← Джавами‘

Джавами‘ · id 37383

دروس الدكتور راغب السرجاني

راغب السرجاني

Полный текст (242 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولا تهنوا ولا تحزنوا الأمة الإسلامية هي الأعلى والأعز مهما أصابها من الضعف والهوان والهزائم والنكسات؛ لأنها مرتبطة بالله ، وهذا ما ركز القرآن الكريم على غرسه في النفوس، وطبقه المصطفى ﷺ في تعامله مع أصحابه وقت الأزمات، فقد كان يبث في قلوبهم الأمل والتفاؤل، ويقضي على الإحباط واليأس.

стр. 37

المشاكل المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين، وأسأل الله أن يجازي خيراً كل من ساهم وأعد وحضر في هذا اللقاء. إخواني في الله! لا شك أن رمضان يأتي بفرحة على جميع المسلمين، على الصغير والكبير، وعلى الرجال والنساء، وعلى الأغنياء والفقراء، ومع أنه يأتي بفرحة على كل المسلمين إلا أننا في هذا الشهر وفي شهور رمضان السابقة نشعر في أنفسنا بغصة في الحلق؛ لأننا نرى أحوال المسلمين في بلاد العالم المختلفة فيها الكثير من المشاكل والمصائب والأزمات الطاحنة القوية الشديدة المؤثرة على سير الأمة، وليست فقط المشاكل السياسية والعسكرية في فلسطين وفي العراق وفي الشيشان وفي كشمير وفي السودان وفي غيرها، ولكنها مشاكل في فروع شتى كثيرة، وهذا يصيب المسلم بنوع من الألم والأسى، فمشكلة الأمية على سبيل المثال من أكبر المشاكل فهناك أكثر من ٥٠% من الأمة الإسلامية تعاني من الأمية التامة -عدم القراءة والكتابة-. وهناك مشاكل الفساد الإداري المنتشرة في كل بقاع العالم الإسلامي، ففي تقرير الأمم المتحدة سنة ٢٠٠٣م في قضايا الفساد الإداري والذي يعطي درجة من عشر درجات لكل دولة، أي أن الذي يحصل على عشر درجات من عشرة قد بلغ أعظم درجة في الشفافية والبعد عن الفساد الإداري جاء فيه أن العالم الإسلامي فيه دولة واحدة تعدت حاجز الخمسة من عشرة، وهي ماليزيا حصلت على ٥. ٣ من عشرة فقط، وبقية دول العالم الإسلامي كانت خمسة أو تحت الخمسة، فتونس حصلت على خمسة، وبقية دول العالم الإسلامي أكثر من ستين دولة حصلت على تحت الخمسة، ففيها يتفشى الفساد الإداري بشكل لافت للنظر. وقضايا الإنجاز العلمي والتقني في العالم الإسلامي فيها ترد كبير، فالعالم الإسلامي ينفق نسبة ضئيلة من دخله على الإنجاز العلمي، وأكبر دولة عربية تنفق على الإنجاز العلمي هي الإمارات، فهي تنفق (٠. ٦%) على الإنجاز التقني والعلمي -يعني: حوالي ستة في الألف- وهذه نسبة تعتبر مرتفعة نسبياً مقارنة ببقية دول العالم الإسلامي، إذ إن بقية دول العالم الإسلامي لا تنفق إلا (٠. ٣%) أو (٠. ٢%) على الإنجاز التقني والعلمي، في حين أن إسرائيل تنفق على الإنجاز التقني (٢. ٤%) ومصر تنفق (٠. ٢%)، أي: أن إسرائيل تنفق قدر مصر اثنا عشر مرة على الإنجاز التقني. وهذا كله يعطي مبررات لما نراه على الساحة، فهذه التغيرات الكبيرة جداً في العالم الإسلامي تعطي انطباعاً أن الأمة بعيدة عن القيادة والريادة. وعند النظر في كتاب الله نجد تبايناً كبيراً بين وصف رب العالمين لهذه الأمة وبين الواقع الذي تعيشه أمة الإسلام، فالله يقول في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. ويقول ﷺ : (أنتم شهداء الله في الأرض). ويقول ربعي بن عامر ﵁ وأرضاه ملخصاً مهمة المسلمين في الأرض: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. ثم إذا نظرنا إلى واقع المسلمين في هذا الوقت نجد تبايناً كبيراً، فالمسلمون اليوم لا يتبوءون المكانة التي وضعها فيهم ربهم . والأمم المتحدة أيضاً في تقرير آخر لها تقسم العالم حسب الإمكانيات العلمية في كل قطر إلى خمس فئات: فئة القادة، وفئة القادة المحتملون يعني: أنه من الممكن أن تصير دول قيادية مستقبلاً، والفئة الثالثة: النشطة، والرابعة: المهمشة، والخامسة: التي ليس لها أي اهتمام بقضية الإنجاز العلمي التقني. وللأسف الشديد فإن طبقة القادة كانت ثماني عشرة دولة ليس فيها دولة إسلامية واحدة، مع أن إسرائيل ضمن هذه الدول الثماني عشرة القائدة. والقادة المحتملون ثماني عشرة دولة أخرى فيها من الدول الإسلامية ماليزيا فقط. ثم النشطة فيها سبع أو ثمان دول إسلامية من أصل بضع وستين دولة إسلامية. ثم بعد ذلك المهمشة والأخيرة ويندرج فيها معظم بلاد العالم الإسلامي. هذه كلها أزمات إخواني في الله! وهي تتعارض مع وصف ربنا لأمتنا في كتابه، وهو يقول الحق المطلق فهناك خلل في الأمة في داخلها، والأمة لا تهزم مطلقاً

стр. 38

أساليب الخطاب في القرآن الكريم وهذا الزمان الذي كثرت فيه الأخطاء ووقعت فيه المصائب على الأمة تعالوا ننظر إلى لغة الحوار والخطاب من الدعاة إلى المدعوين، ومن العلماء إلى من يعلمون، ومن المدرسين إلى تلامذتهم، ومن الأزواج إلى زوجاتهم، ومن الآباء إلى أبنائهم. نعلم أن هناك أخطاء كثيرة وجسيمة، ولكن هل هذا الزمان زمان التقريع وعد الأخطاء وجلد الظهور بالسياط وإبراز هذه المشاكل الضخمة بصورة قد تقعد صاحبها عن الحركة وعن العمل وعن إعادة الإصلاح من جديد؟ أم زمن مد اليد وبث الأمل والتفاؤل في النفوس وإعطاء الأمة فرصة جديدة للقيام؟ وهي لا شك ستقوم؛ لأن هذا وعد رب العالمين . كثير من الدعاة يلهبون ظهور المسلمين بالسياط قائلين لهم: أنتم فعلتم كذا وكذا، وكانوا في السابق يفعلون كذا، وأنتم تفعلون كذا وكذا، وهم كانوا يفعلون كذا، حتى يصاب المسلم بالإحباط، وإذا أحبط فمن المستحيل أن يقوم، فالمحبطون لا يغيرون؛ لأن الإنسان المحبط ليس له طاقة على التغيير، ولذلك بث الأمل في الناس أمر في غاية الأهمية. وتعالوا ننظر إلى كتاب رب العالمين ، فالرسول ﷺ يقول: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك). فكل شيء واضح جلي في كتاب ربنا ، وفي سنة حبيبنا محمد ﷺ . فتعالوا ننظر إلى خطاب رب العالمين للمسلمين في حال القوة، وخطابه لهم في حال الضعف، خطابه في حال النصر وخطابه في حال الهزيمة، وخطابه في حال الانتصار والتمكين، وخطابه في حال الانكسار والمصيبة.

стр. 39

الإسلام لا يعترف بالإحباط واليأس ولقد نهج الرسول ﷺ في كل الأزمات التي مرت بالمسلمين هذا النهج فقد كان يبث الأمل في قلوب المسلمين، وكان يغضب كثيراً إذا رأى إحباطاً أو يأساً في قلب مسلم مهما كانت المسببات التي تؤدي إلى ذلك، ولا يعترف بأي مسبب، فلا يجوز للمسلم أن يحبط أبداً؛ لأنه مرتبط برب العالمين ، فالإحباط علامة على ضعف في العقيدة، وهذا لا يقبل من المسلم أبداً. وفي الفترة المكية التي كانت فترة الاستضعاف والقهر والتعذيب والبطش، والتي أصيب فيها المسلمون وقتلوا جاء خباب بن الأرت وقد كال له الكفار العذاب ألواناً ﵁ وأرضاه، حتى كانوا يكوونه بالنار، فقد كانوا يحمون السيوف في النار ثم يضعونها على رأسه ﵁ وأرضاه، وكانوا يحمون الفحم على الأرض حتى يحمر ويصير جمراً ثم يؤتى بـ خباب بن الأرت فيوضع فوق هذا الجمر ﵁ وأرضاه، ثم يأتون بصخرة عظيمة لا يحملها إلا رجال ويضعونها فوق بطنه وصدره وظهره على الجمر ﵁ وأرضاه، وتحمل كل هذا ﵁ وأرضاه وقد سأله سيدنا عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين وقال له: ما رأيت في الله يا خباب؟! أو ما أشد ما رأيت في الله يا خباب؟! فكشف له عن ظهره، فصرخ عمر بن الخطاب قائلاً: ما رأيت مثل هذا، فقد رأى ظهره وفيه حفر من هذه الجمرات التي كوي بها ﵁ وأرضاه ومن جراء هذا التعذيب والبطش والقهر ذهب إلى رسول الله ﷺ ، وكان الرسول ﷺ متوسداً بردة متكئاً في الكعبة، فقال له: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقام ﷺ -كما في البخاري - وهو محمر الوجه، فقد غضب ﷺ ؛ لأنه اشتم في كلام خباب رائحة اليأس، وإلا فنحن مأمورون بالدعاء وباستنصار رب العالمين ، وبالإلحاح على رب العالمين بالدعاء. فالكوي بالنار ليس مبرراً لليأس، فإن وصلت إلى ما وصل إليه خباب لا تيأس، ولا تحبط أبداً، فليس ذلك مبرراً للإحباط، وما نراه اليوم في بقاع العالم الإسلامي أهون بكثير مما فعل بـ خباب بن الأرت ﵁ وأرضاه، ثم قال له الرسول ﷺ : هذا الذي أصابك من الآلام لا يساوي شيئاً بالنسبة لمن سبق، فذكر له مثلاً من التاريخ، والتاريخ فيه العبر والعظات والتربية والمثل الواقعي، فقال له ﷺ : (إنه كان يؤتى بالرجل من قبلكم فيحفر له في الأرض حفرة ثم يوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار)، وتخيلوا واحداً وضع في هذا الوضع، (ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق اثنين وما يصده ذلك عن دينه)، فلو وصل الأمر إلى أن يأتي أحد بمنشار فيضعه على رأسك ليشقك اثنتين فلا تيأس، فأنت إلى الجنة صاعد بإذن الله رب العالمين إن ثبت، ومن حولك سينصرهم رب العالمين . وأحد المجاهدين في فتح فارس عربي بسيط لا نعرف اسمه ولكن الله يعلمه أسره رستم قائد الفرس وقال له: ما الذي دعاكم إلى الولوغ في بلادنا؟ فقال الرجل في ثبات -وهذه الرواية ينقلها أحد الفرس الذين أسلموا-: جئنا نبحث عن موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: أرضكم ودياركم وأموالكم إن لم تؤمنوا بالله . فقال رستم: إذاً تقتلون دون ذلك، فقال الرجل في يقين: من مات منا دخل الجنة، ومن بقي منا ظفر عليكم. فهذا وعد رب العالمين إما النصر وإما الشهادة، وهذا واضح في كتاب ربنا وفي أحاديث حبيبنا ﷺ . فقال له رستم: إذا وضعنا في أيديكم -يسخر منه- يعني: نحن في كلا الحالين ضائعون، فقال: أعمالكم وضعتكم في أيدينا. فقتله رستم ومات ﵁ وأرضاه، نسأل الله أن يجعله في أعلى عليين. ثم يقول له ﷺ في هذا الوقت الذي يعذب فيه المسلمون في مكة وقد حصروا في قرية صغيرة لا ترى على خارطة الأرض في ذلك الوقت: (والله)، وهو لا يحتاج إلى قسم ﷺ ، فهو الصادق المصدوق ﷺ ؛ ولكن من أجل أن يزرع هذا المعنى زرعاً في قلوب المسلمين في كل زمان ومكان وإلى يوم القيامة، (والله ليتمّن الله هذا الأمر)، فهذا الدين لا بد أن يتم وينتشر ويسود ويقود الأرض بكاملها، (والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). يا ألله! خباب بن الأرت بعد كل هذا العذاب يستعجل! ما بالك بالذي يستعجل قبل كذا بآلاف الخطوات ماذا يكون؟! فلا تستعجلوا فالعاقبة للمتقين، وهذا لا شك فيه، فهو وعد رب العالمين ، فثبت خباب ﵁ وأرضاه، فقد ذكّره بالتاريخ وبث

стр. 40

بث الرسول ﷺ للأمل في قلوب أصحابه في الأزمات

стр. 41

بث الرسول ﷺ للأمل في قلوب أصحابه في غزوة الأحزاب وفي غزوة الأحزاب لما حوصرت المدينة المنورة بعشرة آلاف، ووصل الموقف إلى درجة من الشدة حتى قال بعض المحاصرين: كان الرجل فينا لا يأمن على قضاء حاجته، فقد كانوا في حصار ومصائب وكوارث وحروب ومع ذلك لما عرضت لهم صخرة شديدة وذهبوا إلى الرسول ﷺ فجاء إليهم وأمسك بالمعول وضرب الحجر ضربة فانكسر ثلث الحجر، وتطاير الشرر، فقال ﷺ لصحابته: (الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء من مكاني هذا). فبشرهم بفتح الشام وهم محصورون في المدينة المنورة، وعجيب جداً أن يذكر ذلك الكلام في ذلك الموضع، (ثم قال: باسم الله وضرب الضربة الثانية فتكسر ثلث الحجر وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم ضرب الضربة الثالثة فقلع بقية الحجر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر صنعاء من مكاني هذا). فبشرهم بفتح اليمن وفارس والشام وهم في ذلك الحصار، والمسلمون يسمعون ويصدقون، والمنافقون يقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وأما المؤمنون فلما رأوا الأحزاب ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، وهذا الإيمان والتسليم واليقين هو الذي قادهم إلى فتح هذه البلاد.

стр. 42

بث الرسول ﷺ للأمل في قلوب أصحابه في الفترة المكية كان ﷺ يمر على مجالس قريش ويقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا (كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم)، فكان يخاطبهم بذلك في الفترة المكة ويبشر المسلمين المحصورين في الفترة المكية بسيادة الأرض وملك العرب والعجم، أي: فارس والروم أكبر دولتين في الأرض في ذلك الزمن، وكانتا تقتسمان العالم في ذلك الزمن، النصف الشرقي فارس، والنصف الغربي الروم، ومع ذلك كان ﷺ في زمان الاستضعاف والقهر والتعذيب والبطش والإحاطة من الكفار للمسلمين كالسوار حول المعصم الفترة المكية يبشر ويبث الأمل في قلوب المسلمين. ثم مكن الله الذي قال: لا إله إلا الله من أهل مكة من فتح هذه البلاد ومن نشر دين الله في ربوع الدنيا، وأما الذي لم يقلها فقد سحب في قليب بدر بعد ذلك مشركاً كافراً، وقد كان الفارق بين هذه الكلمات وبين معركة بدر ثلاثة عشر أو أربعة عشر سنة فقط، وليس بشيء في عمر الأمم إخواني في الله، فمن الممكن في الوقت الحاضر بعد ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة فقط -وليس ذلك على الله بعزيز- أن تكون أمة الإسلام هي الأمة الرائدة في الأرض، وهذا بيد الله ، ولكن ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]. و (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا). والقول لا يكون فقط باللسان ولكن بالفعل، أن تعرف معنى لا إله إلا الله، وترتبط بالله ، فلا تلجأ إلا إليه، ولا تطلب إلا منه، ولا تعتمد إلا عليه . هذه هي لا إله إلا الله الحقيقية التي أرادها منا ربنا ، فإن قلناها بهذا المفهوم فتح الله علينا بلاد الأرض جميعاً، وملكنا الأرض في الدنيا، وأعطانا في الآخرة الجنة. وفي أشد لحظات المعاناة خرج ﷺ من مكة إلى الطائف بعد أن أغلقت أمامه أبواب الدعوة تماماً في مكة، وكانت أول مرة يخرج فيها ﷺ من مكة إلى غيرها؛ لأنه في السابق كان هناك مجال للدعوة داخل مكة، وأما الآن فلا يوجد مجال الدعوة، فقد أغلقت القلوب تماماً بعد موت أبي طالب وبعد موت السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، وسمي ذلك العام بعام الحزن، ولم يدخل في ذلك العام رجل واحد في دين الله من أهل مكة. ودعا ﷺ في مكة قبل أن يخرج إلى الطائف بدعاء ما دعا به مطلقاً قبل ذلك في مكة؛ تعبيراً عن عدم توقعه لإيمان أي أحد من هؤلاء الذين ذكرهم في الدعاء، ففي العام العاشر من البعثة وقف ﷺ في وسط الكعبة ورفع يده إلى السماء وقال: (اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بـ عتبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ شيبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ أبي جهل، اللهم عليك بـ أمية بن خلف، اللهم عليك بـ عقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بـ الوليد بن المغيرة)، وعد السابع فلم يحفظ، وفي رواية أنه: (عمارة بن الوليد) وقبل هذا كان يقول: (اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام)، ثم خرج ﷺ في هذا الجو الصعب إلى الطائف، وفي الطائف وجد ما نعرفه جميعاً من صد عن سبيل الله ومن إلقاء الحجارة عليه وعلى زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، ومن إلقاء التراب فوق رأسه الكريم ﷺ ، وما آمن رجل واحد داخل الطائف، وظلوا يتابعونه ﷺ خمسة كيلو خارج الطائف، ويجرون وراءه ﷺ وهو يسرع الخطى ومعه زيد بن حارثة ﵁، ثم دخل حائطاً لـ عتبة بن ربيعة الذي دعا عليه، وكانت الحالة التي أصابته ﷺ قد جعلت قلب الكافر يرق له وتحرك فيه عاطفة الرحم، فبعث له عنقود عنب ﷺ ، ولم يخرج من كل هذه الزيارة إلا بـ عداس ﵁ وأرضاه، فقد آمن عداس الغلام النصراني، ثم خرج من الحديقة متجهاً نحو مكة، والمسافة بين مكة والطائفة مائة كيلو متر مشاها ﷺ على الأقدام، قال ﷺ : (فانطلقت مهموماً على وجهي)، أي: أنه في قمة الألم، (فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب). والمسافة بين قرن الثعالب وبين الطائف ٣٥ كيلو متراً، فكل هذه المسافة لم يشعر بها ﷺ ، فقد كان في شبه إغماء، ومع كل هذه المعاناة فقد رجع مرة أخرى إلى مكة وهو في حالة من الضيق؛ إذ كيف سيدخل مكة وقد ذهب إلى الطائف يطلب النصرة منها على أهل مكة، وقد رآه عتبة بن ربيعة فهذا أمر صعب جداً. حتى قال له زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه: كيف تدخل مكة وقد أخرجوك؟ إلا

стр. 43

أساس دعوة الإسلام تغيير القلوب وعندما جلس ﷺ يحادث بني شيبان وكان رأسهم أربعة منهم: المثنى بن حارثة ﵁ وكان لا يزال مشركاً، وقد كانوا وفداً في منتهى الأدب، فاستمع المثنى إلى كلام الرسول ﵊ واقتنع به ولكنه كان خائفاً خوفاً شديداً لأنهم بجانب العراق التابعة لفارس، فقال المثنى: نحن ننصرك من العرب، لكن فارس لا نستطيع، فإنا نزلنا على عهد مع ملك فارس أن لا نحدث حدثاً ولا نؤي محدثاً، أي: لا نعمل شيئاً جديداً ولا ندافع عن أحد أتى بشيء جديد، وإنا نرى أن ما أنت عليه مما تكرهه الملوك، فلا نستطيع أن ندافع عنك ضد فارس، فقال الرسول ﵊: (ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق). ورفض ﷺ هذا العرض المغري بأن تدافع عنه بنو شيبان ضد كل العرب دون فارس؛ لأنهم يشترطون شرطاً يدل على غياب العقيدة في النفوس، ثم قال لهم الرسول ﷺ كلمة في منتهى الدقة والأهمية، فقال: (إن هذا الدين لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه)، أي: من أخذه كاملاً وأما غير ذلك فلا ينفع، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]. فهل ستدافع عني ضد قريش وثقيف وبني أسد ولا تدافع عني ضد فارس؟ فهل أنت تقاتل من أجل الله أو من أجل نفسك؟ فإن خلصت النوايا فأنت لله في أي مكان، (إن هذا الدين لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه)، ثم قال لهم كلمة في غاية الأهمية، قال لهم: (هل رأيتم إن تلبثون إلا قليلاً حتى يفرشكم الله أرضهم وديارهم ونساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟)، أي: سيأتي يوم يعطينا ربنا كل فارس فهل ستدخلون حينها في هذا الدين؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك. أي: لو حصل ذلك فسندخل معك حينها، وهذا تعبير يدل على أنه ليس مقتنعاً، وتمر الأيام ويتحقق وعد الصادق المصدوق ﷺ . وبعد أن كان الذي يدخل إيوان كسرى ولجلس على بعد خمسة عشر متراً منه يعتبر ذلك شرفاً له أبد الدهر، بمجرد أنه دخل عليه ولو لم يقعد بجانبه ولم يتكلم معه، بل كان يدخل إيوان كسرى يضع على وجهه غلالة من القماش الأبيض حتى لا تلوث أنفاسه الحضرة الملكية فقد كانت مكانة كسرى عندهم مكانة عظيمة، وكبيرة جداً، ولا يمكن أن يتصوروا أن يغزوا فارس ولا يخطر على بالهم ذلك أبداً. وتمر الأيام ويسلم المثنى بن حارثة الذي كان يخشى فارس وكان صاحب حزب بني شيبان، فكان من قواد المسلمين في فتح فارس، وكان الذراع الأيمن لـ خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه في كل مواقع العراق فـ المثنى بن حارثة لم تختلف مهارة العسكرية ولا قوته الجسدية، وإنما الذي اختلف أن قلبه ارتبط برب العالمين فتغير تماماً، وأصبح ملك فارس عنده هيناً حقيراً بسيطاً؛ لأنه يرتبط برب العالمين . وهذه هي النفسية التي ربى رسول الله ﷺ عليها أصحابه، كان ﷺ يبشر أصحابه ويقول لهم كما روى الإمام مسلم ﵀ عن ثوبان ﵁ وأرضاه: (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها). ومن الخطورة أن تشك أن ملك أمة الإسلام سيصل إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ لأن الحرب في حقيقتها بين الله وبين من خرج ومرق عن دينه ، وليس لأحد بحرب الله طاقة. والله دائماً ينسب إلى نفسه المكر والكيد والنصر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، فينسب إلى نفسه ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل:٥٠]، هكذا ينسب إليه . وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال:١٧]، فالذي يشك في نصر الله كأنه يشك في قدرته ، والذي يقول: إن الحرب الآن مختلفة عن الأزمان السابقة، فهي الآن حرب ذرية وحرب صواريخ وأقمار صناعية، وفي الماضي كانت الأمور بسيطة كأنه يقول: إن الله كان قادراً على فارس والروم وهو ليس بقادر على غيرهم، وحاشا لله. فالحرب في حقيقتها هي بين الله وبين من مرق عن دينه من عباده الضعفاء، وكل الأرض بكاملها في قبضته ، كما قال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. هو المعنى الذي زرعه ﷺ في قلوب أصحاب

стр. 44

ركون الأمة إلى الدنيا سبب في ضعفها وهوانها واحذروا من قاعدة في منتهى الخطورة، وسنة من سنن الله اسمها سنة الاستبدال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، فإن تولى المسلمون استبدلهم الله ، ويكون الاستبدال على مستوى الفرد والجماعة والأمة بكاملها، فلا بد أن ينتصر دين الله ، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، بشرط: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. وهذا وعد من الله ، والذي يشك في هذا الوعد فهو يشك في قدرة رب العالمين ، وهو القائل : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، فهذه كلها دلائل على أن نصر الله لا بد أن يتحقق لمن يعمل لله ؟ والله مع أنه رفع الهمة وبث الأمل ونشط المسلمين فقد علم المسلمين المنهج الواقعي في معالجة الأمور، فليس معنى رفع الهمة الغفلة عن الأخطاء وعدم ذكر العيوب، لا، فلابد أن نذكر ولكن بصيغة لطيفة، ولنرفع الهمة ونصلح الأوضاع، ولنكن إيجابيين نكتشف الأخطاء ونصلحها ونرفع الهمة عند المسلمين، ولا نقرع الأبدان، ولا نلهب الظهور بالسياط، ولكن بلطف وبرقة وببث الأمل. يقول الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]، فهو يضع أمام المسلمين السبب الرئيسي للهزائم في الدنيا، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]. وأول آية بعد معركة بدر هي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]. يقول ﷺ في الحديث الذي أخرجه أبو داود ﵀ عن ثوبان ﵁ وأرضاه واصفاً داء الأمة الخطير: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)، أي: أن أهل الأرض يجتمعون على أمة الإسلام ليأكلوا منها، بل ويدعو بعضهم بعضاً للأكل منها، فلا تكتفي أمة بالأكل من أمة الإسلام ولكن تدعو غيرها للأكل من أمة الإسلام. (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول في عون المعبود شرح سنن أبي داود: الغثاء: هو الوسخ الذي يعلو السيل، إذا شرّق السيل شرّق، وإذا غرّب السيل غرّب، وليس له إرادة، فهو لا يتحرك بإرادته، ولكن يتحرك بإرادة السيل، أينما ذهب السيل فهو معه. (ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم). فالأعداء يرون المسلمين ملياراً وثلث المليار ولا يكترثون بهم. (ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم، وليلقين في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال ﷺ : حب الدنيا وكراهية الموت)، وحب الدنيا: أن يتمسك الإنسان بالدنيا ويحبها ويرتبط بها، ويكره أن يموت، ويكره لقاء الله والموت والشهادة في سبيله الله ، فإذا وصلت الأمة إلى هذه الحالة كانت النكبات والكوارث والمصائب على رأسها، فالدنيا خطيرة، ولما فقه المسلمون قيمة الدنيا وعلموا أنها فانية زائلة، وأن الفائز حقاً هو من انتصر على نفسه وغلب دنياه وعاش لله فقط فتح الله عليهم الدنيا بكاملها، وأعطاهم إياها وهم يزهدون فيها. ولقد فسر لنا خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه كيف كان ينتصر عندما بعث رسالة إلى هرمز يقول له فيها: أسلم تسلم، أو اختر لنفسك ولقومك الجزية، وإلا أتيتك برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فالجيش والشعب الذي يحب الموت في سبيل الله، والأمة التي تحب الموت في سبيل الله هي الأمة التي يكتب لها الله النصر، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. وختاماً:

стр. 45

ركون الأمة إلى الدنيا سبب في ضعفها وهوانها واحذروا من قاعدة في منتهى الخطورة، وسنة من سنن الله اسمها سنة الاستبدال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، فإن تولى المسلمون استبدلهم الله ، ويكون الاستبدال على مستوى الفرد والجماعة والأمة بكاملها، فلا بد أن ينتصر دين الله ، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، بشرط: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. وهذا وعد من الله ، والذي يشك في هذا الوعد فهو يشك في قدرة رب العالمين ، وهو القائل : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، فهذه كلها دلائل على أن نصر الله لا بد أن يتحقق لمن يعمل لله ؟ والله مع أنه رفع الهمة وبث الأمل ونشط المسلمين فقد علم المسلمين المنهج الواقعي في معالجة الأمور، فليس معنى رفع الهمة الغفلة عن الأخطاء وعدم ذكر العيوب، لا، فلابد أن نذكر ولكن بصيغة لطيفة، ولنرفع الهمة ونصلح الأوضاع، ولنكن إيجابيين نكتشف الأخطاء ونصلحها ونرفع الهمة عند المسلمين، ولا نقرع الأبدان، ولا نلهب الظهور بالسياط، ولكن بلطف وبرقة وببث الأمل. يقول الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]، فهو يضع أمام المسلمين السبب الرئيسي للهزائم في الدنيا، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]. وأول آية بعد معركة بدر هي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]. يقول ﷺ في الحديث الذي أخرجه أبو داود ﵀ عن ثوبان ﵁ وأرضاه واصفاً داء الأمة الخطير: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)، أي: أن أهل الأرض يجتمعون على أمة الإسلام ليأكلوا منها، بل ويدعو بعضهم بعضاً للأكل منها، فلا تكتفي أمة بالأكل من أمة الإسلام ولكن تدعو غيرها للأكل من أمة الإسلام. (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول في عون المعبود شرح سنن أبي داود: الغثاء: هو الوسخ الذي يعلو السيل، إذا شرّق السيل شرّق، وإذا غرّب السيل غرّب، وليس له إرادة، فهو لا يتحرك بإرادته، ولكن يتحرك بإرادة السيل، أينما ذهب السيل فهو معه. (ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم). فالأعداء يرون المسلمين ملياراً وثلث المليار ولا يكترثون بهم. (ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم، وليلقين في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال ﷺ : حب الدنيا وكراهية الموت)، وحب الدنيا: أن يتمسك الإنسان بالدنيا ويحبها ويرتبط بها، ويكره أن يموت، ويكره لقاء الله والموت والشهادة في سبيله الله ، فإذا وصلت الأمة إلى هذه الحالة كانت النكبات والكوارث والمصائب على رأسها، فالدنيا خطيرة، ولما فقه المسلمون قيمة الدنيا وعلموا أنها فانية زائلة، وأن الفائز حقاً هو من انتصر على نفسه وغلب دنياه وعاش لله فقط فتح الله عليهم الدنيا بكاملها، وأعطاهم إياها وهم يزهدون فيها. ولقد فسر لنا خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه كيف كان ينتصر عندما بعث رسالة إلى هرمز يقول له فيها: أسلم تسلم، أو اختر لنفسك ولقومك الجزية، وإلا أتيتك برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فالجيش والشعب الذي يحب الموت في سبيل الله، والأمة التي تحب الموت في سبيل الله هي الأمة التي يكتب لها الله النصر، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. وختاماً:

стр. 46

رمضان وبناء الأمة رمضان عامل بناء عظيم للأمة، فعلى الأمة ألا تضيع هذا العامل الهام جداً، بل تقوم باستغلال هذا العامل استغلالاً صحيحاً؛ ليؤدي مفعوله، وتظهر نتائجه، فالأمة في أشد الحاجة إلى إعادة بنائها البناء الصحيح المتكامل، وفق شرع الله ؛ حتى تستعيد سيادتها وقيادتها لسائر الأمم، فهي الأمة المستحقة لأن تسود العالم وتقوده.

стр. 47

دور رمضان في بناء الأمة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا الجمع المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. وبعد: كما تعلمون فنحن وأمة الإسلام جميعاً نعيش لحظات عظيمة من السعادة؛ لأننا نقترب من حدث جليل، حدث يفيض على أمة الإسلام كل عام باليُمن والبركات والخير والرحمة، حدث ينتظره الكبير والصغير، ينتظره الرجل والمرأة، ينتظره الغني والفقير، ألقى الله محبته في قلوب المؤمنين جميعاً، حتى في قلوب الأطفال، نحن ننتظر شهر رمضان، ونحن نرى إلى أي حد تكون سعادة الأطفال برمضان، وهم لا زالوا لا يعرفون صياماً ولا قياماً ولا ثواباً ولا حسنات، نرى انتظار الناس لرؤية الهلال وإلى أي حد تكون الفرحة في القلوب عندما نعلم أن رمضان غداً. شهر رمضان يا إخوة عظيم جداً في ميزان الإسلام، فتعالوا نرى وصف رسول الله ﷺ لهذا الحدث الجليل، روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ : قد جاءكم شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه). هناك أحداث ضخمة حصلت وستحصل في هذا الشهر، كما أخبر رسول الله ﷺ عن تغييرات كونية هائلة: أولاً: (تفتح فيه أبواب الجنة). ثانياً: (وتغلق فيه أبواب الجحيم). ثالثاً: (وتغل فيه الشياطين). إذاً: فيه فرص لعمل الخير، ودخول الجنة، والنجاة من النار، والانتصار على الشياطين، فرص كبيرة جداً في رمضان، وهو شهر رحمة من الله ، يعود فيه المؤمن إلى ربه، ويهدم فيه المؤمن كل ما بناه إبليس وأتباعه في شهور طويلة، ثم هو هدية من الرحمن ، يقول الرسول ﷺ في نفس الحديث: (فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)، وأنا في رأيي أن نترك تحديد ليلة القدر بثلاث وثمانين سنة كما تقول الناس، إنما الأمر في تقدير الله ، والأمر للتعظيم والتبجيل والتكريم، والموفق لخير هذه الليلة هو من وفقه الله ، وليس كل الناس ستعرف ليلة القدر، وليس كل الناس ستستغل ليلة القدر. إذاً: الموفق هو من بذل وتعب وسهر وقدم لإدراك تلك الليلة، هو من اشتاق إليها اشتياقاً حقيقياً، ننتظر ليلة القدر، هو من كان قبل رمضان يحسب الحسابات كم بقي من الأيام على مجيء رمضان، هو من ظل أثناء رمضان يخشى أن ينتهي الشهر الكريم، عنده استعداد كبير لحدث كبير. نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يوفقنا فيه إلى صالح العمل، وأن يهبنا فيه رحمة ومغفرة وعتقاً من النار. حديثي معكم اليوم عن رمضان ليس حديثاً تقليدياً لن أتحدث عن أحكام رمضان، ولن أتحدث عن فضائل رمضان، ولن أتحدث عن آداب رمضان، ولكن سأتحدث معكم اليوم عن دور رمضان في بناء الأمة الإسلامية، حديثي معكم اليوم من القلب، وأسأل الله أن يصل أيضاً إلى القلب. الأمة الإسلامية يا إخواني صرح عظيم هائل، وبناء الأمم بصفة عامة أمر شاق مهول، فما بالكم لو كنا نبني خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. ما بالكم لو كنا نبني الأمة الشاهدة الوسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، هذا البناء الضخم يحتاج إلى مجهود عظيم وتفكير عميق وإمكانيات هائلة، كما أنه يحتاج إلى أساس متين قوي يستطيع أن يحمل فوقه البناء الهائل، فأي عمارة ضخمة تحتاج إلى أساس متين، والله وضح لنا في شرعه كل شيء، وضح لنا كيف يكون الأساس لهذا الصرح العظيم، صرح الإسلام. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) ها هو البناء يبنى على أساسات وأعمدة خمسة: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)، خمسة أعمدة رئيسية منها: صوم رمضان، هذا أمر في غاية الأهمية. الإسلام دين واسع جداً، دين يشمل كل أمور الحياة، يشمل عقيدة وصلاة وصوماً وحجاً وعمرة، يشمل زكاة وصدقة واعتكافاً وقياماً، ويشمل علوماً مختلفة وآداباً عديدة، وفضائل جمة، يشمل بيوعاً ومعاملات وتجارة وزراعة وصناعة، يشمل حروباً ومعاهدات وأحلافاً

стр. 48

إرهاصات ما قبل فرض صيام رمضان ودورها في بناء الأمة عندما كنت أراجع الأحداث التي تمت في شهر شعبان سنة (٢هـ) اكتشفت أنه قد حدثت في هذا الشهر أمور كثيرة من أعظم الأمور التي مرت في تاريخ المسلمين، أذكر أنني أحصيت لكم منها أربعة أمور في دروس السيرة النبوية، وهي أمور في غاية الأهمية، وكلها حدثت في شهر شعبان سنة (٢هـ) وهذه الأمور هي: أولاً: فرض الصيام في رمضان، هذا الموضوع الذي نتكلم فيه في هذا النهار. ثانياً: فرض الزكاة، الزكاة كانت مفروضة في مكة، لكن من دون تحديد للنصاب والأحكام المختلفة، فحدد ذلك في شعبان سنة (٢هـ). ثالثاً: فرض القتال على المسلمين بعد أن كان مأذوناً به فقط، قال الله : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠]، نزلت في شعبان. رابعاً: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في النصف من شعبان سنة (٢هـ). هذه أحداث في غاية الأهمية وكلها حدثت في شهر واحد في شهر شعبان سنة (٢هـ) لماذا؟ لأنه في شهر رمضان (٢هـ) سيحدث أمر هام جداً يحتاج إلى كثير إعداد وإلى عظيم تربية، ستحدث غزوة بدر الكبرى، في (١٧) رمضان سنة (٢هـ). إذاً: هذه الأمور الأربعة هي لإعداد الجيش المجاهد الذي سيدخل في المعركة الفاصلة، هذه الأمور الأربعة شرعت لبناء الأمة المجاهدة، الأمة التي يرجى لها أن تنتصر على غيرها من الأمم، الأمة التي تقود غيرها لا تقاد بغيرها، الأمة التي تسود غيرها لا تساد بغيرها.

стр. 49

رمضان وتنقية الصف المسلم من الأمور الإعدادية البنائية لصيام رمضان، يا ترى ما هو الذي سيعمله رمضان في إعداد الجيش المجاهد، أو في إعداد الأمة المجاهدة، أو في إعداد الأمة الرائدة؟ رمضان في تصوري سيفعل ثلاثة أشياء: تنقية، وتميز، وتربية، ماذا يعني هذا الكلام؟ أولاً: رمضان وتنقية الصف المسلم، رمضان سيعمل تنقية للصف المسلم، رمضان سيزيل الشوائب من الصف المسلم، كثير من الناس يتسمى بأسماء إسلامية ومحسوب على أمة الإسلام وهو لا يحمل همها، كثير من الناس أسلموا رغباً أو رهباً، أو ولدوا هكذا مسلمين ولم يكن لهم اختيار ولم يكن لهم رغبة حقيقية في الإسلام، والأمور في حالات السلم والرخاء قد لا تكون شديدة الوضوح، ولكن في وقت الجهاد والجد والحرب ولقاء الأعداء لا بد أن يكون الصف ثابتاً، ولا يثبت في أرض الجهاد إلا صادق الإيمان، لا بد من انتقاء المسلمين الصالحين للثبات وللجهاد، لا بد من انتقاء المسلمين الصالحين لدخول بدر الكبرى، وانتقاء الصالحين كذلك لدخول ما شابه بدراً الكبرى، الكل يقول: أنا مسلم ثابت؛ لكن أين الصادقون؟ وأين الكاذبون؟ لا بد من اختبار وامتحان، ورمضان هو اختبار هام يحدث خلاله وبعده تنقية للصف المسلم من الشوائب، الذي سيفشل في الامتحان لا تبن عليه حساباتك، الذي يثبت في رمضان سيثبت إن شاء الله في غيره، ولكي يكون الاختبار حقيقياً لا بد أن يكون صعباً، يا ترى ما هي صعوبة رمضان؟ صعوبة رمضان ترجع إلى أمور: منها: أنه فرض، وطبيعة الناس أنها تنفر من الفروض والتكليفات. ومنها: أنه شهر كامل متصل، والأعذار فيه محدودة، وليس لك بديل إلا بعذر مقبول شرعاً. قد يأتي رمضان في الحر، قد يأتي في وقت تزدحم فيه الأعمال عليك، قد يأتي في وقت تكثر فيه مشاغلك وهمومك، شهر كامل متصل محدد لا يصلح الذي قبله ولا الذي بعده بدلاً عنه، وأيضاً هو صعب؛ لأنه خروج عن المألوف، شهوة الطعام والشراب والجماع، هي شهوات مزروعة في داخل كل إنسان، في رمضان ستخرج خروجاً تاماً عن المألوف ستجوع ستعطش ستتعب ستنهك، ولكن يجب أن تصبر، وأصعب من كل ذلك أن تصوم صياماً حقيقياً كما أراد الله ، ليست المسألة في رمضان مسألة طعام وشراب وشهوة فقط، ولكن الأمر أكبر من ذلك، الاختبار أصعب من ذلك، على سبيل المثال: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). وفي رواية أيضاً في البخاري وأبي داود وأحمد: (من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل)، أي: الجهل على الناس، أو صفات الجهل بصورة عامة: (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). إذاً: لا بد أن تدرك أنك في رمضان ستدخل في اختبار صعب، إن نجحت فيه كنت مؤهلاً لحمل الأمانة ولبناء الأمة، وإن فشلت فليس لك مكان في الصرح العظيم، ليس من المعقول لفرد مسلم مؤمن يدخل في اختبار عظيم كاختبار رمضان أن يقضي الساعات الطوال أمام التلفاز مثلاً، أو في حل (الفوازير) في الجرائد والمجلات، أو حتى في الطعام والشراب الحلال في وقت الإفطار، ليس من المعقول أن يقضي المسلم الواعي الأوقات الطويلة في لعب الكوتشينة والطاولة وما شابه ذلك، بحجة أنه يسلي نفسه، ليس من المعقول أن يذهب الصائم إلى عمله متأخراً ويخرج منه مبكراً، ويقضي نصف نهاره نائماً، والسبب أنه صائم. اعلم أخي المسلم! أن رمضان اختبار لتنقية صف المسلمين، من الذي يختبرك؟ إنه الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. رمضان اختبار دقيق، فكل لحظة وكل ثانية هناك تقييم رباني أو تقويم رباني لأدائك في رمضان، يا ترى كم ستأخذ في المائة في امتحان رمضان؟ يا ترى لو أنت مستشعر فعلاً أن الله يراقبك في امتحان رمضان ماذا ستفعل في رمضان؟ إذاً: ربنا ينقي الصف المؤمن الثابت في رمضان، فانتبه انتبه أن تكون من المطرودين، أو أن تكون مليئاً بالشوائب، فرمضان فرصة عظيمة لإثبات الوجود، فرصة عظيمة لبناء الأمة الإسلامية، وقد يقول شخص لي: أنت تقول: الأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية، هل أنا الذي سأصنع الفارق مع بناء الأمة الإسلامية؟ أقول له: نعم يا أخي أنت الذي ستصنع الفارق، الأمة وإن كانت كلمة كبيرة إلا أنها مجموعة أفراد، الأمة هي أنا وأنت وأخي وأخوك وابني وابنك، وأختي وأختك، وبنتي وبنتك، هذه هي الأمة، وبعد ذلك لو لم يكن هناك أهمية لهذا لدى الأمة، فليكن له أهمية عندك أنت شخصيًا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]. إذاً: أول شيء نعرفه عن رمضان أنه اختبار دقيق يراقب الله فيه أفعال العباد، فينتقي الصالحين ويطرد الفاسدين، و

стр. 50

رمضان والتميز الوسيلة الثانية من وسائل رمضان لبناء الأمة الإسلامية: هي التميز. إلى أي حد جميل أن يشعر المسلمون بالتميز عن غيرهم، وبالهوية الإسلامية، كان المسلمون في السنة الأولى في المدينة المنورة يصومون يوم عاشوراء مع اليهود، وكان فرضاً على المسلمين، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال رسول الله ﷺ : أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه - أي: يوم عاشوراء -، ومن شاء تركه). الآن بعد فرض صيام رمضان ستتميز الأمة الإسلامية عن غيرها، ستصوم شهراً خاصاً بها، من المؤكد أنها ستشعر بالعزة لهذا التميز، وأيضاً في نفس الشهر الذي فرض فيه صيام رمضان وهو شهر شعبان سنة (٢هـ) ستحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، تميز جديد قبلة واحدة لكل المسلمين، وليست لأحد إلا للمسلمين، وهذا الشعور بالتميز وبالهوية الإسلامية أداة حتمية من أدوات النصر والتمكين؛ فالأمة التي تشعر بأنها تبع لغيرها أمة لا تسود ولا تقود، والأمة التي ألفت أن تقلد غيرها وتتبع سننهم وتسير على مناهجهم وتعمل بعاداتهم ومعتقداتهم هي أمة لا تستحق القيام، أمة منهارة، أما أمة الإسلام الحقيقية فهي أمة متميزة لها هويتها الخاصة، ولها شكلها المعروف، ولها سماتها الأصيلة، ولها صفاتها المحددة. وهكذا فإن رمضان يشعر المسلمين بالتميز عن غيرهم، وهذا من شأنه أن يعلي الهمم ويقوي من العزائم ويربط على القلوب. إذاً: هذه كانت الوسيلة الثانية من وسائل رمضان لبناء الأمة الإسلامية: التميز عن غيرها من الأمم.

стр. 51

رمضان والتربية الوسيلة الثالثة الهامة جداً من وسائل رمضان لبناء الأمة الإسلامية: التربية، هذه التربية في الحقيقة ستأخذ منّا وقتًا؛ لأنها نقطة في غاية الأهمية. فالصف المسلم الذي يؤهل لقتال في بدر أو فيما شابه بدراً يحتاج لنوع خاص جداً من التربية، ورمضان يقوم بهذه المهمة، ليس أي شخص يا إخوة يستطيع أن يجاهد، ليس أي شخص يستطيع أن يضحي، ليس أي شخص يستطيع أن يثبت، رمضان إن صمته كما أراد الله لك أن تصومه رباك لتكون أهلاً لهذه المهمة، رباك لتكون أهلاً لحمل الأمانة، رباك لتكون حجراً راسخاً في صرح الأمة العظيم.

стр. 52

التربية على كف الشهوات والتحكم فيها ثانياً: رمضان يربي المسلمين على كف شهواتهم، أو قل على التحكم في شهواتهم، إلى أن تجعل في مكانها الصحيح، تدريب عظيم على عمل نبيل، يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) (لحييه) هما العظمان في جانب الفم، وبين هاتين العظمتين اللسان والفم، فيشمل ذلك الكلام، والطعام، والشراب، وما بين الرجلين: الفرج، فما هو دور رمضان في هذا الأمر؟ رمضان يدرب المؤمن تدريباً عظيماً على حفظ هذه الأشياء جميعاً. استمع إلى حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه)، لاحظ الصيام منع الطعام: (ما بين لحييه)، والشهوات: (ما بين رجليه)، (ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه - أي: جعلته يسهر في قيام الليل- فيشفعان)، تدريب عظيم على التحكم في الشهوات. ومعلوم أن المؤمن يمتنع في رمضان عن أمور هي في أصلها حلال ولكن حرمت في نهار رمضان فقط، وهي حلال سائر العام، بل هي حلال في ليل رمضان: الطعام بأنواعه، والشراب بأنواعه، والجماع مع الزوجة، فالذي يستطيع أن يمنع نفسه من أمور حلال اعتاد عليها سيكون أقدر بعد ذلك على منع نفسه من أمور حرام، لا شك أنه سيكون أقدر على منع نفسه من الطعام الحرام، والشراب الحرام، والعلاقات المحرمة، وهكذا. وهذا سؤال هام: ما هو دور التحكم في الشهوات في بناء الأمة المجاهدة؟ ما هو دور التحكم في الشهوات في بناء الفرد الصالح للانتصار والتمكين؟ يا ترى لماذا الفرد المجاهد يحتاج أن يتدرب جيداً في مدرسة الصيام؟ ما هي علاقة الجهاد بالصيام؟ الجهاد يا إخوة مشقة شديدة، وستأتي على الأمة المجاهدة أوقات لا تجد فيها طعاماً ولا شراباً ولا زوجة، ومن كان معتاداً على الصيام فهو على الجهاد أقدر من غيره. في غزوة تبوك كان الطعام سائر اليوم لا يعدو حفنة تمر، وانقطع عنهم الماء فترة طويلة جداً. وفي غزوة ذات الرقاع تقطعت أحذيتهم من السير الطويل، وبدءوا يسيرون على الرمال الملتهبة، حتى اضطروا إلى ربط رقاع من الأقمشة على أقدامهم. وفي غزوة خيبر قل الطعام جداً في أيديهم، حتى ذبحوا الحمر الأهلية وطبخوها وهموا بأكلها، ولكن رسول الله ﷺ منعهم من ذلك وحرمها عليهم، فتنة كبيرة جداً، لا يثبت فيها إلا الصائمون الذين اعتادوا الصيام في أيام الرخاء، فمنّ الله عليهم بالثبات في أيام الشدة. كانوا يغيبون في الثغور مدداً طويلة تصل أحياناً إلى شهور بل سنوات، نعم حددها عمر بن الخطاب ﵁ بعد ذلك بأربعة أشهر، ولكن ذلك عندما يكون هناك جيش بديل يستطيع أن يرسل هذا ويأتي بذلك، ولكن قد يحتاج الجهاد كل الطاقة فيمكثون في الثغور إلى ما شاء الله. نحن رأينا في موقعة تستر الفارسية لما تكلمنا عن فتوح فارس، كيف أن المسلمين في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه حاصروا تستر ثمانية عشر شهراً متصلة سنة ونصفاً، هذا يحتاج إلى تدريب، والمؤمن في رمضان يشعر بهموم أمته ويستشعر هذه الأمور وهو صائم، فيصبح صيامه تدريباً عملياً على الجهاد، ويكون صادقاً مع الله ، ومع نفسه في إعدادها ليوم يعز الله فيه الإسلام. الأمر الآخر في علاقة الصيام بالجهاد هو أن الجهاد سيفتح بلاداً كثيرة، وستقع السلطة في أيدي المؤمنين، وسيباشرون أمور الناس، وإن لم يكن المؤمن مؤهلاً تربوياً للتحكم في شهوته فسيقع في كثير من المحظورات لا محالة؛ لكون السلطة في يده والغلبة في صفه، قد يعتدي على حرمات غيره في الطعام والشراب، قد يعتدي على حرماتهم في النساء، وهذا كما ترون كثير الحدوث في الجيوش العلمانية، وما أحداث البوسنة منا ببعيد، لكن المسلم المدرب في مدرسة الصيام، الذي درب شهراً كاملاً على التحكم في شهوته يسيطر على هذه الأمور، كما كان يسيطر عليها وهو صائم باختياره، فهذا يساعد على أن يسير الفتح الإسلامي والتمكين الإسلامي في الطريق المشرق الذي رسمه رب العالمين ، فنعطي القدوة الحسنة، ولا نظلم الناس شيئاً. والصيام بصفة عامة سواء في رمضان أو في غير رمضان يقوم بهذا الدور التربوي، دور التدريب على التحكم في الشهوات، انظروا إلى النصيحة النبوية الغالية من رسول الله ﷺ إلى عامة الشباب، وذلك فيما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه أن الرسول ﷺ قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإن

стр. 53

التربية على التحكم في الأعصاب عند الغضب والقدرة على كظم الغيظ ثالثاً: الذي يربيه رمضان في المؤمنين: التحكم في الأعصاب والقدرة على كظم الغيظ، وهذا أمر من أعظم الأمور في بناء الأمة الإسلامية؛ لأن الفرد المتسرع منفلت الأعصاب لا يصلح لبناء الأمة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، يعني: الصيام وقاية وحماية للإنسان: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله)، إلى هذه الدرجة يا إخوة السباب بل والقتال: (فليقل: إني صائم، إني صائم)، تأمل إلى أي حد يربي الصيام على التحكم في الأعصاب، وعلى عدم انفلات اللسان، وعلى كظم الغيظ، وعلى العفو عن الناس، وكلها صفات أساسية في الأمة المجاهدة. في مجال الحروب المسلمون من أعدائهم، لذلك يجب عليهم أن يتعاملوا مع أسراهم بالسمت الإسلامي على الرغم من العداوة بينهم، لا سباب ولا تعذيب ولا إيذاء: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨]. بل إنهم في الحرب ذاتها لا يجوز لهم أن يتجاوزوا في قتالهم إلى قتال المدنيين مثلاً، أو إلى قتال النساء والأطفال والمعاقين وغير ذلك، كل هذا مع أن في قلوبهم غضباً شديداً منهم، فهم يحاربون دولة محاربة لهم، ولكن الحرب في الإسلام لها ضوابط شرعية معروفة، ولن يقدر على هذه الضوابط إلا هادئ الأعصاب الذي لا يتسرع في قرار، ولا ينتصر لشهوة داخلية. الإسلام دين راق جداً يدرب جنوده على حسن معاملة الآخرين، حتى في حال العداوة والكراهية: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨]، فالصيام يقوم بهذا التدريب بصفة مستمرة، فتستفيد الأمة من هذا حتى في أوقات السلم، فتجدها يغلب عليها هدوء الأعصاب، والتحكم في اللسان، وكظم الغيظ، كل هذا من تربية الصيام. إذاً هذا الشيء الثالث اللي رمضان يربيها فينا.

стр. 54

التربية على الإنفاق في سبيل الله رابعاً: الذي يربي رمضان عليه الأمة: الإنفاق في سبيل الله. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)، فهل يمكن لأمة بخيلة شحيحة أن تمكن وتسود؟ أبداً، الجهاد يحتاج إلى إنفاق وإلى بذل وعطاء، والبناء يحتاج إلى إنفاق وإلى بذل وعطاء. مدرسة الصيام تعلم الناس الإنفاق والعطاء وانتظار الأجر من رب العالمين، فنفس الصائم تسخو بالخير على غيره، هذه ظاهرة ملحوظة فعلاً، فسهل جداً على الصائم أن يعطي، فنحن نرى ونلاحظ ظاهرة إطعام الفقراء في رمضان كثيرة جداً ومنتشرة في كل مكان، الفقراء هم الفقراء والمتصدقون هم المتصدقون، ومعدل الإنفاق في سبيل الله يرتفع جداً في رمضان، فالله يربي عباده على ذلك في هذا الشهر الكريم، ويحض الميسورين على إطعام المساكين وإفطار الصائمين، بل هناك ملحوظة عجيبة جداً وهي أن هذا التهذيب الرباني يمتد في رمضان ليشمل الغني والفقير، قد يفهم أن الغني هو الذي يعطي فقط، ولكن وجدنا أن الفقير يعطي أيضاً، فهذه بركات مدرسة الصوم، فقد فرض الله على كل المسلمين غنيّهم وفقيرهم زكاة الفطر، زكاة الفطر يا إخوة مفروضة على كل المسلمين على الغني وعلى الفقير، وهكذا يشعر الفقير أنه فرد فعال في المجتمع له دور إيجابي بحسب قدرته، صحيح أن صدقة الفطر شيء يسير، لكنها تشعره بأن له القدرة على العطاء، وقد تدرب كل المسلمين في هذه المدرسة، وأثبت الفقراء في ذلك نجاحاً عظيماً، على سبيل المثال: في غزوة تبوك كان الجميع الغني والفقير ينفق في سبيل الله، حتى الفقراء الذين يمتلكون قليلاً من التمر كانوا يأتون بهذا القليل، كان الواحد منهم يأتي بالحفنة من التمر حتى سخر منهم المنافقون الذين لا يفقهون هذه المشاعر النبيلة، قال الله في حقهم: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]. إذاً: هذه تربية رمضانية عالية المستوى لا تتأتى إلا للصائمين.

стр. 55

التربية على الوحدة والأخوة والألفة بين المسلمين خامساً: الذي يربيه رمضان فينا: التربية على الوحدة والأخوة والألفة بين كل المسلمين، كل المسلمين في كل بقاع الأرض سيصومون في وقت واحد، ويفطرون في وقت واحد، سيصومون من الفجر ويفطرون في المغرب، المسلمون كل المسلمين في مصر والسودان والكويت والعراق، وأفغانستان وباكستان، وفي البوسنة وأمريكا وإنجلترا، وفي نيجيريا والصومال، أي بقعة على الأرض بها مسلم ستشهد صياماً في وقت واحد وبكيفية واحدة، وبفرحة واحدة، فأي وحدة وأي ألفة وأي أخوة! لا فرق بين غني ولا فقير، ولا بين حاكم ولا محكوم، ولا بين عربي ولا أعجمي. ثم في داخل كل قطر وفي داخل كل مدينة وفي داخل كل شارع إفطارات جماعية في كل مكان، روح اجتماعية راقية جداً تسري في قلوب المسلمين في شهر رمضان. لقد سافرة كثيراً وشاهدت المسلمين من كل الأقطار تختلف العادات والتقاليد، لكن الكل يجتمع في رمضان، صلة الرحم تزداد في رمضان، بر الوالدين يزداد في رمضان، الزيارة في الله تزداد في رمضان، التواد بين الجيران يزداد في رمضان، جو عام جميل يربي المسلمين على أن يكونوا يداً واحدة. ثم صلاة القيام (التراويح) في كل مساجد العالم يصطف المسلمون بأعداد كبيرة، الواحد يلتصق بأخيه، يشعر بدفء الأخوة، ودفء المسجد، ودفء الإسلام، تخيل أمة يرتبط أفرادها بمثل هذا الشعور هل يمكن أن تسقط؟ هل يمكن أن تنهار؟ أبداً، من سنن الله أن المسلمين إذا اجتمعوا انتصروا، وإذا تفرقوا انهزموا وتشتتوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وهذه تربية رمضان.

стр. 56

التربية على الشعور بآلام ومشاكل الآخرين من المسلمين سادساً: الذي يربيه رمضان فينا: الشعور بآلام ومشاكل الآخرين، المؤمن الذي يشعر بألم الجوع والعطش لفترة معينة سيدرك أن هناك إخواناً له في الدين في الصومال وفي بنغلاديش وفي السودان وفي العراق وفي غيرها من البلاد يعانون نفس الألم، ولكن بصورة دائمة فهم لا ينتظرون مغرباً ولا إفطاراً، فالمسلم الذي يشعر بهذا الشعور لا بد وأن يتحرك قلبه إليهم، وهذه بداية أمل ولا شك، إذا شعر المسلمون بآلام غيرهم من المسلمين في الأقطار الأخرى فسيحدث التكافل، والتعاون والنصرة. اسمع للحديث الرائع الذي رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) إنه اشتباك أصابع يدي رسول الله ﷺ ببعضها تدل على العلاقة التي يريدها ربنا منا، فرمضان يربينا على هذه العلاقة، من غير هذه العلاقة لا يوجد نصر ولا يوجد تمكين.

стр. 57

التربية على التقوى سابعاً: الذي يربيه رمضان فينا هو لب الصيام وهو الغاية الرئيسية منه التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. فرمضان يزرع فينا التقوى، ما هي التقوى؟ التقوى هي وصية الله إلى خلقه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. وهي وصية رسول الله ﷺ لأمته، فيما رواه الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن). والتقوى: هي أن تتقي غضب الله في السر والعلن، إذا كنت في بيتك وقد غلقت عليك الأبواب ولا يراك أحد وأنت صائم، وبجوارك الطعام الشهي والماء العذب وأنت جائع عطشان، ومع ذلك لا تقرب الطعام ولا الشراب مخافة الله ، فهذه هي التقوى. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ليست بقيام الليل ولا بصيام النهار، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله . عندما تعود من عملك متعباً منهكاً وتسمع أذان العصر فتنزل وتصلي في الجامع مع تعبك الشديد؛ لأجل الحسنات المضاعفة فهذه هي التقوى. عندما تواجه في شغلك أو في بيتك أو في الشارع من يجهل عليك ويسبك بل ويقاتلك فتقابل جهله بالحلم، وتقابل أذاه بالعفو، وتقول: إني صائم، فهذه هي التقوى. عندما تضبط المنبه قبل الفجر بساعة أو ساعتين؛ لكي تقوم تناجي ربك في جوف الليل ولا يراك أحد إلا الله، ولا يسمع بك إلا الله، فهذه هذ التقوى. عندما تشعر بالفقراء والمساكين والمحتاجين فتخرج من جيبك لهذا أو لذاك وتخفي صدقتك فلا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، تفعل ذلك رغبة في الجنة، وخوفاً من النار، فهذه هي التقوى. عندما تكون حريصاً كل الحرص على أن تعرف رأي الدين في أمر من الأمور، وتتبع كلام الله وكلام رسوله الكريم ﷺ دون أي جدل ولا تردد، فهذه هي التقوى. وقال أبو الدرداء ﵁ وأرضاه: تمام التقوى أن يتقي العبد الله ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال؛ خشية أن يكون حراماً. وسئل أبو هريرة ﵁ عن التقوى؟ فقال لسائل: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، يعني: تجنبته، أو جاوزته يعني: قفزت من فوقه، أو قصرت عنه يعني: وقفت ولم أعبر، قال أبو هريرة: ذاك التقوى. فالشوك هو الذنوب والمعاصي وهو ما حرم الله ، يقول الشاعر: خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى يا ترى ما هو الذي سيحصل لو أن الأمة أصبحت أمة تقية؟ سينجو الفرد، ليس فقط الفرد الذي سينجو، بل ستنجو الأمة جميعاً، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، هذا ليس للأفراد فقط، بل للأمة جميعاً، يجعل الله للأمة مخرجاً من همومها ومشاكلها ومصائبها، يرزق الله الأمة من حيث لا تحتسب، وترفع عنها الأزمات الاقتصادية، ويكثر الخير في أيدي الناس، ويهابها أهل الأرض جميعاً، أمة تقية: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]، ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، فأمة يكون الله معها، من يكون عليها؟ لا أحد. إذاً: التقوى ثمرة من ثمرات رمضان، ورمضان فرصة حقيقية للأمة أن تبني نفسها من جديد، وفرصة للصالحين أن يزدادوا قرباً من الله ، وفرصة للعصاة أن يعودوا إلى ربهم، وفرصة لرفع البلاء، وفرصة للنصر على الأعداء، وفرصة للسيادة والتمكين، وفرصة لبناء الأمة، ورمضان تنقية للصف المسلم، وتميز للمسلمين وعزة بالهوية الإسلامية، وتربية وأي تربية.

стр. 58

نصائح عملية في رمضان وبيان مدى علاقتها ببناء الأمة أخيراً: نصائح عملية. كيف تخرج الأمة من رمضان أقوى وأشد وأعز وأكرم؟ عددت لكم من الوصايا عشراً إن قمنا بها كنا إلى التقوى أقرب. سأذكر بإيجاز شديد، وأسأل الله أن يجمعني معكم في لقاء آخر نفصل فيه كل وصية، وقبل أن أذكر هذه الوصايا أود أن أشير إلى أنه من الأفضل أن تكتب هذه الوصايا في ورقة، وتنظر فيها كل يوم قبل أن تنام، يعني: مثل ورد المحاسبة، اجعل لك جدولاً مكوناً من عشرة خانات أفقيه، وثلاثين خانة رأسية، في الخانات الأفقية ضع الوصايا العشر، وفي الخانات الرأسية ضع أيام الشهر، ثم حاسب نفسك كل يوم قبل أن تنام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.

стр. 59

الاهتمام بالقرآن والإكثار من تلاوته خلال شهر رمضان الوصية الثانية: قراءة القرآن، رمضان شهر القرآن، فلا بد أن تختم مرة واحدة قراءة، والسماع أيضاً هام جداً في السيارة أو في البيت، لكن من الأفضل أن تختم ولو مرة واحدة بالقراءة؛ لأن النظر في المصحف عبادة. كان الإمام الشافعي ﵀ يختم القرآن ستين مرة في رمضان. ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في ترجمة الشافعي ﵁، جعل الله لهم بركة في الوقت، ختمة في الصباح وختمة في المساء، أنا لا أطلب منك أن تختم القرآن ستين مرة، لكن اقرأ كثيراً وحاول أن تختم ثلاث أو أربع مرات على الأقل، حاول أن تقرأ الجزء الذي سيقرؤه الإمام في الليل في صلاة التراويح قبل أن تذهب إلى الصلاة، هذا سيساعدك على تدبر المعاني في المساء، وعلى متابعة الإمام، وعلى تأكيد الحفظ لو كنت حافظاً، وعلى سهولة الحفظ بعد ذلك إن كنت تنوي أن تحفظ القرآن. والحرف من القرآن بعشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء، ووقت رمضان ثمين جداً لا تضيع ثانية أو ثانيتين، هذه تساوي عشرة أو عشرين حسنة، فخسارة أن تضيع هذا الوقت الثمين. إذاً: الوصية الثانية: قراءة القرآن، اختم على الأقل مرة واحدة قراءة.

стр. 60

الدعوة إلى الله الوصية الثامنة: احرص على دعوة غيرك إلى الخير في رمضان، الدعوة إلى الله من أهم الأمور، جاء في الحديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). القلوب بصفة عامة تكون أكثر رقة في رمضان، وأكثر انصياعاً لكلام الله فاستغل هذه الفرصة. يا أخي! لا تذهب إلى الصلوات الجماعية وصلاة التراويح والفجر بمفردك، احرص على أن تصطحب غيرك ممن لم يتعود على هذه المكارم، لا داعي للتقوقع داخل أصدقائك الملتزمين، انفتح على غيرك من الناس، لعلك تخرج من رمضان بواحد أو اثنين كنت سبباً في هدايتهم.

стр. 61

الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان الوصية التاسعة: احرص على سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فالاعتكاف فرصة تتخلص به من عوالق الدنيا، وتتفرغ لله ، قلل من الكلام في الاعتكاف قدر ما تستطيع، في النهار قرآن وذكر وصلاة ودعاء، وفي الليل تراويح وتهجد ودعاء وابتهال واستغفار، وفرصة تهاجر إلى الله ، لو تستطيع أن تأخذ إجازة من غير أن تضر بمصالح شغلك فهو خير، وفر إجازاتك في العشر الأواخر، إذا لم يكن ممكناً العشر فاعتكف بضعة أيام في العشر أو اعتكف يومين، أو اعتكف بضع ساعات أو حتى ساعة انقطع لله فيها، وسترى كيف يكون حالك بعد الاعتكاف.

стр. 62

التوبة من سائر الذنوب والمعاصي الوصية العاشرة والأخيرة في هذه المحاضرة وهي وصية في غاية الأهمية: رمضان أعظم فرصة للتوبة من ذنوب العام، حتى من ذنوب العمر، نعم، إنه فرصة لفتح صفحة جديدة مع الله ، فرصة لأن تجعل صفحتك يوم القيامة بيضاء نقية. روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر). وأيضاً روى البخاري ومسلم حديثاً مبشراً جداً أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، اللهم اغفر لنا ذنوبنا جميعاً. فرصة أن تجلس مع نفسك تحصي أعمالك قبل أن تحصى عليك، تذكر أعمالك بالأمس، تذكر الشهر الذي فات، تذكر السنة التي فاتت، تذكر جيداً فإن وجدت خيراً فلتحمد الله ، وإن وجدت غير ذلك فسارع بالتوبة، فباب التوبة مفتوح على مصراعيه في رمضان، ابدأ بداية جديدة مع الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. إذاً: رمضان ركن من أركان الإسلام، تستطيع أن تبني فوقه إسلاماً قوياً وأمة قوية. أتمنى يا إخواني لو تكتبون هذه الوصايا، والذي لم يكتب أتمنى أن يسمع الشريط من جديد ويكتبها. كذلك حاسب نفسك كل يوم قبل أن تنام: ماذا عملت في الصلاة؟ وماذا عملت في القرآن؟ وماذا عملت في القيام؟ وماذا عملت في الصدقة؟ وماذا عملت في صلة الأرحام؟ وفي إصلاح ذات البين؟ وماذا عملت في لسانك؟ وماذا عملت في دعوتك؟ وماذا عملت في الاعتكاف؟ وأخيراً ماذا عملت في ذنوبك التي فاتت؟ يا ترى هل تبت منها أم أضفت إليها ذنباً جديداً؟ حاسب نفسك يا أخي قبل أن تحاسب، وارقب يوماً لا شك أنه قادم، واحذر من ليلة يكون صبحها يوم القيامة. بهذه المشاعر، وبهذه العزيمة، وبهذه التربية، وبهذا الإعداد سيكون رمضان عامل بناء حقيقي للأمة الإسلامية. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 63

فلسطين لن تضيع كيف ؟ ما يحصل في أرض فلسطين من قتل وتشريد وانتهاك أعراض واغتصاب أراضٍ ووحشية هو نفس ما حصل في الأندلس، فعلى المسلمين أن يتوحدوا فيما بينهم، وأن يدركوا عظم هذا الخطر؛ لئلا تسقط فلسطين كما سقطت الأندلس، وليفعل كل مسلم ما بوسعه في الدفاع عن فلسطين.

стр. 64

سبب تشبيه قضية فلسطين بالأندلس أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفّقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعل تدبيره تدميره، واجعل كيده في نحره، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسّر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، آمين آمين. وصل اللهم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. ثم أما بعد: فإنه قد طلب مني كثير من الإخوة الأفاضل الذين استمعوا إلى سلسلة المحاضرات المتعلقة بقضية فلسطين، والتي هي بعنوان: فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى، طلب مني ملخصاً لهذه المحاضرة، تجمع رءوس العناوين في كل تلك المحاضرات السابقة. فلقد وجدت هذا الأمر أصعب من إعداد المادة الأصلية للمحاضرات، وأصابتني حيرة كبيرة جداً لما أخذت في تلخيص هذه المحاضرات الكثيرة، فقد كان عددها اثنتي عشرة محاضرة، فتلخيصها في محاضرة واحدة شيء في منتهى الصعوبة، ومما يزيد من صعوبة الأمر الاثنتي عشرة محاضرة كانت تلخيصاً لأحداث كثيرة ولمواقف متعددة، لكن الله المستعان. وقد تحدثنا في سلسلة المحاضرات المتعلقة بقضية فلسطين عن دور الأمة رجالاً ونساءً وأطفالاًً تجاه قضية فلسطين، وكيف نحقق صفة الإيجابية في إنقاذ هذا الوطن الجريح المحتل منذ أكثر من خمسين سنة من حفنة قليلة من اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين. قبل أن نتحدث عن أدوارنا في هذه القضية الخطيرة أود أن أذكّركم عن سبب تسميتها (فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى)؛ فإن بلاد الأندلس سابقاً وأسبانيا والبرتغال الآن لا يسكنها من المسلمين إلا أعداد قليلة جداً لا تتناسب مطلقاً مع التاريخ المجيد الطويل للمسلمين في هذه البلاد، فقد عاش المسلمون في بلاد الأندلس أكثر من ثمانمائة عام، والآن لا يسكنها أكثر من مائة ألف مسلم فقط، ومعظمهم حديث العهد بهذه البلاد، ما تفسير ذلك؟ ولماذا احتلت كثير من البلاد الإسلامية الأخرى مثل مصر والجزائر وليبيا وسوريا وغيرها ومع ذلك ما زال جل السكان في هذه البلاد من المسلمين؟ وتفسير ذلك أن الاحتلال الأسباني للأندلس كان احتلالاً من نوع فريد، ما تكرر في العالم إلا قليلاً، كان الاحتلال الأسباني احتلالاً استيطانياً إحلالياً، كانوا إذا أغاروا على بلد من بلاد المسلمين قتلوا أهلها جميعاً أو هجّروهم خارجها، ثم يأتون بالأسبان من أمكان أخرى يوطّنونهم في تلك البلاد، وبذلك قاموا بعملية إحلال للشعب الإسلامي بالشعب الأسباني، حتى إذا انتهوا من آخر مدن الأندلس لم يبق في أرض الأندلس مسلم واحد. ولما طرد المسلمون من الأندلس أو قتلوا بعد تعذيب وحشي تعلقت قلوب المسلمين في البلاد الإسلامية الأخرى بأرض الأندلس الإسلامية، وتاقت نفوس البعض إلى تحريرها، ولكن مرت السنة والسنتان والقرن والقرنان حتى صارت خمسة قرون، ونسي المسلمون قضية الأندلس، وما عادوا يذكرون الآن غير أسبانيا والبرتغال دولتان أوروبيتان تضمان في أرضهما عدداً مهولاً من الآثار والأبنية الإسلامية والمساجد التي حولت إلى كنائس ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان هذا هو الاحتلال الأسباني الإحلالي الاستيطاني يستبدل بشعب شعباً آخر، ويحل شعباً مكان شعب، أما احتلال البلاد الإسلامية الأخرى لم يكن على هذه الشاكلة، فاحتلال مصر أو الجزائر أو ليبيا كان بالجيوش، واحتلال الجيوش لا بد وأن ينتهي، ولا بد أن تعود إلى بلادها مهما طال الزمان أو قصر. والوضع في فلسطين الآن شديد الشبه بالأندلس، فاليهود يقومون بعملية إحلال منظمة للشعب الفلسطيني المسلم بالشعب اليهودي، ولو بقي الحال على ما هو عليه دون أن يتحرك المسلمون فسيأتي يوم تصبح فيه فلسطين أندلساً أخرى، وسيقبل المسلمون الآن بما لم يقبلوا به قديماً، سيقبلون بوجود دولة جديدة في المنطقة اسمها إسرائيل. إذا تقادم العهد على الاحتلال فسيصبح هذا أمراً واقعاً، فالمسلمون على سبيل المثال منذ ثلاثين سنة كانوا لا يعترفون بالكيان الصهيوني مطلقاً، بل كانوا يصفون اليهود بأنهم مجموعة من اللصوص سطوا على أرض ليست أرضهم فنهبوها واستوطنوها، ثم مرت الأيام -وسبحان الله- وقبل الرافضون القدماء من العرب بوجود إسرائيل وعلى مساحة ٧٨% من الأرض المحتلة، وهي كل أرض فلسطين خلا الضفة الغربية وغزة. ثم سيقبلون بعد ذلك -وسترون- بأن تحتل إسرائيل مساحة ٦٠% من الضفة الغربية وغزة بالإضافة إلى ٧٨% الأصلية وذلك على هيئة مستوطنات يهودية داخل الضفة الغربية وغزة، ثم ستأتي مرحلة جديدة لا محالة يسعى فيها اليهود لإنهاء الوجود الفلسطيني بالكلية

стр. 65

سبب تشبيه قضية فلسطين بالأندلس أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفّقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعل تدبيره تدميره، واجعل كيده في نحره، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسّر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، آمين آمين. وصل اللهم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. ثم أما بعد: فإنه قد طلب مني كثير من الإخوة الأفاضل الذين استمعوا إلى سلسلة المحاضرات المتعلقة بقضية فلسطين، والتي هي بعنوان: فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى، طلب مني ملخصاً لهذه المحاضرة، تجمع رءوس العناوين في كل تلك المحاضرات السابقة. فلقد وجدت هذا الأمر أصعب من إعداد المادة الأصلية للمحاضرات، وأصابتني حيرة كبيرة جداً لما أخذت في تلخيص هذه المحاضرات الكثيرة، فقد كان عددها اثنتي عشرة محاضرة، فتلخيصها في محاضرة واحدة شيء في منتهى الصعوبة، ومما يزيد من صعوبة الأمر الاثنتي عشرة محاضرة كانت تلخيصاً لأحداث كثيرة ولمواقف متعددة، لكن الله المستعان. وقد تحدثنا في سلسلة المحاضرات المتعلقة بقضية فلسطين عن دور الأمة رجالاً ونساءً وأطفالاًً تجاه قضية فلسطين، وكيف نحقق صفة الإيجابية في إنقاذ هذا الوطن الجريح المحتل منذ أكثر من خمسين سنة من حفنة قليلة من اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين. قبل أن نتحدث عن أدوارنا في هذه القضية الخطيرة أود أن أذكّركم عن سبب تسميتها (فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى)؛ فإن بلاد الأندلس سابقاً وأسبانيا والبرتغال الآن لا يسكنها من المسلمين إلا أعداد قليلة جداً لا تتناسب مطلقاً مع التاريخ المجيد الطويل للمسلمين في هذه البلاد، فقد عاش المسلمون في بلاد الأندلس أكثر من ثمانمائة عام، والآن لا يسكنها أكثر من مائة ألف مسلم فقط، ومعظمهم حديث العهد بهذه البلاد، ما تفسير ذلك؟ ولماذا احتلت كثير من البلاد الإسلامية الأخرى مثل مصر والجزائر وليبيا وسوريا وغيرها ومع ذلك ما زال جل السكان في هذه البلاد من المسلمين؟ وتفسير ذلك أن الاحتلال الأسباني للأندلس كان احتلالاً من نوع فريد، ما تكرر في العالم إلا قليلاً، كان الاحتلال الأسباني احتلالاً استيطانياً إحلالياً، كانوا إذا أغاروا على بلد من بلاد المسلمين قتلوا أهلها جميعاً أو هجّروهم خارجها، ثم يأتون بالأسبان من أمكان أخرى يوطّنونهم في تلك البلاد، وبذلك قاموا بعملية إحلال للشعب الإسلامي بالشعب الأسباني، حتى إذا انتهوا من آخر مدن الأندلس لم يبق في أرض الأندلس مسلم واحد. ولما طرد المسلمون من الأندلس أو قتلوا بعد تعذيب وحشي تعلقت قلوب المسلمين في البلاد الإسلامية الأخرى بأرض الأندلس الإسلامية، وتاقت نفوس البعض إلى تحريرها، ولكن مرت السنة والسنتان والقرن والقرنان حتى صارت خمسة قرون، ونسي المسلمون قضية الأندلس، وما عادوا يذكرون الآن غير أسبانيا والبرتغال دولتان أوروبيتان تضمان في أرضهما عدداً مهولاً من الآثار والأبنية الإسلامية والمساجد التي حولت إلى كنائس ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان هذا هو الاحتلال الأسباني الإحلالي الاستيطاني يستبدل بشعب شعباً آخر، ويحل شعباً مكان شعب، أما احتلال البلاد الإسلامية الأخرى لم يكن على هذه الشاكلة، فاحتلال مصر أو الجزائر أو ليبيا كان بالجيوش، واحتلال الجيوش لا بد وأن ينتهي، ولا بد أن تعود إلى بلادها مهما طال الزمان أو قصر. والوضع في فلسطين الآن شديد الشبه بالأندلس، فاليهود يقومون بعملية إحلال منظمة للشعب الفلسطيني المسلم بالشعب اليهودي، ولو بقي الحال على ما هو عليه دون أن يتحرك المسلمون فسيأتي يوم تصبح فيه فلسطين أندلساً أخرى، وسيقبل المسلمون الآن بما لم يقبلوا به قديماً، سيقبلون بوجود دولة جديدة في المنطقة اسمها إسرائيل. إذا تقادم العهد على الاحتلال فسيصبح هذا أمراً واقعاً، فالمسلمون على سبيل المثال منذ ثلاثين سنة كانوا لا يعترفون بالكيان الصهيوني مطلقاً، بل كانوا يصفون اليهود بأنهم مجموعة من اللصوص سطوا على أرض ليست أرضهم فنهبوها واستوطنوها، ثم مرت الأيام -وسبحان الله- وقبل الرافضون القدماء من العرب بوجود إسرائيل وعلى مساحة ٧٨% من الأرض المحتلة، وهي كل أرض فلسطين خلا الضفة الغربية وغزة. ثم سيقبلون بعد ذلك -وسترون- بأن تحتل إسرائيل مساحة ٦٠% من الضفة الغربية وغزة بالإضافة إلى ٧٨% الأصلية وذلك على هيئة مستوطنات يهودية داخل الضفة الغربية وغزة، ثم ستأتي مرحلة جديدة لا محالة يسعى فيها اليهود لإنهاء الوجود الفلسطيني بالكلية

стр. 66

مما يجب على المسلمين تجاه قضية فلسطين التبرع بالمال الواجب الإيجابي الثالث نحو القضية هو التبرع بالمال. فما أحوج أهل فلسطين للمال في هذه الأوقات! فهم في حصار اقتصادي رهيب، وطرد من الأعمال، وإغلاق للمعابر، وتجريف للأراضي، وهدم للديار، ونقص في الغذاء والدواء والكساء والسلاح، واستشهاد للشباب, وعائلات لا حصر لها تفقد عائلها. فإن كنت تريد جهاداً في سبيل الله وقد حيل بينك وبينه, فأثبت صدقك لله بجهاد المال، قال النبي ﷺ : (من جهّز غازياً فقد غزا)، فلا تسوف بل سارع، يقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، أول صفة لهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران:١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١٠ - ١١]. فكّر يا أخي! جنيه واحد لفلسطين يساوي عند الله سبعمائة جنيه أو يزيد، وألف جنيه لفلسطين يساوي عند الله سبعمائة ألف جنيه أو يزيد، فلا تتردد، وكن على يقين أنك ستعوّض، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]. وقال النبي ﷺ : (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة). أخي في الله! اهزم الشيطان، يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]، فهذه مقارنة في منتهى الوضوح. فستمر الأيام, وستذهب أنت, ويذهب المال, ويذهب أهل فلسطين، ولا يبقى شيء إلا ما عند الله, فآثروا ما يبقى ويدوم, على ما يفنى وينعدم. اجعل التبرع لفلسطين قضيةً ثابتةً في حياتك، اقتطع نسبة ثابتة من دخلك الشهري أو اليومي أو الموسمي، لا تنتظر حتى تتراكم الأموال فتكبر النسبة في عينيك فتمتنع عن الإنفاق، حفز الآخرين على التبرع، ربّ أولادك على الإنفاق وإن كان قليلاً، اشرح لهم بأسلوب مبسط أحوال أطفال فلسطين. زكاة المال جائزة على أهل فلسطين بل هي محمودة؛ ففيهم الفقير والمسكين والغارم والمجاهد في سبيل الله. لا تمن بعطيتك ولا تتكبر بها، ولا ترائي, ولا تستقللن تبرعًا, فرب درهمٍ سبق ألف درهم، واعلم أن الله قسّم الأعمال بين عباده وكان نصيبك النصيب الأيسر، عليهم في فلسطين أن يدفعوا أرواحهم، وعليك أنت في بيتك الآمن أن تدفع مالك، فارض بما قسم الله لك من العمل، يرفع عنك من البلاء ما لا تطيق.

стр. 67

مما يجب على المسلمين تجاه قضية فلسطين المقاطعة الاقتصادية لليهود وأعوانهم الواجب الإيجابي الرابع نحو قضية فلسطين: هو المقاطعة لكل ما هو يهودي أو أمريكي أو إنجليزي أو لأي أحد يعاون اليهود, وهو واجب وهامٌ جداً، ومؤثر إلى أبعد درجات التأثير، وله من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية ما لا يمكن حصره في هذه المساحة الضيقة. وللمقاطعة عشر فوائد، سواء على المستوى المحلي أو الإسلامي أو العالمي أو اليهودي، فمنها: أنها لا محالة ستؤثر على الشركات التي يصفونها بأنها متعددة الجنسية، وقد ذكرنا ضوابطنا الشرعية في المقاطعة والفرق بين مقاطعتنا لمنتجاتهم وحصارهم لبلادنا، وعلقنا على كثير من الشبهات التي تجول في أذهان الناس فمنها: إن الأيدي العاملة في هذه المصانع والشركات وطنية مائة بالمائة, وسيؤدي ذلك إلى تشريد الآلاف، وسيخسر رأس المال الوطني، وسنعمل على كراهية الشعب الأمريكي لنا، وأن الشركات الأمريكية ستنعش الاقتصاد الوطني، وأننا لا نستطيع أن نستغني عنهم, أو لا أستطيع أن استغني عن كذا أو كذا، شبهات كثيرة جدًا تعرضنا لها وفصلّنا في الرد عليها, فأرجو أن تعودوا إلى شريط المقاطعة.

стр. 68

الدعاء لأهل فلسطين بالنصر والثبات وعلى اليهود بالهلكة واجب على المسلمين الواجب الإيجابي الخامس: هو الدعاء لأهل فلسطين بالثبات والنصر, والدعاء على اليهود وأعوانهم بالهلكة والاستئصال. فالدعاء من أقوى أسلحة المؤمنين في حربهم مع الكافرين، فهو ليس شيئاً سلبياً كما يعتقد بعض الناس، فإن كثيراً من الناس يعتقدون أن الدعاء أمرٌ مقابلٌ للأخذ بالأسباب، فالدعاء يرفعه العمل الصالح، فإن ترك المؤمن الأسباب واكتفى بالدعاء فهو متواكل ولا يرجى له إجابة، ولذلك جعلتُ الدعاء الوسيلة الخامسة حتى لا يعتمد المرء عليها وينسى بقية الواجبات. والدعاء ليس أمرًا اختياريًا إن شئنا فعلناه وإن شئنا تركناه، بل الدعاء ركن أساس من أركان النصر، وسببٌ أكيد من أسباب التمكين. ورسول الله ﷺ ما ترك الدعاء أبدًا, وما يئس منه قط مهما تأخرت الإجابة، وطال الطريق، وعظم الخطب، وكان أشد ما يفزع إلى ربه دعاءً ورجاءً وخشوعًا وابتهالاً عند مواقف الضيق والشد, ويطلب عونه, ويرجو مدده وتأييده، في بدر وأحد والأحزاب وفي كل أيامه ﷺ . وفلسطين تحتاج إلى دعاء لا ينقطع, ورجاءٍ لا يتوقف. ما يدريك أن طائرة تقصف فيصد قصفها بدعائك! أو أن مخططًا يهوديًا يدبّر في الظلام فيحبط بدعائك! أو أن شابًا فلسطينيًا أطلق حجارةً أو رصاصة فأصابت هدفها بدعائك! نريد دعاءً لحوحًا مستفيضًا متكررًا في كل يوم وليلة أكثر من مرة في القنوت والسجود، دعاء مع يقين في الإجابة، ليس فيه عجلة ولا يأس، فيه حضور للقلب، وتضرع وتذلل وانكسار لله ، دعاء من رجال يتحرون المال الحلال، والأوقات الفاضلة, والأحوال الشريفة، دعاء في جوف الليل وقبل الفجر، دعاء يجتمع فيه أهل البيت وأهل العمل وأهل المسجد. أخي الحبيب! إن أردت أن تساعد المحصورين والمجاهدين والجوعى والجرحى فاستيقظ قبل الفجر بساعة أو بنصف ساعة وادع الله لهم أن يوحد صفَّهم, ويسدد رميتهم, ويقوي شوكتهم, ويثبّت أقدامهم, ويعلي راياتهم, وينصرهم على أعدائهم, ويمكن لهم في أرضهم, ويزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم، فالله -لا محالة- سيستجيب فقد وعد، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. فهذه خمس وسائل إيجابية لنصرة فلسطين، وهي: الأولى: فهم القضية فهماً صحيحاً وتحريكها بين الناس بسرعة. الثانية: قتل الهزيمة النفسية وبث الأمل في عودة اليقظة للأمة الإسلامية. الثالثة: بذل المال قدر المستطاع وتحفيز الناس عليه. الرابعة: المقاطعة الاقتصادية الشاملة والكاملة لكل ما هو يهودي أو أمريكي أو إنجليزي. الخامسة: الدعاء المستفيض اللحوح لله .

стр. 69

مما يجب على أمة الإسلام تجاه فلسطين إصلاح النفس والمجتمع والوسيلة السادسة التي تشمل كل ما سبق، وتبقى دافعةً لكل ما سبق من وسائل، وإن لم تُفعل فليس هناك نجاحٌ لأيٍ من الوسائل السابقة، وهي: إصلاح النفس والمجتمع. لابد أن نسأل أنفسنا لماذا هذا التدهور لهذه الأمة الإسلامية التي تعودت أن تسود؟ ولماذا يسيطر ٥. ٢مليون يهودي على بلد مبارك مقدس كفلسطين, مخرجين ألسنتهم لمليار وثلث مليار مسلم في الأرض؟ ولماذا لا يكترث زعماء الشرق والغرب وزعماء اليهود بأعدادنا؟ ولماذا لا تتحرك الحمية في قلوب بعضنا وقد انتهكت الحرمات ودُنست المقدسات وسالت الدماء؟ لابد أن الأمة قد وقعت في خطأ فادحٍ مهّد الطريق لهذا الوضع، فأمة الإسلام لا تهزم بقوة الكافرين ولكن تهزم بضعفها، يلخص هذا الموقف حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود: عن ثوبان ﵁، وفيه يصف رسول الله ﷺ الأحداث وكأنه يراها رأي العين، يقول رسول الله ﷺ : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها - أي يدعو بعضها البعض ليأكلوا من أمة المسلمين - قال قائل: أو من قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنت يومئذ كثير - سبحان الله مليار وثلث مليار - ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). فموطن الداء حب الدنيا وكراهية الموت، وهو الخطأ الفادح الذي وقع فيه المسلمون، فمصيبة الأمة الآن هي تعاظم حب الدنيا في قلوب المسلمين، ومن أجل الدنيا يرضى المسلمون بالدنية في دينهم، ولو هانت عليهم الدنيا لقويت شوكتهم وعز سلطانهم. إذا تعاظمت الدنيا في النفوس قلت قيمة الآخرة عند الإنسان، فالدنيا كانت سبباً مباشراً لاحتلال فلسطين، ولن تحرر فلسطين إلا إذا خرجت الدنيا من القلوب، قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]. إن وجدت صراعًا بين الإخوة وتنافساً على أشياء كان من الواجب أن يتعاونوا عليها، وإن وجدت موالاة لكافر على حساب مؤمن، وخيانة لأمانة، ونقضاً لعهد، وحرباً لفضيلة، ونشراً لإباحية، وإنكاراً لمعروف، وتقديماً لأهل الرذيلة، وعلواً لأهل الفسق والفجور، وتأخيراً للعلماء والفضلاء، وسجناً وتعذيباً للدعاة والمجاهدين، ووجدت الحبيب يترك حبيبه، والولد يهمل والديه، والحاكم يظلم شعبه، والرجل يكره وطنه، والأجساد هامدة، والعقول خاملة، والعزائم فاترة، والغايات تافهةً منحطة منحدرة، إن وجدت كل هذا فاعلم إنها الدنيا، واعلم أن ذلك متبوع بهلكة، والهلكة متبوعةٌ باستبدال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. روى الإمام مسلم: عن المستورد بن شداد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار راوي الحديث إلى السبابة - في اليم فلينظر أحدكم بم يرجع)، فهذا هو حجم الدنيا. من هذا المنطلق لحجم الدنيا والآخرة نريد أن نعيد ترتيب أوراقنا وتنظيم حياتنا وتعديل أهدافنا، وإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، وأن نصطلح مع ربنا، فإنه يطول الفراق أحياناً بيننا وبين ربنا، وهو سبحانه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، نحن الذين نخسر أو نفوز. القضية -يا إخوة- ليست قضية فلسطين فقط، بل قضية الأمة بأسرها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فهذه قاعدة لا تتبدل ولا تتغير. والله والله والله! لن يتغير حالنا من ذلةٍ إلى عزة, ومن ضعف إلى قوة, ومن هوان إلى تمكين, إلا إذا اصطلحنا مع ربنا, وطبقنا شرعه, وأخرجنا الدنيا من قلوبنا, وتبنا من ذنوبنا, وعظمت الجنة في عقولنا، ساعتها ستصبح كل حركة وسكنة في حياتنا دعماً لقضية فلسطين، ومن هذا المنظور ستصبح صلاتنا في جماعة، وقراءتنا للقرآن، وذكرنا وصيامنا، وبر الوالدين، وصلة الرحم، ورعاية الجار، وحفظ الطريق، وعون الملهوف، وغض البصر، وحفظ الفرج، وصيانة اللسان، ووقاية السماع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير ودعوة الآخرين إلى الفضيلة، ومحاربة الربا، ومقاطعة الرشوة، ونبذ الفرقة، وترك المحرمات، والبعد عن الشبهات دعماً لفلسطين، هكذا تتحول حياتنا كلها لدعم فلسطين وغير فلسطين من أقطار الإسلام الجريحة، يرفع الله عنا البلاء، ويكشف الضراء وتشرق الأرض بنور ربها. إخواني في الله! لا يكفي الألم فقط لتحرير الشعوب، ولا تكفي الدموع، والأطفال يقتلون والمجاهدون يحاصرون، والأمهات يصرخن وينتحبن، فلابد من عمل. وها قد عرضنا بعض الوسائل التي في مقدورنا جميعاً، لا تعتذر بأنك لا

стр. 70

التفريغ النصي - - للشيخ - صوتيات إسلام ويب function audiosearch() ﴿ if (kword. value. length Deutsch | Espanol | Francais | English إسلام ويب | مقالات | فتاوى | استشارات | صوتيات | بنين وبنات | المكتبة مكتبتك الصوتية تسجيل مستخدم جديد تفعيل الاشتراك استرجاع كلمة السر أو رمز التفعيل اسم المستخدم كلمة السر

стр. 71

كلمة إلى شباب الأمة أمة الإسلام مكلفة بالقراءة، فهي مخاطبة في أول سورة أنزلت على نبيها محمد ﷺ بأن تقرأ، فهي ضرورية وليست هواية، وللقراءة الصحيحة النافعة ضوابط ووسائل ومجالات لا بد للمسلم من معرفتها؛ حتى تكون قراءته نافعة.

стр. 72

أول أمر نزل به جبريل على محمد هو الأمر بالقراءة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: أبدأ هذه المحاضرة بشيء أستغرب له كثيراً، فكثيرًا ما نسمع من يسأل ما هي هوايتك؟ الحقيقة أنك تجد الناس تختلف كثيراً في إجابتها، فأحدهم يقول: أنا هوايتي السباحة، وآخر صيد الأسماك، وثالث السفر، ورابع القراءة، فكل إنسان يخبر عن هوايته، وهذا هو ما أستغرب له. هل يصح أن يقول إنسان: أنا هوايتي -مثلاً- شرب الماء؟! كل الناس يشربون الماء، فهذه ليست هواية وإنما هي ضرورة. ولا يصح أن يقال: أنا هوايتي الأكل! لأن كل الناس يجوعون ولا بد لهم أن يأكلوا، وربما تفضّل أكلة عن أكلة، لكن لا بد أن تأكل، أو أن تنام، أو أن تتنفس، ومن غير الممكن أن تعيش من غير هذه الأشياء. وأنا أيضاً أرى أنه لا يصح أن تعيش من غير قراءة، يجب أن تقرأ ليس كتابًا أو اثنين فقط، يوم في الأسبوع أو شهر في السنة فحسب، بل يجب أن تكون القراءة منهج حياتك. لا يمر عليك يوم دون أن تقرأ، وليست أي قراءة، لا بد أن تكون قراءة مفيدة، قراءة تبني ولا تهدم، قراءة تصلح ولا تفسد. القراءة ليست هواية، فمن غير المناسب أن تقول أنا لا أحب القراءة، أو: لست متعوداً على القراءة، أو: أملّ سريعًا من القراءة، فهذا مثل الذي يقول: أنا أملّ من الأكل؛ لذلك فلن آكل! فهذا لا يصح ولا ينفع. عندما تدرس السيرة النبوية تجد فيها أبعاداً ضخمة عن الظاهر البسيط لها، وعندما تتعمق فيها حينها ستعلم لماذا نقول أن القراءة ليست هواية، فعندما تقف وتتدبر بعمق شديد في موقف النزول الأول لجبريل ﵇ على رسول الله ﷺ ترى أن أول كلمة يقولها جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ من وسط ملايين الكلمات التي من الممكن أن تقال في ذلك الوقت، يبدأ حديثه مع رسول الله ﷺ الذي سيستمر مدة ثلاثة وعشرين سنة متصلة بكلمة واحدة هي: اقرأ! والغريب أن الرسول ﷺ أمّيٌّ لا يقرأ! وأن أول كلمة تتوجَّه للرسول الذي لا يعرف القراءة هي اقرأ! والرسول الذي يتحلّى بآلاف الفضائل الحميدة، والخصال الكريمة كان من الممكن أن يبدأ رب العالمين بالحديث عن أحد هذه الصفات لكنه يبدأ بكلمة اقرأ! وكأنها تحمل منهج حياة أمة الإسلام، ومفتاح هذا الدين أن تقرأ. والرسول ﷺ لا يعرف القراءة, فيردَّ بوضوح على جبريل ويقول: (ما أنا بقارئ). والرسول ﵊ ظن أن هذه الكلمة كافية لأن يبدأ جبريل ﵇ في الكلام في موضوع آخر، أو على الأقل يوضح مقصوده من الكلمة. لكن جبريل ﵇ ضم رسول الله ﷺ ضمة شديدة وقوية حتى بلغ الجهد من رسول الله ﷺ , ثم يعيد عليه الأمر المختصر جداً: اقرأ فقط ولم يزد أي كلمة أخرى، والرسول ﷺ لا يعرف ماذا يقرأ؟ ولا يعرف أصلاً من هذا؟ ولا ماذا يريد؟ ولا كيف جاء إليه في هذا المكان البعيد؟! هو لا يرى أمامه غير شخص واحد يؤكد على معنى معيّن واحد فقط لا ثاني له ولا ثالث وهو اقرأ! الرسول ﷺ قال للمرة الثانية: (ما أنا بقارئ). فيعود جبريل ﵇ لنفس الفعل فيضم رسول ﷺ ضمة قوية حتى يبلغ منه الجهد، ثم قال له للمرة الثالثة: اقرأ. فقال ﷺ : (ما أنا بقارئ)، فضمه جبريل ﵇ للمرة الثالثة ثم أرسله فقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. فقبل أن يخبره أنه ملك مرسل من رب العالمين، وأن هذا قرآن، وأن هذا دين جديد سيبدأ اسمه الإسلام، قبل هذا كله يقول له وبصيغة الأمر: اقرأ! ألا يحمل ذلك إشارة لأمة الإسلام؟ فهل يُعقل أن تكون أول كلمة في القرآن نزولاً إلى الأرض هي كلمة تتحدث عن هواية قد يحبها البعض، وينفر منها البعض أو يملّ منها البعض الآخر؟! فهذا مستحيل يا إخواني. كلمات القرآن أكثر من سبعة وسبعين ألف كلمة، ومن بين كل هذه الكلمات الهائلة كانت كلمة اقرأ هي الأولى في النزول. القرآن فيه آلاف الأوامر: ((أَقِمِ الصَّلاةَ))، ((وَآتُوا الزَّكَاةَ))، ((وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، ((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ))، ((أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ))، ((تُوبُوا إِلَى اللَّهِ))، أوامر كثيرة جداً ومن بين كل هذه الأوامر نزل الأمر الأول: اقرأ. وليس هذا فقط بل إن ا

стр. 73

أول أمر نزل به جبريل على محمد هو الأمر بالقراءة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: أبدأ هذه المحاضرة بشيء أستغرب له كثيراً، فكثيرًا ما نسمع من يسأل ما هي هوايتك؟ الحقيقة أنك تجد الناس تختلف كثيراً في إجابتها، فأحدهم يقول: أنا هوايتي السباحة، وآخر صيد الأسماك، وثالث السفر، ورابع القراءة، فكل إنسان يخبر عن هوايته، وهذا هو ما أستغرب له. هل يصح أن يقول إنسان: أنا هوايتي -مثلاً- شرب الماء؟! كل الناس يشربون الماء، فهذه ليست هواية وإنما هي ضرورة. ولا يصح أن يقال: أنا هوايتي الأكل! لأن كل الناس يجوعون ولا بد لهم أن يأكلوا، وربما تفضّل أكلة عن أكلة، لكن لا بد أن تأكل، أو أن تنام، أو أن تتنفس، ومن غير الممكن أن تعيش من غير هذه الأشياء. وأنا أيضاً أرى أنه لا يصح أن تعيش من غير قراءة، يجب أن تقرأ ليس كتابًا أو اثنين فقط، يوم في الأسبوع أو شهر في السنة فحسب، بل يجب أن تكون القراءة منهج حياتك. لا يمر عليك يوم دون أن تقرأ، وليست أي قراءة، لا بد أن تكون قراءة مفيدة، قراءة تبني ولا تهدم، قراءة تصلح ولا تفسد. القراءة ليست هواية، فمن غير المناسب أن تقول أنا لا أحب القراءة، أو: لست متعوداً على القراءة، أو: أملّ سريعًا من القراءة، فهذا مثل الذي يقول: أنا أملّ من الأكل؛ لذلك فلن آكل! فهذا لا يصح ولا ينفع. عندما تدرس السيرة النبوية تجد فيها أبعاداً ضخمة عن الظاهر البسيط لها، وعندما تتعمق فيها حينها ستعلم لماذا نقول أن القراءة ليست هواية، فعندما تقف وتتدبر بعمق شديد في موقف النزول الأول لجبريل ﵇ على رسول الله ﷺ ترى أن أول كلمة يقولها جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ من وسط ملايين الكلمات التي من الممكن أن تقال في ذلك الوقت، يبدأ حديثه مع رسول الله ﷺ الذي سيستمر مدة ثلاثة وعشرين سنة متصلة بكلمة واحدة هي: اقرأ! والغريب أن الرسول ﷺ أمّيٌّ لا يقرأ! وأن أول كلمة تتوجَّه للرسول الذي لا يعرف القراءة هي اقرأ! والرسول الذي يتحلّى بآلاف الفضائل الحميدة، والخصال الكريمة كان من الممكن أن يبدأ رب العالمين بالحديث عن أحد هذه الصفات لكنه يبدأ بكلمة اقرأ! وكأنها تحمل منهج حياة أمة الإسلام، ومفتاح هذا الدين أن تقرأ. والرسول ﷺ لا يعرف القراءة, فيردَّ بوضوح على جبريل ويقول: (ما أنا بقارئ). والرسول ﵊ ظن أن هذه الكلمة كافية لأن يبدأ جبريل ﵇ في الكلام في موضوع آخر، أو على الأقل يوضح مقصوده من الكلمة. لكن جبريل ﵇ ضم رسول الله ﷺ ضمة شديدة وقوية حتى بلغ الجهد من رسول الله ﷺ , ثم يعيد عليه الأمر المختصر جداً: اقرأ فقط ولم يزد أي كلمة أخرى، والرسول ﷺ لا يعرف ماذا يقرأ؟ ولا يعرف أصلاً من هذا؟ ولا ماذا يريد؟ ولا كيف جاء إليه في هذا المكان البعيد؟! هو لا يرى أمامه غير شخص واحد يؤكد على معنى معيّن واحد فقط لا ثاني له ولا ثالث وهو اقرأ! الرسول ﷺ قال للمرة الثانية: (ما أنا بقارئ). فيعود جبريل ﵇ لنفس الفعل فيضم رسول ﷺ ضمة قوية حتى يبلغ منه الجهد، ثم قال له للمرة الثالثة: اقرأ. فقال ﷺ : (ما أنا بقارئ)، فضمه جبريل ﵇ للمرة الثالثة ثم أرسله فقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. فقبل أن يخبره أنه ملك مرسل من رب العالمين، وأن هذا قرآن، وأن هذا دين جديد سيبدأ اسمه الإسلام، قبل هذا كله يقول له وبصيغة الأمر: اقرأ! ألا يحمل ذلك إشارة لأمة الإسلام؟ فهل يُعقل أن تكون أول كلمة في القرآن نزولاً إلى الأرض هي كلمة تتحدث عن هواية قد يحبها البعض، وينفر منها البعض أو يملّ منها البعض الآخر؟! فهذا مستحيل يا إخواني. كلمات القرآن أكثر من سبعة وسبعين ألف كلمة، ومن بين كل هذه الكلمات الهائلة كانت كلمة اقرأ هي الأولى في النزول. القرآن فيه آلاف الأوامر: ((أَقِمِ الصَّلاةَ))، ((وَآتُوا الزَّكَاةَ))، ((وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، ((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ))، ((أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ))، ((تُوبُوا إِلَى اللَّهِ))، أوامر كثيرة جداً ومن بين كل هذه الأوامر نزل الأمر الأول: اقرأ. وليس هذا فقط بل إن ا

стр. 74

ضوابط القراءة الصحيحة وربنا يضع لك ضابطين هامين للقراءة في هذه الآيات الخمس الأولى: يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فلا بد أن تكون القراءة باسم الله، فلا يجوز أن نقرأ ما يغضب الله ، أو ما نهى الله عن قراءته، إنما القراءة لله ، وعلى منهج الله لنفع الأرض والبشر، لخير الدنيا والآخرة، أما القراءة التافهة أو المنحرفة أو الضالة أو المضلة فهذه ليست القراءة التي أمر الله بها. الضابط الآخر: هو ألا تخرجك هذه القراءة أو هذا العلم المنقول عن التواضع، فلا تكن متكبراً بالعلم الذي علمت، بل اعلم أن الله كريم وهو الذي منّ عليك بالتعليم، يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٣ - ٥]، فهذا المعنى يجب ألا يغيب أبداً عن أذهان القارئين أو المتعلمين مهما وصلوا إلى أعلى درجات العلم في زمانهم، بل يعلموا دائماً أن الله هو الذي علمهم، ومنّ عليهم بالعلم، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. إذاً: لا تتكبر بما تعرف على من لا يعرف.

стр. 75

ضوابط القراءة الصحيحة وربنا يضع لك ضابطين هامين للقراءة في هذه الآيات الخمس الأولى: يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فلا بد أن تكون القراءة باسم الله، فلا يجوز أن نقرأ ما يغضب الله ، أو ما نهى الله عن قراءته، إنما القراءة لله ، وعلى منهج الله لنفع الأرض والبشر، لخير الدنيا والآخرة، أما القراءة التافهة أو المنحرفة أو الضالة أو المضلة فهذه ليست القراءة التي أمر الله بها. الضابط الآخر: هو ألا تخرجك هذه القراءة أو هذا العلم المنقول عن التواضع، فلا تكن متكبراً بالعلم الذي علمت، بل اعلم أن الله كريم وهو الذي منّ عليك بالتعليم، يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٣ - ٥]، فهذا المعنى يجب ألا يغيب أبداً عن أذهان القارئين أو المتعلمين مهما وصلوا إلى أعلى درجات العلم في زمانهم، بل يعلموا دائماً أن الله هو الذي علمهم، ومنّ عليهم بالعلم، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. إذاً: لا تتكبر بما تعرف على من لا يعرف.
следующие страницы →