← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لابد من الاستشارة الأمر الثاني: لابد من الاستشارة: فعندما تريد أن تصنع أي شيء، كأن توزع كتيباً على الطلاب أو شريطاً، فلابد أن تستشير أستاذك، أو إدارة المدرسة، لأن الأعمال الارتجالية أحياناً يكون لها نتائج وخيمة، فأنت قد تريد أن تحسن فتسيء، ويساء إليك، وتصيبك ردة فعل بعد ذلك، فلابد أن تستشير من هو أولى منك وأنفع منك، وخير منك وأحرص منك على نفع الطلاب، وعنده إدراك أكثر مما عندك، فمثل هذا يدرك ما لا تدرك. كذلك أيضاً المسئولية لها قيمة، فلا يليق أنك تتصرف تصرفات عامة داخل إطار المدرسة بدون إذن، أو تنسيق على الأقل مع أحد المسئولين في المدرسة، فأنت عندما تريد أن تطرح أي مشروع أو أي فكرة ينبغي أن تستشير، وإن شاء الله لن تعدم من يريد الخير. وهذه ظاهرة طيبة -ولله الحمد- لا نجد مدرسة ولا مجال إلا وفيه من الناس الأخيار، سواء مدير أو وكيل أو مسئول أو أستاذ، سنجد فيها من الأخيار ممن سنجد عنده الرأي، بل سنجد عنده الدعم والتشجيع. وأنا أحذر الشباب من أن يعملوا أي عمل ارتجالي، اللهم إلا في الأمور العادية، فلا يعني ذلك أنني عندما أريد أن أنصح طالباً أذهب أستشير، فالاستشارة في القضايا العامة التي يحتاج إلى الاستشارة فيها.

стр. 37

الثقة بالنفس وعدم الاحتقار الأمر الثالث: الثقة بالنفس وعدم الاحتقار: دائماً يقول لك الشاب: أنا لا أصلح لشيء، فأنا ليس عندي علم، يا أخي! لا نريد منك أن تعقد حلق علم للطلاب، نريد فقط كلاماً كل واحد منا يستطيع أن يقوله، ونصيحة كل واحد منا يستطيع أن يقولها، ولا داعي أنك تدبج الألفاظ أبداً. يا أخي! حتى لو كنت أصم وأبكم يمكن أن تأتي بشريط وتعطيه، حتى لو كنت مشلولاً يمكن أن تنقل هذا الشريط بوسيلة أخرى لمثل هذا الطالب، ويمكن أن تنقل كتاباً، مع أنك لن تصل إلى هذا القدر مهما كنت من الخجل، ومن الحياء، ومن عدم العلم، لن تصل إلى هذا القدر الذي يجعلك معطلاً إطلاقاً، ألا تستطيع أن تقول كلمة ولو واحدة؟! ألا تستطيع أن تعطي شريطاً لأحد زملائك؟! أو تكتب رسالة لأحد زملائك؟ أظن أنك تستطيع أن تصنع الشيء الكثير.

стр. 38

طول النفس وعدم اليأس الأمر الرابع: طول النفس وعدم اليأس: أحياناً بعض الشباب عندما يسمع هذا الكلم يتفاءل، ويقول: إن شاء الله اليوم الأحد، فيوم الأحد القادم تريد أن تتغير المدرسة كلها، هذا ليس معقولاً، ولا بعد سنة أو سنتين، لا، يجب أن نكون أناساً عندنا طول نفس، من طول النفس الذي أريده أنك تقول كلمة، وتنتظر أثرها بعد أربع سنوات، وممكن هذا، قد تقول كلمة لإنسان وتبقى تنمو وتنمو مثل البذرة وبعد ذلك تؤتي أكلها. وقد تقول كلمة ولا تجد ثمرتها إلا يوم القيامة عندما يثيبك الله على عملك، فلا تيأس أبداً، وكن إنساناً طويل النفس، ونحن قلنا: لو نجتمع في المدرسة أربعين طالباً وخمسة أساتذة، وننفق وقتنا كله، ويهتدي على أيدينا ثلاثة طلاب، فأعتبر أننا حققنا مكسباً كبيراً، وتقدمنا خطوات، وأظن أننا قادرون على أن نحقق أضعاف أضعاف هذه النتائج. ثم هناك نتائج ما تستطيع أن تقيسها، فمثلاً الأستاذ عندما يقول كلمة لمائة وعشرين طالباً لا يدرك أثر هذه الكلمة، فلها آثار قد تمتد خارج أسوار المدرسة، فقد تجد من الطلاب من يتحمس لأفكارك، وينقل أفكارك للناس الآخرين. وأنت -يا أخي الطالب- قد تعطي زملاءك الشريط وانتهت العملية، فلا تدري عن أثر هذا الشريط عليهم، لكن له أثر، فقد يؤثر على شخص آخر خارج المدرسة، هذا ما استفاد، لكنه ترك الشريط في السيارة فسمعه فلان من الناس أو أعطى زميله أو صديقه أو أعطاه أخيه، فسمعه فهداه الله . فأقول: لا تيأس أبداً، أو تستعجل النتائج. هذه بعض الأفكار وبعض المقترحات، وكما ترون ليس فيها شيء جديد، لكن أنا أقول -يا شباب- وأوجه حديثي للأساتذة ابتداءً، وللطلاب جميعاً: إننا مسئولون، والدور الأساسي الذي يجب أن نعتني به هو داخل أسوار هذه المدرسة، أن يشعر كل أستاذ وكل طالب أن له دوراً مهماً وأساسياً هو نشر هذا الخير، ونشر هذه الدعوة، وعندما ندرك هذه المسئولية أجزم أننا سنستطيع أن نصنع الكثير، وسنستطيع أن نفيد كثيراً، لكن المشكلة أن الأستاذ أحياناً يشعر أن دوره محصور داخل الطلاب الذين يشاركون معه في الجمعية فقط، والطالب يشعر أن دوره مع زملائه فقط في الجمعية وفي حلقة القرآن، أما القطاع العام فليس لنا دور تجاهه، بالعكس فهؤلاء أكثر وأحوج إلى جهدنا وإلى طاقاتنا. أقول: عندما نعتني بالقضية سنكتشف وسائل، ونبتكر أساليب، ونستطيع أن نصنع الكثير الكثير، لكن عندما تكون القضية فعلاً هما يعنينا ونعتني به جميعاً. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه، ويرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح.

стр. 39

الأسئلة

стр. 40

مشكلة الخجل في الدعوة السؤال أنا شاب ملتزم، وأحب الدعوة إلى الله، ولكني أعاني من مشكلة الخجل، وكثيراً ما تمنعني عن الدعوة إلى الله، فما نصيحتكم لي؟ الجواب يجب أن تعلم أولاً: أنه ليس هناك مشكلة إلا ولها حل. ثانياً: أنك هو الرجل الوحيد القادر على حل هذه المشكلة، ومشكلة الخجل تحتاج إلى أن توجد عند نفسك شجاعة وجرأة، وتعتاد وتتجرأ تدريجياً؛ حتى تستطيع أن تواجه. والآن مشاهد تمر علينا كثيراً، فأحياناً نوعية من الطلاب السيئين تجده يتصرف تصرفات غير لائقة، فيعصي الله أمام الناس ويستعرض بها ولا يستحي أبداً، وأحياناً أشياء في غاية الوقاحة. فلماذا -يا أخي- هذا ما يستحي، وأنت تستحي وأنت صاحب الخير؟! فالأولى أن يستحي صاحب المعصية، وأن يكون صاحب الخير هو الرجل الجريء، وأنا لا أريدك أن تلقي كلمات في الفصل، أو تقوم في درس الإنشاء وتلقي كلمة، وإن كان عندك استعداد لهذا فهذا طيب جداً. لكن -يا أخي- أتعجز أن تمسك أحد زملائك وتقول له كلمتين، حتى بلغتك الدارجة، لا يحتاج إلى أنك تتكلف له اللغة الفصحى، فتقول له: يا أخي! عيب عليك، وأنت إنسان لابد أن تفكر في حياتك، ووضعك هذا لا يرضاه الله ولا رسوله، أما فكرت يوماً من الأيام أن تغير وضعك؟! هذا الكلام أتصور أن أشد الناس خجلاً وحياءً يستطيع أن يقول هذا الكلام. وإذا قد بلغ بك الحد إلى أنك لا تستطيع أن تتكلم نهائياً فيمكن أن تأخذ شريطاً وتعطيه له، أو تكتب له رسالة خاصة وتعطيها إياه، لكن أظن أنه لن يبلغ بنا الحد من الخجل والحياء إلى أن الإنسان لا يجرأ أن يكلم الآخرين أبداً، والحياء مطلوب، والحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء من الإيمان؛ لكن أن يكون عائقاً عن أداء الواجب الشرعي فلا. فالرسول ﷺ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وخير الناس حياءً ﷺ ، ومع ذلك ما كان يعوقه الحياء أبداً عن أداء هذا الواجب، فلابد أن نتخلص من هذا بالتمرين، فيتعود الإنسان مرة ومرتين وثلاث مرات؛ حتى يعتاد بعد ذلك. فمثلاً: الطفل عندما يريد أن يمشي يجد صعوبة، فيقوم ويسقط، ويقوم ويسقط؛ حتى يعتاد، وأنت عندما تريد أن تقود السيارة تجد أنك تتعب كثيراً، وقد يحصل لك بعض الحوادث وبعض الإصابات، لكن تتحمل، وبعد فترة تقود السيارة، فمثلاً: لو أعطيتك السيارة فقلت: أنا لا أعرف أن أقود السيارة ولا أستطيع، أعطوني حلاً، فإنه لا يوجد حل إلا أن تتعلم، وتقع في الخطأ، وتتحمل بعض النتائج، حتى الرياضة التي يمارسها الإنسان كالسباحة، فعندما تريد أن تتعلم السباحة لابد من أن تحاول. كذلك إذا أردت أن تزيل هذا الخجل لا يوجد وصفة طبية، أنت الذي تستطيع أن تعالج نفسك، وأن تحل لنفسك، وعندما تمارس القضية تدريجياً تجد أن هذا الخجل قد زال، وأحياناً تشعر بأنك تحتاج إلى قدر من الحياء يضبطك أكثر.

стр. 41

الاعتذار عن الدعوة بقلة العلم السؤال أنا أود الدعوة في المدرسة، لكن إذا كان الداعي ليس عنده علم كافٍ للدعوة، فكيف يدعو؟ الجواب هذا سؤال غريب جداً، فمجالات الدعوة مجالات واسعة، وعندما أطالبك أن تتصدر وتخطب، أو تحاضر، أو تؤلف، حينئذٍ نقول: لابد أن تتحدث بعلم، لكن أنت في واقع تشاهد انحرافات أمامك تعرف أنها حرام، وأنها أمور محرمة. فمثلاً: ترى الطالب في المدرسة يقع في أشياء تعرف أنها حرام، هل هذه تحتاج إلى علم؟! هذه لا تحتاج أنك تحفظ آية من كتاب الله، ثم كلام لأحد الصحابة، أو كلام لأحد التابعين وأحد السلف والإجماع، ونقل هذا الكلام فلان في كتاب كذا وكذا، لا نحتاج إلى كل هذا، نريدك أن تقول كلمة واحدة، لا تحتاج إلى علم، فهناك أحياناً مواقف ومنكرات يعرفها كل مسلم لا تحتاج إلى مزيد من العلم، صحيح أن العلم له دور، وكلما كان الإنسان عنده علم؛ استطاع أن يؤثر على الآخرين. لكن أظن أنك لن تحتاج إلى أن تملك رصيداً من العلم حتى تدعو فلاناً من الناس أن يترك هذا المنكر الذي يقع فيه، وحتى تقول لفلان من الناس: لماذا لا تفكر في تصحيح ما أنت عليه؟ وهل يصل بك الحد من الجهل إلى أنك لا تستطيع أن تفرق بين فلان أهو مستقيم أو غير مستقيم؟! فإذا وصلت إلى هذا القدر، فأنت حينئذٍ معذور. لكن أظن أن كل واحد منا يعرف هذا الشيء، فيعرف المحرمات الظاهرة، ويعرف الواجبات التي يقصر فيها الآخرين، فلا تكون هذه القضايا عائقاً. ونحن نريدك أن تدعو بالعلم الذي عندك، ولا نريدك أن تفتي بغير علم، لكن عندما أطالبك بالدعوة لا أريدك أن تعقد دروساً داخل المدرسة، ولو عقدت درساً فلن يأتيك أحد. لكن أريدك أن تنكر المنكرات الواضحة، فالآن قضية الفساد الأخلاقي نشاهدها في كل وقت، في الشارع، وفي المدرسة، وفي كل مكان، وأحياناً في الفصل، هل هناك أحد لا يعرف أن هذه قضايا محرمة؟ لا أظن أحداً بلغ به الحد من الجهل إلى أن يجهل هذه القضايا، فتستطيع أن تفرق بين فلان المستقيم وفلان غير المستقيم، هذه كلها لا تحتاج إلى علم. وقضية أني أدعي الخجل، وأن ليس عندي علم، كل هذه أحياناً حيل نفسية نحاول أن نقنع بها أنفسنا، ونتهرب بها من مسئوليات الدعوة، فالرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، وهذا خطاب لكل الناس. فأقول: يجب أن نزيل هذا الوهم من أنفسنا، ويشعر كل مسلم أنه قادر أن يدعو إلى الله . لو كان -والله- كل إنسان يشعر بهذا الواجب؛ لاستطعنا أن نصنع الشيء الكثير، ومهما بلغ الإنسان من قلة الثقافة والعلم، فهو قادر أن يقول مثل هذا الكلام، وقادر أن يصنع هذا الشيء، فهذه من وسائل التهرب من المسئولية، ومن وسائل الدفاع عن النفس فقط. ولا يعني هذا أن نهمل العلم، فالعلم ضروري ولابد منه، ولابد أن نعتني ونستغل وقت الشباب لتعلم العلم، لكن لا ينبغي أن تكون هذه عوائق وحواجز لنا عن الدعوة، وعن إنكار المنكرات، وعن نشر الخير.

стр. 42

التخصص والدعوة السؤال بعض الشباب يكون تخصصه سبباً في ضعفه في الدعوة كالتخصصات العلمية، فما نصيحتك لهم؟ الجواب ليس صحيحاً، فأنا أولاً لا أتخاطب مع الإنسان الذي يريد أن يأخذ تخصصاً علمياً لكي يشتهر، أو تكون له مكانة اجتماعية، فهذا شخص آخر ليس لنا معه لقاء، لكني أريد الإنسان الذي يختار التخصص سواء من ناحية الدراسة أو العمل وهو يشعر أنه يريد أن يخدم الأمة، فنحن في واقع حرج، وضع الأمة ووضع المجتمع لا يحتمل أننا لا نفكر إلا بمصالحنا الخاصة. فأنا أقول: ما لم يكن هم الدعوة وهم المسلمين يتدخل في تقرير قضية الدراسة، وتقرير مجال العمل، وتقرير أحياناً مجال السكن، فيشعر أن هذا المجال يحتاج، وهذا التخصص يحتاج، ويربط كل هذه القضايا بالدعوة، ويضحي ببعض المزايا، فإذا لم نصل إلى هذا الحد فلن نقدم للدعوة ما تستحق. ولهذا فأنا أخاطب الإنسان الذي يتخصص تخصصاً علمياً؛ لأنه يشعر أنه يريد أن يخدم الأمة من خلاله، وأي إنسان مهما كان حتى الرجل صاحب الحرفة اليدوية التي يمتهنها الناس يستطيع أن يخدم الأمة، لكن عندما يتقي الله، ويعي الصورة. فأنا أقول: أنا لا أريد هذا المتخصص في تخصص يأخذ عليه جزءاً كبيراً من وقته أن يصنع مثلما يصنع الآخرون، أن يقرأ ويحضر ويلقي محاضرات، ولا يعني هذا أن هذا هو الدور، وإن كان هذا دوراً مطلوباً، لكن ليس مطلوباً من كل إنسان. فأنت داخل كليتك نريد أن يكون لك دور مع أعضاء هيئة التدريس، فأنت طالب جامعي وأصبحت على قدر تستطيع أن تؤثر عليهم، وأن تحملهم أفكاراً للإصلاح والدعوة، ومع زملائك، ثم بعد ذلك في مجال العمل، نريد أن يرى الناس أن هذا المهندس وهذا الخبير إنسان فعلاً يوثق فيه، وإنسان يتحمل المسئوليات، فبدلاً من أن يأخذ الموقع إنسان يجعله فرصة أن يأخذ رشاوى، ويستفيد هنا وهناك، نريد أن يوجد إنسان عفيف فعلاً، يثبت للناس أن الناس الأخيار هم الأولى بمثل هذه الأمور. أنا أقول: يستطيع مهما كان ولا يشغله، لكن هذا الوهم نتصوره عندما نقارن أنفسنا بجهود الآخرين، يا أخي! لا تقارن نفسك بجهود الآخرين، فأنت لك ظروف معيشية معينة، أو ظروف دراسة، أو ظروف سكن، ومهما كانت الظروف الاجتماعية أقلم نفسك على هذه الظروف، واسع إلى خدمة الدعوة من خلال هذه الظروف، وهذا الجو، وهذا المحيط الذي تسعى إليه.

стр. 43

كيفية التعامل مع المدرس الشيعي السؤال يدرسني في المدرسة مدرس شيعي، ويأتي بعض الأحيان بأمور مخالفة، فكيف أتعامل معه؟ الجواب يقولون: ثبت العرش ثم انقش، فالأصل أن الرافضة لا يتولون هذه المقامات، فيجب أن يكون عندنا ولاء، وأن نساهم نحن في علاج مثل هذه المشاكل، فهؤلاء الرافضة يعتقدون أنكم كفار، ودماءكم مباحة، والرافضي يعتقد أن مالك إذا ظفر به بصورة أو بأخرى فهو حلال له، لكن يعطي الخمس لأحد طواغيته الذين يسمونهم الشيوخ، والباقي له، ويعتقدون أن أهل السنة كلهم أولاد زنا. المهم أن موقف الرافضة من أهل السنة موقف يجب أن نوضحه للناس جميعاً، وأريدكم أن تقرءوا كتاباً يعكس صورة، ولا يعطي كل المعلومات حول هذا، وهو كتاب جيد: (برتوكولات آيات قم حول الحرمين الشريفين) يعطيك صورة فعلاً للنظرة والعقلية التي يفكر فيها الرافضة، فنحن في وادٍ وهم في وادٍ آخر. فأتصور أننا عندما نعرف هذه القضايا تهون عندنا بعض المخالفات، لكن مهما كان لا يجوز أن نرضى أن هذا يتجرأ ويسب أصحاب النبي ﷺ ، ولا يوجد رافضي إلا ويسب الصحابة، ولو قال لك غير ذلك فهو يقول لك خلاف ما يبطن. ولا يليق أبداً في بلد التوحيد وعند أهل التوحيد أن يأتي هذا الرافضي ويسب أصحاب النبي ﷺ ، وإذا وقع في شيء من هذا يجب أن ننكر، ويجب أن نقف، ونطالب بوضع هذا الرجل عند حده، إما ألا يتكلم في هذه الأمور، أو أن يوضع عند حده، ونقدم شكوى إلى الإدارة أو إلى المحكمة أو إلى هيئة الأمر بالمعروف، ولو جاء واحد وسب أباك وأهناك ستذهب تشتكي وتطالب، ويعزر ويؤدب. فيا أخي! أصحاب النبي ﷺ أحب إلينا من آبائنا، ولا يوجد رافضي -خاصة في هذا العصر- إلا ويعتقد أن أبا بكر وعمر هما الجبت والطاغوت، والكثير منهم يعتقد كفرهما، وهذا محب الدين الخطيب لما تناقش مع أحد الرافضة في الأزهر، قال له: هل أنتم تعتقدون إمامة أبي بكر وعمر أجبني بدون تقية، قال: ما تحت هذه القبة رجل يعتقد الإسلام في أبي بكر وعمر فضلاً عن أن يعتقد إمامتهم. فأنا أقول: لا ينبغي أن يسمح لهؤلاء -فعلى الأقل وأضعف الإيمان- أن ينشروا ما عندهم. وعندما يتجرأ أحدهم ويقول مثل هذا الكلام لا ينبغي أن نسكت، ولا يليق أبداً أن يكون لهؤلاء صوت في بلد التوحيد وبلد الحرمين، فالكلمة ليست هنا إلا لأهل التوحيد وأهل المنهج الحقيقي.

стр. 44

الازدواجية في صحبة الأخيار والأشرار السؤال يسأل هنا عن الشاب الذي يعيش ازدواجية في صحبته للأخيار وصحبته للأشرار. الجواب غالباً مثل هذه الحالة يتجاذبها جانبان: جانب خير يدفعه إلى أن يصاحب الأخيار، وجانب شر وميل للشهوات يدعوه إلى مصاحبة السيئين، فهو لما غلبه. فعندما نجد مثل هذا الشاب عندنا وسيلتان: أولاً: أن نقوي إيمانه، ونقوي جانب الخير فيه؛ حتى يتخلى ابتداءً عن أولئك. ثانياً: أن نحرص عليه، ونحرص أن نجلس معه، ونبقى معه، فبدل من أن يجلس في المدرسة يأكل مع فلان وفلان من السيئين، لا نجلس نلومه، ونجلس نقول له: فلان يذهب مع السيئين، فالحل العملي أني أذهب أنا وإياه، فنشكل له حماية بصورة أو أخرى غير مباشرة من الناس السيئين. فأقول: أمامنا وسيلتان لعلاج هذه الظاهرة: الأولى: تقوية إيمان هذا الشاب؛ حتى يصبح فعلاً يمقت أهل الشر. الثانية: محاولة ملء وقته ومصاحبته؛ حتى لا يبقى بعد ذلك وقت لأولئك. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 45

درس في العفة العفة عن الفاحشة والابتعاد عن المعصية خاصة مع توفر الدواعي وسهولة الوصول إليها وانتفاء الموانع فضيلة عظيمة تجعل المرء ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد ضرب سيدنا يوسف ﵇ أروع الأمثلة في ذلك حين راودته امرأة العزيز عن نفسه وغلقت الأبواب وتهيأت له.

стр. 46

أعمال ميدانية في الدعوة إلى الله الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فهذه هي المحاضرة الثانية من الدروس التربوية التي اتفقنا أن تكون بمشيئة الله أول أحد من كل شهر، وبين يدي في الواقع بعض الأمور التي أود أن أشير إليها قبل البدء في المحاضرة، منها: أننا اقترحنا بعض البرامج في المحاضرة السابقة، وأفادني بعض الإخوة أنهم طبقوا بعض هذه البرامج، منها ما وردتني رسالة من أحد الإخوة قال: أولاً: وزعنا مجموعة أشرطة أو كتيبات فكانت ردة الفعل جيدة جداً بل ممتازة وجمعيهم يدعون للمهدي ويشكرونه ولم يشذ إلا واحد وضعها فوق لوح السبورة. فهذا يذكر أن جميع طلاب الفصل عندما وزعت عليهم هذه الأشرطة شكروا وقدروا وأنهم كلهم استجابوا ما عدا شخصاً واحداً وضع هذا الشريط فوق لوح السبورة. ويقول أيضاً: إنه كلم بعضهم عن بعض بالقضايا الأخلاقية التي كانت منه سراً فأبدى تجاوباً ملحوظاً وبعضهم كلم في المرة الأولى فلم يستجب فلما كلم مرة أخرى أبدى استجابة كبيرة جداً. وأيضاً يقول: إنه جمع مبلغ مائة وعشرين ريالاً من أربعة أشخاص في الفصل واشترى بعض الكتيبات والأشرطة للفصل. على كل حال أشكر الإخوة الذين قدموا هذا الشيء ونسأل الله أن يجعل عملهم خالصاً لوجهه، وفي الواقع ذكر لي أكثر من واحد من الإخوة أنهم طبقوا هذه الطريقة وكانت ناجحة، وأنا أذكرها من باب حث الإخوة جميعاً على المساهمة، فإن الأخ عندما يرى غيره قد عمل وقد كان لعمله نتيجة وثمرة فإن ذلك يدعوه لا شك إلى أن يعمل أكثر، فعندما يطرح اقتراح محدد يعطي دافعاً، لكن أن تعرض تجربة عملية قد طبقت فهذا يعطي دافعاً أكبر. ومن هنا فأنا أحث الإخوة جميعاً على أن يحرصوا على ما يطرح من برامج أو أن يبتكروا برامج، وكذلك أحثهم على تزويدنا ببعض هذه النتائج مما له أثر طيب حتى تقرأ على الإخوة الحاضرين فيتشجعوا ويشعروا بأن هذه الأمور سيكون فيها إن شاء الله خير كثير. هذا الدرس سنركز فيه على قضايا الشباب، ولكن هذا لا يعني أن نقتصر عليها وحدها؛ ولهذا رأينا أن يكون اسم هذه السلسلة: دروس تربوية. وبين يدي مجموعة من الموضوعات تكاد تكون متكاملة وهذا لا يعني أنني أستغني عن مواصلة الإخوة ومشاركتهم لي بما لديهم، فلدي موضوع بعنوان: حتى نستفيد من خطبة الجمعة، وموضوع بعنوان: حصاد الأفلام، وموضوع بعنوان: سد ذرائع الفاحشة، وموضوع بعنوان: إذ تلقونه بألسنتكم، وموضوع: الشباب والمشكلات، وموضوع: عدم الثقة بالنفس، وموضوع: من آفات النجباء، هذه كلها موضوعات تكاد تكون شبه متكاملة، لكني أطلب من الإخوة أن يواصلوني ويعطوني مما لديهم من أفكار أو معلومات، وخاصة في الموضوعين الأولين: حتى نستفيد من خطبة الجمعة، وموضوع: حصاد الأفلام، فلدي رصيد طيب من المقالات والإحصائيات وغيرها، لكن إذا كان أحد من الإخوة لديه أي معلومات حول الموضوع أو مقترحات فيزودنا بها؛ لأن المقصود هو فائدة الجميع. وكذلك أيضاً إذا كان أحد الإخوة يقترح موضوعاً معيناً أو بعض الأفكار التي يرى طرحها ولو ضاق عنها هذا الدرس فإننا يمكن أن نطرحها في محاضرة أخرى، أو يستفاد منها في مناسبة أخرى. هذا الموضوع التي سنتحدث عنه هو درس في العفة، وفي الواقع إن من أشد ما يعاني منه الشباب -خاصة في هذا العصر- مشكلة الشهوات، ومشكلة هذه الشهوة العارمة مع انتشار بواعث الفتنة والمثيرات وتنوعها وكثرتها، وفي خضم مثل هذه المثيرات وهذه الفتن يبقى الشاب صريعاً بين وازع الخير والإيمان والتقوى الذي يدعوه للعفة والمحافظة وبين الاستجابة لنفسه الأمارة بالسوء وهذه الغرائز. وهذا الموضوع لي معه قصة قديمة: فقد كنت ألقيت محاضرة قبل سنوات بعنوان: الشباب والشهوة، ثم بعد ذلك أصدرت كتيباً وكان عنوانه: أخي الشاب كيف تواجه الشهوة، وبعد أن أصدرت هذا الكتيب وردت إلي رسائل كثيرة جداً، رسائل بريدية وأحياناً مكالمات هاتفية من كثير من الشباب يعرض مشاكل كثيرة حول هذا الموضوع مزعجة، ومنها رسائل أتتني من خارج المملكة، أما من خارج مدينة الرياض فهي كثيرة جداً ويكاد يكون بمعدل رسالة أو رسالتين أسبوعياً منذ أن صدر الكتاب إلى الآن، وأحرص أن أرد على كل رسالة ترد إلي ولو تأخرت في ذلك، ولكن في الواقع هذه الرسائل وتواليها أعطاني شعوراً بأن الموضوع ذو أهمية، وما كنت أظن أنه سيبلغ هذا الصدى وهذا الأثر عندما طرقته مما يشعر بأن الشباب لا يزالون يحتاجون وأن الشباب فعلاً يعانون من هذه المشكلة. وهناك رسائل مؤثرة ومؤلمة في الواقع ولكن المشكلة أن الكثير من الشباب عندما يبعثون لي بالرسالة يقول: أرجو أن لا تقرأ هذه الرسالة في محاضرة أو تذكرها في كتاب، مع أني لو قرأت جزءاً منها فإنني لن أشير من قريب ولا بعيد إلى واقع مثل هذا الشاب، لكن من حقه علينا ما دام قد طلب منا هذ

стр. 47

عوامل إغراء سيدنا يوسف ﵇ بامرأة العزيز أما عوامل الإغراء: فنحن عندما نتأمل هذه القصة وحتى نعرف الثبات الذي ثبته يوسف ﵇، وحتى نعرف كيف كان هذا ابتلاءً لنبي الله لا بد أن نتصور ونعيش جو القصة ونتصور عوامل الإغراء والإثارة التي كانت موجودة لدى يوسف ﵇، وهي عوامل يستطيع كل واحد منا أن يتصورها عندما يقرأ القصة ويتخيلها في ذهنه، وقد أشار الحافظ ابن القيم ﵀ إلى عدة أمور أوصلها إلى ثلاثة عشر كلها كانت وسائل تغري وتثير وتهيج الفتنة لدى يوسف ﵇ في مثل هذا الموقف. أولها: العامل الطبعي، يعني: أن الرجل يميل إلى المرأة أصلاً، وكل الرجال -إلا من شذ- عنده هذه الشهوة. العامل الثاني: كونه شاباً، ولا شك أن الشهوة عند الشاب تكون أكثر توقداً منه عند غيره، ومع زيادة الشهوة عنده فقدرته على ضبط نفسه وعلى الانتصار على نفسه أقل من قدرة غيره، ومن هنا تكون الصعوبة أكثر. وتعرفون أنتم أن يوسف ﵇ رمي وهو صغير، ثم بعد ذلك أخذ رقيقاً وهو لا يزال غلاماً حتى قال الله : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٢ - ٢٣] المهم أنه لا يهمنا الآن كم كان سن يوسف لكنه كان ولا شك قريباً من العشرين يزيد عنها قليلاً أو ينقص عنها قليلاً، المهم أنه في زهرة الشباب التي تشتد فيها هذه الشهوة. العامل الثالث: أنه كان أعزب لم يتزوج بعد، ولا شك أن هذا أيضاً أمر له أهميته، فالمتزوج قد يسر الله له طريق الحلال والطريق الشرعي، فلو أثاره ما أثاره فأمامه المصرف الشرعي، أما هذا الشاب الذي لم يتزوج بعد ولم يحصن نفسه فإنه أكثر عرضة للوقوع في المعصية من غيره. ومن هنا أمر النبي ﷺ الشباب فقال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). العامل الرابع: كونه في بلد غربة، فالإنسان عندما يكون غريباً بعيداً عن أهله فإن هذا يدعوه أن يمارس ما يمارس خاصة عندما يتركهم وهو في سن الطفولة، فليس هناك وازع يمنعه. فوجود الغربة لا شك أنها تدعوه إلى أن ينطلق وينفلت من هذه القيود التي قد تقيده وتحجمه، وكما نشاهد الآن أن المرء إذا اغترب عن بلده أصبح أكثر عرضة للانفلات والضياع منه عندما يكون عند بني قومه وأهله وعشيرته. العامل الخامس: أن المرأة ذات منصب وجمال، أما كونه ذات منصب فهذا واضح، وأما كونها ذات جمال فقال ﵀: إن العادة في مثل العزيز أن لا يتزوج إلا امرأة ذات جمال. العامل السادس: كونها غير ممتنعة ولا أبية، فإن مما يصد المرء أحياناً عن مواقعة المعصية أن تتمنع المرأة وتأبى، وهي هنا غير ممتنعة. العامل السابع: أنها طلبت وأرادت وراودت وبذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وبذل الرغبة، فهي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب فيه، فإن الشاب مثلاً قد تدعوه الشهوة إلى أن يواقع المعصية لكن أمامه عقبة، وعندما يتجرأ فيصرح برغبته ويطلب ذلك فإنه يقابل عقبة قد تكون كبيرة، وقد تكون حائلاً دون مواقعة المعصية، أما الآن فقد زالت هذه العقبة، بل المرأة قد أبدت رغبتها وصرحت وراودته ودعته وتجاوز الأمر إلى قضية التهديد والوعيد له فاجتمع له الترغيب والترهيب كما سيأتي. فحينئذ حتى ولو كان الشاب ليس لديه رغبة ابتداءً فإن مثل هذا الموقف يثير الرغبة لديه. العامل الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى أذاها إن لم يطاوعها فاجتمع له الرغبة والرهبة. العامل التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه لأنها الراغبة، فالمرء قد يترك المعصية لا خوفاً من الله إنما يخشى من الفضيحة ويخشى من نتائج المعصية في الدنيا، أما الآن فهو لا يخشى فالمرأة هي الراغبة وهي الداعية، فحينئذ يكون في أمان من أن يفتضح ويشتهر أمره. العامل العاشر: قربه منها وكونه مملوكاً لها مما يورث طول الأنس. فهو مملوك يقابلها كل يوم ويلقاها ويخدمها ويدخل عليها في أحوال لا يدخل عليها فيها غيره، بل لا شك أن هذا يدعوه إلى أن يرى منها ما لا يرى منها غيره وهذا يكون أدعى إلى أن تثور لديه الرغبة، بخلاف من يلتقي بفتاة لأول مرة أو يرى صورة عارية لأول مرة. العامل الحادي عشر: استعانتها بأئمة المكر والاحتيال وهن النساء، فإن النساء عندما كدنها: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف:٣٠ - ٣١] فهي هنا استعانت عليه بالنساء وهن أئمة المكر والاحتيال، بل منهم من قال: إن كيد المرأة قد فاق

стр. 48

وقفة مع ما ذكر في القرآن من هم يوسف بامرأة العزيز هناك وقفات حول القصة: وهي قضايا تحتاج إلى أن نوضحها ونقف حول ما ذكره المفسرون في هذه القصة ثم نعود بعد ذلك إلى قوارب النجاة والأمور التي استمسك بها يوسف ﵇ فنجا. أولاً: يقول الله : ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فهنا ذكر الله في كتابه أن يوسف هم بالمرأة. أما كونها همت به فهذه قضية واضحة لا إشكال فيها، ولكن الإشكال هنا أن يوسف ﵇ هم بالمرأة، فما معنى الهم هنا؟ أقوال المفسرين كثيرة حول هذه القضية نشير إليها بإيجاز، ثم نختار بعد ما يظهر أنه يليق بمقام أنبياء الله. هناك مقدمة لا بد منها، وهي: أننا نعتقد نزاهة أنبياء الله ونزاهة يوسف ﵇، ويوسف ما عرضه الله في هذه القصة؛ إلا أنه نموذج ومثل يحتذى، ولا ينبغي أن ننساق وراء الأقوال التي يذكرها بعض المفسرين والتي كثير منها منقول عن بني إسرائيل، وفيها أحياناً اتهام ليوسف، وفيها كما قال سيد قطب ﵀ تصوير لا يليق بنبي الله يوسف وقد أسرف بعض من تحدث في هذه القصة وأطال في ذكر الإسرائيليات أحياناً لا تليق بمقام أنبياء الله: ومن ذلك ما يذكره بعضهم أن أحدهم دعته أعرابية فامتنع فرأى يوسف في المنام فقال: من أنت؟ فقال: أنا يوسف الذي هممت وأنت لم تهم، فكأن مثل هذا يجعل نفسه أفضل وأعلى من منزلة يوسف ﵇، ومن أجمل ما قيل فيها ما قاله شيخ الإسلام، قال: هب أن يوسف قال هذا الكلام في اليقظة فإنه يقوله تواضعاً كما يقول المرء: فلان خير مني، ويقول: أنا ظالم لنفسي وأنا مقصر، ولكن مهما كان لا يمكن أبداً يكون مثل يوسف ﵇. المهم: أننا عندما نقرأ في التفسير سواء حول هذه القصة أو غيرها يجب أن لا ننساق وراء بعض الإسرائيليات أو الروايات، وعلينا أن نقرأ مثل هذه الأمور ونتعامل معها بروح التقدير واعتقاد العفة والمنزلة العالية لأنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه. هنا قيلت أقوال كثيرة منها: أنه هم بهذه السيئة ولم يعملها حين حدثته نفسه لكنه لم يعمل ذلك، والنبي ﷺ قال: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة كاملة) وقالوا: فالهم هنا مثل الصائم يرى الماء البارد فهو يحدث نفسه أن يشرب الماء البارد لكنه لا يقدم على ذلك؛ مخافة من الله ، وقالوا: فهذه حسنة يثاب عليها كما قال النبي ﷺ : (إن الله كتب السيئات والحسنات فمن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة). ويقول شيخ الإسلام: إن الله لم يذكر عن أي نبي من أنبيائه أنه وقع في معصية إلا وذكر أنه تاب منها واستغفر منها فهو هنا لم يذكر أن يوسف تاب واستغفر، وهذا دليل على أنه لم يقع منه أي معصية. القول الثاني: قالوا: أنه هم بضربها. القول الثالث: أنه حدث نفسه أن تكون زوجة له، فإنه لما رأى جمالها ومنصبها قال: ماذا لو كانت هذه زوجة لي. الذي يقول هذه الأقوال يعتقد أن يوسف ﵇ بعيد عن كل هذه الأمور ويحاول أن يدافع عنه وينزهه، فيحاول أن يجد مخرجاً يلجأ إليه. وهناك قول آخر ذكره أبو حيان واختاره الشنقيطي في أضواء البيان وأطال في استظهار هذا القول، قال: إن يوسف لم يقع منه الهم أصلاً؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] و (لولا): حرف امتناع لوجود، فهو هنا قد امتنع منه الهم؛ نظراً لأنه رأى برهان ربه، وكأن الكلام فيه تقديم وتأخير فيكون: ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، مثل قول الله : ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:١٠] فهي لم تبد به أصلاً لأن الله ربط على قلبها، فحينئذ يقول: إن يوسف لم يهم أصلاً لأنه رأى برهان ربه، وهو قول له وجاهته كما ذكر أبو حيان وكما ذكر الشنقيطي ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى أضواء البيان. وفعلاً: عندما تتأمل في هذا القول تجده قوياً ووجيهاً فهو نظير قول الله : ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:١٠]، فهي لم تبد به أصلاً؛ لأن الله قد ربط على قلبها وحينئذ يكون يوسف ﵇ لم يهم؛ لأن قد رأى برهان ربه. ولو لم يصح هذا القول فإن القول الآخر الذي لا ينبغي خلافه هو أن يوسف ﵇ حدثته نفسه كما تحدث نفس الإنسان في أي معصية لكنه لم يفعل شيئاً. أما ما يذكرونه من أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم رأى صورة يعقوب ثم أقدم، ثم رأى كفه ثم أقدم، حتى دفعه جبريل بيده كما قال سيد ﵀، قال: يخيل يوسف قد بلغ منه الشهوة والاندفاع لحد أنه لا يمتنع حتى يدفعه جبريل ﵇، هذه قضية أب

стр. 49

معنى البرهان الذي رآه يوسف ﵇ الوقفة الثانية: ما المقصود ببرهان ربه: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤]؟ ذكر المفسرون أقوالاً كثيرة منها: أنه رأى صورة يعقوب عاضاً على أنامله. منها: أنه رأى كف يعقوب. منها: أنه رأى آية: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، ومنهم من قال: إنه رآها مكتوبة على جبهتها وقيل: رآها مكتوبة على الحائط وقيل: إنه خرجت له كف مكتوب فيها: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) ثم لم يمتنع، ثم خرجت له كف مكتوب فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] ولم يمتنع حتى جاء جبريل ودفعه، وهذا كما قلنا لا يليق أبداً بحال يوسف ﵇. منهم من قال: إن جبريل دفعه بيده حتى هرب بعد ذلك. ومنهم من قال: إنه كان هناك صنم في الغرفة فجاءت تغطيه، فقال: لماذا؟ قالت: أستحي من إلهي، قال: وأنا أحق أن أستحي. على كل حال: كل هذه الأقوال ليس عليها دليل صحيح، وكلها مرويات عن بني إسرائيل، وليس لنا حاجة أن نعرف ما هذا البرهان ولو كان فيه حاجة لأخبرنا الله ، فالله أبهمه: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤]. وإنما ذكرناها؛ لأني أعرف أن هناك من يتساءل عنه، وهي قضايا كثيرة أحياناً يوقف عندها، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس:١٣] من هم أصحاب القرية؟ في قصة أصحاب الكهف مثلاً ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] ما لون الكلب وما اسمه ومن فلان؟ هذه أمور أبهمها الله فلا حاجة ولا مصلحة إلى أن نفتش عنها، ومهما ذكرها المفسرون، بل يجب أن نتعامل مع مثل هذه الآيات ومع مثل هذه القصص كما ذكرها الله في كتابه، فنقول: رأى يوسف ﵇ برهان ربه، وهذا البرهان لا يعنينا بقليل ولا بكثير، المهم أن الله وفقه وأعانه فرأى هذا البرهان. يقول ابن جرير ﵀: وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الملك، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا، ولا حجة للعذر قاطعة بأي ذلك، والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله ﵎ والإيمان به وترك ما عدا ذلك إلى عالمه. يعني: الصواب أن نقول: إن يوسف رأى برهان ربه، أما ما يروى عن بني إسرائيل فالنبي ﷺ قال: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم). قضية أخرى: قال الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف:٢٦]. نفس الكلام نقوله في الشاهد، ومن هنا: فأرى أنه ليس هنا حاجة للاستطراد في قضية الشاهد، وما قاله المفسرون هنا حول الشاهد حتى نتربى ونتعود على هذا المنهج، فهذا أمر أبهمه الله، ولم يذكر: هل هو رضيع هل هو رجل كبير هل هو القميص والمهم: أن الله وفقه ومنَّ عليه فرأى برهان ربه فأعانه الله وحفظه فرأى هذا الشاهد فحماه الله . القضية الرابعة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، ما المقصود هنا بقوله: (إِنَّهُ رَبِّي)؟ الأظهر أن قوله: (إِنَّهُ رَبِّي) يعني: العزيز، يعني: سيده، وهذا أمر كان مستعملاً عندهم فقد قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف:٥٠] ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٤١] ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢] كل هذه مقصود بها: العزيز. إذاً: فقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: إن العزيز قد أحسن مثواي وأكرمني فلا يليق أن أخونه في أهله، لكن لماذا قال يوسف ﵇ لما دعته إلى نفسها: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] فاعتذر بهذا العذر، فلماذا لم يخوفها بالله، والمانع الحقيقي الذي منع يوسف ﵇ هو الخوف من الله؟ قال شيخ الإسلام وغيره: إن المرأة هنا امرأة مستحكمة الشهوة لا تخاف الله ، فلو خوفها بالله لم ترتدع لكنه هو يريد أن يصرفها عن نفسه بأي وسيلة، فأراد أن يخوفها بزوجها فقال: إن هذا الزوج هو ربي وسيدي وأحسن مثواي وأكرمني فلا يليق بي أن أخونه في أهله، كان يظن يوسف ﵇ أن زوجها يملك قدراً من الغيرة أو عنده بقية من الغيرة فحينئذ المرأة قد لا تخاف من الله لكن عندما يخوفها بزوجها حينما يعلم عنها قد ترتدع. وهذا فيه درس أن الإنسان يصرف الفتنة عنه ولو بما دون ذلك، أي: قد يذكر فلاناً من الناس أو يحدثه أو ينصحه ويعظه بما هو دون ما ينبغي، فهو مثلاً قد لا يرتدع من خوفه من الل

стр. 50

ما يدل على براءة يوسف ﵇ أخيراً: برأ الله يوسف هنا، وهنا عدة أمور تدل على براءة يوسف ﵇: أولها: تبرئة الله له، وأعظم بها شاهدة! ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]. الأمر الثاني: الشاهد، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧] فقد برأه الشاهد هنا. الأمر الثالث: العزيز نفسه، فإنه لما حصلت القضية قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩] فهذا دليل على أن العزيز يعترف فعلاً ويرى أن يوسف بريء من هذه التهمة. كذلك المرأة نفسها قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] وفي الآية الأخرى: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]. كذلك النسوة: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف:٥٠] فماذا قال النسوة؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف:٥١]. كذلك هو نفسه ﵇ تبرأ من هذه التهمة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف:٢٣]. وأخيراً قالوا: إن الشيطان أيضاً قد شهد ليوسف بالبراءة: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣] والله : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، فقد حكم الله ليوسف بأنه من المخلصين، والشيطان قد أخبر بأنه ليس له سلطان على هؤلاء المخلصين.

стр. 51

قوارب النجاة بعد ذلك ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: قوارب النجاة. ما هي الأمور التي تمسك بها يوسف ﵇ فكانت بعد توفيق الله سبباً لحمايته ولنجاحه في هذا الابتلاء: أول أمر: الورع والخوف من الله : والخوف من الله هو العاصم بإذن الله من الوقوع في أي معصية وأي فاحشة، يقول الرسول ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - وذكر منهم قال -: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله). الإنسان قد تدعوه المغريات قد يأمن عقوبة الدنيا قد تكون هناك أمور كثيرة تدعوه إلى مواقعة المعصية، لكنه عندما يعلم أن الله مطلع عليه فحينئذ لا يمكن أن يتجرأ على هذه المعصية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣]. فإذا أردت النجاة من معاصي الله صغيرها وكبيرها فرب في نفسك الخوف من الله ، واحرص على تحصيل هذه العبادة، واحرص على أن تملأ قبلك من الخوف من الله وخشيته، حينئذ هذا أعظم رادع ومانع وحاجز للمرء عن الإقدام على معصية الله . الأمر الثاني: توفيق الله وإعانته، فإن الله قال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فإنه لو لم ير برهان ربه لهم بها. ويقول الله أيضاً في الآية الأخرى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] وتأمل هذا المعنى، فإن الله لم يقل: لنصرفه عن السوء والفحشاء بل قال: لنصرف عنه السوء والفحشاء، فكأن السوء والفحشاء صرفت عنه، وهذا أبلغ، وهو من تمام توفيق الله وحفظه له؛ ولهذا يقول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك) فحينما يحفظ الله يحفظه الله ، وأتم حفظ الله لهذا العبد أن يحفظه في أمور دينه، وأن يعصمه من الوقوع في المعصية والفحشاء. الأمر الثالث أيضاً: الفرار من أسباب المعصية، فيوسف ﵇ خشي الله وخافه، ورأى برهان ربه، ومع ذلك ما وقف بل فر، ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف:٢٥] فرأى أنه مع خوفه من الله ومع خشيته من الله ، ومع امتناعه لم يبق في هذا المقام، بل رأى أنه لا بد أن يفارق مكان المعصية وأسباب المعصية. وهذه قضية مهمة في علاج مثل هذا الداء، وهي أن ترك المرء دواعي المعصية، وأن يفعل كما فعل يوسف ﵇، حيث وصل به الأمر إلى أن يجري وتجري المرأة وراءه كل يريد أن يدرك الباب قبل صاحبه (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) فلا تثق بنفسك وتقف! بل أغلق على نفسك أبواب المعصية، وهذا من تمام اعتماد المرء على الله وتمام تخليه عن الحول والطول، وشعوره بأنه لا يمكن أن يستغني عن الله كما علمنا النبي ﷺ الدعاء: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) فإنك إذا وكلك الله إلى نفسك لا يمكن أبداً أن تنجو. وكلما ازداد المرء توكلاً على الله وأخذاً بالأسباب وتفويضاً إليه كان ذلك أولى أن يحفظه الله ويعينه. الأمر الرابع: الدعاء، دعا الله فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، سأل الله أن يصرف عنه كيدهن، وتبرأ إلى الله من كل حول وطول (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فإذا كان يوسف ﵇ لا يستغني عن توفيق الله وإعانة الله فغيره من باب أولى. فالدعاء هو سلاح المؤمن، وهو الوسيلة التي يتصل بها المرء بالله ، ومن هنا يخاطب الله عباده: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. والنبي ﷺ يقول في حدي

стр. 52

دروس من قصة يوسف ﵇ أخيراً: ننتقل إلى دروس من قصة يوسف: أولاً: ضرورة البعد عن أسباب المعصية، فيوسف ﵇ بعد أن نجح واجتاز هذا الابتلاء استبق الباب وأصبح يجري يريد أن يخرج من الباب، فلا بد أن يبتعد الشاب عن أسباب المعصية ودواعي المعصية، وهذه لعلها أن يكون لها حديث إن شاء الله في محاضرة لاحقة. الأمر الثاني: ضرورة التضحية والتحمل، لا بد أن يتحمل المرء ما يلاقيه في الدعوة إلى الله، أو ما يلاقيه في طاعة الله ، أو ما يلاقيه في البعد عن المعصية. فلا بد أن يتحمل ما يعانيه في نفسه من غليان الشهوة والتوقان إليها فيعصم نفسه ويجاهد نفسه ويتحمل، بل يتحمل الأذى الذي قد يصيبه في طاعة الله وفي ذات الله، وانظروا إلى النتيجة التي صار إليها يوسف ﵇: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٢١] مكن الله له بعد ذلك وأثابه الثواب العاجل في الدنيا: ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٧]. فنتيجة هذه التضحية ونتيجة هذا التحمل لا شك أنها ستكون بعد توفيق الله الأجر العظيم والنجاح في مثل هذا الابتلاء، وستكون النتيجة الثمرة العاجلة التي يجدها المرء في الدنيا. كذلك من الأمور المهمة: مراقبة الله ، وأشرنا إلى ذلك. أيضاً من الأمور المهمة: دعاء الله والاستعانة به. الأمر الخامس: خطورة كثرة الخلطة والخلوة، فالذي دعا امرأة العزيز إلى أن تضحي وأن تتجرأ وتدعو وتُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ هو كثرة مخالطتها ليوسف ﵇، ومن هنا فيجب أن يحذر الشاب من كثرة مخالطة من قد تكون مخالطته سبباً للوقوع في المعصية. فإذا رأى أن مخالطة فلان من الناس مدعاة لأن يقع في المعصية بصورة أو بأخرى فإنه عليه أن يتخفف من لقاءه بفلان من الناس أو على الأقل أن يحرص على أن لا يخلو به. وهذه مكابرة مع النفس وفعلاً يصل المرء فيها إلى حالة قد لا يوفقه الله ولا يعينه؛ لأنه لم يسلك أسباب التوفيق، فهو يرى مثلاًَ أن مخالطته لفلان من الناس مدعاة لأن يقع في المعصية، ومع ذلك تجده يخالطه بل قد يخلو به ويجلس معه كثيراً ويبدأ يعيش في صراع، الحل: هو أن يتخلى من مثل هذا اللقاء ومن كثرة المخالطة. الأمر السادس: عدم استغناء العبد عن الله مهما بلغ من الإيمان والتقوى والطاعة، فالله يقول عن نبيه ﷺ : ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤] فإذا كان الرسول ﷺ لا يستغني عن الله ويحتاج إلى تثبيت الله فغيره من باب أولى، ومن هنا: فمن أكبر المخاطر على العبد المطيع لله هو غروره وإعجابه بنفسه وتقواه وطاعته، فإنه عندما يعجب بنفسه ويثق بنفسه: أولاً: هذا بحد ذاته ذنب يؤاخذ عليه. الأمر الثاني: أنه عندما يعجب بنفسه يكله الله إلى نفسه فكأن هذا الإنسان الذي أعجب بنفسه يرى أنه مستغن عن الله وأن الناس الذين يحتاجون أن يدعوا الله ويسألوه الهداية هم أولئك العصاة أولئك الفساق أما هو فقد من الله عليه بالهداية، كما يقول كثير من الناس: أنا الآن الحمد لله عرفت الخير والشر وإنسان ماسك نفسي. وهي كلمة يقولها كثير من الشباب عندما تتحدث معه فنقول: لا يا أخي! لا عصمة لأحد إلا بعد توفيق الله ، فإذا كان يوسف ﵇ يحتاج إلى أن يريه الله برهان ربه وأن يصرف عنه السوء والفحشاء، فأنت مهما بلغت من الإيمان والتقوى والطاعة لا يمكن أن تصل إلى منزلة يوسف ﵇. إذاً: فهو عندما يعجب بنفسه فإن الله يكله إلى نفسه. الأمر الثالث: أنه عندما يعجب بنفسه لا يأخذ بالأسباب، فالذي يجعل مثلاً الإنسان يسلك أسباب ترك المعصية ويجتنب كل دواعي المعصية ومثيرات المعصية هو أنه يخاف وأنه لا يثق بنفسه ولا يطمئن إليها أقول: فمن نتائج الإعجاب بالنفس أن هذا الذي يعجب بنفسه لا يمكن أن يسلك الأسباب التي تبعده عن المعصية؛ لأنه يرى أنه ليس محتاجاً إلى ذلك وأنه واثق من نفسه وأنه يملك إيماناً يعصمه من مواقعة هذه المعصية. الأمر الرابع: أن هذا هو سبب أول معصية وقعت وهي معصية الشيطان، فإنه لما أعجب بنفسه أضله الله إلى يوم الدين. ومن هنا فيجب -أيها الإخوة- أن لا نثق بأنفسنا في هذه القضية وأن نتهم أنفسنا وأن نخشى من الله ونكون على وجل دائماً حتى يرى المرء اليقين، ولا يمكن أبداً أن يستغني المرء عن رحمة الله وعن توفيقه كما قال النبي ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).

стр. 53

الأسئلة

стр. 54

الاهتمام بالمرأة في الدعوة إلى الله السؤال هل تتفق معي بأن المرأة المسلمة عموماً والفتاة خصوصاً مظلومة عند دعاتنا عامة، وأنت خاصة، فالمواضيع التي تخصها قليلة، وللأسف أنها متروكة للمفسدين؟ الجواب أولاً: يعني: من الخطأ أن نطلب من إنسان كل شيء، فهذا إنسان مثلاً مطلوب منه أن يلقي محاضرات، وأن يلقي دروساً علمية، وأن يتحدث عن قضايا النساء، وأن يزور السجون ويعظ المسجونين، وأن يفعل كل شيء، ويتخيل الناس أن هذا الإنسان هو القادر على كل شيء، فإنسان وفقه الله وفتح عليه مجالاً يستطيع أن يسده فينبغي له أن يسد هذا الباب ولا يشغل نفسه بغيره، فأنا مثلاً عندي قناعة أنه ينبغي أن يكون هناك قدر من التخصص فيختص إنسان بطرق موضوعات الشباب ويتواصل معه الناس في ذلك شخص آخر يعتني بموضوعات حول الواقع ومشاكل الأمة الإسلامية شخص آخر يعتني بموضوعات المرأة وهكذا، والإنسان مهما بلغ من الطاقة والقدرة لا يمكن أن يفي بمثل هذه الطلبات، وكم أحياناً نحرج من كثير من الإخوة الذين يطلبون محاضراً ولا يستطيع الإنسان أن يلبي، فمن الخطأ أن نبدأ نحيل هذه الأشياء على الآخرين. الأمر الثاني: في النية أن أطرح موضوعاً يخص المرأة على غرار رسالة إلى شاب، ولكن نظراً لبعدي عن عالم المرأة وجو المرأة فإني احتاج إلى مزيد المواصلة حول هذا الموضوع؛ ولهذا فأنا أطلب من الإخوة ممن له زوجة أو أخت عندها معرفة بواقع النساء أن تعطينا ما تقترح من موضوعات أو من أفكار حول هذا الموضوع، نريد أن نوجه رسالة إلى فتاة غير ملتزمة على غرار الرسالة التي وجهناها: رسالة إلى شاب، وبمشيئة الله لعل هذا أن يكون قريباً. ومن هنا فأنا أؤكد على الإخوة أن يواصلوني بما لديهم من ذلك وليكن عاجلاً، الإنسان لا يمكن أن يقوم لوحده، فلا بد من التعاون.

стр. 55

دور الدعاة عملياً في مساعدة الشباب على العفة السؤال جميل جداً التحدث في هذه المواضيع من قبل الدعاة، ولكن عملياً ماذا فعل دعاة الأمة في مساعدة شبابنا على العفة، أظن الإجابة ستكون: لا شيء! فالمجلات الخليعة في زيادة والأفلام كذلك، هل تتفق معي أن دور الدعاة عملياً لا شيء في هذا الموضوع؟ الجواب لا والله لا أتفق معك إطلاقاً، هذا العدد الموجود وغيره من أين جاءوا؟ يعني: نحن صراحة عندما نتحدث عن واقع لا نفرط في التشاؤم، وماذا تريد من الدعاة أن يصنعوا، فالأمر ليس بأيديهم، الأمر بيد غيرهم، لا شك أن أقول: المجلات الخليعة والأفلام تنتشر ونحتاج على الأقل أن يفرض جزء من الرقابة المفروضة على التسجيلات الإسلامية فتوجه إلى الأفلام والمجلات الساقطة، وإن شاء الله في المستقبل لدي موضوع عن الأفلام سأعرض فيه نماذج وترون ما تقوم به هذه من أدوار سيئة، لكن ماذا تريد من الدعاة أن يصنعوا؟ لا نصنع إلا هذا الشيء، وعلى كل حال لا ينبغي أن نتهم الدعاة وحدهم، أنا أقول لك: أنت ماذا صنعت؟ فالداعية يلقي محاضرة يخطب يعطي الناس برامج إلى غير ذلك؛ لكن أنتم ماذا صنعتم؟ أنا الآن أطرح هذا الرأي فأقول: الآن الأفلام والمجلات الخليعة موجودة، فلماذا لا يتفق الآن الشباب في هذا الحي أو غيره أن يرتبوا لأنفسهم برنامجاً فيزوروا كل المحلات سواء محلات الفيديو أو محلات التموينات وينصحوا أصحاب المحلات، الآن ابدأها أنت، قابل صاحب المحل وانصحه وقل له: اتق الله، فإذا جاء الأول والثاني والثالث والرابع لا بد أن يستحي ولا بد أن يستفيد. بعض الإخوة ذكروا لي أنهم في مدينة الطائف أخذوا مجموعة من الأشرطة حول الربا وكتيباً ووزعوه على جميع الموظفين في البنوك، ويقول إنه في فرع واحد فقط من هذه البنوك انسحب ثمانية وتركوا العمل في هذا البنك، فالناس عندهم خير وعندهم استعداد. فأنا أقول: من الأشياء التي نستطيع أن نصنعها نحن أن نأتي إلى هذه المحلات ونزور أصحابها ونقول لهم كلمات يسيرة، وإن شاء الله في الدرس القادم أريد أن أقرأ بعض النتائج التي حققها الإخوة فتأتينا رسائل تقول: لقد نصحنا صاحب محل فيديو وحصل كذا وكذا، وأنا أقول هذا الأمر وأنا على أمل عظيم، فلا تيأسوا يا إخوان، وخصصوا جزءاً من وقتكم لمثل هذه الأمور، وسترون النتائج إن شاء الله مثمرة.

стр. 56

تعلق القلب بمعصية وصاحبه قدوة السؤال يتعلق القلب أحياناً بمعصية ما وهو يعرف ضررها، بل كثيراً ما يزدري نفسه بسبب تعلقها، وهو مما يظن أنه قدوة لغيره، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب إذا وقع الإنسان في معصية فذلك لا يعني أنه يحجزه عن دعوة الآخرين، بل وقوعك في المعصية لا يعفيك من المسئولية ولا من المشاركة في الدعوة، وهب أنك تقع في أي معصية فهل تتصور أن الآخرين لا يذنبون هل تتصور أن الناس لا يقعون في الذنوب؟ أنا الآن الذي تطلب مني الإجابة على هذا السؤال هل تتصور أنني معصوم؟ بل أنا أعتقد أنك خير مني وأتقى لله مني، وما من عمل أشعر أن لي أملاً فيه إلا دعوة صالحة تدعو لي بها أنت أو غيرك من هؤلاء الشباب الذين يحضرون مثل هذه اللقاءات، وأجزم أن أكثر هؤلاء أتقى وأورع لله مني، ولو كنت أفكر بهذا المنطق والله لم أقل كلمة واحدة، ولكن أهم شيء أن يقول الإنسان الكلمة وهو صادق من قلبه. وهب أنك تقع في معصية وتنهى الناس عنها فما الشأن في ذلك؟ هل وقوعك في المعصية يعني ألا تنهى الناس عنها؟! هذا فهم مغلوط لقول الله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] أو الحديث الذي ذكره النبي ﷺ ، وقد أجبنا عن هذه القضية بالتفصيل في محاضرة سابقة بعنوان: فن التهرب من المسئولية.

стр. 57

مجاهدة النفس على ترك العادة السرية السؤال إني شاب أجلس مع ملتزمين وأحب الجلوس معهم، ولكن يوجد علي بعض الأخطاء مثل فعل العادة السرية، وإني حاولت أن أتركها ولم أستطع، فبماذا توجهني؟ الجواب الحديث عنها يطول، لكن لا تترك الشباب الملتزمين ولا تترك الخير ولو وقعت فيها، فجاهد نفسك، وهي معصية تحتاج إلى مجاهدة شأنها شأن بقية المعاصي.

стр. 58

هم سيدنا يوسف قبل النبوة أو بعدها السؤال إذا كان الهم من يوسف ﵇ فقد يكون ذلك كما يحدث الإنسان نفسه بالمعصية ولكن الله عصمه وحفظه من المعصية، فيوسف ﵇ لم يكن قد أرسل بعد؛ لأن سنه لم يبلغ الأربعين سنة، فما رأيكم في هذا الكلام حفظكم الله؟ الجواب سواء كان قد أرسل أو لم يرسل فذلك لا يقدم ولا يؤخر كثيراً، وهناك من قال إنه كان قد نبئ وهناك من قال إنه لم ينبأ؛ لكن أظن أن القضية لا تقدم ولا تؤخر، المهم: أن هذه قدوة عرضها الله لنا ينبغي أن نتأسى بها.

стр. 59

التذرع للمعصية بأن يوسف عصم منها لنبوته ونحن لا نملك العصمة السؤال ما رأيكم فيمن يقول: إن يوسف ﵇ هو نبي من أنبياء الله، والله أعطاه من المزايا ما تميزه عن غيره من الناس، والله عصمه عن فاحشة الزنا، فكيف إذا كان هو كذلك ونحن البشر غير الأنبياء لا نملك تلك المزايا التي تميز الأنبياء عن غيرهم؟ الجواب أنت تملك قدرة، فالله ما أمرك إلا بما تستطيع فعله ولا نهاك إلا عما تستطيع تركه، فليس صحيحاً أبداً الاحتجاج بما ذكر في السؤال.

стр. 60

كيفية تربية الخوف من الله في النفس السؤال لقد ذكرت من قوارب النجاة تربية الخوف من الله في نفس الإنسان، فكيف أربي هذا الخوف وأزيد هذا الخوف إذا نقص؟ الجواب معرفة أسماء الله وصفاته تلاوة كتاب الله الإكثار من العبادة التفكر في مخلوقات الله التفكر في الجنة والنار كل هذه الأمور مما تربي الخوف من الله ، ومن أعظمها تلاوة كتاب الله بتدبر وتمعن.

стр. 61

رسالة تحث الآباء على تزويج أبنائهم السؤال هل من رسالة توجهها إلى الآباء حيث إن بعض الآباء لا يراقب أبناءه مراقبة جادة، فبذلك لا يحس بمعاناة أبنائه تجاه الزواج فيسارع بتزويجهم؛ وذلك لأنه متزوج ومحصن لنفسه، وكذلك بعض الشباب يخجل من مخاطبة أبيه في ذلك. الجواب أولاً: كثير من الآباء عاشوا في عصر يختلف عن العصر الذي يعيشه الشباب الآن، عاشوا في عصر محافظ عصر لم تكن المغريات فيه والمثيرات كما هو في هذا العصر. الأمر الثاني: أن الأب قد اجتاز هذه المرحلة التي يعيش فيها الشاب معاناته، فيقيس الناس على نفسه؛ ولذلك تجد أكثر الآباء يعيشون في عالم آخر غير عالم الأبناء. واسمحوا لي أن أذكر لكم ظاهرة تتكرر كثيراً: يكون الأب متزوجاً ويأتي ليتزوج زوجة ثانية، وابنه يرغب بالزواج ومع ذلك لا يزوجه ويحتج بأنه لا يجد المال. أنا لست ضد تعدد الزوجات بل أدعو وأحث على ذلك ومن كان عنده قدرة فينبغي له أن يبادر، فهذا قدوتنا النبي ﷺ فعل ذلك؛ ولكن أظن أن الابن على الأقل أولى وأنت قادر أن تتزوج وأن تزوج ابنك؛ لكن تجده يصرف على الزوجة الثانية خاصة مبالغ طائلة، ويستأجر له مسكناً جديداً ويؤثثه وابنه بغير زواج، وعندما تذكر له ذلك يقول: لا أجد. أحياناً يشتري لابنه سيارة فارهة بثمن باهظ والابن قد لا يحتاج إليها، ويمكن أن يأخذ سيارة متواضعة إلى أن يمن الله عليه وييسر له مورداً بعد ذلك، فحاجة الابن إلى الزواج أعظم من حاجته إلى السيارة كلها فضلاً عن تلك السيارة الفارهة. فلا شك أنني أحث الآباء على أن يحرصوا أن يزوجوا أبناءهم وأن يتقوا الله، فهذا من مسئولية الأب على ابنه وحتى لو لم يطلب الابن فالمفروض من الأب أو من الأم أن تفاتح ابنها في ذلك وتدعوه إلى ذلك، فإن الابن قد يستحي كما ذكر الأخ السائل.

стр. 62

دور المدرسين في دعوة الشباب إلى الله السؤال إن المدرسين لهم دور في هداية الشباب المنحرف؛ لكن لا نرى ذلك في المدرسين وخاصة الملتزمين. الجواب لا شك أن هنا تقصيراً واضحاً حول هذا الأمر -وأتهم نفسي أولاً- فالأستاذ له دور كبير في توجيه الطلاب، ومن هنا أخاطب إخواني وزملائي أن يتقوا الله في هؤلاء الطلاب الذين هم أمانة بين أيديهم، وأن يعرف المدرس أن هذا الطالب يعاني من دواعي ومثيرات الفتنة التي قد تكون في بيته، ويعيش جحيم الشهوات، فينبغي أن يكون خير معين له على الثبات، ويحرص على توجيه الطلاب وهدايتهم فلعل الله سبحان وتعالى أن يمن عليه فيهدي الله على يديه واحداً من هؤلاء، ولو تكاتف الإخوة الأساتذة الأخيار واجتهدوا فعلاً ووجهوا جهودهم في توجيه الشباب وعنايتهم لحصل من ذلك خير كثير. ولا شك أننا أيضاً لا نظلمهم ولا نبخسهم حقهم، فالكثير الآن مما نراه من هؤلاء الشباب الأخيار الكثير هم من جهود أمثال هؤلاء ولكني أقول: إن دور الأستاذ ومسئوليته مسئولية عظيمة وأمانة في عنقه تتخرج من أمامه أجيال وللأسف يأتي الطالب أمام الأستاذ قد يدرس عنده سنة كاملة أو سنتين أو حتى ثلاث سنوات ومع ذلك لم يسمع منه إلا الحديث عن الفاعل والمفعول والحال والتمييز، أو لم يسمع عنه إلا الحديث عن الدوال والمتباينات وغيرها، حتى أحياناً أستاذ المواد الشرعية قد لا يسمع منه إلا حديثاً عن أحكام وقضايا مجردة، أما أن يخاطب الشاب بواقعه أن يخاطب الشباب بمشكلاته أن يشعر هذا الطالب أن أستاذه حريص عليه أن يشعر هذا الطالب أن أستاذه يعيش مشكلاته فهذا قليل. ومهما كان الأستاذ، سواء أستاذ مادة شرعية أستاذ لغة عربية حتى مدرس التربية الرياضية فما دام أستاذاً يتعامل مع الطلاب فعليه مسئولية، وهي فرصة أن ييسر الله للأستاذ مثل هذه النعمة أنه يعمل ويأخذ مكافأة أعلى من غيره ويلتقي بهؤلاء الطلاب ويقول لهم ما يريد، ويثقون به ويقدرونه ويتلقون منه، فهي والله فرصة أن يمن الله على الأستاذ بهذه النعمة، ونعمة ينبغي له أن يشكرها، ومن تمام شكر الله على هذه النعمة أن يستعملها في طاعة الله ، وقد يحال بينه وبين اللقاء بأمثال هؤلاء الشباب، فحينئذ يتمنى أن يلتقي بهم، فأنا أنقل هذه الرسالة بدوري إلى إخواننا.

стр. 63

ما يعتقد العامة في خطوط اليد السؤال هل الخطوط التي في أيدينا الآن هن من أثر النساء اللاتي قطعن أيديهن، أرجو الإجابة؟ الجواب مشهور عند العامة أن الخطوط التي في اليد حدثت عندما قطعت النساء أيديهن، لكن هذه ليس لها أصل فلستم كلكم من نسل هذه النسوة، ومثل هذه المسائل لا ينبغي أن ننشغل بها، سواء هذه من أثر النساء أو لم تكن فهي قضية لا تقدم ولا تؤخر.

стр. 64

دور الشاب المسلم تجاه قضية التلفاز السؤال في هذا العالم وهذا العصر عصر الفتن والمزالق ما دور الشباب المسلم في بيوتهم وقضية التلفاز الذي اجتاز البيوت وانتشر في هذا البلد انتشاراً عظيماً، يدل هذا الانتشار على أشياء خطيرة، أرجو توضيح دور الشاب المسلم؟ الجواب هو دور الشاب والأب وكل إنسان أن يخرج هذا الجهاز من بيته، وتستغرب فعلاً من المنطق الذي يحتج به الآباء لبقاء هذا الجهاز، يعني: شاب عنده شهوة وعنده غريزة بمجرد أن يرى صورة المرأة تثيره، فكيف وهو يرى صورة وتتحسن وتتجمل ثم تتكسر في كلامها وتتحدث عن الحب والغرام إلى غير ذلك من الأمور المخزية التي تعلم منها شبابنا وفتياتنا العلاقات بين الجنسين وتعلموا منها الحب وتعلموا منها أموراً كثيرة كانت من نتائج هذا كله، وما يدري الأب ما يعاني أبناؤه وبناته من جراء مشاهدة مثل هذا الجهاز. فأنا أقول للآباء أولاً: لا يجوز لهم ولا ينبغي بحال أن يبقوا مثل هذه الوسائل ويتحملوا وزر أبنائهم ووزر بناتهم وكذلك الشباب أن يحاولوا بكل وسيلة أن يقنعوا آبائهم في زوال مثل هذا الجهاز.

стр. 65

كيف تحافظ المرأة على عفتها السؤال كيف تحافظ المرأة على عفتها؟ الجواب على كل حال كل ما يقال للرجل يقال للمرأة، النساء شقائق الرجال، فكل ما يخاطب به الرجل تخاطب به المرأة لكن كما هو في الكتاب والسنة يخاطب الرجال غالباً والنساء يدخلن تبعاً في ذلك.

стр. 66

توجيه النساء بالتقوى السؤال هل من كلمة توجيهية للنساء وخصوصاً ونحن بصدد قصة يوسف وامرأة العزيز التي فسخت برقع الحياء وأخذت تجري خلف يوسف ﵇، خصوصاً ونحن في هذه الأيام نواجه صنفاً من النساء يماثل امرأة العزيز في تصرفها، سواء بالمكالمات في الهاتف أو التسكع في الأسواق والشوارع؟ الجواب وصيتنا للنساء هي وصيتنا للرجال، وهي وصيتنا لكل مسلم أن يتقي الله ، ويجتنب هذه الأمور، وأن نتعاون جميعاً على علاج مثل هذه الظواهر والمشاكل، وإن شاء الله لعله أن يكون هناك حديث خاص في المحاضرة التي وعدت إن شاء الله أن أتحدث عنها حديثاً خاصاً للنساء حول ذلك. إن شاء الله سيكون اللقاء القادم، أو المحاضرة القادمة في يوم الأحد الموافق للخامس من الشهر السادس بمشيئة الله، وستكون كما قلنا بعنوان: حتى نستفيد من خطبة الجمعة. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 67

كلانا على الخير جبل الله النفوس على الطباع المختلفة والميول المتفاوتة، وعلى هذا فكل نفس تميل إلى عمل وترغب في شيء قد لا يرغب فيه الآخرون، فإذا كان الإنسان على باب من أبواب الخير فلا يحق له تحقير غيره من الأبواب ولا العاملين فيه، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى التكامل.

стр. 68

جميع أعمال الخير وخدمة الدين مطلوبة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد: فهذه المحاضرة هي امتداد للدروس التربوية التي كانت تلقى أثناء العام الدراسي، وقد وعدت أن أستأنف هذه الدروس خلال الإجازة وتكون مفرقة على المراكز الصيفية داخل الرياض وخارجها، وبمشيئة الله مع بداية العام الدراسي تعود هذه الدروس إلى مكانها وزمانها. وهذا هو الدرس الثامن وهو بعنوان: كلانا على خير، وقد اعتدت وأنا أحرص قدر الإمكان على أن يكون العنوان واضحاً، وتكون له دلالة واضحة على المضمون، حتى يعرف من يقرأ إعلان المحاضرة أو من يقرأ عنوان الشريط مضمون ما فيه، لكن هذه المحاضرة قد نحتاج إلى أن نقف وقفة يسيرة حتى نحدد موضوعها. وهذا العنوان عبارة قالها الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقد كتب إليه أحد العُبّاد يُنكر عليه اشتغاله بالعلم ويدعوه إلى التفرغ للعبادة، فكتب له مالك ﵀: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُب رجل فُتح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر. فالإمام مالك يقول لصاحبه: إن الأعمال تتفاوت، والله قسم الأعمال بين الناس، فرُب رجل فُتح له في باب ولم يُفتح له في آخر، وإن كنت أنا على طريق وأنت على طريق آخر فكلانا على خير وبر، فكل هذه الطرق تؤدي إلى المقصود والمطلوب، وحين نلقي نظرة عجلى وسريعة على الجهود المبذولة لإحياء الأمة وإيقاظ الأمة نجد أن هناك أساليب متنوعة وطرقاً شتى فتجد من عُني بالعلم وأخذ على عاتقه إزالة غشاوة هذا الجهل المتفشي في الأمة، فسلك سبيل العلم تعلماً وتعليماً ودعوة إليه، ورأى أن إيقاظ الأمة إنما يكون من خلال هذا الباب. والثاني رأى أن هذه الأمة إنما كانت خير أمة أخرجت للناس؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فسخّر وقته وجهده لإنكار المنكرات الظاهرة والعامة والخاصة فاستغرق عليه ذلك جهده ووقته، ورأى أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن يُسلك لإنقاذ الأمة، وأنه بمثل هذا العمل يدفع الله العذاب عن الناس. وثالث قد تألم لحال وواقع من استهواهم الشيطان فوقعوا في الانحراف والرذيلة، فسخّر وقته وجهده لدعوة هؤلاء وإنقاذهم من خلال وسائل وطرق وأساليب شتى، فكل وقته وجهده مسخّر لأولئك الذين ضلوا عن صراط الله وسلكوا سبيل الانحراف والغواية. ورابع قد رق قلبه للأكباد الجائعة، والبطون الخاوية، فصار ينفق من نفيس ماله، ويجمع الأموال من فلان وفلان فينفقها في أوجه الخير على الأرامل والمحتاجين، ولنشر الدعوة والجهاد، إلى غير ذلك من أبواب الإنفاق، فهذا شأنه وهذا ديدنه. والخامس قد استهوته حياة الجهاد، فحمل روحه على كفه، وامتطى صهوة جواده، فهو كما قال ﷺ : (كلما سمع هيعة لبى وطار) فيوماً تراه في المشرق، ويوماً تراه في المغرب، ويوماً تراه هنا وهناك يسعى للجهاد في سبيل الله، وأصبح لا يطرب أذنه ولا يشنفها إلا أزيز الرصاص وصوت السلاح، ورأى أن هذه الأمة أمة جهاد، وأن الجهاد هو السبيل لرفع الذل عن هذه الأمة. والسادس رأى أن هذا الدين دين الناس جميعاً فسخّر جهده لدعوة غير المسلمين. والسابع سخّر قلمه لخوض المعارك الفكرية دفاعاً عن الإسلام، ومصاولة لأعدائه، والمتحدثين زوراً باسمه، كتابة وخطابة وتأليفاً فصار يتحدث عن مشكلات الأمة، وعن قضاياها، وقد لزم هذا الثغر يواجه به أعداء الله . وآخر هؤلاء من رأى أن الأمة عدتها وأملها إنما هو في شبابها وجيلها الناشئ، فسخّر وقته لتربية الشباب، وإعدادها وتنشئتهم على طاعة الله ، ورأى أن هذا الطريق هو الذي يخرج العاملين والمجاهدين وينقذ الأمة، وهكذا ترى أبواباً من الخير، وألواناً من الخدمة لهذا الدين والدعوة له، أبواب واسعة تسع الجميع على اختلاف طاقاتهم وعقولهم وعلومهم ومداركهم وأفهامهم، فنتساءل هنا: هل نضيق ذرعاً بهذه الاجتهادات؟ أم هل نرى أن هذا من الخلاف والتنافر والخلل؟ أم أن نبحث عن طريق واحد لأن الحق لا يتعدد، وصراط الله المستقيم إنما هو واحد، والسبيل لإنقاذ الأمة سبيل واحدة واضحة! أو أن هناك منطقاً آخر من التفكير ينبغي أن نفكّر فيه هو أن هذه الجهود كلها مطلوبة، وهذه الجهود لا بد من القيام بها، فلا بد أن يقوم فلان بهذا العمل، والآخر بذاك، والثالث بالعمل الآخر، وهكذا لا بد أن ندخل جميعاً من أبواب متفرقة، ولا بد أن نسد جميعاً هذه الثغور وأن نقف على هذه الفصول، قد نستعجل فنحكم بهذه النتيجة فنقول: إن هذا هو ما ينبغي أن

стр. 69

الأدلة والمبررات لقبول اختلاف الاجتهادات فيما يقدمه المرء للإسلام من الخدمات إذاً اتفقنا نحن على أن المطلوب هو أن نقبل هذه الاجتهادات جميعاً، وأن تقوم هذه الجهود جميعاً وتتضافر، وأن يكون لسان كل واحد من العاملين لهذا الدين على أي ثغر من هذه الثغور ما قال الإمام مالك ﵀: كلانا على خير وبر. للأمور الآتية:

стр. 70

قول الله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) أولاً: يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. في هذه الآية يخبر الله أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يخرجوا جميعاً إلى الجهاد، بل لا بد أن ينفر من كل طائفة، ومن كل قوم، ومن كل قبيلة فئة يتفرغون للعلم ويتفقهون في الدين، ثم ينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم، أي أن هذه طائفة لن تنفر للجهاد في سبيل الله، ولن تخرج للجهاد إنما ستتفرغ لتحصيل العلم الذي تتفقه فيه ثم تنذر قومها، بل إن هذا مسلك غير مطلوب أن تنفر الأمة جميعاً فيترك هذا الميدان المهم، وهو ميدان تعلم العلم الشرعي.

стр. 71

اختلاف أبواب الجنة باختلاف الأعمال ثانياً: يقول النبي ﷺ : (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فإن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله، ما على من دعي من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم) وهذه رواية الإمام البخاري في صحيحه، فالحديث يخبر فيه النبي ﷺ أن هناك طرقاً ووسائل شتى، فمن الناس من يكون من أهل الصلاة، ومنهم من يكون من أهل الصيام، ومنهم من يكون من أهل الجهاد، ومنهم من يكون من أهل الصدقة فيدعى كل امرئ من خلال عمله الذي كان يعمله، ولا يعني هذا أن الذي كان من أهل الصلاة إنما كان يؤدي الصلاة المفروضة! لا، فالجميع يؤدون الصلاة الواجبة، والجميع يؤدون الصيام، والجميع يؤدون الحج، لكن أولئك الذين اشتهروا بالصلاة من خلال الاستزادة من النوافل، فصار شأنه الذي يُشتهر به ويُعرف به الصلاة، والآخر قد أقبل على الصدقة، والآخر قد أقبل على الصيام، وهكذا.

стр. 72

اختلاف الطاقات والمواهب البشرية ثالثاً: الناس معادن وطاقات ومواهب، يقول النبي ﷺ : (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) فيخبر النبي ﷺ في هذا الحديث أن الناس يتفاوتون تماماً كما تتفاوت معادن الذهب والفضة، فالمعدن مثلاً يُحصل عليه شائب يحتاج إلى تنقية فتجد أن ما تحصل عليه من هذا المعدن، قد تكون نسبة الشوائب فيه كبيرة، والآخر أقل، والآخر أكثر، وهكذا. ثم المعادن تتفاوت فيما بينها فالذهب له قيمة ليست كقيمة الفضة، والفضة لها قيمة ليست كقيمة سائر المعادن، ثم ما دون الذهب والفضة من المعادن يحتاج إليه فيؤدي، أدواراً لا يمكن أن تؤديها الذهب والفضة، فيستفاد من هذه المعادن في صناعات وأمور لا يمكن أن تغنينا عنها الذهب والفضة، فكل هذه المعادن مطلوبة جميعاً، وكذلك الناس يتفاوتون، وكما قال الله : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. وكما أن معادن الناس وطاقاتهم وقدراتهم تختلف فكذلك تربيتهم، فمثلاً إنسان ولد في بادية ونشأ فيها وعاش فيها، والثاني عاش في قرية، والثالث عاش في مدينة لا شك أن منطق وتفكير هذا وشخصيته وعقليته تختلف عن منطق وتفكير الآخر، تختلف عن الثاني والثالث، وهكذا، إنسان عاش في عصر معين وآخر عاش في عصر آخر عاش في بيئة معينة تحكمها عادات اجتماعية وظروف اجتماعية أو اقتصادية معينة، لا بد أن تكون له طبيعة خاصة، وعقلية خاصة، أنت ترى مثلاً الآن أن أهل هذه البلاد يختلفون عن أهل تلك البلاد، يختلفون عن أهل البلاد الأخرى تبعاً لتربيتهم وظروفهم وحياتهم. إذاً: فالناس يختلفون في معادنهم وقدراتهم واستعداداتهم ابتداء، ويختلفون أيضاً من ناحية تربيتهم وتنشئتهم والظروف التي يعايشونها، وقد كان السلف كذلك يتفاوتون فيقول ابن المبارك: رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي رواد وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبا حنيفة ما رأيت في الفقه مثله. وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة أبي بكر بن أبي شيبة أحفظهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له

стр. 73

وجود الاختلاف في الخير بين الصحابة رابعاً: عندما نتأمل في سيرة أصحاب النبي ﷺ نلمس هذا واضحاً، فالنبي ﷺ يقول: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة). الآن النبي ﷺ يصنف لنا أصحابه، فمثلاً أبو بكر هو أرحم الأمة، وقد كان رجلاً رقيقاً، أما عمر ﵁ فقد كان فيه حدة وشدة، فكان أشد الناس في أمر الله ، ثم هذا أعلمهم بالفرائض، وذاك أقرأهم للقرآن، وهذا أعلمهم بالحلال والحرام، إلى غير ذلك من أبواب الخير. فهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ يتفاوتون، فكل شخص له ميدان ومجال يؤدي فيه دوراً لا يمكن أن يؤديه الآخر، فمثلاً معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام هذا لا يعني أنه أفضل من أبي بن كعب مثلاً، وأبي بن كعب أقرأ الأمة ولا يعني هذا أنه أفضل من معاذ، لأن معايير التفضيل معايير أخرى، وحتى تتضح لك الصورة أكثر فإن أبي بن كعب أقرأ الأمة لكتاب الله كما قال النبي ﷺ ، فهل يعني هذا أنه أفضل من عمر؟ لا، قطعاً ليس أفضل من عمر، وكذلك ليس أفضل من أبي بكر الصديق ﵁. زيد بن ثابت ﵁ حينما جيء به إلى النبي ﷺ وكان فتى نابغاً فقرأ وحفظ فأُعجب النبي ﷺ بموهبته فأمره أن يتعلم السريانية لغة اليهود فتعلمها ﵁ قيل حدقها في سبعة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً، الآن زيد بن ثابت ﵁ هنا قضى وقتاً في تعلم هذه اللغة، ولا شك أنه قد يأتي قائل يقول: إن هذا الوقت الذي يقضيه في تعلم اللغة يمكن أن يقضيه في قراءة القرآن، وقراءة القرآن أفضل، أو في حفظ حديث الرسول ﷺ ، أو في الجهاد في سبيل الله أو غير ذلك، لكن هذا باب خير لا بد أن يُسلك، ومجال لا بد أن يُسد لهذه الأمة، فتصدى زيد ﵁ لهذه المهمة، والنبي ﷺ هاهنا أعطانا درساً أن كل ميدان من الميادين، وكل مهمة من المهمات يجب أن يقوم في هذه الأمة من يتولاها، وقد تكون مفضولة كما سيأتي لكنها بالنسبة له قد تكون أفضل من غيرها. علي ﵁ سئل عن أصحاب محمد ﷺ ؟ فقال: (عن أيهم تسألوني؟ قالوا: عن ابن مسعود قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى به علماً. قلنا: أبو موسى؟ قال: صُبغ في العلم صبغة ثم خرج منه. قلنا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد ﷺ بالمنافقين. قالوا: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علماً عجز عنه. فسئل عن نفسه؟ فقال: كنت إذا سألت أُعطيت، وإذا سكت ابتديت).

стр. 74

خالد بن الوليد يمنعه الجهاد عن كثير من القراءة نريد أن نقف الآن عند نموذجين من أصحاب النبي ﷺ : خالد بن الوليد ﵁، وأبو ذر خالد بن الوليد أثنى عليه النبي ﷺ وله مناقب، فقد أخبر ﷺ أنه سيف من سيوف الله، ونعم أخو العشيرة، ويقول عمرو بن العاص ﵁: ما عدل بي رسول الله ﷺ وبـ خالد في حربه أحداً منذ أسلمنا. أي أنه كان لا يقدم عليهما أحداً، والحديث رواه الطبراني. وخالد ﵁ كما في الصحيحين احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ، وفي غزوة حنين جاء النبي ﷺ يتخلل الناس يبحث عن خالد ﵁ فنفث في جرح كان قد أصابه، وهذا الحديث في المسند. خالد هو الذي يقول عبارته المشهورة: ما من ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب بأحب إليّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية من المهاجرين أصبّح فيها العدو. وهو القائل: لقد شهدت زهاء مائة زحف، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة من سيف وطعنة من رمح إلى آخر الحديث. خالد ﵁ يقول قيس بن أبي حازم عنه: سمعت خالداً يقول: منعني الجهاد كثيراً من القراءة. ذكره الحافظ في المطالب بلفظ: لقد منعني كثيراً من قراءة القرآن الجهاد في سبيل الله، وقد رواه أبو يعلى والهيثمي وقال فيه: رجاله رجال الصحيح. إذاً خالد بن الوليد ﵁ في هذه المناقب وهذه الفضائل وصار سيفاً من سيوف الله، وهو الذي أطفأ الله على يديه نار المجوسية في العراق، وكان له دور كبير أيضاً مع الروم في غزوة اليرموك، وقبل ذلك كان له دور في تأديب المرتدين، ومع ذلك لا تكاد تجد فتوى لـ خالد ﵁، ويندر أن تجد له قولاً في تفسير آية من كتاب الله ، بل إنه قد قال: (لقد منعني الجهاد كثيراً من قراءة القرآن) ويروى أن سبب هذه المقولة أنه صلى بهم إماماً فأخطأ في قراءته، فها هو مثلاً خالد ﵁ قد نبغ في هذا الميدان وبرز في هذا الميدان، ولا شك أنه قد فاته ما حصّله أُبي بالقراءة، وما حصّله معاذ بعلم الحلال والحرام، وما حصله ابن عباس بالتأويل وفقه الكتاب، وما حصّله سائر أصحاب النبي ﷺ من سائر أبواب الخير، ولكن هذا لن ينقص شأنه ومكانته وفضيلته.

стр. 75

أبو ذر قوال للحق ضعيف في الإمارة أبو ذر ﵁ يقول عنه الذهبي: كان أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد ﵌، وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان رأساً في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوّالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم على حدة فيه. أبو ذر ﵁ إمام في الزهد وهذا لا يخفى، وكذلك كان مشهوراً بقول الحق، وقد أوصاه النبي ﷺ يقول: (أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، وأن لا أسأل أحداً شيئاً، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مراً، وأن لا أخاف في الله لومة لائم). أبو ذر ﵁ له عبارة مشهورة رواها البخاري تعليقاً، والقصة بتمامها عند أبي نعيم في الحلية: أنه أتاه رجل وهو جالس عند الجمرة الوسطى وهو يفتي فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه وقال: (أرقيب أنت عليّ؟ لو وضعتم الصمصامة على هذه -يعني السيف- وأشار إلى رقبته، فاستطعت أن أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجهزوا عليّ لأنفذتها) وهذه العبارة مشهورة وقد أوردها البخاري في كتاب العلم تعليقاً. إذاً فهو ﵁ كان إماماً في الزهد، وكان قوّالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، عنده استعداد أن أن يقول الحق حتى لو وضعوا السيف على رقبته واستطاع أن يقول في هذه الفرصة كلمة سمعها من النبي ﷺ لقالها ﵁، وورد من الثناء عليه أنه أصدق الناس لهجة ﵁، ومع ذلك يقول النبي ﷺ له: (إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على مال يتيم) فمع هذه الفضائل له، إلا أن النبي ﷺ ينهاه أن يتأمر على اثنين، وأن يتولى على مال يتيم؛ لأنه لا يصلح لذلك كما قال النبي ﷺ . الآن هنا كون أبي ذر ﵁ لا يتولى هذا المقام، أو لا يصلح لهذا الميدان هل يعني أنه قد أفلس من كل المقومات؟ وهل يعني أن أبا ذر ﵁ لم يعد مؤهلاً أن يقدم خيراً للمسلمين؟ لا، فليس هذا هو المقياس، إن المقياس مقياس آخر، فلكل ميدانه.
следующие страницы →