Полный текст (1 904 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
علاج مرض النسيان
السؤال
أنا شاب أعاني من مرض النسيان، بحيث إذا حفظت آية أو حديثاً فسرعان ما أنساه، فذهبت إلى الصيدليات، فلم أجد عندهم الدواء لهذا المرض، والآن أتت صيدلية الدويش إلى منطقة الأحساء، فأرجو منك إعطائي دواء لهذا المرض؟
الجواب
نحن نعرف أن الصيدلية كلها يصعب أن تأتي، على كل حال لست بالصيدلي، لكنه كما قال الشافعي في وصيته: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي وحين جاء الشافعي إلى الإمام مالك ليطلب العلم عنده، فتفرس في وجهه، قال: إني أرى في وجهك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية.
وقيل للإمام مالك: هل شيء يصلح الحفظ؟ فقال: إن كان فإنه ترك المعصية.
فتقوى الله ، وسؤال الله يعين الإنسان، ثم بعد ذلك لا يضجر الإنسان فهذا ما أعطاه الله ، وأنا أجزم أن الأخ ما نسي نصوصاً معينة تبقى نصوصاً لا ينساها، فمع تكراره للنصوص والآيات والأحاديث؛ سيبقى جزء منها على الأقل لا ينساه.
стр. 492
حكم ما يبقى من النقود عند الشاب المهتدي لرفقائه في طريق الغواية
السؤال
كنت شاباً مفرطاً في أوامر الله، وكنت أستعمل المخدرات، وبعدها هداني الله إلى طريق الخير، ويوجد عندي لبعض الشباب المنحرفين نقود لأشتري لهم مخدرات بها، فهل أردها إليهم، أم ماذا أفعل، علماً أنه مضى علي أكثر من خمس سنوات؟
الجواب
إذا كان عندك حقوق للناس ينبغي أن تعيدها إليهم، لكن لا تعنهم على المعصية، فتكون وسيلة لإعانتهم على المعصية، أما حقوق الناس فينبغي أن تعاد إليهم.
стр. 493
الحل لعاطفة التأثر بأيام الصبا
السؤال
أنا شاب ربما أكون غزير العاطفة، حيث أتأثر بالمواقف التي حصلت لي أيام الصبا، ومراحل المراهقة المبكرة، فما هو الحل في مثل ذلك؟
الجواب
الحل أنك تخفف من العاطفة، وتشغل نفسك دائماً، النفس إذا شغلتها بأمور جادة، ومعان جادة؛ انشغلت عن مراتع الصبا وتذكرها، والإنسان الذي يحمل هماً، ويحمل دعوة، ويحمل غيرة لدين الله، يشعر أن هناك أشياء تملأ اهتماماته تشغله عن الإفراط في تذكر مراتع الصبا وأيامها.
стр. 494
دواء الإفراط في العلاقات العاطفية
السؤال
بعد أن سمعنا هذه الكلمات التي شنفت أذاننا، ورطبت قلوبنا، ووجهت عواطفنا، وضبطت ما تفلت من مشاعرنا، بعد هذا كله يأتي سؤالي: إنني أعرف مجموعة من الشباب قد تشاكلوا في طباعهم وفي أشكالهم وفي أعمارهم، وقد نشأت بينهم عاطفة غير منضبطة، فقد غرق بعضهم في شخصية بعض، بل وذابوا في ذواتهم، وكل هذا باسم العاطفة الصادقة؟
الجواب
هذا خبر ما هو بإنشاء، ويبدوا أنه يريد الحل، سبق أن أشرنا إلى القضية، ولعل الأخ كتب السؤال مبكراً، لكن هذه من الأدواء، الإفراط في العلاقات العاطفية من الأدواء، وأشرنا إلى بعض نتائجها المؤلمة.
стр. 495
نصيحة ودواء لذي العاطفة الشهوانية
السؤال
شاب يعاني من عاطفة ميالة إلى الشهوات، حيث يفتن كلما رأى شاباً جميلاً، حتى إنه يجلس يفكر فيه معظم الوقت، فما دواء هذه العاطفة؟
الجواب
هذه لا شك أنها في الحرام، ولا يسوغ أن نلمعها بأوصاف أخرى غير هذا الوصف، إنها شهوة محرمة، بل هي شهوة شاذة، شهوة قوم لوط الذين كانوا شاذين، فعاقبهم الله بعقوبة لم يعاقب بها غيرهم من الأمم، أن رفع قراهم ثم خسف بهم بعد ذلك.
فالحل أن يتقي الإنسان الله ، ويغض بصره، وينصرف عما حرم الله، ويشغل نفسه بطاعة الله ، واللجوء إليه، وإدمان ذكره، وتلاوة كتابه، وكلما ازداد المرء حباً لله شغله ذلك عن حب ما سواه.
стр. 496
كيفية معالجة قوة العاطفة تجاه الآخرين
السؤال
إن عاطفتي تجاه كل من أتعامل معهم من أهلي وأصحابي وزملائي في العمل وغيرهم كبيرة جداً جداً، حتى إنني أشعر أنها تكاد تفسدهم علي، وذلك من خلال تعاملهم معي في حياتهم الاعتيادية، وأنا أعلم بذلك، أرشدني إلى الطريق الصحيح وفقك الله؟
الجواب
أنت أدركت الآن المشكلة، وأدركت الخطأ، حاول أن تتخفف، أنا لا أستطيع أن أقول لك حلاً غير هذا، أنك تحاول أن تتخفف، أنت أدركت أن عاطفتك زائدة جداً جداً كما وصفت أنت، فخففها جداً جداً، وحاول بقدر الإمكان أن تتخفف من ذلك، وتتوقف -مثلاً- في تبادل بعض العبارات وغيرها، التي تذوب عاطفتك، وتعود على نوع من الحزم، حتى تعتاد ذلك، والعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 497
وأنكحوا الأيامى منكم
الزواج قضية تدعو إليها الفطرة ويرغب فيها الشرع، وبها يكتمل شطر الدين وتستقر النفس وتزول كثير من مشاكل العزوبة ومعاناتها.
стр. 498
وقفة حول العنوان
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد.
فعنوان هذا الدرس كما تعلمون جميعاً: (وأنكحوا الأيامى منكم)، وهو الدرس المتم للعشرين من هذه الدروس التربوية التي تلقى في هذا الجامع جامع السالم، وهو في هذه الليلة ليلة الأحد الثامن من شهر شوال عام ١٤١٤للهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وحديثنا في هذا الدرس سيدور حول العناصر الآتية: أولاً: وقفة حول العنوان.
ثانياً: من منافع الزواج.
ثالثاً: السلف والزواج.
رابعاً: الفقهاء والزواج.
خامساً: غيرنا والزواج.
وأخيراً: ماذا نجني من الزواج المبكر؟ وآثرنا أن نزاوج بين العناصر، فالعنوان حول النكاح والعناصر تأخذ عنوان الزواج، وكلاهما مصطلحان معروفان مشهوران.
الوقفة الأولى حول العنوان والتعريف بموضوع المحاضرة، ولمن يوجه الخطاب فيها؟ لعل ما يستوقفنا في العنوان هو كلمة (الأيامى)، والأيم في اللغة وفي هذا العنوان الذي هو جزء من آية كريمة: هو من لا زوج له سواء كان ذكراً أو أنثى، سواء كان قد تزوج قبل وطلّق أو أُرمل، أو لم يتزوج، فكل من لا زوج له ذكراً كان أو أنثى، بكراً كان أو ثيباً فهو أيّم.
قال ابن سيده: الأيّم من النساء التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً، ومن الرجال الذي لا امرأة له، وهو كما قلنا يطلق على الذكر والأنثى، وإن كان الغالب في الاستعمال أنه للأنثى، والدليل على أنه يُطلق على الذكر قول الشاعر: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي يد الدهر ما لم تنكحي أتأيمُ فأطلق التأيم هنا على نفسه وهو رجل مما يدل على أنه يُطلق على الذكر والأنثى.
وأيضاً: استعمل ابن القيم هذا المعنى للذكر، وإن كان كلام ابن القيم كما تعرفون ليس حجة في اللغة؛ لأن ابن القيم كان بعد عصر الاحتجاج، يقول في قصيدته الميمية المشهورة: وكن أيّماً مما سواها فإنها لمثلك في جنات عدن تأيم ونحن يهمنا بيان أن الأيّم يُطلق على الذكر والأنثى؛ لأن هذا يعني أن الرجال والنساء مخاطبون بهذه الآية الكريمة.
إذاً نقرر معنى الأيّم والمقصود به، فموضوعنا يدور حول التحريض على النكاح والترغيب فيه، وبيان محاسنه وفضائله، ومنزلته من دين المسلمين، وهو خطاب يعني شرائح شتى فهو يعني الأيّم سواء كان رجلاً أو امرأة بدرجة أولى وأساس؛ لأنه هو صاحب القضية، وما لم يحمل قضيته ويُعنى بها فلن يهتم به غيره، وهو يعني الأولياء وهم كثيراً ما يقفون عقبة دون تحقيق هذا الأمر الإلهي الذي خاطب الله به المسلمين جميعاً: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] وهو أيضاً يعني المجتمع كله، فإن الخطاب في هذه الآية كما أنه خطاب للأولياء فهو خطاب للمجتمع أن يأخذ على عاتقه إنكاح الأيامى، وأن يأخذ على عاتقه تذليل العقبات والعوائق التي تحول دون تحقيق وتطبيق هذه السنة الشرعية التي هي بمنزلة ومكانة عظيمة من دين الله كما سيأتي بيانه.
إذاً فالموضوع يعني هذه الطبقات جميعاً، أما ما يتعلق بالعوائق والعقبات التي تقف فعلاً أو تُفتعل ضد التعجيل بالزواج والنكاح فقد كانت النية التعريج عليها في هذا الدرس، ولكن طال الموضوع وشعرت أن الوقت لا يتسع للحديث عن هذه العوائق، فلعلي أفردها بمشيئة الله بحديث خاص، وقد لا يكون في هذا الدرس، قد يكون مما يُلقى خارج الرياض، ويمكن للإخوة أن يستمعوا إليها إن شاء الله فيما بعد.
стр. 499
من منافع الزواج
стр. 500
أنه منة من الله تستوجب الشكر
العنصر الثاني: من منافع الزواج والنكاح.
ثمة أمور عدة تدل على قيمة الزواج والنكاح ومنفعته وآثاره سواء في الدنيا أو في الآخرة، منافع دينية أو منافع دنيوية، ومن ذلك أن الله امتن على عباده بالنكاح والزواج، وهذا دليل على فضله، وأنه نعمة يمتن الله بها على عباده، وتستوجب الشكر، ومن ثم أيضاً فهي دعوة لمن لم يحصّل هذه النعمة أن يسعى إليها، فإن الله قال في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢٠ - ٢١] فبعد أن امتن الله على عباده بنعمة إيجادهم وخلقهم من تراب، امتن عليهم بعد ذلك بنعمة أخرى وهي أن جعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ولعل في هذا التعقيب حكمة والعلم عند الله ، فإنه أخبر عن خلق الإنسان من تراب ابتداءً، ثم الآية الثانية عقّب فيها بالزواج الذي هو السبب بعد ذلك لاستمرار بقاء النوع الإنساني، فإنه لن يُخلق المرء بعد ذلك من تراب، إنما يُخلق بعد ذلك بقدرة الله من ما ينتج عن هذا الزواج وهذا النكاح.
وأخبر الله أنه جعل بين الزوجين المودة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] فأخبر الله أنه جعل بينهم مودة، أخبر أن الزوجة سكن للزوج والزوج سكن لها، وأخبر أيضاً قال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] وأخبر أن المرأة حرث، إلى غير ذلك من الأوصاف التي وصف الله بها النكاح، وامتن به على عباده في غير ما آية في كتابه الكريم.
стр. 501
الزواج من سنن المرسلين
ثانياً: أن الزواج من سنن المرسلين، فإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فأخبر الله أنه جعل للمرسلين أزواجاً وذرية.
وفي سورة القصص يحكي الله لنا أن نبيه موسى ﵇ بقي ثمان سنين أو عشر سنين يعمل لأجل أن يحصل مهر النكاح ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:٢٧].
وأيضاً في السنة النبوية يحكي النبي ﷺ أن سليمان ﵇ قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تنجب كل منها غلاماً يقاتل في سبيل الله ، ونبينا ﷺ توفي عن تسع نسوة.
إذاً: فهذه النصوص وغيرها تدل على أن الزواج من سنن المرسلين، ويدل على ذلك صراحة قوله ﷺ حين جاء أقوام فسألوا عن عبادته فتقالّوها فعزم أحدهم ألا يتزوج النساء، قال ﷺ : (إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) فمن سنته ﷺ تزوج النساء ومن رغب عن سنته ﷺ فليس منه.
ويروى: أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والنكاح إلى آخر الحديث، لكن الحديث لا يصح، وفي الحديث السابق، بل وفي الآيات التي وردت في كتاب الله غنية عن ذلك كله.
إذاً: فإذا كان المرسلون قد جعل الله لهم أزواجاً، وكان الزواج من سنة المرسلين، وهم أعبد الناس، وأعلم الناس، وأكثر الناس شغلاً في خدمة الناس، ودعوتهم إلى دين الله فلا مجال لأحد بعد ذلك أن يعتذر عن الزواج، إلا أن يكون قد خالف سنة المرسلين، أو أن يكون به مانع من موانع النكاح.
стр. 502
أمر الله الأولياء بإنكاح الأيامى
ثالثاً: أن الله قد أمر الأولياء بأن يُنكحوا الأيامى فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] ثم عقّب الله على قضية قد تكون عائقاً وعقبة لهؤلاء عن الزواج، وهي قضية التكاليف: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] وهو أمر لأولياء الشباب وأولياء الفتيات جميعاً أن يسعوا في إنكاحهم، وتيسير السبل أمام تحقيق هذه السنة.
стр. 503
أمر النبي ﷺ أمته بالنكاح
رابعاً: أن النبي ﷺ أمر الشباب أمراً عاماً لأمته على مدى الأزمان كلها، فقال في الحديث المشهور وهو في الصحيحين: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) إنه خطاب لكل شاب، وهو أيضاً خطاب للفتيات، فخطاب الرجال تدخل فيه النساء، خطاب للجميع على مدى الأزمنة والأمكنة من نبينا محمد ﷺ أن يسعوا ويحرصوا على الزواج وألا يتأخر من استطاع منهم عن ذلك.
стр. 504
تحصيل النكاح لأفضل متاع الدنيا
خامساً: الزواج فيه تحصيل لأفضل وخير متاع الدنيا، إن الإنسان في دار الدنيا في دار متاع، ومتاع الدنيا زائل فان، وكم ينصب الناس لتحصيل المتاع من مال، أو جاه، أو ثراء، أو منصب، أو غير ذلك من متاع الدنيا، لكن خير متاع الدنيا كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه ﷺ قال: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة).
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من أعطيهن فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً، وزوجة لا تبغيه حوباً في نفسها وماله).
إذاً: فالزواج إدراك لأفضل وخير متاع في دار الدنيا، ولئن كان الإنسان كما قلنا يضحي ويجهد وينصب في تحصيل أي متاع من الدنيا من مال أو جاه أو منصب أو ثراء أو غير ذلك، فإن خير متاع الدنيا أولى بذلك كله وأولى ما اجتهد المرء في تحصيله.
стр. 505
الزواج فيه إكمال شطر الدين
سادساً: الزواج فيه إكمال لشطر الدين، فقد روى الحاكم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي) وفي رواية للبيهقي: (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي).
وهاهنا
السؤال
لماذا كان الزواج نصف الدين؟ النبي ﷺ قال: (من يضمن ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة) فحين يتزوج يكون قد أحصن نصف ما يُضمن له به الجنة وهو فرجه فليتق الله في النصف الباقي.
سابعاً: من فضائل النكاح وما يرغّب فيه أنه ﷺ كما أمر بالنكاح وحث عليه ودعا إليه فقد نهى ﷺ عن التبتل والانقطاع، فيقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) والحديث في الصحيحين، فلم يأذن له ﷺ في التبتل الذي هو الانقطاع عن النكاح.
ويدل أيضاً على النهي عن التبتل نهيه ﷺ للثلاثة الذين تقالّوا عبادته عمّا عزم عليه أحدهم من الانقطاع وترك تزوج النساء.
стр. 506
الزواج فيه إعطاء الأهل حقهم
ثامناً: أن النبي ﷺ قال لـ عبد الله بن عمرو بن العاص حين نهاه عن المبالغة في التعبد: (إن لأهلك عليك حقاً) وفي رواية: (لزوجك عليك حقاً) فإذا كان المرء منهياً عن المبالغة في التعبد، وكما مر معنا في الدرس الماضي أن هذا الكلام قاله النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو حين كان يختم كل ليلة، ويصوم كل يوم، فكما أن النبي ﷺ نهاه عن المبالغة في العبادة على حساب حق الزوجة وواجبها فهذا يدل على الدعوة إلى الزواج من باب أولى، وأن العبادة لا ينبغي أن تكون على حساب النكاح والزواج.
стр. 507
النكاح سبب لعون الله وتوفيقه
تاسعاً: أن النكاح سبب لعون الله وتوفيقه، يقول النبي ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله) والحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة.
فقد أخبر ﷺ في هذا الحديث أن هؤلاء ممن يستحقون العون والتوفيق من الله ، إذا نكح المرء يريد العفاف فإنه حق على الله أن يعينه، وقرنه ﷺ بالمجاهد في سبيل الله وبالمكاتب الذي يريد حياة الحرية والتخلص من الرق والعبودية.
стр. 508
النكاح سبب لزيادة عدد الأمة
عاشراً: أن الزواج سبب لزيادة عدد الأمة، وهو أمر مطلوب، وقد حث ﷺ على ذلك فقال فيما رواه أبو داود والنسائي: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم).
ونحن نرى الآن الكثير من الأمم تسعى إلى تشجيع الزواج، كما حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية، حيث واجهت نقصاً حاداً في الطاقة البشرية، فسعت الدولة إلى سن قوانين تشجع على الزواج منها فرض ضرائب على العزاب، وأيضاً إعانات للمتزوجين، وزيادة في مكافئات الموظف إذا كان متزوجاً، والمساعدة في تأمين السكن إلى غير ذلك من الإجراءات التي اتخذتها تلك الدولة؛ لأنها ترى أنها بحاجة إلى الطاقة البشرية.
والأمة الإسلامية اليوم هي أحوج ما تكون لزيادة النسل وخاصة في المجتمعات الصالحة الخيّرة؛ لأنها زيادة في الأخيار والصالحين في هذه الأمة، ولعلنا ندرك تماماً ما يفعله بعض أصحاب النحل الضالة في بلادنا حيث يسعون إلى تكثير الزواج بصور عجيبة، حتى إنك ترى الشاب يتزوج وهو لا يزال في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، والفتاة كذلك، بل ربما تراه يعدد وهو لما يصل العشرين من عمره، وخلال سنوات استطاع هؤلاء أن يتفوقوا عددياً في بعض المناطق على أهل السنة، وذلك كله نتيجة الحرص على زيادة النسل إذاً: فأصحاب دعوة الحق والمنهج الحق أولى الناس بالحرص على التناسل لا سيما وهم أحض الناس بوصيته ﷺ ، وهم أولى الناس أن يحققوا هذا المعنى الذي يكاثر فيه النبي ﷺ سائر الأمم يوم القيامة.
стр. 509
للزواج أثر صحي وأثر نفسي
الحادي عشر: أن الزواج له أثر صحي بدني، وأثر نفسي، وسنتحدث عن الأثر النفسي فيما بعد، لكن هناك دراسات معاصرة كثيرة أثبتت أن الزواج له آثار صحية منها: أن المتزوجين بصفة عامة أطول أعماراً من العزاب، وهذه أمور بيد الله ، لكن لا شك أن الله قد جعل أسباباً ومسببات، ومنها أيضاً دراسة أجراها عالمان نفسيان في جامعة شيكاغو فيها إحصاءات دقيقة عن حالات من الجنون قاما بفحصها من بين من يعالجونهم فوجدا أن بين كل مائة مجنون ومجنونة ثلاثة وثمانين مريضاً من العزاب وسبعة عشر من المتزوجين والمتزوجات، كما أن معدل الإجرام عند العزاب أكثر منه عند المتزوجين، حيث بلغ في إحدى الإحصائيات ثمانية وثلاثين مجرماً أعزب مقابل كل سبعة عشر متزوج.
على كل حال هناك قضايا صيحة كثيرة ترتبط بموضوع الزواج وخاصة الزواج المبكّر، وقضايا نفسية، ولعل جانب الإجرام يرتبط بالصحة النفسية أكثر من ارتباطه بالصحة العضوية أو البدنية، وسيأتي الإشارة إلى شيء من ذلك.
стр. 510
الزواج تحصين للنفس من الفواحش
الفائدة الثانية عشرة: وهي أهم مقاصد النكاح وفوائده تحصين النفس وحمايتها من الوقوع في الفاحشة: وهو المعنى الذي أشار إليه النبي ﷺ في قوله: (فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) فأخبر ﷺ أن أشد فتنة تركها ﷺ على أمته فتنة النساء، وهذا الكلام عام للأمة كلها، فما بالكم بهذا العصر الذي شُرّعت فيه أبواب الفتن والذي صار يُسعى فيه إلى فتنة الشباب والفتيات، وإيقاعهم في الفاحشة، وصارت الوسائل الحديثة والتقنيات المعاصرة توظف لإثارة الغرائز، إن هذا يزيد الأمر تأكيداً.
وكم نسمع كثيراً من التساؤلات والشكاوى من الشباب والفتيات عن مشكلات الشهوة والفتن التي أصبحت تؤرقهم وتزعجهم، ويبدأ الحديث في إعطاء هؤلاء بعض الوصايا التي لا تزيد على أن تكون مهدئات، بينما العلاج الأهم والأنجع والأساس في ذلك كله هو الزواج، فهو العلاج وهو العاصم بإذن الله وتوفيقه، ولو لم يأت في الزواج إلا تحقيق هذه المصلحة وهذه الفائدة لكان حرياً وجديراً بأن يُعنى كل شاب وفتاة بتحصيله والسعي إليه والبدار فيه ليحصنوا أنفسهم، ولا سيما وقد أخبر ﷺ أنه ضامن بالجنة لمن ضمن له أن يحفظ فرجه وأن يحفظ له ما بين لحييه.
стр. 511
بالزواج تتيسر أنواع من القرب والعبادات
الفائدة الثالثة عشرة: أن الزواج يتيسر فيه للرجل والمرأة أنواع من العبادة والقرب لا تتيسر لغيره من حسن العشرة، والصحبة بالمعروف، وقضاء حق العيال، والرحمة بهم، والانشغال بمصالحهم كل ذلك قربة إلى الله ، يحصل عليه الزوجان، ولا يحصل عليه الأيم، بل ومع أنه عبادة وقربة فإنه تحصل فيه راحة النفس ولذتها وقضاء رغبتها، بل إن اللقاء بينهما وتحصيل الشهوة أمر يثابان ويؤجران عليه، فكما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر).
وقارن أنت بين حالتين: حالة الشاب أو الفتاة الذي يعيش في حالة الزواج، الذي إن ضايقته الفتن وأقلقته قضى شهوته فيما أباح الله ، فيكسب أجراً على ذلك، ويحقق شهوته ولذته، وأيضاً يعصم نفسه من الفتنة، وحالة الأيّم الذي عندما تُفتح الفتن أمام ناظريه لا يجد منها مناصاً إلا الوقوع في الحرام، وهذا ضريبته أليمة جداً، أو المجاهدة والصبر ولكن هل ينجح في هذا الأمر أو لا ينجح؟ هل يستطيع أو لا يستطيع؟ هي قضية أجزم أنكم توافقوني أنها لا تحتمل المخاطرة، ولا تحتمل أن يعلّق المرء نفسه على مثل هذه الأمور أينجح فيها أم لا؟ هذه بعض الفوائد وبعض النتائج التي تُجنى من الزواج، وسيأتي أيضاً مزيد منها عند الحديث عن الزواج المبكّر.
стр. 512
السلف والزواج
العنصر الثالث: السلف والزواج.
ولنورد بعض النقول عن السلف في عنايتهم بالزواج سواء من أقوالهم أو أعمالهم، وكل خير في اتباع من سلف.
روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵁ قال: قال لي ابن عباس ﵁: هل تزوجت؟ قلت: لا.
قال: فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء.
وفي رواية لـ أحمد بن منيع: وذلك قبل أن يخرج وجهي، يعني: قبل أن يلتحي أو أن يخرج شعر لحيته.
وروى ابن أبي شيبة عن شداد بن أوس ﵁ وكان قد ذهب بصره قال: (زوجوني فإن رسول الله ﷺ أوصاني ألا ألقى الله عزباً).
وروى ابن أبي شيبة عن معاذ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: زوجوني، إني أكره أن ألقى الله عزباً.
وروى أيضاً عن ميسرة أنه قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لـ أبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.
وروى عن طاوس أنه قال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج.
أي: لا تتم عبادته حتى يتزوج.
وروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لولم أعد أكن في الدنيا إلا عشراً لأحببت أن يكون عندي فيهن امرأة.
وقال المروزي: قال الإمام أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﷺ تزوج أربع عشرة ومات عن تسع، ولو تزوج بشر بن حارث لتم أمره، ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو ولا حج ولا كذا ولا كذا، وقد كان النبي ﷺ يُصبح وما عنده شيء ومات عن تسع، وكان يختار النكاح ويحث عليه ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنة النبي ﷺ فهو على غير الحق، ويعقوب في حزنه قد تزوج وولد له، والنبي ﷺ قال: (حبب إليّ النساء).
فقلت له: فإن إبراهيم بن أدهم يُحكى عنه أنه قال: لروعة صاحب العيال، فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال: وقعت في بنيات الطريق، انظر ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه ثم قال: بكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه الخبز أفضل من كذا وكذا، أين يلحق المتعبد العزب.
وقال الإمام أحمد أيضاً: لو كان بشر تزوج لتم أمره.
ونقل ابن قدامة عنه أيضاً ﵀ أنه قال: من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير الإسلام.
وتزوج الإمام أحمد ﵀ في اليوم الثاني لوفاة أم ولده عبد الله.
وقد كان هذا مشهوراً عن السلف، بل عن بعض أصحاب النبي ﷺ كان أحدهم يبادر بالزواج إذا توفيت زوجته يقول: أكره أن ألقى الله عزباً.
وكان يعقوب يدخل على المهدي ليلاً، ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور، وتقوية الغزاة، وتزوج العزاب.
وقال عبد المؤمن المغربي كلاماً طويلاً وفيه: ورجل بلا بعل كرجل بلا نعل، والعزوبة مفتاح الزنا، والنكاح ملواح الغنى، ومن نكح فقد صفد بعض شياطينه، ومن تزوج فقد حصّن دينه، ألا فاتقوا الله في النصف الثاني، فإن خراب الدين بشهوتين: شهوة البطن وهي الصغرى، وشهوة الفرج وهي الكبرى، فاعمر الركعتين واحكم الحكمين.
نكتفي بهذه النقول وإلا فالنقول كثيرة عن السلف في ذلك لنذكر أيضاً بعض النقول عن الفقهاء الذين تحدثوا عن حكم الزواج، وما يتعلق به، وليس هذا وقت تقرير حكم الزواج أصلاً والتفصيل، لكن ما نورده استشهاد لقيمة النكاح عند فقهاء الأمة الأعلام.
стр. 513
الفقهاء والزواج
رابعاً: الفقهاء والزواج.
فهم يتحدثون في مبدأ كتاب نكاح عن الزواج وأهميته، فقهاء الحنفية يعقبون العبادات بباب النكاح بعد كتاب الحج، بخلاف المعهود عند الحنابلة حيث يأتي بعد الحج باب الجهاد، ثم بعد ذلك المعاملات، ثم النكاح، أما الحنفية فيوردون النكاح بعد العبادات مباشرة، وعلل ذلك أحد علماء الحنفية وهو الكمال بن الهمام صاحب شرح فتح القدير، قال: وهو أقرب للعبادات، حتى أن الاشتغال به أفضل من التخلي لمحض العبادة على ما نبين إن شاء الله تعالى، فلذا أولاه العبادات.
ثم ذكر حكمه واختلافهم فيه ورجّح تفضيله على التخلي للعبادة، ثم قال: وبالجملة فالأفضلية في الاتباع لا فيما يخيل للنفس أنه أفضل نظراً إلى ظاهر عبادة وتوجه، ولم يكن الله يرضى لأشرف أنبياءه إلا بأشرف الأحوال، وكان حاله إلى الوفاة النكاح، فيستحيل أن يقرره على ترك الأفضل مدة حياته.
وهذا كله ذكره بعد أن علل لماذا أعقب صاحب الهدية العبادات بباب النكاح؟ قال: لأنه أفضل أصلاً من التخلي للعبادة، والحاجة إليه آكد، ثم بيّن لماذا قدّمه على الجهاد، قال: إن الجهاد فيه تحصيل الصفة، يعني إذا قاتلنا الكفار أسلموا فأوجدنا فيهم صفة الإسلام، أما النكاح ففيه تحصيل الصفة والموصوف؛ لأنه فيه يولد الرجل الذي يكون مسلماً، ثم قال: والذي يدخل الإسلام بالنكاح أكثر ممن يدخل الإسلام بالسيف والجهاد.
وقال الكاساني في بدائع الصنائع: لا خلاف أن النكاح فرض في حالة التوقان، حتى أن من تاقت نفسه إلى النساء بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة ولم يتزوج يأثم.
وقال ابن رشد: فأما النكاح فإنه في الجملة مرغّب فيه ومندوب إليه، وأما من احتاج إلى النكاح ولم يقدر على الصبر دون النساء ولا نكاح ولا كان عنده ما يتسرى به وخشي على نفسه العنت إن لم يتزوج فالنكاح عليه واجب.
وقال ابن قدامة في المغني: والناس في النكاح على ثلاثة أظرب: الأول: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامّة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.
الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به، أي بالنكاح أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃ وفعلهم، ثم ساق بعض الآثار عن الصحابة التي أوردنا طرفاً منها.
الثالث: قال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يُختلف في وجوب التزويج عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وإن احتاج الناس لإنسان إلى النكاح وخشي العنت بتركه قدّمه على الحج الواجب، وإن لم يخف قدّم الحج، ونص عليه الإمام أحمد في رواية صالح وغيره، واختاره أبو بكر.
وهذا فيه أنه يريد الوجوب، بل تأكد الوجوب؛ لأنه لا يقدمه على الحج إلا إذا كان يرى وجوبه ﵀.
стр. 514
غيرنا والزواج
رابعاً: غيرنا والزواج.
وهذا الاصطلاح من كتاب الله ، يقول الله في الوصية: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] ووصف الكفار بأنهم من غيرنا.
ونورد بعض النقول عن سيرهم وعاداتهم وطبائعهم في حرصهم أو دعوتهم إلى الزواج، ولم يكن الزواج مرغّباً لأن أولئك دعوا إليه، وليست القضية للاستشهاد بهم، لكن إذا كان أولئك يدركون شأنه وقيمته وهم لا يجدون مانعاً ولا حاجزاً من ممارسة الحرام والرذيلة، فغيرهم من باب أولى وآكد.
أولاً: الأمم القديمة كان العزوبة عيباً عندهم، بل في كثير من معتقدات الأمم القديمة وهي معتقدات وثنية وجاهلية، يرون أن من مات وهو لم يتزوج أنه غير داخل تحت رحمة الإله، وليس هذا هو الذي نستشهد به، لكن هذا كان نتيجة شعور أولئك بأن الزواج ضرورة، وكانوا يعيبون على الأعزب، ويصفونه بأوصاف يستحيا منها، حتى أنه كان يستحي أن يقابل الناس على اختلاف في عوائد الأقوام والطوائف والناس مما يضيق الوقت عن ذكره.
وأيضاً كانت أوروبا في العصور الوسطى تُعنى بالزواج والحرص عليه والتشجيع عليه، فقد أصدر لويس الرابع عشر في عام (١٦٦١م) مرسوماً يقضي بإعفاء الذين تزوجوا وكان سنهم أقل من عشرين سنة حتى الخامسة والعشرين من الضرائب، وفي عام (١٧٩٨م) أيضاً سن قانون لحماية قيمة الإيجارات وفرض الجباية، فضاعف الضرائب على العزاب الذين سنهم عشرون عاماً فما فوق، والإجراءات التي يتخذها أولئك كثيرة، وأشرنا أيضاً إلى ما اتخذته ألمانيا بعد الحرب العالمية وغيرها، ويتنادى بعض عقلائهم بالزواج المبكّر، وفي عبارة جميلة يقول أحد عقلائهم إن كان فيهم من يعقل: ولسنا نرى مقدار الشر الاجتماعي الذي يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولاً عنه، ولا ريب أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة في التعدد لم تهدأ.
يقول: ولكن معظم هذا الشر يرجع في أكبر الظن في عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعي للحياة الزوجية، وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله، وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان وهذا هو الرأي لمعظم المفكّرين في الوقت الحاضر، غير أنه من المخزي أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة بأن كل رجل حين يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر.
ويقول ول ديورانت الذي أوردنا كلامه السابق: كان البشر في الماضي يتزوجون باكراً، وكان ذلك حلاً صحيحاً للمشكلة الجنسية، أما اليوم فقد أخذ سن الزوج يتأخر، كما أن هناك أشخاصاً لا يتوانون عن تبديل خواتم الخطبة مراراً عديدة، فالحكومات التي ستنجح في نص القوانين التي تسهل الزواج الباكر ستكون جديرة بالتقدير؛ لأنها تكشف بذلك أعظم حل لمشكلة الجنس في عصرنا الحاضر.
وكما قلت حينما نورد أقوال هؤلاء لا يعني أننا نحتج بهم، وأيضاً قد نتحفظ على كلمات كثيرة أو عبارات يوردونها، لكن المقصود أنه إذا كان أولئك وهم أصحاب الإباحية والفجور، وهم الذين لا يرون أي مانع وأي وازع من الممارسة القذرة المحرمة يدعون إلى الزواج المبكّر، فأصحاب الفطرة السليمة الذين يرون أن هذا سور لا يجوز أن يتجاوزوه، أولى وآكد أن يعنوا، وأن تصدر منهم مثل هذه الأقوال.
стр. 515
ماذا نجني من الزواج المبكر
стр. 516
المصالح المترتبة على الزواج عموماً
وأخيراً ماذا نجني من الزواج المبكّر؟ أولاً: الفوائد والمنافع السابقة التي سردناها كلها مصالح حين يبادر الشاب والفتاة في الزواج فإنهم يبادرون في تحصيل تلك المنافع والمصالح.
стр. 517
التخلص من معاناة العزوبة وجحيم الشهوة
ثانياً: ما أشرنا إليه من معاناة الشاب والفتاة خصوصاً من جحيم الشهوة وألمها ومشكلاتها، والتي أصبحت تلاحق الشاب والفتاة أينما حل وحيثما ارتحل، في كل مكان، في المنزل، والشارع، واللقاء مع الزملاء والأصحاب، أو مع الزميلات والصاحبات، في الهاتف، إذا سافر، وإذا أقام صارت هذه الشهوة جحيماً يعاني منه الجميع، وخاصة الشباب، ففي الزواج المبكر حل لهذه المشكلة وهذا الداء الذي يعانون منه.
стр. 518
الاستقرار النفسي والراحة
ثالثاً: الاستقرار النفسي والراحة: والاستقرار النفسي أمر يحتاج إليه الإنسان وخاصة الشاب، وإذا مرت هذه المرحلة دون أن يستقر فيها المرء استقراراً نفسياً ويعيش فيها حياة مستقرة فإنه يفوّت على نفسه فرصة ذهبية من فرص العمر لا تتكرر، ولا يمكن أبداً أن يعدلها ما يأتي بعدها، ولا يمكن أن يحقق الشاب ولا الفتاة الاستقرار النفسي التام دون الزواج.
ونعود مرة أخرى إلى إفادات الغربيين فيقول أحدهم: إن العزوبة الدائمة تعرض صاحبها إلى اضطراب نفسي مختلف الأنواع والصفات، فيفسد النفس، ويجعلها تتحلى بعدم الرحمة والقسوة والخفة والطيش وعدم الاتزان.
ويقول أحدهم وهو جورج انكتيل: منذ مطلع القرن العشرين والعزوبة تمثل على مسرح هذه الحياة شقاء ينتهي غالباً بالانتحار والجنون.
وسبق أن أشرنا إلى كثير من الإحصائيات، ولو تابعتم الإحصائيات التي تُنشر في أي بلد حتى في بلاد العالم الإسلامي لوجدتم أن النسبة العليا ممن يقعون في الإجرام هم من العزاب، ومن أسباب ذلك هو أن الأعزب يعيش حالة من عدم الاستقرار النفسي، وعدم الراحة والطمأنينة النفسية بخلاف المتزوج.
وهذا المعنى هو ما أشار الله إليه في آيات كثيرة في شأن الزواج قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] فهذا داخل تحت معنى السكن، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] وقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] وامتن الله على عباده بالزواج في غير ما آية في كتاب الله .
стр. 519
الشعور بالمسؤولية
رابعاً: الشعور بالمسئولية؛ لأن الشاب والفتاة في هذا العصر ومع الهيكل التربوي والتعليمي الذي تسير عليه الأمة أجمع في هذا العصر، صاغ الحياة بصياغة تجعل الشاب والفتاة يعتمد على الآخرين، ولا يتحمل المسئولية في وقت مبكر، فيستمر الشاب والفتاة في الدراسة ستة عشر عاماً مع السنوات الست الأولى التي قبل الدراسة، فلا يتوظف بعد ذلك ويتحمل المسئولية إلا حين يكون عمره أربعة وعشرين عاماً، ولا شك أن هذا يشكل خللاً تربوياً.
والشاب والفتاة حتى تكمل شخصياتهم بحاجة إلى أن يتعودوا على تحمل المسئولية، والزواج من أهم الأمور التي تعين الشاب والفتاة على تحمل المسئولية، وعلى الشعور بها مما ينعكس أثره على سلوكه ابتداء واستقامته، ونرى كثيراً من الشباب والفتيات يستقرون وتستقيم أمورهم ويزدادون صلاحاً وطاعة بعد الزواج، ولا شك أن الزواج من الأسباب المعينة على ذلك، وأيضاً شعوره بالمسئولية يساهم في نمو شخصيته نمواً طبيعياً خاصة مع الهيكلية التربوية التي تعيشها مجتمعات المسلمين من تأخير سن تحمل المسئولية، فيتجاوز الشاب المرحلة الذهبية وهو لم يتحمل المسئولية بعد.
стр. 520
إتاحة التربية السليمة للأبناء والبنات
خامساً: أن الزواج المبكر يتيح التربية السليمة للأبناء والبنات.
وذلك لأن الشاب إذا تزوج مبكراً ستكون المسافة العمرية بينه وبين ابنه قريبة، فيأتيه الأطفال قبل أن يصل عمر الثلاثين، فيحسن التعامل مع ابنه عندما يبلغ سن التكليف لأنه يكون في الأربعين أو في الخامسة والثلاثين، فيحسن التعامل معه، ويحسن تربيته، لكن إذا أخر الزواج فإنه عندما يكون عمره خمسين سنة أو ستين سنة يبلغ ابنه سن التكليف، فيكون الأب قد صار يعيش عقلية غير عقلية الشاب، وصار هناك فجوة حضارية، فإن مدة خمسين سنة كافية أن تتغير فيها العادات والطبائع والظروف، ولهذا فإن من أهم المعاناة التي نعاني منها تربوياً الآن، الفجوة الحضارية بين الأب والابن، وذلك أن الأب عاش في عصر والابن عاش في عصر آخر، فإذا كان الإنسان تزوج متأخراً سيكون فارق العمر بينه وبين ابنه، أو بين الأم وابنتها فارقاً واسعاً مما يوسع الفجوة الحضارية، وهذا لا شك يترتب عليه خلل في التربية.
أيضاً جانب آخر: من الأمور المهمة تربوياً أن يكون الأب يتعامل مع ابنه معاملة مودة وحسن عشرة ولطافة، والأم كذلك، حيث تسد الفراغ العاطفي الذي تعاني منه الفتاة، وكثير من المشكلات التي تعاني منها الفتيات الآن ترجع سببها إلى وجود فراغ عاطفي لم تسده الأم، وكذلك الشاب يجد أن الأب بعيد عنه.
طيب عندما يتزوج الإنسان كبير السن لا يستطيع أن يتبسط مع ابنه الشاب بقدر يسد له هذا الفراغ.
يمكن أن يعترض أحدكم فيقول: هذا بالنسبة للابن الأول والثاني والثالث، أو البنت الأولى والثانية والثالثة، لكن عندما يستمر الأبناء والبنات، إلى سن الأربعين والخمسين، والذين يأتون فيما بعد، فنقول: إنه إذا أحسن تربية الأبناء الأوائل فسيعينونه على تربية من يليهم مباشرة، وسيقومون بالدور الذي يقوم به الأب.
إذاً فمن أهم الأمور التي تعين الأب على تربية أبنائه وتعين الأم على تربية بناتها وأبنائها الزواج المبكر؛ لأنه يقلل من المسافة العمرية بين الأب أو الأم، وبين الابن أو البنت.
стр. 521
التعاون على القيام بأعباء المنزل
سادساً: أن يتيسر من يقوم بأعباء المنزل بالنسبة للأب وبالنسبة للأم.
وهذا أمر مهم جداً؛ لأن الأب كلما تقدم به السن ازدادت مشاغله، فإذا كان قد بلغ الأربعين وجد عنده ابناً قد بلغ سن التكليف أو قريباً من ذلك، والأم أيضاً وجدت عندها بنتاً، فلا تحتاج إلى خادمة؛ لأنها قد وجدت من تقوم بأعباء المنزل، وإذا تزوجت ستليها بنت بعد ذلك؛ لأن الأصل هو كثرة النسل، والأب كذلك وجد الابن الذي يقوم عنه بأعباء المنزل، بخلاف الذي يتزوج متأخراً، فسيضطر بعد ذلك إلى حلول أخرى في قضية السائق أو الخادمة أو غير ذلك، أو يكون هناك مشكلات في أعباء المنزل مما يجعل الأب يتفرغ أكثر في المستقبل للتحصيل، يتفرغ للعبادة، يتفرغ لأمور خاصة إذا كان داعية وكان رجلاً مؤثراً، فيصبح المنزل لا يشكل عليه أي عبء وهو في عمر الأربعين في الريعان، وهي السن التي يمكن أن ينتج بها ويؤثر، فإن الأنبياء كانوا في هذه السن، وهذا بخلاف ما إذا كان قد تزوج متأخراً.
стр. 522
كثرة الولد الصالح
سابعاً: الزواج المبكر مدعاة لكثرة الولد الصالح.
والنبي ﷺ قد أخبر أنه (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فإذا تزوج مبكراً كان هذا أدعى إلى كثرة تحقيق الولد الصالح خاصة أنه سيتيسر له أن يربيه ويرعاه مما يحقق له بعد ذلك امتداداً لعمله بعد وفاته كما أخبر النبي ﷺ .
стр. 523
نجابة الأولاد
ثامناً: كما قلنا نجابة الولد، فإن الولد إذا كان من أبوين شابين فإنه يكون أنجب خلقاً وخُلقاً، كما قال الماوردي: إن أنجب الأولاد خلقاً وخُلقاً من كان سن أمه بين العشرين والثلاثين.
وتوصلت بعض الدراسات الحديثة إلى أن الأمهات دون العشرين وفوق الخامسة والثلاثين يزيد احتمال إنجابهن للأطفال المتأخرين عن الأمهات التي تقع أعمارهن فيما بين العشرين والخامسة والثلاثين.
وتوصلت بعض الدراسات الحديثة إلى أن نسبة الأطفال المشوهين والمعتوهين تزداد تبعاً لعمر الأب، وخاصة بعد الخامسة والأربعين.
على كل حال هذه القضايا شأنها شأن أخبار بني إسرائيل مما يستأنس بها فإن صحت فأهلاً وسهلاً وإن لم تصح فليس الداعي الأول والأساس والأهم في الزواج المبكر هو نجابة الولد، بل الداعي لذلك تحقيق سنة الله واتباع سنة المرسلين أياً كانت النتيجة، لكن لا شك أن من الظاهر والملحوظ أنه كلما كان الولد لزوجين في ريعان الشباب كان أكثر نجابة خلقاً وخُلقاً، والعكس كذلك، ولعل أيضاً التربية مما تؤثر في ذلك كما سبق أن قلنا.
هذه بعض الأمور التي تؤيد الزواج المبكر وتحث عليه والمبادرة فيه.
стр. 524
رسالة يا إبني
وقبل أن أختم المحاضرة أذكر كلمة رائعة طويلة للأديب علي الطنطاوي في رسالة له يا إبني، لعلي أقرأ مقتطفات منها فهي طويلة يقول: لماذا تكتب إليّ على تردد واستحياء؟ تحسب أنك وحدك الذي يحس هذه الوقدة في أعصابه من ضرم الشهوة، وأنك أنت وحدك الذي اختص بها دون الناس أجمعين.
لا يا بني هوّن عليك، فليس الذي تشكو داءك وحدك، ولكنه داء الشباب، ولئن أرقك هذا الذي تجد وأنت في السابعة عشرة، فطالما أرّق كثيرين غيرك صغاراً وكباراً، ولطالما نفى عن عيونهم لذيذ الكرى، ولطالما صرف عن درسه التلميذ وعن عمله العامل وعن تجارته التاجر، فماذا يصنع الفتى في هذه السنوات وهي أشد سنين العمر اضطراب شهوة واضطراب جسد وهياجاً وغلياناً! ماذا يصنع؟ هذه هي المشكلة، أما سنة الله وطبيعة النفس فتقول له تزوج، وأما أوضاع المجتمع وأساليب التعليم فتقول له اختر إحدى ثلاث كلها شر، ولكن إياك أن تفكر في الرابعة التي هي وحدها الخير، وهي الزواج، أولاً: إما أن ينطوي على نفسه، على أوهام غريزته، وأحلام شهوته تدأب على التفكير فيها وتغذيها بالروايات الداعرة والأفلام الفاجرة والصور العاهرة، حتى تملأ وحدها نفسك وتستأثر بسمعك وبصرك، فلا ترى حيثما نظرت إلا صور الغيد الفواجر، تراهن في الكتاب إن فتحته، وفي طلعة البدر إن لمحته، وفي حمرة الشفق، وفي سواد الليل، وفي أحلام اليقظة، وفي رؤى المنام أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل ثم لا تنتهي بك الحال إلا إلى الهوس أو الجنون أو انهيار الأعصاب.
ثانياً: وإما أن تعمد إلى ما يسمونه الاستمناء (العادة السرية)، وقد تكلم في حكمه الفقهاء، وقال فيه الشعراء، وهو إن كان أقل الثلاثة شراً وأخفها ضرراً، لكنه إن جاوز حده ركب النفس بالهم، والجسم بالسقم، وجعل صاحبه الشاب كهلاً محطماً، كئيباً مستوحشاً يفر من الناس ويجبن عن لقاءهم، ويخاف الحياة ويهرب من تبعاتها، وهذا حكم على المرء بالموت وهو في رباط الحياة.
ثالثاً: وأما أن تغرف من حمئة اللذة المحرمة وتسلك سبل الضلال وتؤم بيوت الفحش، تبذل صحتك وشبابك ومستقبلك ودينك في لذة عارضة ومتعة عابرة، فإذاً أنت قد خسرت الشهادة التي تسعى إليها، والوظيفة التي تحرص عليها، والعلم الذي أمّلت فيه، ولن يبقى لك من قوتك وفتوتك ما تضرب به لجج العمل الحر، ولا تحسب بعد أنك تشبع! كلا، إنك كلما واصلت واحدة زادك الوصال نهماً، كشارب الماء الملح لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً، ولو أنك عرفت آلاف منهن، ثم رأيت أخرى ممتنعة متمنعة عليك معرضة عنك لرغبت فيها وحدها، وأحسست من الألم لفقدها مثل الذي يحسه من لم يعرف امرأة قط، وهبك وجدت منهن كلما طلبت ووسعك السلطان والمال، فهل يسعك الجسد؟ وهل تقوى الصحة على حمل مطالب الشهوة؟ وكأني أسمعك تقول: هذا الداء فما الدواء؟ الدواء أن تعود إلى سنة الله وطبائع الأشياء التي طبعها الله علينا، إن الله ما حرم شيئاً إلا أحل شيئاً مكانه، حرم المراباة وأحل التجارة، وحرم الزنا وأحل الزواج، فالدواء هو الزواج، فإذا لم يتيسر لك الزواج فليس إلا التسامي، وأنا لا أريد أن أُعقّد هذا الفصل الذي كتبته ليكون مفهوماً واضحاً لمصطلحات علم النفس، لذلك أعمد إلى مثال أمثّله لك أترى إلى إبريق الشاي الذي يغلي على النار، إنك إن سددته فأحكمت سده وأوقدت عليه فجّره البخار المحبوس، وإن خرقته سال ماءه فاحترق الإبريق، وإن وصلت به ذراعاً كذراع القاطرة أدار لك المصنع وسيّر القطار وعمل الأعاجيب، فالأولى حال من يحبس نفسه على شهوته يفكر فيها ويعكف عليها، والثانية حال من يتبع سبيل الضلال ويؤم مواطن اللذة المحرمة، والثالثة حالة المتسامي المستعف إلى أن قال: هذا هو الدواء: الزواج وهو العلاج الكامل، فإن لم يمكن فالتسامي وهو مسكن مؤقت، ولكنه مسكن قوي ينفع ولا يؤذي.
ثم تحدث عن الاختلاط ودعوتهم إلى ذلك يقول: وإذا نحن جوزنا للشباب ارتيادها لاستغنوا بذلك عن الزواج، فماذا نصنع بالبنات؟ هل نفتح لهن أيضاً محلات عمومية فيها بغايا من الذكور؟ كلام فارغ يا بني والله، وما تقوله عقولهم ولكن غرائزهم، وما يريدون إصلاح الأخلاق، ولا تقدم المرأة، ولا نشر المدنية، ولا الروح الرياضية، ولا الحياة الجامعية، إنما هي ألفاظ يتلمظون بها ويبتدعون كل يوم جديداً منها يهولون بها على الناس ويروجون بها لدعوتهم، وما يريدون إلا أن نُخرج لهم بناتنا وأخواتنا ليستمتعوا برؤية الظاهر والمخفي من أجسادهن، وينالوا الحلال والحرام من المتعة بهن.
ثم قال بعد ذلك: وبعد، فيا بني عليك بالزواج ولو أنك طالب لا تزال، فإن لم تستطعه فاعتصم بخوف الله والانغماس في العبادة إلى آخر كلامه.
نكتفي بهذا القدر لنجيب على بعض الأسئلة.
стр. 525
الأسئلة
стр. 526
الاستحياء من سؤال الزواج
السؤال
أنا شاب ملتزم ولله الحمد ورغبت في الزواج، ولكن الحياء يمنعني من مفاتحة والدتي ووالدي بالزواج، أرجو منك توجيهي وتوجيه والدتي ووالدي وجزاك الله خيراً؟
الجواب
على كل حال أظن أن ضرورة الزواج ومطلبه تحتم عليك أن تتجاوز وتتسلق سور الحياء، وأظن أنك إذا استحيت من مفاتحة والديك بالزواج فأنت حتماً ستستحي مما بعده.
стр. 527
البحث عن الزوجة الصالحة
السؤال
بعض الشباب تجده يرغب في الزواج ولكن تعوقه مشكلة قد تؤخره عن الزواج كثيراً، ألا وهي البحث عن الزوجة الصالحة النادرة في هذا الزمن، وربما يكون داعي الشهوة شديداً عليه ولكن يؤخر الزواج للبحث عن الصالحة، فماذا تنصحون رعاكم الله؟
الجواب
بعض الشباب عندما يرغب بالزواج يطرح بعض الشروط كأنه يطرح مناقصة تجارية، وهو أيضاً قد لا يحمل مؤهلات لأن يُرغب فيه، فحرص الشاب على رفيقة العمر وعلى مواصفاتها أمر مطلوب، لكن أيضاً يجب أن يعتدل، وأما ما يقوله بأن الزوجة الصالحة نادرة في هذا الزمان، فهذا قول غير صحيح ولا رصيد له من الواقع، فالحمد لله البيوت مليئة بالزوجات الصالحات الخيرات القانتات التي يصلحن لمثل هذا الشاب وأمثاله.
стр. 528
الفتور في الهمة بعد الزواج
السؤال
نرى بعض الشباب قبل الزواج نشيطاً وحريصاً على الخير وما أن يتزوج حتى تقل الهمة، وربما يتخلف كثيراً عن صلاة الفجر مع الجماعة، فبماذا تنصحون هؤلاء الشباب؟
الجواب
هذه ظاهرة، لكننا نرى كثيراً أيضاً من الشباب ممن يكون مفرطاً مهملاً فإذا تزوج ازداد حرصاً وطاعة وعبادة لله ، فلماذا نأخذ هذه الصورة ونترك الصورة الأخرى، هذا جانب.
والجانب الثاني: إذا كان يحصل هذا من البعض فالداء ليس في أصل الزواج، فالزواج أمر شرعه الله ؛ لكن الداء عند هذا الشاب فعليه أن يصلح نفسه.
стр. 529
الزواج سنة الأنبياء
السؤال
هل الأصل في المسلم الزواج؟
الجواب
نعم، هو الأصل وهو سنة النبي ﷺ ، ومن رغب سنة النبي ﷺ فليس منه.
стр. 530
الزواج ومعوقات العمل الدعوي
السؤال
يعتبر البعض أن الزواج عائق عن العمل الدعوي وخاصة الزواج المبكر، أرجو التوضيح؟
الجواب
ليس كذلك، بل هو مما يعين الإنسان فيخلصه من أثر التفكير بالشهوات وهمومها ومصائبها فيتفرغ همّه وتفكيره لما هو أنفع وأولى، وأحرص الناس على الدعوة هم أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، ومع ذلك ستتهم الزواج.
следующие страницы →