأة، وهي الفصل الأخير العجيب في قصة قطز ﵀، والمفاجأة هي أنه لم يبق قطز ﵀ في كرسي الحكم إلا (١١) شهراً و (١٧) يوماً فقط، ولم يكمل السنة، فكل هذا التاريخ المجيد والإعداد المتقن والتربية العالية والانتصار المذهل والنتائج الهائلة والآثار العظيمة كان في أقل من سنة، فقد مات قطز ﵀ بعد انتصار عين جالوت بـ (٥٠) يوماً فقط، ومع أنه حكم هذه الفترة اليسيرة إلا أنه كان فعلاً من أعظم رجال الأرض؛ فقيمة الرجال وعظمة الأبطال لا تقاسان أبداً بطول العمر ولا بكثرة المال ولا باتساع السلطان، وإنما المقياس الصحيح الصادق يكون بالأعمال الخالدة التي تغير من وجه التاريخ ومن جغرافية العالم، وهي في ذات الوقت تثقل في ميزان الله . وسلوا أنفسكم من قطز إذا لم يتمسك بشرع الله ، وينتصر في عين جالوت بفضل تمسكه بهذا الشرع، وانسجامه في السير في طريق الله ؟ فمن قطز بغير هذا الطريق؟ لا شك أن التاريخ كان سيغفل اسمه كما أغفل أسماء الكثيرين الذين كانوا كغثاء السيل، بل كانوا وبالاً على شعوبهم وأوطانهم مع حكمهم الفترات الطويلة والأعمار المديدة. لا شك أن حفر الاسم في سجل التاريخ يحتاج إلى رجال عظماء، وليس بالضرورة أن يحتاج إلى وقت طويل، والناس تعتقد أن التغيير لا بد أن يأخذ فترات طويلة جداً، ولكن الحق الذي رأيناه في هذه القصة غير ذلك، فالتغيير لا يعتمد على طول الزمن، وإنما يعتمد على نوعية الرجال المغيرين، وإن وجد هؤلاء العظماء فالنصر قريب، والتغيير ممكن بل أكيد، وإن لم يوجد أمثال هؤلاء فقد تمر على الأمة عشرات السنين ولا تتقدم خطوة، بل تتأخر خطوات. وقد كان الشيخ العز بن عبد السلام ﵀ يخشى على الأمة أن تنهار بعد أن فقدت قطز ﵀ بهذه السرعة، ويخشى عليها أن يضيع منها النصر الكبير، فقال بعد موت قطز وهو يبكي بشدة: رحم الله شبابه، لو عاش طويلاً لجدد للإسلام شبابه. وقد جدد قطز فعلاً للإسلام شبابه، فمع أنه لم يعش طويلاً إلا أن دولة المماليك ظلت قرابة الثلاثة قرون تذود عن حمى المسلمين، وترفع راية الإسلام، فقد وضع قطز ﵀ الأساس المتين، وعليه سيبني الآخرون بناءً راسخاً، وبغير الأساس من المستحيل أن يرتفع البناء. ويقول الشيخ العز بن عبد السلام ﵀: ما ولي أمر المسلمين بعد عمر بن عبد العزيز ﵀ من يعادل قطز ﵀ صلاحاً وعدلاً. هذه هي قيمة قطز في الميدان الإسلامي. وأما كيف صنع قطز ﵀ هذا المجد؟ فقد صنعه ﵀ بكتاب الله وبحديث رسول الله ﷺ ، وسيبقى واضحاً جلياً أمام الناس أجمعين: أن أعظم معجزات هذا الدين هي صناعة الرجال، وإلا خبروني بالله عليكم من عمر بغير الإسلام؟ من خالد بغير الإسلام؟ ومن طارق بن زياد بغير الإسلام؟ ومن قطز بغير الإسلام؟ وكتاب الله بحمد الله بين أيدينا، وكذلك حديث رسول الله ﷺ ، فقد حفظهما الله لنا، وسيظلان كذلك إلى يوم الدين، ولن تضل الأمة أبداً ما دامت متمسكة بهما، فقد روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه)، فمعين الأمة لا ينضب أبداً، والله الذي خلق خالداً والقعقاع وطارقاً وصلاحاً وقطز سيخلق لهذه الأمة دوماً رجالاً يغيرون من واقعها، ويجددون لها دينها وشبابها، ويبعثون في نفوس أبنائها الأمل، ويقودونها بإذن الله إلى صدارة الأمم وقيادة العالمين، بل ويقودونها إن شاء الله إلى جنات النعيم، ففي الإسلام عز الدنيا والآخرة. وبعد: فقد انتهت قصة التتار، وانتهت قصة عين جالوت، ومات الصالحون والطالحون، ومات الجند الظالمون والمؤمنون، ومرت الأعوام والقرون، وذهبت الديار والرجال والقلاع والحصون، وذهبت الأفراح والأتراح، وذهبت الضحكات والدموع، وذهب كل شيء ولم تبق إلا العبرة، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]، وبقي كلام رسول الله ﷺ الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته،