← История

История · id 37376

التتار من البداية إلى عين جالوت

راغب السرجاني

Полный текст (248 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تقليد هولاكو إمارة حلب للأشرف الأيوبي استقر الوضع لـ هولاكو في حلب، وخمدت كل مقاومة، وهدمت كل الأسوار والقلاع، فأراد الانتقال إلى مكان آخر في الشام، فاستقدم الأشرف الأيوبي أمير حمص، وهو ممن والى هولاكو قبل ذلك، فأظهر له هولاكو كرماً غير عادي، وأعطاه إمارة مدينة حلب إلى جوار مدينة حمص؛ وذلك ليضمن ولاءه التام له، ولكنه وضع عليه إشرافاً تترياً دقيقاً من بعض قادة الجند التتر، فأصبح الأمير الأشرف الأيوبي وكأنه الحاكم الإداري للمدينة، يعني: أصبح صورة حاكم أمام الشعب، بينما كان الحاكم الفعلي هو الحاكم العسكري التتري لحلب، فهو الذي بيده كل مقاليد السلطة والحكم والقوة. بعد إسقاط مدينة حلب اتجه هولاكو إلى الغرب، وذهب إلى حصن حارم المسلم والذي يقع على بعد حوالي (٥٠) كيلو متر من حلب، وحاصره ثم اقتحمه وذبح كل من فيه.

стр. 37

استسلام حلب للتتار اشتد القصف التتري على حلب، وزادت حماسة التتار جداً بقتل الكامل محمد وسقوط ميافارقين، وفي ذات الوقت خارت قوى المسلمين نتيجة الضرب المكثف، وهبوط المعنويات لمقتل الأمير البطل الكامل محمد ﵀. واستمر الحصار التتري لمدينة حلب سبعة أيام فقط، ثم أعطى التتار الأمان لأهلها إذا فتحوا الأبواب دون مقاومة كعادة التتار، ولكن زعيمهم توران شاه قال لهم: إن هذه خدعة، التتار لا أمان لهم ولا عهد، ولكن الشعب الحلبي كان قد أصيب بالإحباط الشديد من كل شيء، من سقوط ميافارقين، وعدم مساعدة أميرهم الناصر يوسف لهم وتركهم دون مساعدة، وجلوسه على بعد (٣٠٠) كيلو متر هو والجيش الأصلي الذي كان مفروضاً عليه الدفاع عن حلب، ولم تساعدهم أي مدينة مجاورة لهم، وهم خذلوا قبل ذلك ميافارقين، كما تدين تدان. فهذا الإحباط قاد الشعب إلى الرغبة في التسليم، واتجه عامتهم إلى فتح الأبواب لـ هولاكو، لكن قائدهم توران شاه وبعض المجاهدين رفضوا، واعتصموا بالقلعة داخل المدينة. انهمرت جيوش التتار داخل مدينة حلب، وما إن سيطروا على محاور حلب حتى ظهرت النوايا الخبيثة، ووضح لشعب حلب ما كان واضحاً من قبل لمجاهدهم البطل توران شاه، ولكن للأسف كان هذا الإدراك متأخراً جداً، فقد أصدر هولاكو أمراً واضحاً بقتل المسلمين في حلب وترك النصارى، وهذه ولاشك خيانة متوقعة، والخطأ هو خطأ الشعب الذي بنى قصوراً من الرمال على الرمال، وهكذا بدأت المذابح البشعة في رجال ونساء وأطفال حلب، وتم تدمير المدينة تماماً.

стр. 38

محاصرة هولاكو لحلب وصل هولاكو إلى حلب في المحرم من سنة (٦٥٨هـ)، وحاصرت الجيوش التترية المدينة المسلمة من كل الجهات، فرفضت التسليم، مع أن زعيمها الناصر يوسف غير موجود فيها، وهو على بعد (٣٠٠) كيلو متر منها. وتزعم المقاومة فيها توران شاه عم الناصر يوسف الأيوبي، وهو غير توران شاه التابع لمصر، فهذا سيأتي ذكره إن شاء الله في الدرس القادم، وكان توران شاه هذا شيخاً كبيراً، ولكنه كان مجاهداً بحق، وليس كابن أخيه. نصبت المجانيق التترية حول مدينة حلب، وبدأ القصف المتوالي من التتار على المدينة، ولم يفكر أبداً الناصر يوسف في إرسال أي مساعدة لأهل حلب، مع أنها كانت من أهم المدن التي يملكها الناصر يوسف.

стр. 39

سقوط ميافارقين أثناء حصار هولاكو لحلب ومقتل الكامل أمير ميافارقين في أثناء حصار حلب، والشعب يحاول رد بأس التتار، وصل خبر أليم مفجع إلى المسلمين في حلب، وهو أنه قد سقطت مدينة ميافارقين، ودخلت جيوش التتار الهائلة داخل المدينة بعد حصار بشع استمر عاماً ونصف عام متصلاً بالنضال والكفاح والجهاد، دون أن تتحرك نخوة في قلب أمير من الأمراء أو ملك من الملوك، مدة (١٨) شهراً والناصر والأشرف والمغيث وغيرهم من الأسماء الضخمة يراقبون الموقف ولا يتحركون، ولما سقطت المدينة الباسلة استبيحت حرماتها تماماً، وجعلها أشموط بن هولاكو عبرة لكل بلد تقاوم في هذه المنطقة، فقد قتل أشموط كل سكان ميافارقين، واحتفظ منهم بالأمير الكامل محمد ﵀ حياً؛ ليزيد من عذابه، وذهب به إلى أبيه السفاح هولاكو وهو في حصار مدينة حلب وسلمه إياه. فاستجمع هولاكو كل شره في الانتقام من الأمير البطل الكامل محمد الأيوبي ﵀، فقيده وصلبه، ثم بدأ يقطع أطرافه وهو حي ﵀، ثم أجبره على أن يأكل لحمه، فكان يدس لحمه في فمه رغماً عن أنفه، فكان يقطع من جسمه ويضعه في فمه، وظل على هذا التعذيب البشع إلى أن أذن الله للروح المجاهدة أن تصعد إلى بارئها، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. قتل الكامل محمد الذي قاوم كما قتل الخليفة المستعصم بالله الذي سلم دون مقاومة، ولكن شتان بين من مات رافعاً رأسه ممسكاً بسيفه، ومن مات ذليلاً منكسراً مطأطأ رأسه رافعاً يده بالتسليم، وشتان بين من مات بسهم في صدره مقبلاً، ومن مات بسهم في ظهره مدبراً. والكامل محمد ﵀ مات في الموعد الذي حدده له رب العالمين، لم يتقدم أو يتأخر لحظة، وكذلك مات المستعصم بالله في الموعد الذي حدده له رب العالمين، لم يتقدم أو يتأخر لحظة، وكذلك سيموت الناصر يوسف الأيوبي الذي خان الأمة بكل أنواع الخيانة في الموعد الذي حدده له رب العالمين، لن يتأخر أو يتقدم لحظة، ولن يطيل الجبن عمراً، ولن تقصره الشجاعة، ولكن أين اليقين؟ استشهد البطل الأمير الكامل محمد الأيوبي، والذي كان بمثابة شمعة مضيئة في عالم كبير جداً من الظلام، وقطع السفاح هولاكو رأسه ووضعه على رمح، وأمر أن يطاف برأسه في كل بلاد الشام، وذلك ليكون رعباً لكل المسلمين، وانتهى المطاف بالرأس بعد ذلك إلى دمشق، وعلِّقَت رأسه فترةً على أحد أبواب دمشق وهو باب الفراديس، ثم انتهى به المقام أن دفن في أحد المساجد، والذي عرف بعد ذلك بمسجد الرأس. ونسأل الله أن يكون من أهل الجنة.

стр. 40

احتلال التتار لداغستان والشيشان وجنوب غرب روسيا ترك التتار تبريز وكنجة، واتجهوا إلى داغستان والشيشان الواقعتين شمال أذربيجان على ساحل بحر قزوين، فقاموا كعادتهم بتدمير كل شيء في هذه البلاد، وقتلوا معظم من وجدوه في طريقهم، وكانت أشد المدن معاناة من التتار هي مدينة شماخي المسلمة، وهي الآن في داغستان محتلة من روسيا. ثم ترك التتار هذه المنطقة وجاوزوها إلى روسيا، فدخلوها، وكان يعيش فيها النصارى في ذلك الوقت، ثم استمر التتار في صعودهم حتى وصلوا إلى حوض نهر الفولجا في روسيا، فقاتلوا أهل هذه البلاد من النصارى وأثخنوا فيهم القتل، وارتكبوا معهم من الجرائم ما ارتكبوه مع المسلمين، وظلوا بقية سنة (٦١٨هـ) داخل الأراضي الروسية، وهي أرض واسعة جداً، وسيطروا في هذه السنة على الجنوب الغربي من روسيا. وفي سنة (٦١٩هـ) حافظ التتار على أملاكهم، ووطدوا ملكهم في هذه المناطق، والدول التي سقطت تحت سيطرة التتار هي: كازاخستان، وقرغيزستان، وطاجاكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وباكستان، باستثناء المناطق الجنوبية منها المعروفة باسم إقليم كرمان لم يصل إليه التتار، وأفغانستان بكاملها، ومعظم إيران ما عدا الجزء الغربي منها الذي كان تحت سيطرة طائفة الإسماعيلية، وأذربيجان، وأرمينيا النصرانية، وجورجيا النصرانية، والجنوب الغربي لروسيا النصرانية. والتتار خلال سنتين وبضعة أشهر احتلوا هذه المساحة من العالم. وفي سنة (٦٢٠هـ) بسط جنكيز خان سطوته على الدولة الخوارزمية وما حولها، واستمرت الحملات التترية على روسيا، وانشغل التتار في حرب روسيا في هذه السنة.

стр. 41

تقليد هولاكو إمارة حلب للأشرف الأيوبي استقر الوضع لـ هولاكو في حلب، وخمدت كل مقاومة، وهدمت كل الأسوار والقلاع، فأراد الانتقال إلى مكان آخر في الشام، فاستقدم الأشرف الأيوبي أمير حمص، وهو ممن والى هولاكو قبل ذلك، فأظهر له هولاكو كرماً غير عادي، وأعطاه إمارة مدينة حلب إلى جوار مدينة حمص؛ وذلك ليضمن ولاءه التام له، ولكنه وضع عليه إشرافاً تترياً دقيقاً من بعض قادة الجند التتر، فأصبح الأمير الأشرف الأيوبي وكأنه الحاكم الإداري للمدينة، يعني: أصبح صورة حاكم أمام الشعب، بينما كان الحاكم الفعلي هو الحاكم العسكري التتري لحلب، فهو الذي بيده كل مقاليد السلطة والحكم والقوة. بعد إسقاط مدينة حلب اتجه هولاكو إلى الغرب، وذهب إلى حصن حارم المسلم والذي يقع على بعد حوالي (٥٠) كيلو متر من حلب، وحاصره ثم اقتحمه وذبح كل من فيه.

стр. 42

استسلام حلب للتتار اشتد القصف التتري على حلب، وزادت حماسة التتار جداً بقتل الكامل محمد وسقوط ميافارقين، وفي ذات الوقت خارت قوى المسلمين نتيجة الضرب المكثف، وهبوط المعنويات لمقتل الأمير البطل الكامل محمد ﵀. واستمر الحصار التتري لمدينة حلب سبعة أيام فقط، ثم أعطى التتار الأمان لأهلها إذا فتحوا الأبواب دون مقاومة كعادة التتار، ولكن زعيمهم توران شاه قال لهم: إن هذه خدعة، التتار لا أمان لهم ولا عهد، ولكن الشعب الحلبي كان قد أصيب بالإحباط الشديد من كل شيء، من سقوط ميافارقين، وعدم مساعدة أميرهم الناصر يوسف لهم وتركهم دون مساعدة، وجلوسه على بعد (٣٠٠) كيلو متر هو والجيش الأصلي الذي كان مفروضاً عليه الدفاع عن حلب، ولم تساعدهم أي مدينة مجاورة لهم، وهم خذلوا قبل ذلك ميافارقين، كما تدين تدان. فهذا الإحباط قاد الشعب إلى الرغبة في التسليم، واتجه عامتهم إلى فتح الأبواب لـ هولاكو، لكن قائدهم توران شاه وبعض المجاهدين رفضوا، واعتصموا بالقلعة داخل المدينة. انهمرت جيوش التتار داخل مدينة حلب، وما إن سيطروا على محاور حلب حتى ظهرت النوايا الخبيثة، ووضح لشعب حلب ما كان واضحاً من قبل لمجاهدهم البطل توران شاه، ولكن للأسف كان هذا الإدراك متأخراً جداً، فقد أصدر هولاكو أمراً واضحاً بقتل المسلمين في حلب وترك النصارى، وهذه ولاشك خيانة متوقعة، والخطأ هو خطأ الشعب الذي بنى قصوراً من الرمال على الرمال، وهكذا بدأت المذابح البشعة في رجال ونساء وأطفال حلب، وتم تدمير المدينة تماماً.

стр. 43

محاصرة هولاكو لحلب وصل هولاكو إلى حلب في المحرم من سنة (٦٥٨هـ)، وحاصرت الجيوش التترية المدينة المسلمة من كل الجهات، فرفضت التسليم، مع أن زعيمها الناصر يوسف غير موجود فيها، وهو على بعد (٣٠٠) كيلو متر منها. وتزعم المقاومة فيها توران شاه عم الناصر يوسف الأيوبي، وهو غير توران شاه التابع لمصر، فهذا سيأتي ذكره إن شاء الله في الدرس القادم، وكان توران شاه هذا شيخاً كبيراً، ولكنه كان مجاهداً بحق، وليس كابن أخيه. نصبت المجانيق التترية حول مدينة حلب، وبدأ القصف المتوالي من التتار على المدينة، ولم يفكر أبداً الناصر يوسف في إرسال أي مساعدة لأهل حلب، مع أنها كانت من أهم المدن التي يملكها الناصر يوسف.

стр. 44

سقوط ميافارقين أثناء حصار هولاكو لحلب ومقتل الكامل أمير ميافارقين في أثناء حصار حلب، والشعب يحاول رد بأس التتار، وصل خبر أليم مفجع إلى المسلمين في حلب، وهو أنه قد سقطت مدينة ميافارقين، ودخلت جيوش التتار الهائلة داخل المدينة بعد حصار بشع استمر عاماً ونصف عام متصلاً بالنضال والكفاح والجهاد، دون أن تتحرك نخوة في قلب أمير من الأمراء أو ملك من الملوك، مدة (١٨) شهراً والناصر والأشرف والمغيث وغيرهم من الأسماء الضخمة يراقبون الموقف ولا يتحركون، ولما سقطت المدينة الباسلة استبيحت حرماتها تماماً، وجعلها أشموط بن هولاكو عبرة لكل بلد تقاوم في هذه المنطقة، فقد قتل أشموط كل سكان ميافارقين، واحتفظ منهم بالأمير الكامل محمد ﵀ حياً؛ ليزيد من عذابه، وذهب به إلى أبيه السفاح هولاكو وهو في حصار مدينة حلب وسلمه إياه. فاستجمع هولاكو كل شره في الانتقام من الأمير البطل الكامل محمد الأيوبي ﵀، فقيده وصلبه، ثم بدأ يقطع أطرافه وهو حي ﵀، ثم أجبره على أن يأكل لحمه، فكان يدس لحمه في فمه رغماً عن أنفه، فكان يقطع من جسمه ويضعه في فمه، وظل على هذا التعذيب البشع إلى أن أذن الله للروح المجاهدة أن تصعد إلى بارئها، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. قتل الكامل محمد الذي قاوم كما قتل الخليفة المستعصم بالله الذي سلم دون مقاومة، ولكن شتان بين من مات رافعاً رأسه ممسكاً بسيفه، ومن مات ذليلاً منكسراً مطأطأ رأسه رافعاً يده بالتسليم، وشتان بين من مات بسهم في صدره مقبلاً، ومن مات بسهم في ظهره مدبراً. والكامل محمد ﵀ مات في الموعد الذي حدده له رب العالمين، لم يتقدم أو يتأخر لحظة، وكذلك مات المستعصم بالله في الموعد الذي حدده له رب العالمين، لم يتقدم أو يتأخر لحظة، وكذلك سيموت الناصر يوسف الأيوبي الذي خان الأمة بكل أنواع الخيانة في الموعد الذي حدده له رب العالمين، لن يتأخر أو يتقدم لحظة، ولن يطيل الجبن عمراً، ولن تقصره الشجاعة، ولكن أين اليقين؟ استشهد البطل الأمير الكامل محمد الأيوبي، والذي كان بمثابة شمعة مضيئة في عالم كبير جداً من الظلام، وقطع السفاح هولاكو رأسه ووضعه على رمح، وأمر أن يطاف برأسه في كل بلاد الشام، وذلك ليكون رعباً لكل المسلمين، وانتهى المطاف بالرأس بعد ذلك إلى دمشق، وعلِّقَت رأسه فترةً على أحد أبواب دمشق وهو باب الفراديس، ثم انتهى به المقام أن دفن في أحد المساجد، والذي عرف بعد ذلك بمسجد الرأس. ونسأل الله أن يكون من أهل الجنة.

стр. 45

أهم أحداث العام ٦٢٠ه ـ

стр. 46

تنصر ابن حاكم الأناضول طمعاً في حكم مملكة الكرج الحدث الثالث: ذكر ابن الأثير في كتابه القيم (الكامل في التاريخ) تحت عنوان: حادثة غريبة لم يوجد مثلها. وهي فعلاً غريبة ومأساوية إلى أقصى درجة ممكنة، فمملكة الكرج النصرانية بعد أن أتمت صلحها مع المسلمين بعد المعركة التي ذكرناها سابقاً، وصل إلى قمة الحكم فيها امرأة، ولم تكن متزوجة، فطلب منها الوزراء والأمراء أن تتزوج رجلاً يدير عنها البلاد، فوافقت، وأرادت أن تتزوج من بيت ملك وشرف، فلم تلق بيتاً في الكرج بهذه الصفة، فسمع بذلك أحد ملوك المسلمين واسمه مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان، وكان من ملوك السلاجقة، ويحكم منطقة الأناضول -تركيا الآن-، وكان له ابن كبير، فأرسل إلى ملكة الكرج يخطبها لابنه، فرفضت الملكة وقالت: إنها لن تتزوج من رجل مسلم، ولن يملك الكرج رجل مسلم، فقال الملك مغيث الدين بن قلج أرسلان: إن ابنه سيتنصر ويتزوجها، فوافقت على ذلك، وتنصر الولد بالفعل، وتزوج من ملكة الكرج، وانتقل إلى مملكتهم ليكون حاكماً عليهم، وبقي على نصرانيته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لقد وصل المسلمون في هذه الآونة إلى درجة من التردي يستحيل معها النصر، إذ كيف تأتي فكرة التنصر في ذهن الملك وابنه أصلاً ولو كان سيحكم الأرض كلها بعد هذا التنصر؟! وكيف يأتي ذلك من ملك عظيم يحكم الأناضول؟! ولو أتى ذلك الكلام من ضعيف مستعبد، لقلنا: لعله استكره على ذلك، أما أن يأتي ذلك العرض من الملوك ويطلبونه هم، فهذا مما لا يتخيله العقل، ولا أدري من الذي أطلق على هذا الملك لقب مغيث الدين! فأي دين هذا الذي يغيثه؟! أيغيث الدين النصراني أو الدين الإسلامي؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. ثم إن هذا الولد الذي تزوج ملكة الكرج مات على نصرانيته محبوساً في مملكة الكرج، فقد عاش عدة أشهر في الملك، ثم إن الكرج غضبوا عليه وحبسوه، وبقي نصرانياً ومات على نصرانيته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 47

أهم أحداث العام ٦٢١ه ـ أما عن أحداث سنة (٦٢١هـ) فسأعلق على ثلاثة أحداث منها فقط:

стр. 48

قتل التتار للمسلمين في إيران الحدث الثاني: أن (٣٠٠٠) جندي تتري دخلوا إيران فوضعوا السيف في مدن الري وساوة وقم وقاشان وهمذان، ولم يرفع في وجوههم سيف، فقد وضعت الذلة على المسلمين، وكثر الله التتار في عيون المسلمين، وقلل المسلمين في عيون التتار، فعظمت جداً هيبة التتار، وضاعت هيبة المسلمين، وانشغل المسلمون بأنفسهم، ولم يعودوا يعرفون العدو من الصديق، وقد كان ينبغي للأزمات في ذلك الوقت أن تجمعهم، فإذا بها تفرقهم؛ وما ذلك إلا لقلة الإيمان في القلوب، وعظم الدنيا في العيون، ولسوء التربية أو انعدامها تماماً في فترات طويلة متراكمة.

стр. 49

خروج الجراد وقلة الأمطار سنة ٦٢١ه ـ نتيجة لهذه الأجواء قلّت الأمطار جداً في البلاد في هذه السنة، وخرج الجراد للمرة الثانية يأكل الزرع القليل الذي خرج في وجود المطر القليل، وغلت الأسعار جداً في العراق والموصل وسائر ديار الجزيرة -ومنطقة الجزيرة هي المنطقة الشمالية من العراق وسوريا-، وما حدث في هذه الفترة من مصائب الجراد والسنين ونقص الثمرات أمر طبيعي جداً موافق للسنن الإلهية. وإذا مر على المسلمين زمان غلت فيه الأسعار، وقلت الغلات، وتزعزع الاقتصاد، وأصبحت الحياة شديدة، فليراجعوا أنفسهم، وليقفوا معها وقفة محاسبة، وليعرضوها على كتاب الله ، فإن كانوا صادقين فسيعرفون مرضهم، وسيجدون علاجه في كتاب الله ، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].

стр. 50

تقسيم منطقة فارس بين غياث الدين وسعد الدين بن دكلا الحدث الأول: خرج على غياث الدين الذي كان يحكم منطقة فارس الأمير سعد الدين بن دكلا أحد أمراء المنطقة، ودار بينهما قتال طويل، حتى رضي الطرفان بتقسيم البلاد نصفين، الجنوب لـ سعد الدين بن دكلا، والشمال لـ غياث الدين. ففي ذلك الوقت الذي كانت فيه جيوش التتار داخل شرق إيران يقسم المسلمون البلاد عليهم! ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 51

سيطرة جلال الدين على إيران وسعيه لإسقاط الخلافة العباسية وما رافق ذلك من أحداث كانت قد بدأت قصة التتار سنة (٦١٦هـ)، وكل هذا الذي ذكرناه حدث في ست سنوات فقط، ثم في عامي (٦٢٢هـ) و (٦٢٣هـ) خفت القبضة التترية على غرب الدولة الخوارزمية غرب وشمال إيران، واكتفوا ببعض الحملات المتباعدة، واهتموا بتوطيد الملك في أركان الدولة الخوارزمية الشاسعة التي وقعت في أيديهم، ولكن حدث أمر جديد في هاتين السنتين، فقد ظهر على مسرح الأحداث فجأة جلال الدين بن محمد بن خوارزم، فقد ضاق من عيشه في الهند، ورأى أن الوضع هناك ليس مريحاً، وعلاقته مقطعة وسيئة مع ملوك الهند الغوريين المسلمين، ورأى الوضع مستقراً نسبياً في إيران، فالتتار قد اكتفوا بتوطيد الملك في أركان الدولة الخوارزمية الشرقية، فوجد الفرصة مناسبة، فدخل أرض إيران يبحث عن الملك الضائع، فهو ملك وابن ملك، ويريد أن يأتي بالملك، وقد كان أخوه غياث الدين يحكم شمال إيران وسعد الدين بن دكلا الذي تقاسم البلد مع غياث الدين يحكم الجنوب، فتحالف جلال الدين بن محمد بن خوارزم مع سعد الدين بن دكلا لحرب أخيه غياث الدين بن محمد بن خوارزم، وبدأ جلال الدين في غزو إقليم فارس من جنوبه إلى الشمال ووصل إلى غرب إيران، وسيطر على المنطقة الغربية من إيران. ووجد جلال الدين نفسه قريباً من الخلافة العباسية في العراق، وتذكر الخلافات القديمة بينه وبين الخلافة العباسية، فقرر غزو الخلافة العباسية. فقد كان الزعماء في ذلك الوقت مصابون بالحول السياسي، فحاصر البصرة لمدة شهرين ولم يستطع فتحها، فتركها واتجه إلى الشمال، وقرب من بغداد وحاصرها، فخاف الناصر لدين الله الخليفة العباسي على نفسه وعلى مدينته، فحصن المدينة وجهز الجيوش، ولكنه لم يكن صاحب حرب ولا يستطيع الحرب، ففعل فعلاً شنيعاً بشعاً مقززاً لا يتخيل، يقول ابن الأثير تعليقاً على هذا الفعل: فعل الذنب الذي يتصاغر إلى جواره كل الذنوب، فقد أرسل إلى التتار يستعين بهم على حرب جلال الدين، وهو يعلم تاريخهم وحروبهم مع المسلمين. ولو كان الظلم كل الظلم مع جلال الدين والحق كل الحق مع الخليفة أفيأتي بالتتار لنجدته؟! أما علم أن التتار إذا قضوا على جلال الدين فإن الخطوة التالية مباشرة هي القضاء على الخلافة العباسية؟! فقد أراد خليفة المسلمين أن يطيل فترة ملكه أعواماً قليلة، وأن يموت عبداً للتتار بدلاً أن يكون عبداً لـ جلال الدين؟! وأنا لا أدافع عن جلال الدين، بل ألومه أشد اللوم على تفريق طاقة المسلمين وجعل بأسهم بينهم، وإنني أشبه جلال الدين بـ صدام حسين، فالدنيا كانت مشتعلة في كل مكان بسبب التتار، وهو يريد محاربة الخلافة العباسية، وصدام حسين كانت الدنيا كانت مشتعلة في أفغانستان وفلسطين والشيشان وكشمير، وهو ذاهب لمحاربة الكويت. ومع أن جلال الدين كان معتدياً إلا أن الحل لم يكن بأن نأتي بقوة كافرة مهولة مروعة لنزرعها في داخل بلاد المسلمين، لكي تحل لهم مشاكلهم، وتعالج أمراضهم. فكان الخليفة العباسي كالمستجير من الرمضاء بالنار، وكمن دخل عليه لص في بيته فاستجار بأكبر زعماء العصابات في المنطقة، فإنه سيخرج اللص الصغير ويحتل البيت، بل ويحتل العمارة كلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! لكن التتار في ذلك الوقت كانوا مشغولين عن حرب جلال الدين، فلم يأتوا ليساعدوه، ولم يستطع جلال الدين أن يدخل بغداد، فتركها وانتقل إلى غيرها من البلاد. وكانت حروب جلال الدين ومن معه من الجنود الخوارزمية حروباً شرسة مفسدة، مع أن كل البلاد المغنومة بلاد إسلامية، فكان يفعل بهم الأفاعيل من قتل وسبي ونهب وتخريب، وكأنه تعلم من التتار قسوة القلب، فبدلاً من أن يرحم الناس الذين تعذبوا على أيدي التتار سنوات، بدأ هو كذلك يشترك في التعذيب، حتى بلغ سلطانه من جنوب فارس إلى الشمال الغربي لبحر قزوين من إيران، وهي وإن كانت منطقة كبيرة إلا أنها كلها كانت مليئة بالقلاقل والاضطرابات والارتباكات، بالإضافة إلى العداءات الكثيرة التي أورثها جلال الدين في قلوب كل سكان المنطقة، وسياسة العداءات والمكائد والاضطرابات ورثها جلال الدين بن خوارزم عن أبيه محمد بن خوارزم، ولم تأت هذه السياسة إلا بالويلات الشديدة على الأمة، وليت المسلمين يفقهون.

стр. 52

تولي الظاهر بأمر الله الخلافة العباسية وتحسن الأوضاع في عهده في آخر سنة (٦٢٢هـ) توفي الخليفة الظالم الفاسد المستبد الناصر لدين الله، بعد أن حكم البلاد (٤٧) سنة، وتولى الحكم بعده ابنه الظاهر بأمر الله، وكان على النقيض تماماً من أبيه، فقد كان رجلاً صالحاً تقياً، أظهر من العدل والإحسان ما لم يُسبق إلا عند القليل. حتى قال ابن الأثير: لو قال قائل: إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً، فقد رفع الضرائب الباهظة، وأعاد للناس حقوقهم، وأخرج المظلومين من السجون، وتصدق على الفقراء، حتى قيل في حقه: إنه كان غريباً تماماً على هذا الزمان الفاسد. ثم قال ابن الأثير فيه كلمة في منتهى العجب، فقال: إني أخاف أن تقصر مدة خلافته؛ لأن زماننا وأهله لا يستحقون خلافته، فقد كان المجتمع فاسدًا إلى هذا الحد. وصدق ظن ابن الأثير، فقد مات الظاهر بأمر الله بعد تسعة أشهر، ومع ذلك فكما يذكر الرواة: رخصت الأسعار جداً في فترة حكمه, فتحسن الاقتصاد في العراق في تسعة شهور، وهي إشارات لا تخفى على عاقل، فالحمد لله الذي وضع في الأرض سنناً لا تتبدل ولا تتغير. ثم تولى الحكم بعد الظاهر بأمر الله المستنصر بالله.

стр. 53

محاصرة جلال الدين لمدينة خلاط وسبي أهلها كان جلال الدين مستمراً في حروبه ضد المسلمين، ومما يذكر عنه أنه حاصر مدينة خلاط في تركيا، وهي مدينة مسلمة، فقتل منها خلقاً كثيراً، وامتدت أيدي الجنود الخوارزميين إلى كل شيء في البلد بالسلب والنهب، حتى سبوا النساء المسلمات. وإني لا أجد أبداً تفسيراً منطقياً لهذا التردي في الأخلاق والفهم والسياسة والحكمة، وفي كل شيء، ولولا أن هذا مسجل في أكثر من مرجع لما قبله عقل أبداً، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 54

وفاة جنكيز خان في سنة (٦٢٤هـ) حدث أمر هام ومحوري، فقد توفي القائد التتري المجرم السفاح جنكيز خان عليه لعنة الله، وكان عمره (٧٢) سنة، ملأها بالدماء والسفك والقتل والسلب والنهب، وأقام مملكة واسعة جداً من كوريا في الشرق إلى فارس في الغرب، وبناها على جماجم البشر، ومعظمهم من المسلمين. ولكن اللوم كل اللوم على الذي أوصل المسلمين إلى هذه الحالة من الضعف، التي مكنت هذا الفاسد من أن يفعل في بلاد المسلمين ما يشاء. وبموت جنكيز خان هدأت الأمور نسبياً في هذه المنطقة، واحتفظ التتار بما ملكوه من بلاد المسلمين إلى وسط إيران تقريباً، وكان جلال الدين يبسط سيطرته على المناطق الغربية من إيران ومن بحر قزوين، ووقف القتال، وكأن كل فريق قد رضي بما يملك، وكأن التتار في دولتهم وجلال الدين في دولته.

стр. 55

حال المسلمين بين عامي ٦٢٤هـ و ٦٢٧ه ـ استقرت الأمور، وهدأت نسبياً في الفترة من سنة (٦٢٤هـ) إلى سنة (٦٢٧هـ)، أي: ثلاث سنوات. وكان المسلمون خلال هذه الفترة على ما عهدوه من الخلاف والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، ولم يستغلوا مصيبة التتار في زعيمهم الكبير جنكيز خان لجمع صفوفهم وتحرير بلادهم، ولكن شغلوا بأنفسهم، وبمحاربة بعضهم لبعض. وهذه الحالة لم تكن فقط في أرض العراق وغرب إيران فقط، ولا بين جلال الدين والخليفة العباسي فقط، بل كانت عامة في عموم العالم الإسلامي، فكل المنطقة كان تموج بالاضطربات والفتن، وكانت الحروب مستمرة بين أمراء المسلمين في الشام ومصر، ولم تتحد كلمتهم أبداً، مع أن معظم الحكام في هذه المنطقة كانوا من الأيوبيين، وبينهم صلة رحم قوية، وكانت تقوم الحرب أحياناً بين الإخوة الأشقاء.

стр. 56

تسليم المسلمين بيت المقدس للصليبيين في سنة (٦٢٦هـ) حدث أمر مريع، وهو تسليم بيت المقدس الذي حرره صلاح الدين الأيوبي ﵀ قبل ذلك بـ (٤٠) سنة إلى الصليبيين صلحاً، فقد اتفق أمراء الشام على إعطاء بيت المقدس للنصارى الصليبيين؛ ليساعدوهم على غزو مصر، وتخيلوا كيف كانت المأساة في ذلك الوقت؟ نعوذ بالله من الضعف بعد القوة، ومن الذلة بعد العزة، ومن الخذلان بعد النصر. وعند رؤية هذه الأحداث في كل بلاد المسلمين نعلم سبب تمكن التتار من هذه البلاد مع ضخامتها وأعدادها وثرواتها، فهذه سنة ثابتة في الكون، ومن كانت هذه حالته فلابد أن يسلط عليه طواغيت الأرض، فالله لا ينصر إلا من نصره، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]، لا أحد.

стр. 57

حال المسلمين بين عامي ٦٢٤هـ و ٦٢٧ه ـ استقرت الأمور، وهدأت نسبياً في الفترة من سنة (٦٢٤هـ) إلى سنة (٦٢٧هـ)، أي: ثلاث سنوات. وكان المسلمون خلال هذه الفترة على ما عهدوه من الخلاف والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، ولم يستغلوا مصيبة التتار في زعيمهم الكبير جنكيز خان لجمع صفوفهم وتحرير بلادهم، ولكن شغلوا بأنفسهم، وبمحاربة بعضهم لبعض. وهذه الحالة لم تكن فقط في أرض العراق وغرب إيران فقط، ولا بين جلال الدين والخليفة العباسي فقط، بل كانت عامة في عموم العالم الإسلامي، فكل المنطقة كان تموج بالاضطربات والفتن، وكانت الحروب مستمرة بين أمراء المسلمين في الشام ومصر، ولم تتحد كلمتهم أبداً، مع أن معظم الحكام في هذه المنطقة كانوا من الأيوبيين، وبينهم صلة رحم قوية، وكانت تقوم الحرب أحياناً بين الإخوة الأشقاء.

стр. 58

تسليم المسلمين بيت المقدس للصليبيين في سنة (٦٢٦هـ) حدث أمر مريع، وهو تسليم بيت المقدس الذي حرره صلاح الدين الأيوبي ﵀ قبل ذلك بـ (٤٠) سنة إلى الصليبيين صلحاً، فقد اتفق أمراء الشام على إعطاء بيت المقدس للنصارى الصليبيين؛ ليساعدوهم على غزو مصر، وتخيلوا كيف كانت المأساة في ذلك الوقت؟ نعوذ بالله من الضعف بعد القوة، ومن الذلة بعد العزة، ومن الخذلان بعد النصر. وعند رؤية هذه الأحداث في كل بلاد المسلمين نعلم سبب تمكن التتار من هذه البلاد مع ضخامتها وأعدادها وثرواتها، فهذه سنة ثابتة في الكون، ومن كانت هذه حالته فلابد أن يسلط عليه طواغيت الأرض، فالله لا ينصر إلا من نصره، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]، لا أحد.

стр. 59

أحداث سنة ٦٢٨ه ـ دخلت سنة (٦٢٨هـ) تحمل هجمة تترية بشعة جديدة على الأمة الإسلامية، فقد استقر ملك التتار في منغوليا، وتولى القيادة بعد جنكيز خان زعيم جديد اسمه أوكيتاي، فكان هو الخاقان الجديد للدولة التترية، وكلمة خاقان تعني: الزعيم أو الرئيس للبلاد، فهو لقب مثل: قيصر بالنسبة للدولة الرومانية، أو كسرى بالنسبة للدولة الفارسية وغيرهما. نظم أوكيتاي أمور دولته في الأربع السنوات الماضية في منطقة منغوليا والصين، وبدأ يفكر من جديد في اجتياح العالم الإسلامي، بل وفكر في استكمال الحروب في داخل روسيا، والخروج منها على أوروبا.

стр. 60

أسباب إحجام التتار عن غزو العراق قرر أوكيتاي عدم محاربة الخلافة العباسية في ذلك الوقت، لأسباب منها: أولاً: شدة حصانة بغداد، فقد كانت من أحصن مدن العالم في ذلك الوقت، وعمرها (٥٠٠) سنة تقريباً، وكان سكانها ثلاثة ملايين أو أكثر. ثانياً: لم يرد استثارة المسلمين في العراق والشام ومصر لسقوط الخلافة العباسية، فالخلافة العباسية كانت تمثل رمزاً هاماً للمسلمين على ضعفها. ثالثاً: كان يريد جعل الخلافة العباسية آخر خطوات الاحتلال، فكان يريد أخذ كل البلاد المحيطة بها، ثم بعد ذلك يفتح العراق كلها، وهذا هو عين الذكاء.

стр. 61

غزو التتار لبلاد جلال الدين وقصة مقتله كلف الخاقان الجديد أوكيتاي القائد شورماجان أحد أمهر قادته التتريين بغزو العالم الإسلامي، فجمع جيشاً هائلاً من التتر، وتقدم صوب العالم الإسلامي، فكانت أول منطقة قابلها هي منطقة جلال الدين بن خوارزم في غرب إيران، فالتقى معه في موقعة رهيبة جداً فهزم جلال الدين هزيمة مرة، فهرب مكرراً نفس التاريخ الذي فعله قبل ذلك والذي فعله أبوه قبله، حتى وصل إلى شمال العراق بعد أن تفرق عنه كل جيشه، فجيوش التتار أكلت الأخضر واليابس في هذه الأرض، واحتلت إيران كلها في لحظات قليلة جداً. لما وصل جلال الدين إلى شمال العراق وحيداً شريداً طريداً، أخذ ينتقل بمفرده بين القرى فاراً من التتار، واختفى ذكره من البلاد شهوراً متصلة، ولا أحد يعرف هل مات أم لا؟ حتى وصل إلى إحدى القرى فاستقبله فلاحاً من الأكراد، وسأله: من أنت؟ فقد استغرب من شكل جلال الدين؛ لأنه كان متحلياً بكمية كبيرة جداً من الذهب والجواهر، فقد أخذ كل كنوزه معه وهرب، فقال له: أنا ملك الخوارزمية، فقد أراد أن يبث الرعب في قلبه حتى يطلب الأمان عنده، فعندما سمع الفلاح هذه الكلمة قال له: تفضل، وأدخله بيته وأطعمه وسقاه حتى نام، وكان هذا الفلاح قد قتل أخوه على يد جلال الدين بن خوارزم، فلما نام جلال الدين قام إليه الفلاح وقتله بالفأس، ثم أخذ رأسه وسلمه إلى زعيم شمال العراق الأشرف العادل؛ لأنه كان بينه وبين جلال الدين حروباً طويلة قبل ذلك، وانتهت قصة جلال الدين بن محمد بن خوارزم هذه النهاية المأساوية. وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول فيما روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]). وبفرار جلال الدين بن خوارزم سقط كل إقليم فارس في يد التتار، ما عدا الشريط الغربي فقط، وهو شريط ضيق جداً كانت تسيطر عليه الإسماعيلية الشيعية.

стр. 62

احتلال التتار لأذربيجان وتوقفهم بعد ذلك عن الحروب في سنة (٦٢٩هـ) بعد موت جلال الدين بشهور أكمل شورماجان الحروب واحتل إقليم أذربيجان من جديد، يعني: أنه مر من إيران ودخل أذربيجان. ثم قرر أن يوقف الحروب؛ لكي يرسخ أقدام التتار في هذه المناطق الواسعة، فأوقف الحروب ٥ سنوات كاملة، من عام (٦٢٩هـ) إلى عام (٦٣٤هـ)، وأثناء هذه السنوات الخمس لم تخرج عليه ثورة مسلمة واحدة، ولم يتحرك له جيش مسلم من أي بلد، مع أن جيوش المسلمين كانت تملأ المناطق المجاورة لفارس وأذربيجان في كل مكان، في العراق والموصل ومصر والحجاز والشام وغيرها، ولكن الكل كان يشعر أن هذا أمر يهم أهل فارس وأذربيجان، وأنه ليس يهم جميع المسلمين، فلم يشعر المسلمون في الأقطار التي لم تصب بعد بويلات التتار أن عليهم واجباً تجاه هذه البلاد المنكوبة، ولم يشعروا أبداً أن الدائرة حتماً ستدور عليهم في يوم من الأيام. أضف إلى ذلك أن المسلمين في العراق والشام ومصر والحجاز كان غالبيتهم من العرب، بينما غالب المسلمين في إقليم فارس وأذربيجان وشرق الدولة الخوارزمية كانوا من غير العرب، ومع غياب الفهم الإسلامي الصحيح، والاستيعاب الكامل للأسس الحقيقية التي يبنى عليها الدين، لم يعد العربي يشعر بأخيه غير العربي ولا العكس، بل كانوا يشعرون أنهم غرباء عن بعضهم البعض، وهم في الحقيقة إخوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. أمر شنيع حقاً ألا يشعر المسلم العربي بأخيه المسلم التركي أو الأفغاني أو الشيشاني أو الهندي أو الفارسي، فهذا أمر قاصم لظهر الأمة الإسلامية، فالإسلام دين لا يرتبط بعرق ولا عنصر ولا لون ولا جنس، ولا يرتبط إلا بالإيمان بالله وبرسوله الكريم ﷺ ، فالإسلام لا يرتبط إلا برباط العقيدة، ولا شيء غيرها. وقد روى الإمام أحمد بسند مرسل عن أبي نضرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : (يأيها الناس! ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى). فالقاعدة واضحة، فلا مكان لعرق أو لون في الإسلام، وإنما المكان للتقوى فقط، فالمسلم الصادق حقاً هو الذي يتحمس لمن اشترك معه في العقيدة ولو اختلف أصله أو لونه أو نسبه.

стр. 63

الأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين أمام التتار من المواقف التي مرت، ومن الروايات السابقة والتحليلات والدراسة تتبين لنا أمراض هامة، كانت سبباً في هذه المأساة التي مر بها المسلمون في هذه الفترة العصيبة من تاريخ أمتنا، وقد ذكرناها مفصلة في الدرس، ونعيد ذكرها على سبيل التلخيص والإيجاز، وهي خمسة أمراض: أولاً: تمكن الدنيا من قلوب المسلمين، وإذا أُشرب القلب حب الدنيا خرج منه حب الآخرة والشرع والمثل والأخلاق، وحب كل فضيلة. ثانياً: التشاحن والتصارع والبغضاء التي تفشت بين المسلمين، ووصلت إلى الصراع بين ذوي الأرحام والأشقاء. ثالثاً: ترك الجهاد، وعدم الاستعداد له، وعدم تربية الناس على الروح القتالية، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا. رابعاً: عدم الاستعداد المادي للقتال، وعدم الرؤية الواضحة، والخطة السياسية، والرأي الحكيم، وعدم التدرب على القتال وإعداد السلاح له، فلم يكن يوجد أي نوع من الإعداد في الأمة الإسلامية في ذلك الوقت. خامساً: القبلية، والاعتداد بالعنصر والعرق، وعدم اعتراف المسلمين بإخوانهم المسلمين المنتمين إلى أعراق مختلفة. والمرض الواحد من هذه الأمراض الخمسة يهلك أمة، فكيف لو اجتمعت هذه الأمراض وغيرها في الأمة الإسلامية في ذلك الوقت؟ هذا كله يفسر ما حدث من اجتياح تتري رهيب للأمة الإسلامية. ثبّت شورماجان قدمه في المنطقة خمس سنوات، إلى سنة (٦٣٤هـ)، ثم في هذه السنة عاد الجيش التتري إلى اجتياح العالم من جديد، ولقد اختلف هذا الاجتياح اختلافات كثيرة عما سبق، ليس في طريقة القتال أو أسلوب الحرب، فدموية التتار لم تتغير أبداً، ولكن في المناطق المفتوحة، فقد دخل جيش التتار مناطق جديدة لم يدخلوها قبل ذلك، ولقد اختلف الأمر حتى في طرق الإعداد، وفي السياسة التترية بصفة عامة، ولقد عانى أهل الأرض جميعاً معاناة شديدة من هذا الغزو التتري الجديد. ترى ما هي تفاصيل هذا الغزو؟ وما هو رد العالم الإسلامي؟ وهل سيفكر التتار في غزو العراق أم لا؟ وما هو موقف الصليبيين في أوربا من هذه الحملات التترية البشعة؟ هذا ما سنعرفه وغيره إن شاء الله في المحاضرة القادمة. أسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يجعل لنا في التاريخ عبرة، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 64

سلسلة التتار_ خطة غزو العراق احتل التتار الأجزاء الشرقية للدولة الإسلامية حتى وصلوا إلى حدود العراق، ثم بدءوا في التفكير والتخطيط والعمل الدءوب لإسقاط بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وأعدوا خطة الغزو حتى تمكنوا من إسقاط الخلافة العباسية، والمسلمون في غفلتهم سادرون.

стр. 65

احتلال التتار لأرمينيا وجورجيا والشيشان وداغستان أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: هذه المحاضرة الرابعة من محاضرات قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، وفي المحاضرات السابقة رأينا انهيار العالم الإسلامي أمام الضربات التترية المتوالية، وكيف وقع المسلمون في أخطاء قاتلة أدت إلى هذه المأساة المركبة التي مرت بالأمة بصفة عامة، ورأينا كيف فتن المسلمون بالدنيا وتركوا الجهاد واختلفوا وتفرقوا ولم يعدوا أي عدة مناسبة أو غير مناسبة لقتال التتار، وبالتالي لم يكن هذا السقوط المزري مفاجأة بل كان أمراً متوقعاً جداً، وهو يتوافق تماماً مع سنن الله في الأرض. وقفنا في المحاضرة السابقة على ابتداء شورماجان القائد التتري الكبير في المنطقة الفارسية وأذربيجان بالتخطيط لغزو جديد واجتياح قادم لمناطق جديدة، وكان ذلك في سنة ٦٣٤ هجرية، وفي هذه السنة ألتف شورماجان حول بحر قزوين من ناحية الغرب وانطلق شمالاً لاستكمال السيطرة على المنطقة، وبسرعة كبيرة جداً استطاع أن يعيد بسط سيطرة التتار على أقاليم أرمينيا وجورجيا والشيشان وداغستان، وأرسل جيشاً آخر لاستكمال بسط النفوذ على شمال هذه المناطق.

стр. 66

احتلال التتار لروسيا ثم بدأ باتو بن جاجي وكان من أكبر قواد التتار مطلقاً بقيادة الحملات التترية شمال بحر قزوين في سنة ٦٣٤، فقمع القبائل التي تسكن في نهر الفولجا الروسي، ثم زحف بعد ذلك على البلاد الروسية الواسعة، وبدأ هذا الزحف على روسيا في سنة ٦٣٥هـ، وقام بمذابح بشعة شنيعة في روسيا النصرانية من حين دخلها إلى أن انتهى منها، واستولى على العديد من المدن الروسية، فقد سقطت مدينة ريدان، ثم بعدها بقليل سقطت مدينة كولومونا، ثم سقطت مدينة فلاديمير، وكانت مدينة كبيرة جداً جداً، حيث صمدت ستة أيام فقط في وجه التتار ثم سقطت سقوطاً كاملاً، وذبح غالب سكانها، ثم سقطت مدينة سوذال، ثم توجهت الجيوش التترية إلى أعظم مدن روسيا موسكو واجتاحوها ودمروها في أيام معدودات، ثم سقطت بعد ذلك مدن يورييف وجاليش وبريسلاف وروستوف وغيرها إلى أن احتل التتار دولة روسيا بكاملها في سنتين، من سنة ٦٣٥ إلى ٦٣٦، ومساحة روسيا ١٧ مليون كيلو متر مربع، وليست المشكلة في هذه المساحة الهائلة، بل إنها يسكنها أعداد هائلة من البشر، إضافة إلى أن طقسها شديد البرودة وأجواءها صعبة جداً، ومع ذلك فإن التتار انتهوا من روسيا كلها في سنتين، ولم يستطع أحد أن يقف أمام التتار، ثم بعد هذا الاجتياح توقفوا سنتين ينظمون صفوفهم ويعيدون ترتيب أمورهم.

стр. 67

احتلال التتار لروسيا ثم بدأ باتو بن جاجي وكان من أكبر قواد التتار مطلقاً بقيادة الحملات التترية شمال بحر قزوين في سنة ٦٣٤، فقمع القبائل التي تسكن في نهر الفولجا الروسي، ثم زحف بعد ذلك على البلاد الروسية الواسعة، وبدأ هذا الزحف على روسيا في سنة ٦٣٥هـ، وقام بمذابح بشعة شنيعة في روسيا النصرانية من حين دخلها إلى أن انتهى منها، واستولى على العديد من المدن الروسية، فقد سقطت مدينة ريدان، ثم بعدها بقليل سقطت مدينة كولومونا، ثم سقطت مدينة فلاديمير، وكانت مدينة كبيرة جداً جداً، حيث صمدت ستة أيام فقط في وجه التتار ثم سقطت سقوطاً كاملاً، وذبح غالب سكانها، ثم سقطت مدينة سوذال، ثم توجهت الجيوش التترية إلى أعظم مدن روسيا موسكو واجتاحوها ودمروها في أيام معدودات، ثم سقطت بعد ذلك مدن يورييف وجاليش وبريسلاف وروستوف وغيرها إلى أن احتل التتار دولة روسيا بكاملها في سنتين، من سنة ٦٣٥ إلى ٦٣٦، ومساحة روسيا ١٧ مليون كيلو متر مربع، وليست المشكلة في هذه المساحة الهائلة، بل إنها يسكنها أعداد هائلة من البشر، إضافة إلى أن طقسها شديد البرودة وأجواءها صعبة جداً، ومع ذلك فإن التتار انتهوا من روسيا كلها في سنتين، ولم يستطع أحد أن يقف أمام التتار، ثم بعد هذا الاجتياح توقفوا سنتين ينظمون صفوفهم ويعيدون ترتيب أمورهم.

стр. 68

احتلال التتار لأوكرانيا وبولندا والمجر وسلوفاكيا وكرواتيا ثم في سنة ٦٣٨ من الهجرة -بعد سقوط روسيا بسنتين- تحركت جيوش التتار من روسيا غرباً إلى أوكرانيا بقيادة باتو بن جاجي فاجتاحوا دولة أوكرانيا بكاملها، واجتاحوا عاصمتها كييف، ودمروا كنوزها العظيمة وقتلوا معظم السكان في أوكرانيا، ثم تجاوزوها إلى ما بعدها. ثم في سنة ٦٣٩هـ زحفت فرقة من قوات جيش باتو بقيادة بايدر باتجاه الشمال الغربي من دولة أوكرانيا فدخل مملكة بولندا ودمر معظم المدن البولندية، ولم يجد الملك البولندي إلا أن يستعين بالفرسان الألمان، فألمانيا في غرب بولندا مباشرة، فجاء الأمير هنري دوق مقاطعة سيليزيا الألمانية وتحالف مع الجيش البولندي، ثم التقى الجيشان بجيش التتار، فسحق الجيشان البولندي والألماني واستطاع التتار بقيادة بايدر السيطرة على كامل مملكة بولندا. وفي نفس السنة ترك باتو قائد التتار الذي كان متمركزاً في أوكرانيا في ذلك الوقت فرقة تترية في أوكرانيا واتجه بجيشه الرئيسي غرباً إلى مملكة المجر، فالتقى مع ملكها في موقعة رهيبة دمر على أثرها الجيش المجري بكامله، واحتل المجر أيضاً. وأما بايدر القائد التتري الذي فتح بولندا فقد نزل جنوباً لمقابلة جيوش التتار بقيادة باتو في المجر، وفي طريقه اجتاح دولة سلوفاكيا وضمها بكاملها أيضاً إلى دولة التتار. ثم تدفقت الجيوش التترية بكاملها إلى دولة كرواتيا واجتاحتها عن آخرها، ووصلت الجيوش التترية بذلك إلى البحر الأدرياتي، وهو يفصل بين كرواتيا وإيطاليا، وإلى هذه اللحظة كانت دولة التتار قد ضمت نصف أوروبا الشرقي إلى أملاكها، وكان ممكناً أن تستمر الفتوحات التترية بعد ذلك، فقد وصل التتار إلى حدود إيطاليا والنمسا وألمانيا، ولكن في ذلك العام ٦٣٩هـ حدث أمر هام، فقد توفي خاقان التتار أوكيتاي، فاضطر القائد باتو أن يوقف الحملات ويستخلف أحد القواد ويعود إلى قراقورم عاصمة دولة التتار في منغوليا؛ للمشاركة في اختيار الخاقان التتري الجديد.

стр. 69

نظرة على أحوال التتار والمسلمين والنصارى عام ٦٣٩ه ـ ولا بد لنا أن نراجع الموقف في سنة ٦٣٩هـ، ونقيم أوضاع العالم ككل في هذه السنة، وبإلقاء نظرة على كل أرجاء العالم في ذلك الوقت يتبين الآتي: أولاً: وصلت حدود دولة التتار في هذه السنة من كوريا شرقاً إلى بولندا غرباً ومن سيبيريا شمالاً إلى بحر الصين جنوباً، فقد اتسعت دولتهم اتساعاً رهيباً جداً في وقت محدود، وأصبحت قوتهم في ذلك الوقت هي القوة الأولى في العالم بلا منازع. ثانياً: تولى قيادة التتار بعد أوكيتاي ابنه كيوك بن أوكيتاي، وكان رأي هذا الخاقان الجديد تثبيت أقدام التتار في البلاد المفتوحة، ولم يكن عنده سياسة توسعية كأبيه أوكيتاي أو كـ جنكيز خان، فأوقف الفتوحات التترية في أوروبا والعالم الإسلامي. ثالثاً: ابتلع التتار في فتوحاتهم السابقة النصف الشرقي للأمة الإسلامية، وضموا معظم أقاليمها في آسيا إلى دولتهم، وقضوا على كل مظاهر الحضارة في هذه المناطق، كما قضوا تماماً على أي نوع من المقاومة في هذه المناطق الواسعة. رابعاً: ظل القسم الأوسط من العالم الإسلامي العراق إلى مصر، يعني: العراق والشام والحجاز ومصر واليمن مفرقاً مشتتاً، ولم يكتف المسلمون فيه فقط بالفرجة على الجيوش التترية وهي تسقط معظم ممالك العالم في وقتهم، وإنما انشغلوا بالصراعات الداخلية بينهم وازداد تفككهم بصورة كبيرة. وكذلك كان القسم الغربي من العالم الإسلامي -ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وغرب أفريقيا- مفككاً تماماً بعد سقوط دولة الموحدين. فكان القسم الشرقي قد أخذه التتار، والغربي والأوسط مفككين. خامساً: ذاق الأوربيون النصارى من ويلات التتار كما ذاق المسلمون، وذبح منهم مئات الآلاف أو الملايين، ودمرت كنائسهم وأحرقت مدنهم وهددوا تهديداً بشعاً، ووصل التتار إلى روما عقر دار الكاثوليكية النصرانية في أوروبا. سادساً: مع أن النصارى رأوا أفعال التتار إلا أن ملوك النصارى في أوروبا الغربية -في فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وألمانيا- التي لم يدخلها التتار بعد كانوا يرون أن هذه المرحلة مؤقتة وسوف تقف، يعني: لابد أن يقف التتار عن القتال في يوم من الأيام. أما حروب النصارى الصليبيين ضد المسلمين فكانت في رأي زعماء أوروبا وملوكهم حروباً دائمة لا تنتهي، وكان هذا الرأي له مردود على ملوك أوروبا، ومن ثم اعتقد ملوك الصليبيين اعتقاداً جازماً أنهم لابد أن يتعاونوا تعاوناً كاملاً مع التتار ضد المسلمين، بالرغم من كل الأعداد الهائلة من النصارى التي ذبحت على أيدي التتار. وأما لماذا يعتقد الصليبيون أن حربهم مع المسلمين دائمة وحربهم مع التتار مؤقتة فلأن حربهم حرب عقيدة، والعداء بينهم وبين المسلمين قائم على أساس ديني، فالصراع بينهما أبدي، والنصارى لن ينهوا القتال إلا بدخول إحدى الطائفتين في الأخرى، كما يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وأما حروب التتار فلم تكن حروب عقيدة أبداً، فعقيدة التتار كانت عقيدة مشوهة وباهتة جداً، وهي مجموعة من أديان شتى، ولم نسمع عن قائد تتري واحد أنه حاول نشر هذه العقيدة في البلاد المغنومة، وإنما كان كل هدف التتار هو الإبادة والتشريد وجمع المال وسبي النساء والأطفال وغير ذلك من أمور التخريب، ومن كانت هذه صفته فلا يكتب له الاستمرار أبداً. فلذلك وعلى الرغم من الصدمات التي تلقتها أوروبا على يد التتار إلا أن أوروبا استمرت في تجهيز حملاتها لغزو بلاد المسلمين، واستمرت في تكثيف الجهود لإنشاء العلاقات والمعاملات الدبلوماسية مع التتار. سابعاً: بدأ يحدث تغير عقائدي في الجيش التتري بعد حملات التتار في أوروبا، وهذا سيكون له مردود مهم بعد وقت، وسبب هذا التغير العقائدي الذي حصل في جيش التتار كان بسبب زواج عدد كبير من قادة المغول من فتيات نصرانيات أوروبيات، وبذلك بدأت الديانة النصرانية تتغلغل نسبياً في البلاط المغولي، وقد ساعد هذا على إمكانية أن يتعاون التتار بعد ذلك مع الصليبيين، وأن يجتمع الحقدان الصليبي والتتري على إسقاط الخلافة العباسية وبلاد الشام، وعلى غيرها من الخطوات. ثامناً: استمرت الحروب الصليبية الأوروبية على المسلمين في مصر والشام ولم تنقطع، فمع كل هذه المجازر التترية في أوروبا إلا أن المجازر الصليبية في بلاد الشام ومصر لم تنقطع في ذلك الوقت، وقد كانت تحت حكم الأيوبيين في آخر أيامهم، وكان الصراع دائراً بين بعضهم بعضاً، فكان المسلمون واقعون في مثلث خطير، الصليبيون من ناحية والتتار من ناحية، وزعماء المسلمين من ناحية ثالثة. تاسعاً: في سنة ٦٤٠ هجرية توفي المستنصر بالله الخليفة العباسي، وتولى الخلافة العباسية في ذلك الوقت ابنه المستعصم بالله، وكان عمره ٣٠ سنة في ذلك الوقت، وهو الذي سقطت الخلافة العباسية في زمانه، وكان مشهوراً بكثرة تلاوة القرآن والنظر في التفسير والفقه وك

стр. 70

إيقاف التتار لحروبهم التوسعية في عهد ملكهم كيوك بن أوكيتاي ومراسلة النصارى له قرر كيوك بن أوكيتاي خاقان التتار الجديد أن يوقف الحملات التوسعية؛ وأن يتفرغ لتثبيت الأقدام في أجزاء المملكة الواسعة، وكانت مدة حكمه سبع سنوات من سنة ٦٣٩ إلى سنة ٦٤٦، ولم يدخل التتار في هذه السنوات السبع أي بلد جديد. لما رأى الصليبيون في غرب أوروبا هذا النهج غير التوسعي عند كيوك تجددت آمالهم في التعاون معهم ضد المسلمين، فأرسل البابا الكاثوليكي إنوسنت الرابع من روما سفارة برسالة إلى كيوك في منغوليا في سنة ٦٤٣هـ -والمسافة بين روما وقراقورم عاصمة منغوليا ١٢ ألف كيلو متر ذهاباً فقط- يعرض عليه التوحد مع التتار لحرب المسلمين في مصر والشام، ولم يكن من هم هذه السفارة مطلقاً أن ترفع الظلم عن نصارى أوروبا وروسيا، فهذا لم يكن في اعتبار البابا الكاثوليكي بالمرة؛ لأن معظم البلاد الأوروبية وروسيا التي سقطت كانت بلادًا أرثوذكسية، فلما وصل الوفد الصليبي الكاثوليكي إلى قراقورم سلم رسالة البابا إنوسنت الرابع إلى كيوك بن أوكيتاي خاقان التتار، فلما قرأ كيوك رسالة البابا وجد أن البابا بالإضافة إلى طلبه توحيد العمل العسكري ضد المسلمين فهو يدعوه إلى اعتناق النصرانية، أي: أن البابا إنوسنت الرابع القضية عنده عقائدية، فهو يحارب من أجل مبدأ. فاعتبر خاقان التتار هذا تعدياً خطيراً من البابا، إذ كيف يطلب من خاقان أعظم دولة في الأرض في ذلك الزمن أن يغير من ديانته؟ مع أن الديانة النصرانية كانت قد بدأت تتغلغل في البلاط المغولي. فاعتبر هذا تعدياً كبيراً جداً على خاقان التتار، فرد السفارة الصليبية ورفضها إلا أن يأتي أمراء الغرب الأوروبي جميعاً -إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها- إلى منغوليا؛ لتقديم فروض الولاء والطاعة للخاقان التتري، ثم بعد ذلك يتعاونون ويتفاهمون، فرفض ملوك أوروبا هذا الطرح، وبذلك فشلت السفارة الأوروبية الأولى. لكن البابا الكاثوليكي إنوسنت الرابع لم ييأس، فأخذ يبحث في قواد الجيش التتري في مناطق العالم المختلفة على من عنده رغبة وحمية في غزو العالم الإسلامية، فوجد ضالته في قائد المنطقة الغربية من دولة التتار بيجو الذي هو كان متمركزاً في ذلك الوقت في منطقة أذربيجان وفارس، وكان من أشهر القواد التتريين في سنة ٦٤٥، فأرسل البابا إنوسنت الرابع رسالة جديدة إلى بيجو في فارس بعد السفارة الأولى بسنتين، وكان عنده حب شديد للعدوان والهجوم، وكان يتوسع في أراضي المسلمين، وتلقى ترحيباً كبيراً جداً من بيجو، وتوقع بيجو أن هجوم الصليبيين على الشام ومصر سوف يشغل المسلمين في هذه المناطق عن الدفاع عن الخلافة العباسية، وبذلك يستطيع أن يتقدم داخل أراضي العراق، ولكنه لم يكن عنده الصلاحيات الكافية لإجراء المعاهدات والمفاوضات مع إنوسنت الرابع أو غيره، فاتصل بـ كيوك، ولكنه كان ما زال على رأيه في عدم التوسع، ومصراً على قدوم ملوك أوروبا إلى قراقورم لتقديم فروض الولاء والطاعة، ففشلت أيضاً هذه السفارة الثانية. وفي هذا الوقت كان لويس التاسع ملك فرنسا يجهز الحملة الصليبية المشهورة على مصر، والمعروفة بالحملة الصليبية السابعة، وكان متمركزاً في جزيرة قبرص؛ لتجميع الجيوش الفرنسية وغيرها لغزو بلاد الإسلام، وذلك في سنة ٦٤٦ من الهجرة، يعني: بعد سنة من السفارة الصليبية إلى بيجو، ولم ينقطع أمله بعد في التعاون مع التتار، فأرسل سفارة صليبية ثالثة من قبرص إلى منغوليا لـ كيوك يعرض عليه من جديد التعاون، وزود هذه السفارة بالهدايا الثمينة وغيرها، فوصلت هذه السفارة إلى العاصمة التترية قراقورم، فوجدت أن كيوك قد مات سنة ٦٤٦، وتولى الحكم بعده أرملته أوغول قيميش؛ لأن أولاده الثلاثة كانوا صغاراً جداً لا يصلحون للحكم، فتولت الوصاية عليهم، وبالتالي تولت حكم التتار ثلاث سنوات من سنة ٦٤٦هـ إلى سنة ٦٤٩هـ، فتوجهت السفارة الصليبية الثالثة المرسلة من لويس التاسع إلى ملكة التتار، فاستقبلتها بحفاوة، ولكنها اعتذرت عن إمكانية التعاون مع السفارة الصليبية؛ لأنها مشغولة بالمشاكل الضخمة التي طرأت في مملكة التتار نتيجة موت كيوك، بالإضافة إلى أن عامة قواد جيوش التتار وقواد المدن لم يكونوا موافقين ببساطة على أن يحكم دولة التتار امرأة، فدولة التتار تعتمد في الأساس على البطش والإجرام والقوة، وكانت الأوضاع غير مستقرة في منغوليا وفي غيرها من البلاد، فمطلوب أن يتولى القيادة رجل حازم، فردت السفارة الصليبية الثالثة وعادت دون نتيجة تذكر. ومع ذلك أصر لويس التاسع على الحرب وغزا بالفعل مصر ونزل سنة ٦٤٧ في دمياط واحتلها، وبدأت الحملة الصليبية السابعة، وكان له

стр. 71

تولي منكو خان قيادة التتار وخلال هذه الأحداث لم يكن الوضع في منغوليا مستقراً، فالتتار لم يستطيعوا قبول امرأة كيوك ملكة عليهم، ومن ثم اجتمع المجلس الوطني للتتار، واختار في سنة ٦٤٩هـ منكو خان خاقاناً جديداً للتتار، وقد أدى هذا الاختيار إلى تحول كبير جداً في سياسة التتار وتغيير جذري في المناطق المحيطة بالتتار، فقد كان لـ منكو خان سياسة توسعية شديدة الشبه بسياسة جنكيز خان المؤسس الأول لدولة التتار، وبسياسة أوكيتاي الذي فتحت أوروبا في عهده. ولذلك فأول ما فكر فيه منكو خان بعدما استلم الحكم هو إسقاط الخلافة العباسية واجتياح الشام ومصر وإفريقيا، وكانت أحلامه التوسعية تشمل كل مكان على الأرض. وللأسف الشديد فإن أمراء المسلمين وشعوبهم في ذلك الوقت لم تكن أبداً على مستوى الحدث الكبير، حدث تولية منكو خان وبداية الأحلام التوسعية في الأراضي المسلمة، فالناس مكثوا عشر سنين بدون قتال من سنة ٦٣٩ إلى سنة ٦٤٩، توقفت فيها الفتوحات التترية، وهي فترة حكم كيوك ثم أوغول قيميش، والغريب جداً في هذه الفترة أن الحكام والشعوب بل والعلماء كانوا قد نسوا تماماً أن النصف الشرقي من الأمة الإسلامية واقع تحت الاحتلال التتري، وأنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الخلافة العباسية والشام ومصر والحجاز، حتى إن المؤرخين الذين أرخوا لهذه الفترة لم يذكروا البتة شيئاً عن التتار. فعلى سبيل المثال لو فتحنا البداية والنهاية لـ ابن كثير -وهو لم يعش في تلك الفترة وإنما نقل عن المؤرخين الذين عاصروها وكتبوا عنها- من سنة ٦٣٩هـ إلى سنة ٦٤٩هـ لن تجد ولا كلمة على التتار، وكأن القضية التترية قد حلت تماماً. وسنجد ابن كثير ﵀ يصف لنا في هذه الفترة حياة طبيعية جداً في العراق والشام ومصر، وأموراً في منتهى البساطة، فالخليفة يعالج بعض المشاكل الاقتصادية ويتصدق على بعض الفقراء، فقد يحدث وباء فيعالج، أو غلاء يشق على الناس فيأتي الخليفة يتصدق ببعض الأموال لمقاومة الغلاء، وأحدهم يفتح مدرسة، وآخر يفتح داراً للضيافة، وثالث داراً للطب، ويذكر من أحوال هذه السنوات أنه مات فلان من الأدباء، وفلان من الشعراء، وفلان من الوزراء، وأما العلماء الذين يخطبون على المنابر وفي حلقات العلم ويشرحون للناس خطر التتار، ويذكرونهم بمصيبة المسلمين في البلاد المنكوبة بالتتار، والحكام الذين يجهزون الشعوب ليوم لا محالة هو آت فلا وجود لهم في ذلك الزمان. فخبر التتار وأحداثهم لم تكن مشتهرة في ذلك الوقت، ولذلك اختفى ذكرها من كتب التاريخ. وهكذا كانت أحداث ذلك الزمان تشير جميعها إلى أن اجتياحاً تترياً جديداً سوف يحدث قريباً جداً على غرار الاجتياح التتري الأول الذي حدث في زمان جنكيز خان أو الاجتياح التتري الثاني الذي حدث في زمان أوكيتاي، ولعله يكون أشد وأنكى؛ لأنه كلما ازداد خنوع المسلمين ازداد طمع التتار وغيرهم فيهم، وكلما فرط المسلمون في شيء طمع أعداء الأمة في هذا الشيء وفي الذي يليه، وهذه سنة ثابتة لأهل الباطل.

стр. 72

أعوان منكو خان في حكم دولة التتار منذ تولى منكو خان زعامة دولة التتار بدأ يفكر في إسقاط الخلافة العباسية، وقد كان قائداً قوياً حازماً، وكان له ثلاثة من الإخوة على قدر كبير جداً من القوة والقدرة على القيادة، فساعده ذلك على التملك والحكم بصورة أ: بر، فأما أخوه أريق بوقا فقعد معه في قراقورم يساعده في إدارة المملكة الواسعة. وأما الأخ الثاني واسمه قبيلاي فقد أوكل إليه إدارة المنطقة الشرقية من الدولة التترية يعني: منطقة الصين وما حولها من أقطار. وأما الأخ الثالث هولاكو فقد أوكل إليه فارس وما حولها، وكان واقفاً في مواجهة الخلافة العباسية الإسلامية في ذلك الوقت وكلنا نسمع عن اسم هولاكو، فهو الزعيم التتري السفاح الذي لا يمتلك أي نزعة إنسانية من أي نوع، فقد كان لا يرتوي إلا بدماء البشر، وكان تماماً كسلفه جنكيز خان لعنهما الله، فهو شخصية من أبشع الشخصيات في التاريخ قاطبة.

стр. 73

إعداد هولاكو لغزو الدولة العباسية كان هولاكو واقفاً أمام الدولة الإسلامية، ولذلك كان مجال العمل الرئيسي له البلاد الإسلامية، ومعظم الدماء التي أسالها كانت دماء إسلامية، ومعظم الآلام التي زرعها في قلوب البشر كانت آلاماً في قلوب المسلمين، وكأن الحقد الذي كان في قلبه لم يكن كافياً على الأمة الإسلامية، فتزوج هولاكو من امرأة اسمها طقز خاتون، وكانت نصرانية شديدة الحقد على المسلمين، فاجتمع الحقد التتري مع الحقد الصليبي في مواجهة الخلافة العباسية والشام وما بعدها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومنذ تسلم هولاكو قيادة القطاع الغربي من الدولة التترية وتمركز في فارس بدأ يعد العدة لإسقاط الخلافة العباسية، وبكل أمانة فقد كان إعداده لإسقاط الخلافة العباسية إعداداً مبهراً وعظيماً، وكان رد فعل المسلمين لهذا الإعداد المبهر والعظيم تافهاً وحقيراً جداً، والله له سنن لا تتبدل ولا تتغير، منها: أن الذي يأخذ بأسباب النصر من أهل الدنيا يعطيه الله إياه وإن كان كافراً، والذي يتخلى عن أسبابه لابد أن ينهزم وإن كان مسلماً، يقول في كتابه الكريم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]. فـ هولاكو أعد إعداداً جيداً فلم يبخس أبداً، فمنذ استلم القيادة في غرب الدولة التترية سنة ٦٤٩ ومع حقده الشديد ورغبته الملحة في تدمير الخلافة الإسلامية واشتياقه الكامل لكنوز العباسيين وكثرة جنوده وتفوقه العسكري الظاهر إلا أنه برغم كل هذا لم يتسرع، ولم يدخل مباشرة، وبدأ يعد العدة في صبر مدة خمس سنوات كاملة من سنة ٦٤٩ إلى سنة ٦٥٤ في نشاط، مع أنه سيقابل خصماً ضعيفاً جداً في ذلك الوقت. وهذا الإعداد في معظمه كان يتم علناً على مرأى ومسمع من المسلمين وغيرهم، والتاريخ يتكرر، ودول المسلمين الآن تحتل على مرأى ومسمع العالم، ويكتب عنها على صفحات الجرائد والانترنت، وتنشر عبر القنوات عن خطواته في الإعداد للغزو، ومع ذلك لا يتحرك أحد.

стр. 74

سعي التتار لعقد تحالفات مع ملوك النصارى ونتائج ذلك كل هذا الذي حدث في هذا الوقت كان على المحورين الدبلوماسي والسياسي لدولة التتار، وذلك لإسقاط الخلافة العباسية، فالسفارة الصليبية الأولى في عهد منكو خان فشلت، وأما سفارة ملك أرمينيا فقد نجحت نجاحاً كبيراً سواء بالنسبة لملك أرمينيا أو ملك التتار. وكان من رغبات منكو خان أيضاً أن يعقد تحالفات مع أمراء الممالك الصليبية في الشام، فالنصارى الكاثوليك كان لهم أكثر من مملكة أو إمارة في منطقة الشام وتركيا، فقد كان لهم إمارات في أنطاكية وطرابلس وصيدا وحيفا وعكا وغيرها، فأراد منكو خان أن يتحالف مع هؤلاء الأمراء؛ وذلك لشغل المسلمين في منطقة الشام وتركيا عن الخلافة العباسية؛ حتى لا يدافعون عنها، ولتشجيع هؤلاء الأمراء الصليبيين أرسل لهم ملك التتار طالباً التحالف معهم مع هيثوم ملك أرمينيا، فقد أصبح مجرد رسول وسفير لدولة التتار، وذلك مثل الرحلات المكوكية لوزير خارجية إنجلترا في إيران وباكستان وأفغانستان وتركيا وغيرها، والتاريخ يتكرر، ووعد ملك التتار أمراء الإمارات الصليبية في الشام بإعطائهم بيت المقدس هدية إذا ساعدوه في إسقاط الخلافة العباسية، وكأنه يملك بيت المقدس. وبيت المقدس كان قد أعطي هدية من قبل المسلمين في الشام إلى نصارى الإمارات الصليبية سنة ٦٢٦ كما قلنا قبل ذلك، ثم حرر في سنة ٦٤٣هـ على يد الملك الصالح نجم الدين أيوب ملك مصر في ذلك الوقت. ومع كل هذا التشجيع فقد تردد أمراء الإمارات الصليبية في الشام في مساعدته باستثناء بوهمند أمير أنطاكية، فقد استحسن هذا الأمر جداً، وانضم مباشرة إلى ملك التتار، وأما بقية الأمراء الصليبيين في الشام فقد رفضوا هذه الفكرة ولم يستحسنوها، لسببين: أولاً: أنهم يعلمون أن التتار لا عهد لهم، وقد يبيعونهم دون ثمن، ويضحون بهم في مقابل أي شيء أو بلا مقابل. ثانياً: أنهم يعيشون في قلب العالم الإسلامي، وخطورة المسلمين عليهم كخطورة التتار بل لعلها أقرب، ومن ثم لم يتحمس هؤلاء للتحالف المعلن مع التتار، وآثروا الانتظار إلى أن تتم الحرب بين التتار وبين المسلمين، ومن انتصر منهم سارعوا إليه ويسمون هذا سياسة. وقد سعى منكو خان أيضاً إلى عقد بعض الاتفاقيات مع نصارى الشام والعراق من عامة النصارى الذين ليسوا بأمراء، الذين كانوا يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية في الشام والعراق، ولم تكن هذه اتفاقات رسمية أو معلنة، بل كانت اتفاقات سرية مع بعض رءوس النصارى والقساوسة؛ حتى يسهلوا مهمة دخول التتار إلى البلاد وينقلوا الأخبار من وإلى التتار، وقد نجح منكو خان في الوصول إلى بعض الرءوس الكبيرة في الشام والعراق وعلى رأسهم ماكيكا بطريرك بغداد، فكان عاملاً مساعداً هاماً في دخول بغداد. ثم عقد منكو خان معاهدات مع مملكة الكرج النصرانية بعد أن دمرها التتار ثلاث مرات على حرب المسلمين، وإذا كان تاريخ التتار مع مملكة الكرج أسود فكذلك تاريخ المسلمين مع مملكة الكرج أسود، فقد كانت بينهم حروب طويلة جداً وقديمة. وحروبهم مع المسلمين كانت حروباً عقائدية، كما قال ربنا في كتابه الكريم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، فتعاونوا مع التتار للمصلحة.

стр. 75

الإعداد السياسي والدبلوماسي المحور الثاني: الاستعداد السياسي والدبلوماسي، فبدأ في محاولة عقد بعض الأحلاف السياسية مع بعض الأطراف والقوى الموجودة على الأرض؛ لضمان نجاح المهمة الكبيرة وإسقاط الخلافة العباسية، وهذا تغير كبير جداً في السياسة التترية، ويحتاج إلى وقت ومجهود، والتتار طول عمرهم لم يعرفوا التحالفات ولا الدبلوماسية، فقد كانوا دائماً محاربين للأطراف الأخرى، لأن هذه الخطوة جديدة على السياسة التترية الآن فقد تولاها منكو خان شخصياً خاقان التتار الجديد سنة ٦٥١ من الهجرة، يعني: بعد سنتين من حكمه، فقد استقبل سفارة صليبية أرسلت من قبل لويس التاسع ملك فرنسا، الذي نزل سنة ٦٤٧ في دمياط، ثم هزم في سنة ٦٤٨ في موقعتين شهيرتين جداً، أولاهما: موقعة المنصورة، والثانية: موقعة فارسكور وأسر فيها ثم فدي بالمال، وكان عنده حقد كبير جداً على الشام ومصر، ويريد أن يعيد الكرة في حربه من جديد، ففي سنة ٦٥١هـ أرسل سفارة جديدة إلى منكو خان يريد التعاون معه ضد المسلمين، وبدأت المفاوضات ولكنها فشلت، فـ منكو خان كان رجلاً في منتهى الصراحة، فهو لم يكن متعوداً على الأحلاف كما قلنا، ولم يكن يعرف السياسة من وجهة نظر الغرب، فالغرب عنده طرق ملتوية من تنميق الألفاظ واختيار العبارات للحصول على ما يريد دون أن يشعر الطرف الآخر أنه فرط في شيء، فـ منكو خان لم يكن يعرف أي شيء عن النفاق الأوروبي المعروف، ولا يعرف الابتسامة الأوروبية التي تخفي وراءها كل الحقد، بل كان رجلاً في منتهى البساطة والوضوح جداً، ويحدد رغباته مباشرة، فقال في بداية المفاوضات في أول كلامه: إنني لا أقبل أن يكون في العالم سيد سواي، أنا لا أعرف كلمة صديق إنما أعرف كلمة سادة، أصدقائي هم من يتبعونني ويعلنون الولاء والطاعة الكاملة لي، وأعدائي هم الذين يحاربونني ولا يقبلون طاعتي سياسة بسيطة جداً، وهي سياسة القطب الواحد في العالم، فهو يقسم العالم إلى دول صديقة، أي: تابعة، ودول مارقة، أي: معادية، وبالطبع رفض ملك فرنسا لويس التاسع أن يتحالف على أساس هذا الشرط، ومن ثم فشلت المفاوضات الأولى بين التتار وبين نصارى غرب أوروبا. وهذه أول مفاوضة عملها منكو خان ولم تتم.
следующие страницы →