← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

نظرة في حكم الشارح على الخلاف بين أبي حنيفة وسائر الأئمة بأنه خلاف صوري قال رحمه الله تعالى: [والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءاً من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه؛ نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد]. وهذا الكلام أيضاً مما تساهل فيه الشارح وأراد أن يتوسط حسب رأيه ووجهة نظره بين الطحاوي والأحناف من جهة وبين أهل السنة من جهة أخرى، فتصوير الخلاف بأنه صوري مطلقاً غير صحيح، وكذلك تصوير الخلاف بأنه لفظي مطلقاً غير صحيح، فهو صوري ولفظي من جهة، لكنه اعتقادي وعلمي من جهة أخرى، أما كونه صورياً ولفظياً فهذا من جهة الأعمال وثمرة الأعمال، أي: جزاء الأعمال، بمعنى أن أبا حنيفة وأتباعه -سواء الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق، والذين قالوا: هو التصديق والقول- عندهم للأعمال اعتبار كبير، فلا يتساهلون في الأعمال، ويرون أنها من لوازم الإيمان، وأن الإخلال بالأعمال يترتب عليه الوعيد، وأن الزيادة في الأعمال عليها الثواب العظيم، فمن ناحية العمل يكون الغالب أن النزاع لفظي، وهذا عند الكبار الأوائل منهم الذين في عصر السلف في القرن الأول والثاني تقريباً، أما المتأخرون منهم فصار عندهم نوع تساهل في فروع هذه المسألة، وانعكس هذا المفهوم عندهم في التساهل في الأحكام والأسماء والأعمال وثمرات الأعمال انعكاساً مباشراً وغير مباشر، وأقصد بذلك أن متأخري المرجئة تساهلوا في مسألة لوازم الأعمال من الولاء والبراء، ومن تحقيق الوعيد، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، بخلاف الأولين، فـ أبو حنيفة ﵀ ومن كان في زمنه وقبله كانوا لا يتساهلون في مسألة الأعمال، وعندهم من الورع ومن التزام السنة ما يجعلهم لا يخلون بمنهج الولاء والبراء، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بلوازم العمل من حيث الوعيد ونحو ذلك. إذاً: الخلاف عند الأوائل في الجانب العملي صوري في نهايته وثمرته، لكن في الجانب الآخر -وهو الجانب الاعتقادي- لا شك أن هناك فرقاً كبيراً، ولذلك جعل أهل السنة بإجماع المسألة من مسائل الاعتقاد، وهي قولهم بأن الإيمان قول وعمل، وإدخالهم الأعمال في مسمى الإيمان، وصار ذلك من أصول العقيدة يقررونه في كتبهم، ويدرسونه ويحشدون له الأدلة، وكتبوا في ذلك مجلدات تقريراً للحق، فالسلف لا يتكلمون بالفضول، وهم أكثر الناس تورعاً عن الكلام والتأليف في فضول الأمور، فقد عنوا بمسألة الإيمان عناية باهرة وكبيرة وعظيمة جداً، أي: إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، وأن الأعمال جزء من الإيمان. وترتب عليها من الجانب الاعتقادي القول بأن الإيمان يزيد وينقص، ولذا فالمرجئة يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فصارت هذه المسألة من الناحية الاعتقادية والعلمية من أكبر المسائل عند أهل السنة والجماعة، وربطوها بالتي قبلها، ثم جاءت مسألة الاستثناء في الإيمان، وصارت من أساسيات العقيدة؛ لأنها فرع عن القول بأن الإيمان تصديق أو أنه تصديق وعمل، فالذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق والقول؛ قالوا: لا يجوز الاستثناء في الإيمان؛ لأنك إذا صدقت لا تستثني، والسلف حينما قالوا بأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، أجازوا استثناء في الإيمان؛ لأن العمل مرتبط بالعبد، فإذا كان موقناً بالله عاملاً بمقتضى الشرع؛ فليقل: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه ليس المقصود مجرد التصديق اللغوي، ومجرد الإقرار. فعلى هذا فالخلاف من الناحية العملية عند الأوائل لفظي فعلاً، لكنه عند المتأخرين من الناحية العملية لم يعد لفظياً، أما من الناحية الاعتقادية والناحية العلمية فإن الخلاف ليس بلفظي، بل ترتب عليه أمور خالفت مقتضى النصوص الصريحة عند السلف، والسلف حينما قرروا أن الإيمان يزيد وينقص وأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأنه يجوز الاستثناء في الإيمان، حينما قرروا ذلك قرروه لأن النصوص وردت بذلك، فلا بد من حماية النصوص وقواعد الشرع وأصول الدين من أن تنتهك وتختل مفاهيمها عند الناس لمجرد مجاراة إمام غلط أو زل.

стр. 842

تكفير تارك الصلاة بدليل مستقل لا يلزم منه امتناع دخول سائر الأعمال في الإيمان قال رحمه الله تعالى: [والقائلون بتكفير تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى، وإلا فقد نفى النبي ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية اتفاقاً]. اعترض الشيخ هنا اعتراضاً قاله بعض أهل العلم، لكنه اختصر فجعل الاعتراض غير واضح، ثم أجاب عن هذا الاعتراض، يقول: إن من الأعمال ما يخرج تركه من الملة، أو يدخل تركه الكفر، وهو الصلاة، وعلى هذا فإن تارك الصلاة إذا كان يخرج من الملة أو يكفر فقد اختل إيمانه، أو لا يقال: إنه مؤمن، ثم يقول: إن الجواب عن هذا أن الصلاة استثنيت بنصوص مستقلة. وهذا الكلام في مجمله صحيح، فالصلاة ورد النص بتكفير تاركها أكثر مما ورد في غيرها، وقد وردت نصوص بأن كفر تارك الصلاة كفر مغلظ، فقد وصف تارك الصلاة بالشرك، والشرك لا يكون -إذا قارن الكفر- إلا الكفر المغلظ، وكلامه هذا صحيح، لكنه فيه نوع من الالتباس، فلا يظهر أنه يستدل للسلف أو يستدل ضدهم، وكأنه بذلك يشير إلى أن هذا دليل من أدلة المرجئة الذين يقولون: إن ترك الأعمال لا يخرج من الإيمان إلا الصلاة، والصلاة جاء دليل إخراج تاركها من الإيمان بدليل مستقل، لا لأنها من الإيمان. نقول: هذا صحيح من وجه وليس بصحيح من وجه آخر، فصحيح أن الصلاة استثنيت من أركان الإسلام بأن تاركها يخرج من الملة عند بعض أهل العلم، أو يكفر كفراً مغلظاً أو نحو ذلك مما قيل، وأن فيها نصوصاً مستقلة، لكن هذا لا يعني أن غيرها من الأعمال لا يدخل في مسمى الإيمان؛ لأننا نقول: الإيمان يزيد وينقص، ولا نقول بأن الذي يختل إيمانه يخرج من الإيمان بالكلية، فمن هنا لا مكان للاعتراض على أهل السنة بهذا المثال، لكن استثناء الصلاة وارد. فكثير من الأعمال تركها لا يخرج من الملة، إلا الصلاة، لكن لو أن إنساناً ترك أركان الإسلام جميعاً وأعرض عن الدين بالكلية فإنه يكفر وإن كان مصدقاً، وسيأتي أيضاً إشارة إلى هذا في مقام آخر، المهم أنه هنا اعترض اعتراضاً بالقول بأن تارك الصلاة يكفر ويخرج من الإيمان، فعلى هذا فإن الأعمال داخله في الإيمان، ثم كأنه استدرك على هذا الاعتراض بقوله: إن الصلاة جاء النص فيها مستقلاً، ونحن نقول: كما جاء النص بأن تارك الصلاة يكفر كذلك جاءت النصوص بأن الذي يخل بالأعمال ينقص إيمانه، والذي يفي بالأعمال يزيد إيمانه، وهذا له نصوص مستقلة، فيبقى الاعتراض غير وارد على أهل السنة والجماعة، إنما يرد على المرجئة فيما بينهم، وعلى المرجئة وخصومهم الآخرين من المعتزلة والخوارج الذين يخرجون أهل الكبائر من الإيمان بالكلية.

стр. 843

مراد أهل السنة بالقول والعمل قال رحمه الله تعالى: [ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يعنى به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل]. هذا أيضاً من الكلام المجمل الملتبس، فكلامه هذا فيه إجمال وفيه نظر من ناحية أخرى، فقوله: التصديق بالقلب والإقرار باللسان هو معنى أن الإيمان قول وعمل ليس بصحيح. فالقول بأن التصديق بالقلب والإقرار باللسان يخالف ويناقض قول السلف بأن الإيمان قول وعمل؛ لأن السلف فسروا قولهم، وتفسيرهم لهذه الكلمة متواتر، وهو أنهم يقصدون بـ (قول وعمل) قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. إذاً: فكلمة (قول وعمل) ليست مرادفة للإقرار بالقلب والقول باللسان، بل تزيد عليها قطعاً؛ لأن السلف اتفقوا على أن المقصود بقولهم: (قول وعمل) جميع الأمور الثلاثة: التصديق والإقرار باللسان والعمل بالأركان، لذلك لما خاضوا مع المرجئة في هذه المسألة فصلوا، فلما اضطر السلف للتفصيل فصلوا، وقالوا: الإيمان هو تصديق الجنان وقول اللسان وعمل الأركان، وهو تفسير لكلمة (قول وعمل). وقوله: [لا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل] هذا صحيح، لكن تفسيره بأن القول التصديق بالقلب والإقرار باللسان فقط، فيه نوع من الالتباس؛ لأنه قال: [وهذا الذي يعنى به عند إطلاق قولهم: قول وعمل]، فليته شرح معنى (وعمل) وجعلها في أصل الشرح السابق، من أجل أن يزول اللبس، ومع ذلك يبقى لسلامة العبارات محمل لو لم يكن هناك نوع من التكلف في عرض قول المرجئة في هذا المقطع كله، فلو لم يكن هناك التباس في الكلام في أوله وآخره لقلنا: إن هذا الكلام يمكن أن يحمل على أحسن المحامل، فيبقى سليماً في الجملة، لكن إذا نظرنا إلى مجمل القول قبل صفحات وفي الصفحات التالية؛ وجدنا أن هذا القول ملبس ولا بد من بيانه وشرح معنى جملة (قول وعمل)، فهي ليست مرادفة للتصديق والإقرار فقط، وإن كان القول فعلاً يرادف التصديق والإقرار، لكن العمل أمر لا بد من الإشارة إليه هنا، وأنه يعني الأمور الثلاثة، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: [لكن هذا المطلوب من العباد هل يشمله اسم الإيمان أم الإيمان أحدهما، وهو القول وحده، والعمل مغاير له لا يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر، وإن أطلق عليهما كان مجازاً؟ هذا محل النزاع. وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه، وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه أنه عاص لله ورسوله]. يقصد أن أهل السنة والمرجئة أجمعوا، فكأنه يريد أن يجمع بينهم هنا ليوفق بين المذهبين. قال رحمه الله تعالى: [وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه، وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه أنه عاص لله ورسوله مستحق للوعيد، لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان من قال: لما كان الإيمان شيئاً واحداً فإيماني كإيمان أبي بكر الصديق وعمر ﵄! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل ﵈! وهذا غلو منه؛ فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش والأعشى، ومنهم من يرى الخط الثخين دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها]. ويعني هنا طائفة من المرجئة. وقوله: (قد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه، وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه أنه عاص لله ورسوله مستحق للوعيد) هذا فعلاً قول لأهل السنة والمرجئة جميعاً. لكن قوله: (لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان من قال) يقصد أن هناك طائفة من المرجئة توافق أهل السنة في ظاهر القول، لكن عند التفصيل يخالفون، فهذا قول بعض المرجئة، كما أنه رد من معتدلة المرجئة -وهم مرجئة الفقهاء- على الجهمية، فعبارة: (لما كان الإيمان شيئاً واحداً فإيماني كإيمان أبي بكر الصديق) هي قول طائفة من المرجئة، وليس كلهم، وتوافق قول بعض الجهمية.

стр. 844

تعليق على كلام المحقق في نقله المذاهب في منزلة العمل من الإيمان وللمحقق كلام في الحاشية نقله عن غيره فيه شيء من الإجمال، وكنت أود لو أنه وضحه، حيث قال ناقلاً: [قال الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال أجزاء الإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما]. فهذه العبارة آخرها صحيح وأولها فيه نظر، أعني أن القول بأن الأعمال أجزاء للإيمان هذا فعلاً قول المعتزلة وقول الخوارج، لكنه يوافق بعض أقوال أهل السنة والجماعة، وقلت لكم: أهل السنة والجماعة يرون أن الأعمال داخلة في الإيمان، وأنه يمكن أن يعبر بعضهم بأنها أجزاء الإيمان، لكن ليست أجزاء بمثابة الأركان عند أهل السنة، بل أجزاء بمثابة المتممات والمكملات، فالإيمان يزيد وينقص لأنها منه، فظاهر أول العبارة يوافق قول أهل السنة والجماعة بأن الأعمال أجزاء الإيمان، وإن كانوا لا يعبرون بهذا التعبير، لكن هذا هو مفهوم قول أهل السنة والجماعة، ثم عند التطبيق يفارق الخوارج والمعتزلة أهل السنة، فالخوارج والمعتزلة حينما وافقوا أهل السنة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان -وهو ما عبر عنه هنا بأجزاء الإيمان- خالفوهم في مسألة حكم الذي يخالف في الأعمال، وهو مرتكب الكبيرة، فإن الخوارج والمعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة إذا أخل بجزء الإيمان اختل إيمانه كله، بينما أهل السنة يقولون: إذا أخل بجزء الإيمان -وهو العمل- ينقص إيمانه بقدر الخلل العملي. ثم جاء بكلام ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه أشار إلى قول المرجئة، فقال: [والثالث مذهب المرجئة، فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط]، وهذا كلام مجمل، وكان الصواب أن يقول: مذهب الجهمية، أو يقول: غلاة المرجئة، أو: مرجئة الجهمية، ولا يقول: مذهب المرجئة، فالمرجئة لا يقولون: لا حاجة إلى العمل، إنما يقولون: العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، فهو إنما حكى هنا قول الجهمية وسماه مذهب المرجئة، وفي هذا نوع من الإيهام. ثم قال: [فصار الأولون والمرجئة على طرفي نقيض، والرابع أهل السنة وهم بين بين, فقالوا: إن الأعمال أيضاً لا بد منها، لكن تاركها مفسق لا مكفر، فلم يشددوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يهونوا أمرها كالمرجئة]. هذا الكلام في الحقيقة فيه إجمال وإيهام، صحيح أن أهل السنة بين المرجئة الغلاة وبين الخوارج والمعتزلة، لكن قوله بأنهم قالوا: إن الأعمال لا بد منها كأنه يحكي مذهب أبي حنيفة، بمعنى أنها شرط زائد عن مجرد الإيمان، وأنها من لوازم الإيمان، بينما أهل السنة يقولون: لا بد منها بمعنى أنها من الإيمان أو تدخل فيه، ثم قوله: [لكن تاركها مفسق لا مكفر] هذا فيه تفصيل وليس على إطلاقه، فبعض الأعمال تاركها يكفر بحسب ما ورد في النصوص، وبعضها يفسق، وأيضاً يقال بأن إيمانه ناقص، ويقال: نقص إيمانه. وقوله: [ولم يهونوا أمرها كالمرجئة] أيضاً فيه نظر؛ لأن مرجئة الفقهاء هونوا أمرها في آخر الأمر، ثم قال: [افترقوا إلى فرقتين، فأكثر المحدثين أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا أبو حنيفة وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخلة في الإيمان] هو هنا خلط بين الناس قال: [مع اتفاقهم على أن فاقد التصديق كافر]. نعم، فاقد التصديق بالكلية كافر. أيضاً وكلمة (أكثر الفقهاء) فيها نظر. وقوله: [فلم يبق الخلاف إلا في التعبير] هذا أيضاً فيه نظر، فليس صحيحاً أن الخلاف في التعبير، الخلاف عقدي، وهو اعتقاد أن العمل يدخل في مسمى الإيمان، وهذا هو الحق، وأن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو الحق، وأنه يجوز الاستثناء في الإيمان؛ لأنه عمل البشر، وعمل البشر يجوز استثناؤه، ولأن الإنسان لا يدري ما مصيره وما مصير عمله عند الله ، فالاستثناء جائز، وهو لا يعني عدم الثقة بالعمل، إنما يعني أن يكل الأمر إلى الله ، ولا يزكي نفسه.

стр. 845

اختلاف درجات نور التوحيد في قلوب العباد قال رحمه الله تعالى: [ومن يرى الخط الثخين دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة، وآخر بضده]. هذا مما يمكن أن نسميه نوعاً من الخلط؛ لأن ابن أبي العز ﵀ يظهر لي أنه يوافق أهل السنة والجماعة إجمالاً، لكنه أيضاً عنده نوع مما نسميه القرب أو اعتقاد معقولية بعض أقوال المرجئة، وأنها معقولة، ويمكن أن تفسر بتفسيرات تتوافق مع مذهب السلف؛ نظراً لأن النزاع لفظي. فهنا بدأ يستدل لأهل السنة والجماعة باستدلالات لا بأس بها، وإن كانت موهمة، لكنه إيهام فيه غموض لا أحب أن أشير إليه؛ لأننا نحمل كلام ابن أبي العز على أحسن المحامل، لاسيما أنه في آخر المبحث هنا قرر الانتصار لأقوال أهل السنة والجماعة في الأمور التي ذكرها، فإذا كان انتصر لها فلا شك أن اضطرابه في الأمور السابقة وفي بعض المسائل الآتية ناتج عن أنه يرى أن أقوال المرجئة لها وجه، وأنها يمكن أن تكون أقوالاً اجتهادية، وإن كان يرجح غيرها، فهنا بدأ يستدل لمذهب السلف بأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا -والله أعلم- قال الشيخ ﵀: (وأهله في أصله سواء)، يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت درجات نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى]. قوله: (وأهله في أصله سواء) يحتمل أمرين عند الطحاوي ﵀: يحتمل أن يقصد بالأصل مبدأ الإيمان، وهو مجرد التصديق ابتداء، ويحتمل أن يقصد بأصله الإيمان التصديقي الذي هو كل الإيمان عند المرجئة، فمن هنا تبقى العبارة محتملة، لكن الشارح ابن أبي العز فسرها بما هو أقرب إلى أقوال السلف، ومع ذلك في عباراته نوع من الإيهام، فقول الطحاوي: (وأهله في أصله سواء) إن قصد أن أهل الإيمان في مبدأ التصديق سواء، أي: في وجود الإيمان في قلوبهم، ثم يتفاوت هذا الإيمان في المعاني والأعمال؛ فهذا صحيح، وإن كان قصده الوقوف عند القول بأن الإيمان في قلوب الناس سواء، بمعنى أنه لا يرى أنه يتفاوت في الأعمال والأحوال؛ فهذا خطأ. وابن أبي العز كأنه أراد أن يجمع بين الأمرين، فقال: [لا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت درجات نور لا إله إلا الله] فهذا فيه أيضاً نوع تقريب بالكلام إلى مذهب السلف. قال رحمه الله تعالى: [فمن الناس من نورها في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، وآخر كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف، ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور الإيمان والتوحيد علماً وعملاً، وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته، بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا شبهة ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذه حال الصادق في توحيده، فسماء إيمانه قد حرست بالرجوم من كل سارق، ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله تعالى)، وقوله: (لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله)، وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، ونحو ذلك]. ينبغي أن يفهم أن هذه النصوص ما أشكلت فعلاً إلا على المرجئة، فالخوارج بالغوا في الأخذ بها، فما أشكلت عليهم، فهم يعتبروها هي المحكمة، ويعتبرون نصوص الوعد هي المتشابهة، لكن المرجئة هم الذين أشكلت عليهم نصوص الوعيد، أما بقية أهل العلم فما أشكلت عليهم، هذا أمر.

стр. 846

وجه اللبس في اعتبار الطحاوي استواء أهل الإيمان في أصله الأمر الآخر: أن الكلام السابق كله في شرح قول الطحاوي: (وأهله في أصله سواء) فيه نوع التباس؛ لأن الشيخ ابن أبي العز هنا إن قصد بهذا الكلام أن الإيمان يتفاوت في أحواله ومعانيه القلبية فقط دون الأعمال؛ فهذا لا يكفي في شرح الكلمة، وإن أراد أن الإيمان يتفاوت في الأحوال القلبية وفي أحوال الأعمال فهذا صحيح، لكنه ما استكمل الموضوع، غير أنه هنا يوهم بأنه أيد الأحناف في أن المقصود بالزيادة والنقص الزيادة في جانب التصديق، والزيادة في الأحوال القلبية، لا سيما أنه قبل ذلك قال ما يدل على أنه هنا يخدم المرجئة أكثر مما يخدم أهل السنة والجماعة. حيث شرح قول الطحاوي: (والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى)، فهذه كلها معان قلبية فيها إشارة إلى أن الأعمال لا علاقة لها بالزيادة والنقصان، أو لا علاقة لها بالإيمان. وكذلك قول ابن أبي العز هنا وشرحه للكلمة، كأنه يشير إلى أن الزيادة والنقصان وعدم التساوي بين العباد في الإيمان إنما هو في الجوانب التصديقية وأحوال القلوب، إلا أنه بعد ذلك فصل بين الأمرين ورجع رجعة أخرى إلى تقرير زيادة الإيمان بالأعمال، وهذا المسلك قد يستغله المرجئة في تفسير كلام الشيخ، لأنه في صالح المرجئة، لكن إذا أخذنا الكلام بمجمله، فأخذنا هذا المقطع مع ما سيأتي من تقرير أن الأعمال يزيد بها الإيمان وينقص؛ فإنا نعتبر ابن أبي العز قد عدل عن هذا المسلك ورجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، لكنه بأسلوب مضطرب، كأنه أراد أن يجر المرجئة والأحناف إلى مذهب أهل السنة والجماعة بأسلوب يصلح لهم.

стр. 847

امتناع حصول الإيمان بمجرد الإقرار دون ما يقوم بالقلب من حقائق الإيمان قال رحمه الله تعالى: [والشارع صلوات الله عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط]. هنا يرد على الكرامية. قال رحمه الله تعالى: [فإن هذا من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل من النار، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب]. هذا الكلام فيه إجمال، فقوله: [فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب] الصحيح أن الأمرين يجتمعان، الأعمال تتفاضل بالعدد وبتفاضل القلوب. فالإنسان الذي يعمل عملاً صالحاً لا شك أن ثوابه على هذا العمل بقدر ما في قلبه من الإخلاص واليقين وبقدر كثرة العمل، فالإنسان إذا كان يكثر من النوافل عن يقين وتصديق بالله وخشوع، فإنه يؤجر ويعظم ثوابه على الأمرين: على ما في قلبه من التصديق والخشوع وعلى كثرة العمل، وهنا حصر الأجر والثواب والتفاضل على ما في القلب فقط، وهذا جارى فيه المرجئة، فكلامه صحيح من وجه، لكنه يحتاج إلى إكمال، فيحسن أن تكون العبارة: وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب وبعددها وبنوعها أيضاً. قال رحمه الله تعالى: [وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات، فلا يعذب صاحبها، ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار. وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية، وحملته -وهو في تلك الحال- أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت!]. هذه قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين ثم جاء إلى عابد وسأله: هل له من توبة؟ فقال: ليس لك توبة، فلما يئس من التوبة قتله وأتم به المائة، ثم ذهب إلى عالم فقيه في دين الله فسأله: هل له من توبة؟ فقال له: نعم، ومن يحول بينك وبين الله ؟! فنصحه بأن يذهب إلى مجتمع صالح وإلى أهل بلد صالحين، لعله بينهم تصلح أعماله فيقبل الله توبته، وفعلاً اتجه إلى هذه البلاد من أجل أن يعيش بينهم وهو صادق التوبة، فمات في الطريق بين القريتين، فجاءته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فتنازعوا فيه، كل منهم يقول بأنه تبع له، ثم قيست المسافة بين البلدين فوجدوا أنه إلى بلد أهل الخير والاستقامة أقرب، فدخل في رحمة الله . والشارح يقصد بهذا أنه استحق الجنة قبل أن يعمل، لكن الصحيح أن هذا الدليل ليس دليلاً للمرجئة، إنما هو دليل لأهل السنة، وإن كان فعلاً دليلاً للجميع -للمرجئة وأهل السنة- على من قال بأن الإيمان قول اللسان فقط، فهو أيضاً دليل لأهل السنة؛ لأن ما استحق به الثواب عمل واعتقاد، فهذا الرجل الذي استحق الثواب من الله واستحق الجنة والتوبة أنشأ العمل، بمعنى أنه سار برجليه متجهاً إلى بلد صالح وإلى أناس صالحين ليحقق ما أمره الله به، فهو عمل، وليس المقصود ما وقر في قلبه فقط. قال رحمه الله تعالى: [وتأمل ما قام بقلب البغي من الإيمان، حيث نزعت موقها وسقت الكلب من الركية؛ فغفر لها]. هذا دليل لأهل السنة على أن الأعمال من الإيمان. قال رحمه الله تعالى: [وهكذا العقل أيضاً، فإنه يقبل التفاضل، وأهله في أصله سواء، مستوون في أنهم عقلاء غير مجانين، وبعضهم أعقل من بعض. وكذلك الإيجاب والتحريم، فيكون إيجاب دون إيجاب، وتحريم دون تحريم، هذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم قد طرد ذلك في العقل والوجوب].

стр. 848

الأسئلة

стр. 849

سبب الاختلاف في حقيقة الإيمان السؤال ما سبب الاختلاف في الإيمان؟ الجواب سبب هذا الخلاف في الإيمان، نزعة علم الكلام التي وجدت في ذلك الوقت، أي: الكلام في القدر، وكلام الخوارج في مرتكب الكبيرة، وكلام أوائل المعتزلة، فكلام القدرية والخوارج هو الذي سبب قول المرجئة، فهو ردة فعل؛ لأن الخوارج بالغوا في مسألة الجزاء على الأعمال حتى إنهم كانوا يرون أن الكبيرة تزيل الإيمان بالكلية، وتخرج المسلم من الإيمان بالكلية، فهذا أوجد جواً من المناقشات والمناظرات والتمحل العقلي والرد بالعقليات والرد بالفلسفة والمراء والجدل، الأمر الذي مهد لظهور الإرجاء فيما بعد.

стр. 850

حكم الاهتزاز أثناء القراءة السؤال ما حكم ما يفعله بعضهم من الاهتزاز أثناء القراءة؟ الجواب هز الرأس عند تلاوة القرآن لا أصل له، وإذا كان الإنسان يتعبد به فهو بدعة، وإذا ما تعبد به فهو خطأ يجب أن لا يرتكبه.

стр. 851

من يلتمس له العذر في المخالفة في بعض مسائل العقيدة السؤال إذا كنا نلتمس للعلماء الأجلاء العذر في كونهم جانبوا الصواب في بعض مسائل العقيدة؛ فلماذا لا يلتمس بعض المعاصرين العذر لأناس لهم قدرهم ومكانتهم في مسائل عقدية؟ الجواب هذا أصل شرعي، وهو أن نلتمس للعلماء الأجلاء وأهل الفضل والصلاح والاستقامة المعروفين بالسنة العذر إذا خالفوا، ما لم يرتكبوا أمراً مخلاً بالعقيدة أو يصروا على بدعة، فإنهم نلتمس لهم الأعذار في مثل ما ورد، كمسألة الكلام في المرجئة، والتماس الأعذار لا يعني الإقرار على ما فعلوا ولا أن ما قالوه حق، وفرق بين التماس العذر للشخص كـ أبي حنيفة وغيره وبين الإقرار بما قاله، فنحن نلتمس لهم العذر ولا نتبعهم فيه. أما ما يحصل من بعض الناس فليس بحجة، فالناس تحدث منهم تجاوزات وبغي من بعضهم على بعض في كل زمان، وعلى أي حال فما يحدث بين أهل السنة وأهل الحق من تجاوز هذا الأصل هو إما من الجهل وإما تشف وإما حسد، وإما غير ذلك من الأمور التي تعتري البشر، والبشر فيهم الضعف والخلل والتقصير، ومع ذلك يجب على المسلمين أن يتناصحوا وأن يجمعوا الكلمة وأن يلتفوا حول علمائهم، ولو أن أمثال هؤلاء الذين لا يعذر بعضهم بعضاً من أهل الحق والصلاح رجعوا إلى علمائهم وإلى أهل الفضل والعدل فيهم لما حصل منهم ذلك.

стр. 852

شرح العقيدة الطحاوية [٧١] أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان كثيرة، وقد صنف فيها السلف كتباً وردوا على المخالفين من المرجئة الغلاة، ومرجئة الفقهاء والجهمية وغيرهم، وفندوا شبهاتهم وحججهم، وبينوا بوضوح عقيدة السلف في الإيمان وآثارهم وأقوالهم، وما يؤدي إليه لازم قول المرجئة من انتشار المعاصي والمنكرات واستحلال المحرمات والتهاون في الواجبات وغيرها من المآلات الباطلة.

стр. 853

حصول زيادة الإيمان بزيادة الشرائع والتكاليف قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل: فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ﷺ ما يجب على من بلغه خبره، كما في حق النجاشي وأمثاله]. يعني بذلك أن الإيمان يزيد بزيادة الشرائع والتكاليف، وعلى هذا فإنه يزيد بزيادة العمل أيضاً، فكلما زاد عمل الإنسان بما أمر به، وزاد انتهاؤه عما نهي عنه؛ زاد إيمانه، كما أن الإيمان يزيد في أصل نشأته في تاريخ التشريع، بمعنى أن الإيمان في أول الأمر في العهد المكي كان المقصود به مجرد بعض الأمور المعرفية وبعض الأعمال، ثم زاد بتشريع الصلاة، ثم زاد بتشريع بقية أركان الإسلام، وتشريع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بالدعوة، زاد من حيث الكم، بمعنى أن كل هذه تسمى إيماناً، كما أنه يزيد أيضاً بعمل الإنسان نفسه، فالإنسان كلما زاد امتثاله للأوامر الشرعية زاد إيمانه؛ لأن الإيمان يزيد بالأمور القلبية والأمور العملية. قال رحمه الله تعالى: [وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح فهو أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (ليس المخبر كالمعاين)، وموسى ﵇ لما أخبر أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المخبَر -وإن جزم بصدق المخبِر- فقد لا يتصور المخبَر به نفسه كما يتصوره إذا عاينه، كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]]. الإيمان يزيد بالأعمال فيما يتعلق بالجوارح، وكذلك يزيد بالأمور التي ترد إلى القلب فتزيد اليقين، ما يرد إلى القلب مما يزيد اليقين يعد زيادة في الإيمان، حتى وإن كان من الأمور التصديقية الخبرية. قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فمن وجب عليه الحج والزكاة -مثلاً- يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملاً، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل. وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان. ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم الذي لا يقوى على معارضته شهوة ولا شبهة لا تقع معه معصية، ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو إحداهما لما عصى؛ بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية فيغيب عنه التصديق والوعيد فيعصي، ولهذا -والله أعلم- قال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث، فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة الزنا، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، ثم يعاوده؛ فإن المتقين كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. قال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. والشهوة والغضب مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢]، أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون. قال ابن عباس ﵄: لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم. فإذا لم يبصر يبقى قلبه في عمى والشيطان يمده في غيه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينه فلا يرى وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر، وجاء هذا المعنى مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (إذا زنا العبد نزع منه الإيمان، فإن تاب أعيد إليه)].

стр. 854

ما أراده الشارح في تقرير زيادة الإيمان بالأعمال المقطع السابق كله لا يزال فيه نوع في بيان معنى أن الإيمان يزيد بالعمل، بل ربما يفهم بعض الناس -وربما يكون هذا مقصود الشارح- أن كل هذه النصوص وهذه المعاني قصد بها أن الزيادة والنقص في القلب فقط، أي: في الجانب التطبيقي، فربما يفهم من عبارات الشارح هذا الكلام. والحقيقة أني تأملت الأمر فوجدت أن ما ساقه الشارح هنا يحتمل الأمرين: يحتمل أن المقصود به الاستدلال على قول القدرية؛ لأن المقصود بزيادة الإيمان زيادة اليقين في القول وزيادة التصديق فقط، وأما كون الإيمان يزيد بالأعمال -يعني أن الأعمال تدل على زيادة التصديق، وأن الأعمال من لوازم الإيمان وليست من ذاته- فهذا محتمل حقيقة، لكن مع ذلك فإن في العبارات ما يدل على أنه يقصد أن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال، وأن الزيادة والنقص ليست فقط بزيادة اليقين والتصديق، إنما هي أيضاً زيادة تشمل العمل، بمعنى أن العمل من الإيمان وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. فقوله: [وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل] إلى آخر ما ذكره يحتمل أن الشارح أراد فيها الانتصار لمنهج أهل السنة والجماعة رداً على المرجئة بإثبات أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأنه بها يزيد وينقص، لكنه لم يفصح عن ذلك إفصاحاً بيناً. فمثلاً: قوله: [وأما الزيادة في العمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح] فيه إشارة إلى أنه يقصد الاستدلال لمذهب المرجئة؛ لأن زيادة الإيمان بالأعمال لا تدل على أن الأعمال من مسمى الإيمان، إنما تدل على أن الأعمال مظاهر للجانب التطبيقي والمعرفي في القلب، وأننا نعرف زيادة الإيمان ونقصه بلوازمه وبالأعمال، وهذا وارد، لكنه غير صحيح. ويحتمل أنه يقصد الاستدلال على أن الإيمان يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصها، أي: بالعمل والترك حسب الأوامر الشرعية. وفي الحقيقة أني تأملت في هذا المقطع كله أكثر من مرة ووجدت أن الأمر فيه غموض، فالشارح ابن أبي العز اضطرب في هذه المسائل والتي قبلها وفي بعض ما سيرد، فعنده نزعة الاعتذار للمرجئة الأحناف، في حين أنه -والله أعلم- يميل في حقيقة الأمر إلى مذهب أهل السنة والجماعة؛ ولذلك حاول أن يتوسط بأسلوب فيه اضطراب، فكان كلامه محتملاً للأمرين: يحتمل أنه يقصد بهذا المقطع كله الاستدلال على أن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ويحتمل العكس، أنه أراد الاستدلال على أن الأعمال زيادتها ونقصها إنما هي دليل على زيادة ونقص التصديق في القلب، أي: إنما هي مستلزمات فقط، أي: قرائن ودلائل على الإيمان الذي في القلب، وليست من مسمى الإيمان.

стр. 855

حقيقة النزاع بين أهل السنة والمرجئة في دخول الأعمال في مسمى الإيمان وزيادته قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعاً لفظياً فلا محذور فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك]. سبق أن ذكرت أن النزاع ليس لفظياً، فالحقيقة أن النزاع عقدي، وإن كان لفظياً من بعض الوجوه، لكنه من حيث العلم والاعتقاد ليس بلفظي، فمن الجانب العملي نجد أن النزاع بين أهل السنة وأوائل المرجئة يكاد يكون لفظياً من الناحية العملية، والدليل على ذلك أن المرجئة الأوائل الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان لا يتساهلون في العمل، ويرون أن الإخلال بالعمل معصية، وأن ارتكاب ما نهى الله عنه معصية، ويثبتون الوعيد الثابت في المعاصي، لكنهم يقولون: إن وجوب العمل بالأمور العملية وترك ما نهى الله عنه ثابت بنصوص خارجة عن نصوص الإيمان، أي: جاء وجوب العمل ووجوب الترك لما نهى الله عنه بمقتضى نصوصٍ لا تدل على أن هذه الأمور من الإيمان بذاته، إنما هي من لوازمه، فيقولون: الإنسان إذا آمن وصدق لا بد أن يذعن لأوامر الله ويترك نواهيه، وهذا من لوازم الإيمان أو من شروط الإيمان، والشرط خارج عن الأصل، كما نقول في شرط الصلاة، فشرط الصلاة هو من مقدماتها ومن الأمور التي تسبقها، فيقال -مثلاً-: من شروط الصلاة الطهارة، لكن ليست الطهارة من أجزاء الصلاة، هذا نظير كلام الأحناف والمرجئة في الإيمان، وهم يقولون فعلاً: الأعمال من مستلزمات الإيمان وليست من الإيمان، وهذه شبهة في الحقيقة، وليست حجة؛ لأن الأمر يرجع إلى الاصطلاح الشرعي، أي: ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفهمه الصحابة والسلف في معنى الإيمان، فهؤلاء وقفوا في معنى الإيمان على المعنى اللغوي، وسيأتي ذكر شبهتهم والرد عليها بعد قليل. إذاً: ليس النزاع في المسألة نزاعاً لفظياً إلا من جانب الثمرة العملية فقط، أما من حيث الاعتقاد ومن حيث المعرفة فلا شك أن هناك نزاعاً عقدياً حقيقياً، هذا شيء. الشيء الآخر: أن أوائل المرجئة بينهم وبين أهل السنة خلاف لفظي في الجانب العملي، وليس الأمر كذلك عند المتأخرين من المرجئة، فمتأخرو المرجئة تساهلوا في هذا الأمر حتى إنهم أخلوا بكثير من أمور الوعيد؛ لأنهم لما قالوا: إن الإيمان التصديق قالوا بأن من أعرض عن الأعمال بالكلية يبقى مؤمناً مسلماً حتى وإن لم يعمل من الدين بشيء، وهذا خلاف الأصل الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهذه النزعة بدأت على ألسنة بعض المعاصرين الذين يقولون: لا يكون الكفر إلا بالتكذيب القلبي، فقولهم هذا هو قول المتأخرة من المرجئة، وهو غير صحيح، فالكفر يكون أيضاً بالأعمال، إما عملاً وإما تركاً، فالإعراض عن الدين بالكلية كفر مخرج عن الملة، وكذلك عمل الشركيات وإن كان القلب مصدقاً مؤمناً، فالعمل بالشركيات كفر مخرج عن الملة، ولا يصح أن يقال: لا يشرك إلا من زال من قلبه الإيمان، فقد يشرك وفي قلبه التصديق. إذاً: فالصحيح أن الخلاف ليس بلفظي مع المتأخرين، أما عند المتقدمين فقد يكون لفظياً من الجانب العملي، لكنه ليس بلفظي من الجانب الاعتقادي العلمي.

стр. 856

أصناف المرجئة في كلام السلف قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعاً لفظياً فلا محذور فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقاً كامل الإيمان والإسلام، ولي من أولياء الله! فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله! وهذا باطل قطعاً]. هذا الكلام أيضاً وما تبعه من تعليق من المحقق في الهامش فيه نوع إيهام، فقوله: [أن يصير ذلك ذريعةً إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء] هذا ليس على إطلاقه، كما أن قوله بعد ذلك: [قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وهذا باطل قطعاً] هو حق، لكن ليس هذا قول المرجئة الذين يعنيهم السلف، فالسلف يطلقون المرجئة في الإطلاق العام المشهور ويقصدون بهم مرجئة الفقهاء من الأحناف والأشاعرة والماتريدية، وأغلب الذم الوارد وما ورد في نصوص وآثار السلف إنما هو في الرد على هذا النوع من المرجئة، وهم الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق، أو: التصديق والقول فقط، ومن ثم لا يجعلون الأعمال من الإيمان، ولا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، ولا يستثنون في الإيمان، فأصحاب هذه الأصول الأربعة أو الخمسة هم المرجئة عند السلف. أما الذين أشار إليهم الشارح هنا فسماهم أهل الإرجاء فيسميهم السلف الجهمية، وهم الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، يعني: بإطلاق، هؤلاء هم مرجئة الجهمية، وهم المقصودون بالإطلاق في عبارات من بعد السلف. فالسلف كانوا يطلقون على الجهمية مرجئة، لكن هذا قليل وبحسب المناسبة، أما أكثر الذين رد عليهم السلف من المرجئة فهم مرجئة الفقهاء، وأكثر كلام السلف في المرجئة يعنون به مرجئة الفقهاء، فإذا أطلقت كلمة (المرجئة) عند العلماء فإنما يقصدون بها مرجئة الفقهاء، أما مرجئة الجهمية فإطلاقهم لها عليهم قليل، ولا يمكن أن يذكر إلا مع ذكر مقولات الجهمية أو بوصف قولهم الشنيع، هذا الإرجاء الغالي، والإرجاء عند الجهمية ناتج عن الجبر، وهو القول بأن الإنسان مجبور على أفعاله، فنتج عن ذلك الإرجاء ضرورة، يعني: الجهمية يلزمهم ذلك ولو لم يقولوا به؛ لأن من قال بأن الإنسان مجبورٍ على أفعاله وليس له أي اختيار ولا حرية ولا قدرة، فمن الضروري أن يقول بأن الإنسان لا يحاسب على أي ذنب؛ لأن المجبور على الذنب لا ذنب له. إذاً: فالصحيح أن الذين أشار الشارح إليهم هنا هم غلاة المرجئة، وهم الجهمية. وكذلك المحقق همش بوهم أكثر وقال: [الإرجاء المذموم الذي يعد بدعة هو قول من يقول: لا يضر مع الإيمان معصية] والصواب أن هذا إرجاء يخرج به صاحبه من الملة، وليس مجرد ذنب؛ لأن قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية، يدخلون فيه الشرك الأكبر، والبدع المغلظة، والكفريات والجرائم وكل شيء، وهذا لا يصح، وهذا قول غلاة المرجئة الذين هم الجهمية، وليس الإرجاء المذموم هو هذا فقط، بل الإرجاء المذموم هو قول مرجئة الفقهاء، وكذلك قول الجهمية من باب أولى. ثم قوله: [أما من يقول بإرجاء أمر المؤمنين العصاة إلى الله ولا ينزلهم جنة ولا ناراً ولا يتبرأ منهم، فهذا لا يعد بدعة] بل هذا هو البدعة بعينها إلا إذا فصل، فهذا فيه إجمال، فالصحيح أن من قال بإرجاء عصاة المؤمنين يوم القيامة إلى الله فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فقد وافق قول أهل السنة والجماعة، أما من قال بالإرجاء المطلق -وهو نتيجة قول المرجئة- فإن هذا بدعة، وقوله: لا ينزلهم جنة ولا ناراً، كذلك الكلام مجمل. فقول المحقق: [الإرجاء المذموم الذي يعد بدعة هو قول من يقول: لا يضر مع الإيمان معصية] هذا ليس على الإطلاق، فهو مذموم فعلاً، لكنه إرجاء غلاة المرجئة وهم الجهمية، ومن الإرجاء المذموم عدم إدخال العمل في مسمى الإيمان، وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وعدم الاستثناء في الإيمان إلى آخره. وقوله: [وأما من يقول بإرجاء أمر المؤمنين العصاة إلى الله ولا ينزلهم جنة ولا ناراً] كلام مجمل، فإن قصد بهذا عصاة المؤمنين الذين يموتون دون توبة فصحيح، فهؤلاء أمرهم إلى الله . وقوله أيضاً: [لا ينزلهم جنة ولا ناراً] هذا أيضاً أمر محتمل، أما مصيرهم في النهاية فلا شك أنه إلى الجنة، حتى أولئك الذين يعذبون من أهل الكبائر من عصاة المؤمنين إذا لم يغفر الله لهم، فإنهم قد يعذبون عذاباً على قدر أعمالهم ثم يخرجون بشفاعة نبينا محمد ﷺ أو بشفاعة غيره. وقوله: [لا يتبرأ منهم] هذا كلام مجمل أيضاً، فما معنى التبرؤ؟! فالتبرؤ الكامل لا يجوز، لكن التبرؤ بقدر ما فيه من فسق وعصيان أو بدعة هذا أمر ضروري، ولذلك قرر فعلاً منهج المرجئة، ولم يقرر مذهب أهل السنة في هذه الكلمة، فقوله: [ولا يتبرأ منهم] ليس على إطلاقه، فالتبرؤ فيه تفصيل، فلا يتبرأ منهم تبرؤاً كاملاً؛ لأن عصاة المؤمنين لهم من الولاية بقدر إيمانهم، لكن أيضاً يتبرأ

стр. 857

مأخذ أبي حنيفة ومأخذ مخالفيه من الأئمة في اعتبار حقيقة الإيمان قال رحمه الله تعالى: [فالإمام أبو حنيفة ﵁ نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة ﵏ نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع، فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافاً وشرائط كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك]. هذا من الأمور التي تحتاج إلى شيء من الإيضاح والتعليق، وربما نعنصر هذه الفقرة؛ لأنه سيترتب على هذه المقدمة التي ذكرها أمور كثيرة ستأتي فيما بعد، فسنذكر بعض العناصر الضرورية لأنها مقدمات مهمة لما سيأتي فيما بعد من حوار بين أهل السنة والمرجئة حسب السياق الذي ذكره الشارح. قوله: [فالإمام أبو حنيفة ﵁ نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة ﵏ نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع] هذا الكلام يحتاج إلى تأمل، وذلك أن أمور الاعتقاد ليست كأمور الأحكام، فأمور الأحكام قد يقع فيها إذا اختلف الأئمة أن يكون الحق مع واحد من الأئمة أو مع اثنين، والبقية قد لا يصل اجتهادهم إلى الصواب، لكن العقيدة ليست كذلك، فلا يمكن أن يكون الحق مع واحد والبقية قد جانبوا الحق في أمور العقيدة؛ وهذا أمر يجب أن تهتموا به في جميع مسائل الخلاف في الأمور التي تعد أصولاً في الاعتقاد، فأهل السنة يعدون هذه الأمور من أصول الاعتقاد، أعني دخول الأعمال في مسمى الإيمان، وزيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنه خالف فيها من خالف، فلما حشدت فيها النصوص وجدوا وجه الحق فيها بالكتاب والسنة واضحاً جداً، ولا يجوز لأحد أن يعدل عنه، وإن تأول بعض من تأول وعذر في ذلك فلا يعني أنه يحتمل أن يكون معه الحق، فقد يزل عالم من العلماء ويخرج عن مقتضى السنة في أمر صريح بين، ولا يعد ذلك من الأدلة على أن المسألة خلافية، فمسألة الإرجاء ليست مسألة خلافية، بل هي بدعة، وما دامت من العقيدة فإن شذوذ الإمام أبي حنيفة وشيخه حماد ومن جاء بعدهما ممن تبعهما عن عموم السلف لا يدل على أن المسألة خلافية، بل ما دام جمهور السلف -كما أشار الشارح- وبقية الأئمة لهم رأي آخر فيجب أن يكون الحق مع البقية، ما دام أن المخالف قليل، ولا ننظر إلى المخالف الآن، لكن ننظر إلى المخالف عندما نشأت المسألة، وهذا هو الذي ينبغي اعتباره منهجياً من الناحية الشرعية؛ لأننا نتكلم عن نشأة هذه المقولة -مقولة المرجئة- في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وهذا يعني أن الصحابة لم يقولوا بها، ولا التابعون الأوائل، بل قال بها بعض التابعين أو تابعي التابعين، فبدأت بواحد فقط، قيل: إنه ذر بن عبد الله، وقيل: إنه حماد بن أبي سليمان، وقيل: أبو حنيفة، وقيل: إنهم كلهم قالوا بهذا القول، لكن كل واحد زاد عمن سبقه. فإذا كان في ذلك العصر ما قال بها إلا واحد، ثم أخذها عنه واحد، ثم اشتهرت عند هؤلاء؛ فهل يعقل أن الحق مع واحد؟! إنه في الأمور الاجتهادية قد يرد هذا، لكن في الأمر العقدي لا يعقل أن الحق مع واحد وإن تبعه بعد ذلك من تبعه، فكثرة أتباعه أمر لا تقوم به الحجة، حتى ولو كان أكثر المسلمين صاروا تبعاً له؛ لأن هذا مصداق حديث النبي ﷺ في وقوع المخالفة والافتراق، أما منشأ القول فهو شاذ، والشاذ في العقيدة يجب أن لا يكون دليلاً أو حجة على الناس. إذاً: فهذا السياق أراد به الشيخ أن يلطف الخلاف، في حين أنه فعلاً بين لنا أن قول أبي حنيفة رحمه في هذه المسألة شذ به عن الأئمة وشذ به عن السلف، وعلى ذلك فلا اعتبار لهذا القول من الناحية الشرعية، هذه النقطة الأولى.

стр. 858

الرد على اعتبار أبي حنيفة للمدلول اللغوي للفظ الإيمان النقطة الثانية: حينما أشار إلى المعنى اللغوي، فنقول: إن المعنى اللغوي ليس حجة على الاصطلاح الشرعي؛ لأن الاصطلاح الشرعي أمر زائد على المعنى اللغوي، يدل عليه أن الاصطلاح الشرعي في كثير من المعاني الشرعية التي وردت يزيد عن المعنى اللغوي علمياً ويزيد عملياً، والدليل على ذلك الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والدعاء وغير ذلك، كلها لها معان لغوية محدودة عند العرب، فوضع لها الشارع المعاني التي تتضمن أعمالاً، فالصلاة في اللغة هي الدعاء، لكن في الاصطلاح هي الدعاء وزيادة، والصلاة في الاصطلاح ركوع وسجود، وأدعية، وقراءة قرآن، وتوجه معين، واستقبال القبلة، فدخل في مفهوم الصلاة غير مجرد الدعاء بالمعنى اللغوي، حيث دخلت أعمال أخرى إضافية صارت جزءاً من الصلاة شرعاً. وكذلك الصيام، فالصيام لغة: هو الإمساك، لكن الشرع وضع للصيام معنى آخر، وهو الإمساك بضوابط وحدود وأعمال، وما لم تتم هذه الضوابط والحدود والأعمال لا يصير الصيام صياماً شرعياً. وكذلك الجهاد، فالأصل فيه بذل الجهد، لكنه إذا أطلق في الشرع فالمقصود به في الدرجة الأولى القتال للكفار بالسيف، وإلا فيمكن أن واحداً يجلس في بيته ويفكر في مصالح المسلمين ويقول: أنا مجاهد؛ لأنني بذلت جهدي، إذاً: فلا بد من اعتبار الاصطلاح الشرعي، فكما قلنا: إن للصلاة معنى شرعياً غير اللغوي، وكذلك الحج، والصوم، والجهاد وغيرها، فكذلك للإيمان معنى شرعي غير المعنى اللغوي، هذا ما حدده القرآن والسنة. إذاً: فالاعتذار لـ أبي حنيفة ﵀ في قوله: الإيمان هو التصديق على أن اللغة تدل على ذلك؛ ليس بعذر، يعني: ليس بعذر في الخروج عن أصل السلف، نعم نعذره بتأول، بمعنى أننا لا نبدعه؛ لأنه إمام، لكن لا يعني ذلك أن عمله صحيح وأن قوله غير بدعة، بل بدعة ويجب تجنبها.

стр. 859

قيام الأدلة الشرعية على دخول الأعمال في الإيمان الأمر الثالث: أن الأدلة من الشرع على أن الأعمال من الإيمان، وعلى زيادة الإيمان ونقصانه وبقية الأمور التي قررها السلف لا تكاد تحصر، في حين أن أدلة أبي حنيفة ﵀ وغيره من المرجئة على أن الإيمان هو التصديق فقط أدلة قليلة جداً، واستدلالهم بها فيه اشتباه وفيه ضعف، فهل يعقل أن نعدل عن الأدلة الصريحة القوية الكثيرة التي كتبها العلماء في مجلدات، وكلها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من الإيمان، وكلها صريحة صراحةً بينة، مثل حديث شعب الإيمان، فهل يعقل أن نعدل عن هذه الأدلة الصريحة الكثيرة إلى أدلة قليلة مشتبهة للعلماء عليها رد بين؟! نعم هناك أدلة سيوردها بعد قليل فيها اشتباه على من لم يرجع إلى قواعد السلف في الاستدلال، وفيها اشتباه على من لم يرد النصوص بعضها إلى بعض، أما من رد النصوص بعضها إلى بعض وفسر بعضها ببعض فلا بد أن يتبين له وجه الحق في أن الإيمان هو التصديق وزيادة، أن الإيمان هو التصديق والعمل، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. الأمر الرابع: أن هذه الأوصاف للإيمان التي اعتبروها أوصافاً وشرائط، أي أن الأحناف حينما قالوا: إن الأعمال من لوازم الإيمان، لكنها أشبه بالأوصاف للإيمان، وأشبه بالقرائن على وجود الإيمان، وأشبه بالشروط للإيمان ومستلزماته، لكنها ليست من الإيمان. نقول لهم: لما سميتموها أوصافاً وشرائط للإيمان لا يتم الإيمان إلا بها؛ فإن هذا يعني أنها في الاصطلاح الشرعي توسع مفهومها حتى صارت جزءاً من الإيمان، وسماها الله إيماناً، وكونها سميت إيماناً؛ لأنها تنبني على التصديق والمعرفة، وهذا أمر ضروري بدهي. فتسمية الأعمال بالإيمان فعلاً؛ لأن فيها جزءاً تصديقياً، بمعنى أن من عمل ولم يصدق لا يعتبر مؤمناً، وكذلك من صدق ولم يعمل لا يعتبر مؤمناً، وهم يقولون العكس، يقولون: من صدق ولم يعمل يعتبر مؤمناً، لكنه يعاقب على تركه لموجب النصوص الخارجية، وهذا ليس بكلام جيد، هذا كلام عقلي فلسفي، هذه أهم الأمور التي أحببت أن أشير إليها؛ لأنها عبارة عن ضوابط سنحتاجها بعد قليل في سياق قول الأحناف والرد عليهم.

стр. 860

ذكر أدلة أبي حنيفة على أن الإيمان عبارة عن التصديق في اللغة

стр. 861

نفي إخوة يوسف إيمان أبيهم لهم في إخباره بشأن يوسف قال رحمه الله تعالى: [فمن أدلة الأصحاب لـ أبي حنيفة ﵀: أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، قال تعالى خبراً عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] أي: بمصدق لنا]. هذه الآية وجه الدلالة عندهم فيها غير صريح، فقول إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] لا يتعلق بقضية شرعية، فإخوة يوسف أخبروا أباهم بخبر ثم قالوا هذا القول، فما دخل في ذلك الإيمان في الاصطلاح الشرعي، فهم يستدلون بدليل يتعلق بالخبر على أمر يتعلق بالأوامر والنواهي الشرعية، فهذا الدليل ليس في مكانه. إذاً: ليس المقصود في كلام إخوة يوسف الإيمان الشرعي، ولو كانوا يقصدون الإيمان الشرعي لقالوا: وما أنت بمؤمن بنا، لكن حينما قالوا: (لنا) عرف أن المقصود الإيمان بخبر وليس الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو الأعمال والأمور القلبية التي هي مقتضى الإسلام. فهذا دليل على أن التصديق يسمى إيماناً، والإيمان يسمى تصديقاً مع زيادة، والسلف ما أنكروا أن الإيمان يسمى تصديقاً وأن التصديق يسمى إيماناً، لكن هل الإيمان الشرعي مقتصر على التصديق فقط؟! إذاً: فالحنفية تجاهلوا محل الخلاف واستدلوا على ما لا خلاف فيه. قال رحمه الله تعالى: [ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك، ثم هذا المعنى اللغوي -وهو التصديق بالقلب- هو الواجب على العبد حقاً لله، وهو أن يصدق الرسول ﷺ فيما جاء به من عند الله، فمن صدق الرسول ﷺ فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى]. هذا الكلام صحيح في إطلاقه، لكن ليس دليلاً على أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان؛ لأنه تكلم عن أحكامنا الظاهرة التي يحكم بها المسلمون يحكم بها أهل العلم. فالأسماء والأحكام حينما يقررها أهل العمل لا يقصدون بها ما عند الله ، بل يقصدون الظواهر التي نبني عليها أحكاماً باجتهادنا نحن البشر، فكونه مؤمناً بينه وبين ربه أمر لا نعلمه، فكيف نعرف أنه مؤمن وهو لا يعمل؟! وعكسه المنافق، فالمنافق لا نجزم بنفاقه لأننا لا نعلم ما في قلبه، لكن نحكم له بظاهر الإسلام ونقول بأنه مؤمن مسلم؛ لأنه عمل بظواهر الإيمان. فكلامهم هذا كلام مجمل ليس حجة لهم ولا عليهم، وليس هو محل الخلاف، فنحن لا نتكلم عن تسمية العبد مؤمناً بينه وبين ربه، وإنما نتكلم عن تسميته في أحكام الدنيا، أما الأحكام الغيبية فلا نفترضها ثم نقيم الحجة على الافتراض. قال رحمه الله تعالى: [فمن صدق الرسول فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء أحكام الإسلام في الدنيا]. هذا كلام صحيح من وجه، لكن فيه إجمال، فما المقصود بكون الإقرار شرطاً؟! إن قصدوا بأن الإقرار شرط أننا لا نحكم بإسلام المؤمن أو بإيمان المؤمن إلا بالأعمال فهذا صحيح، وإن قصدوا أن الإقرار والعمل شرط زائد عن الإيمان فلا نقرهم على ذلك، ونقول: الإقرار والعمل إنما هو جزء من الإيمان، فمن أقر فهو مؤمن، ومن عمل فهو مؤمن في ظاهر الأمر، كما أن من صدق فهو مؤمن إذا ألحق تصديقه بالعمل والإقرار. قال رحمه الله تعالى: [هذا على أحد القولين كما تقدم]. استدلوا أولاً بالآية على أن الإيمان المقصود به التصديق، ثم جاءوا بكلام إخوة يوسف، وإخوة يوسف لا يتكلمون عن الإيمان الشرعي، ولا يتكلمون عن أمور الدين والعقيدة، بل يتكلمون عن خبر كذبوا به على أبيهم، فقالوا: ما أنت بمؤمن لنا، ثم أتوا بالدليل الثاني.

стр. 862

اعتبار الضدية للكفر الذي يعني التكذيب والجحود قال رحمه الله تعالى: [ولأنه ضد الكفر وهو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب، فكذا ما يضادهما]. هذا أيضاً فيه نظر؛ إذ عندنا عبارتان مختلفتان: عندنا شيء اسمه التصديق، وشيء اسمه الإيمان، ولا شك أن التصديق من الإيمان، لكن الإيمان أرفع من التصديق، فالتصديق يقابله التكذيب، والإيمان يقابله الجحود أو الكفر، فهم خلطوا في المسألة خلطاً لا يلزم لغة ولا يلزم في اصطلاح العلماء، فقولهم: إن الإيمان ضد الكفر هذا في الحقيقة يكون دليلاً عليهم وليس دليلاً لهم.

стр. 863

الاستدلال بقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] يدل على أن القلب هو موضع الإيمان لا اللسان، ولأنه لو كان مركباً من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] قالوا: يدل على أن قلبه هو موضع الإيمان، والجواب أن السلف ما أنكروا أن هناك حداً اضطرارياً وحداً اختيارياً، فالحد الاضطراري يصل إلى حد أن الإنسان يبقى إيمانه في قلبه فقط إذا ما استطاع أن يعمل، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فلو أن إنساناً اضطر اضطراراً إلى ترك الأعمال في ظرف من الظروف أو في وقت من الأوقات أو في لحظة حرجة أو زمن فتنة؛ فإنه معذور بذلك حتى ولو لم يبق من الإيمان إلا التصديق، فحجتهم هنا ليست حجة عامة على أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن قول الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] يتعلق بالحد الأدنى من الإيمان عند الضرورة القصوى، ونحن لا نتكلم في هذا ولا ننكره، بدليل أنه لو زالت هذه الضرورة وجب عليه العمل. فاستدلالهم هنا ليس بصحيح؛ لأن الحد الذي ذكروه هو الحد الاضطراري، ونحن نتكلم عن الأمور الاختيارية التي أوجبها الله على الأمة إلى قيام الساعة.

стр. 864

تركيب الإيمان من قول وعمل يعني زواله بزوال جزئه وأما الدليل الرابع، وهو أنه لو كان مركباً من قول وعمل لزال كله بزوال الجزء، فغير صحيح أيضاً ولا يسلم لهم، فالإيمان مركب من قول وعمل، ومع ذلك لا يزول كله بزوال الجزء، بل ينقص، فالأصل أن نقول: ما دام أنه مركب من قول وعمل فإنه ينقص بزوال الجزء، ونقول لهم: من قال لكم: إنه يزول كله؟! والله صرح في كتابه بزيادة الإيمان؛ والذي يزيد قد ينقص، بل ورد في نصوص الإشارة إلى نقصان الإيمان، فقولهم بأنه لو كان مركباً من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه لا يسلم، وهذه فلسفة عقلية لا صحة لها.

стр. 865

عطف العمل على الإيمان عطفاً يقتضي المغايرة قال رحمه الله تعالى: [ولأن العمل قد عطف على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة، قال تعالى: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥] في مواضع من القرآن]. العطف لا يدل على المغايرة من كل وجه، والدليل على هذا كلمة الإسلام والإيمان، فالإسلام إذا أطلق وقيل: مسلم فلا بد أن يتضمن الإيمان في الظاهر، أما الباطن فأمره إلى الله ، وإذا قيل: مؤمن فلا بد أن يتضمن الإسلام، ومع ذلك إذا اجتمعت الكلمتان فكل واحدة يصير لها معنى، وإذا افترقتا تضمنت إحداهما الأخرى، فكذلك الإيمان والعمل الصالح إذا انفردت واحدة لا بد أن تتضمن الأخرى، فالعمل الصالح لا يكون صحيحاً إلا بإيمان، والإيمان لا يكون صحيحاً إلا بعمل صالح، وإذا جاءت الكلمتان في سياق واحد في مقام واحد دلت كل واحدة على معنى يخصها فـ (الذين آمنوا) يعني: اعتقدوا اعتقاداً صحيحاً، (وعملوا الصالحات) يعني: عملوا بما أوجبه الله، ولذلك السلف فرقوا بين الكلمة إذا أطلقت وبينها إذا جاءت في سياق الجمع مع مرادفها، فعلى هذا نقول في كلمة (آمنوا وعملوا الصالحات)، كما نقول في كلمة الإسلام والإيمان.

стр. 866

الاعتراض على استدلال الحنفية بأن الإيمان هو التصديق في اللغة

стр. 867

امتناع الترادف بين الإيمان والتصديق قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق]. هنا بدأ يذكر ردود أهل السنة والجماعة، لكنه ذكرها ذكراً فيه ضعف وإجمال. قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق بمنع الترادف بين التصديق والإيمان]. يقصد بهذا أن السلف حينما قال لهم المرجئة بأن الإيمان في اللغة هو التصديق قالوا: نعم إن الإيمان قد يدل لغة على التصديق، لكن ليست الكلمتان مترادفتين من كل وجه، فالترادف ممنوع، أي أن الإيمان أوسع من التصديق من الناحية الشرعية، فلا تحتجوا علينا -أيها المرجئة- بكون العرب تسمي الإيمان تصديقاً، وتسمي التصديق إيماناً؛ لأن هذا ترادف من بعض الوجوه، وكل الكلمات العربية المترادفة لا تترادف من كل وجه، ولا تتطابق من كل وجه، لكن تتطابق في أغلب معانيها أو في بعض معانيها، وكذلك كلمة (تصديق) و (إيمان) لا تترادفان من كل وجه، بل كلمة (إيمان) أوسع من كلمة (تصديق) من بعض الوجوه، فالإيمان الشرعي يشمل التصديق وزيادة، كما أن الصلاة تشمل الدعاء وزيادة، وكما أن الصيام يشمل الإمساك وزيادة، وهكذا. قال رحمه الله تعالى: [وهب أن الأمر يصح في موضع، فلم قلتم: إنه يوجب الترادف مطلقا؟! وكذلك اعترض على دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان، ومما يدل على عدم الترادف أنه يقال للمخبر إذا صُدق: صدقه، ولا يقال: آمنه ولا: آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣]، وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]، ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمخبر به، والثاني للمخبر، ولا يرد كونه يجوز أن يقال: ما أنت بمصدق لنا؛ لأن دخول اللام لتقوية العامل، كما إذا تقدم المعمول، أو كان العامل اسم فاعل أو مصدراً على ما عرف في موضعه، فالحاصل: أنه لا يقال قط: آمنته، ولا صدقت له، وإنما يقال: آمنت كما يقال: أقررت له، فكان تفسيره بـ (أقررت) أقرب من تفسيره بـ (صدقت) مع الفرق بينهما؛ ولأن الفرق بينهما ثابت في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال له: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا قيل له: صدقت، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب، فيقال لمن قال: طلعت الشمس: صدقناه، ولا يقال: آمنا له؛ فإن فيه أصل معنى الأمن، والائتمان إنما يكون في الخبر عن الغائب، فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ (آمن له) إلا في هذا النوع؛ ولأنه لم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما يقابل لفظ التصديق، وإنما يقابل بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك؛ لكان كفره أعظم، فعلم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، ولا الكفر هو التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب؛ فكذلك الإيمان يكون تصديقاً، وموافقة، وموالاة، وانقياداً، ولا يكفي مجرد التصديق، فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان]. خلاصة هذا الكلام: أن الدليل على أن الإيمان ليس هو التصديق فحسب: أنه في لغة العرب لا يقابل الإيمان التكذيب، بل الذي يقابل الإيمان هو الجحود، والذي يقابل التصديق هو الكذب، فإذا قلتم: إن الإيمان هو التصديق فمعنى هذا أن ضد الإيمان هو الكذب وليس الكفر، وهذا لا يستقيم، وما دمنا قلنا: إن الكفر ضد الإيمان فهذا يعني أن الإيمان له معنى زائد عن مجرد التصديق؛ لأن التصديق يقابله التكذيب في المعنى اللغوي المباشر. فهم قصروا الإيمان على معنى ضيق من معانيه، فقال لهم السلف: إن الذي ضد التصديق لغة هو التكذيب وعلى هذا ما أدخلتم الكفر وإن كان التكذيب يتضمن الكفر، لكن الكلام على المدلول اللغوي، فإذا قلتم بأن الإيمان هو التصديق فما تقولون في أن العرب يجعلون مقابل الإيمان الكفر والجحود؟! فهذا يجعلكم تضطربون في الوقوف على المعنى الغوي الذي هو التصديق فقط.

стр. 868

حصول التصديق بالأفعال قال رحمه الله تعالى: [ولو سلم الترادف فالتصديق يكون بالأفعال أيضا كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع) إلى أن قال: (والفرج يصدق ذلك ويكذبه)]. يعني: لا يتم التصديق من قبل الأعضاء إلا بالعمل. قال رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في الصدر وصدقته الأعمال. ولو كان تصديقاً فهو تصديق مخصوص كما في الصلاة ونحوها كما قد تقدم، وليس هذا نقلاً للفظ ولا تغييراً له؛ فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص وصفه وبينه]. يقصد أنه إيمان مفسر في الشرع، وهو هذا الدين، والدليل على ذلك هو أن النبي ﷺ فسر الإيمان بأركانه الستة، وفسر الإيمان بأركان الإسلام، وكلها أحاديث صحيحة، فسر الإيمان بأركانه الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر، كما فسر النبي ﷺ في أحاديث صحيحة ثابتة الإيمان بأركان الإسلام الخمسة، فإن قلنا افتراضاً: إن العرب قصروا معنى الإيمان على التصديق؛ فإن الدلالة الشرعية توسعت في المعنى فوضعت للإيمان معاني عملية، وأركاناً عملية، كما وضعت للصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والجهاد، وغير ذلك من المصطلحات الشرعية. إذاً: فمعنى الإيمان مفسر، فلا داعي للكلام بعد تفسير النصوص، فإذا كان الله فسر لنا معنى الإيمان، وفسره رسوله ﷺ كما صح عنه؛ فلا داعي للوقوف على المعنى اللغوي، إذاً: فالإيمان شرعاً إيمان خاص مفسر، وهو هذا الدين بجملته وبما فيه من الأمور الاعتقادية والعملية؛ لأن النبي ﷺ فسر الإيمان بذلك وأجمع عليه السلف.

стр. 869

توجيهات للقول بدخول الأعمال في مسمى الإيمان من حيث دلالة لفظ الإيمان قال رحمه الله تعالى: [فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعاً من التصديق العام، فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير تغيير للبيان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفاً من العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق، أو لأن التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى، أو: إن اللفظ باق على معناه في اللغة]. قوله: (ونقول) يعني أهل السنة والجماعة، ففي الكلام خلط؛ لأنه أحياناً ينقل كلام شيخ الإسلام وكلام ابن القيم بحذافيره، فيقول: نقول وقالوا، وكأنه فريق يرد على فريق، في حين أن الكلام لأهل السنة والجماعة. قال رحمه الله تعالى: [ونقول: إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى]. أي: تدخل في المسمى اللفظي بالمدلول الشرعي، وتخرج عنه بالمدلول اللغوي أحياناً، فلوازم الإيمان -وهي الأعمال- تدخل في مسمى الإيمان اللفظي بالمدلول الشرعي، وتخرج عنه أيضاً بالمدلول اللغوي أحياناً. قال رحمه الله تعالى: [أو أن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكاماً]. يقصد أن لغة العرب ليس فيها ما يمنع من أن تدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وهذا صحيح، فالسلف استقرءوا لغة العرب ووجدوا أن العرب ليس عندهم قصر الإيمان على التصديق فقط، بل يدخلون بعض الأعمال القلبية وغيرها في مسمى الإيمان، حتى قبل ورود المصطلح الشرعي، فهذا وجه من وجوه التسوية. والثاني هو الوجه الذي قال به طائفة من السلف. قال رحمه الله تعالى: [ولكن الشارع زاد فيه أحكاماً]. أي: يجوز أن نقول: إن اللفظ وقع على معناه اللغوي فقط، وهو التصديق، لكن الشارع زاد فيه أحكاماً، وهي الأعمال والأمور الأخرى. قال رحمه الله تعالى: [أو أن يكون الشارع استعمله في معناه المجازي]. هذا بعيد وإن كان له وجه من الاستدلال؛ لأنه يجوز أن تكون الأعمال من الإيمان مجازاً، وهذا بعيد، واللغة تتسع لإدخال الأعمال في مسمى الإيمان ما دامت الأعمال التي يدين بها الإنسان لله مرتبطة بالعمل القلبي. قال رحمه الله تعالى: [أو أن يكون قد نقله الشارع، وهذه أقوال لمن سلك هذه الطريق]. يعني: نقله الشارع من الخصوص إلى العموم، من الخصوص وهو قصر الإيمان على التصديق إلى العموم وهو إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، كل هذه مسالك مفترضة في الرد على المرجئة في تعميم مسمى الإيمان، وأنه يدخل فيه الأعمال، وأقواها أن لغة العرب لا تمنع من دخول الأعمال في مسمى الإيمان ما دامت الأعمال مأموراً بها شرعاً، ويدين بها الإنسان لله ؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مجرد حركات، الأعمال الشرعية تنبثق من خضوع القلب لله ، تنبثق من جانب التصديق والتسليم والإذعان واليقين، والتقوى، والحب، والخوف، والرجاء، وغير ذلك من الأمور القلبية، فإذا كانت الأعمال تنبثق عن هذه الأمور القلبية فهي مرتبطة بمسمى الإيمان.

стр. 870

احتجاج أهل السنة ببيان الرسول ﷺ لمعنى الإيمان قال رحمه الله تعالى: [وقالوا: إن الرسول قد وافقنا على معاني الإيمان، وعلمنا من مراده علماً ضرورياً أن من قيل إنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ﷺ ولا خاف الله، بل كان مبغضاً للرسول معادياً له يقاتله؛ أن هذا ليس بمؤمن، كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص والعمل بمقتضاهما، فقد قال ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)]. هذا الدليل من أقوى أدلة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن النبي ﷺ جعل الإيمان شعباً، وجعل هذه الشعب تشمل الأعمال القلبية وغير القلبية، وأعمال الجوارح، بل إن الشعب بدأت بعمل اللسان، وانتهت بعمل الأركان، فقول لا إله إلا الله، وإماطة الأذى مثالان متعلقان بالعمل، ومع ذلك سماهما إيماناً، وهذا دليل قاطع بين على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن النبي ﷺ مبين ولا ينطق عن الهوى، ولسانه أيضاً عربي، ولا يتكلم إلا بما يفهمه المخاطبون العرب، ولا يمكن أن يكون في لفظه وكلماته إيهام، ولسان النبي ﷺ أفصح الألسنة بالعربية، فلا يمكن أن يرد احتمال باضطراب الكلام أو اضطراب اللغة. فالنبي ﷺ سمى هذه الأعمال إيماناً، وقال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها) أي: أفضل ما سماه الإيمان (قول لا إله إلا الله، وأدناها) أي: أدنى ما سماه الإيمان (إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه الأمثلة كلها أعمال. قال رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً ﷺ : (الحياء شعبة من الإيمان)، وقال أيضاً ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، وقال أيضاً ﷺ : (البذاذة من الإيمان)]. الخلق كثير منه أعمال، والبذاذة ترجع إلى التواضع، يعني: عدم التكلف في اللباس، وهذا عمل. قال رحمه الله تعالى: [فإذا كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا؛ فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة، والصوم، والحج، والأعمال الباطنة؛ كالحياء، والتوكل، والخشية من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى، وكما أن شعب الإيمان إيمان فكذا شعب الكفر كفر، فالحكم بما أنزل الله -مثلاً- من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله كفر، وقد قال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم، وفي لفظ: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، وروى الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)، ومعناه -والله أعلم-: أن الحب والبغض أصل حركة القلب، وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس، والبدن متوسط بين القلب والمال، فمن كان أول أمره وآخره كله لله كان الله إلهه في كل شيء، فلم يكن فيه شيء من الشرك، وهو إرادة غير الله وقصده ورجاؤه، فيكون مستكملاً الإيمان، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل، ويأتي في كلام الشيخ ﵀ في شأن الصحابة ﵃: (وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) فسمى حب الصحابة إيماناً وبغضهم كفراً. وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره عن استدلالهم بحديث شعب الإيمان المذكور وهو: أن الراوي قال: بضع وستون أو بضع وسبعون، فقد شهد الراوي بغفلة نفسه حيث شك فقال: بضع وستون أو بضع وسبعون، ولا يظن برسول الله ﷺ الشك في ذلك! وأن هذا الحديث مخالف للكتاب]. أبو المعين النسفي من شيوخ الماتريدية، والماتريدية مرجئة، وكثير من أهل الكلام المتأخرين من الماتريدية والأشاعرة إذا عارض الحديث أصولهم ذهبوا إلى الطعن في الحديث بأي وسيلة، فاستهدفوا إما الرواة وإما الكلام في متن الحديث، أو ذهبوا إلى أنه خبر آحاد إذا كان خبر آحاد ونحو ذلك، وهذا منهج منتشر في الأشاعرة والماتريدية، وليس هو من منهج الأولين. قال رحمه الله تعالى: [فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب، فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه! فإن تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه، مع أن البخاري ﵀ إنما رواه: (بضع وستون) من غير شك،

стр. 871

الأسئلة

стр. 872

بيان مدى صحة القول بخروج الزاني من الإيمان إلى الإسلام السؤال ذكر ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) أن الزاني إذا زنى وقد كان مؤمناً فإنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذا كلام يحتاج إلى تفسير معنى الإسلام، فإن كان المقصود أنه لا يزال حكمه ظاهراً أنه مسلم فهذا صحيح، بمعنى أنه ظاهراً وباطناً لا يزال مسلماً، فهذا يرجع إلى التفصيل في معنى (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فهل يزول عنه الإيمان بالكلية ثم يرجع إليه، أو يزول عنه الإيمان في هذه الجزئية، وهي الإيمان بتحريم الزنا؟ هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كبيراً، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وفصل فيها في كتاب الإيمان فليرجع إليه.

стр. 873

شرح العقيدة الطحاوية [٧٢] الإيمان قول وعمل، والقول يشمل قول القلب أي: تصديقه واعتقاده، وقول اللسان وتكليمه، والعمل يشمل عمل القلب من الخوف والخشية والرجاء والتوكل والحب والبغض، وعمل الجوارح وهو فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات، كما أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والآثار السلفية الواردة في ذلك.

стр. 874

رد أهل السنة على المرجئة في احتجاجهم بزوال الإيمان المركب بزوال جزئه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقالوا أيضاً: وهنا أصل آخر، وهو أن القول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء؛ فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها وكونها نافعة، وإذا بقي تصديق القلب وزال الباقي فهذا موضع المعركة!!. ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، قال ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعاً، بخلاف العكس، وأما كونه يلزم من زوال جزئه زوال كله فإن أريد أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت فمسلَّم، ولكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء، فيزول عنه الكمال فقط]. يقصد بذلك أن الذين قالوا: إن الإيمان يزول بزوال جزئه، وهم طائفة من الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص، هذا من جانب، ومن جانب آخر أيضاً هو قول المعتزلة والخوارج، ليس فقط قول طوائف بعض المرجئة، فالذين قالوا: إن كونه يلزم من زوال جزئه زواله كله هم بعض المرجئة، وهم أيضاً الخوارج والمعتزلة، والخوارج والمعتزلة هم عكس المرجئة في كثير من الأمور، ومع ذلك يلتقون في بعض المستلزمات وبعض الأقوال. وهو هنا يريد أن يرد على الذين قالوا: إن الإيمان يزول بزوال جزئه، وإنه إذا زال جزء منه زال كله، يريد أن يرد عليهم بأن هذا الكلام كلام مجمل، يقول: إذا قلتم: إن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه؛ فهذا لا يصح. وقوله: [فإن أريد أن الهيئة الاجتماعية] يقصد كل أفراد الإيمان، فهو يقول: إنه لا يصح أن الإيمان يزول كله بزوال الجزء، أما إذا أرادوا أن الإيمان إذا زال شيء منه لم يبق مجتمعاً فهذا صحيح، فنحن نعرف أن الإيمان بمجموعه إذا زال جزء منه لم يبق سليماً في الجملة، فيختل شيء منه بقدر خلل هذا العمل، ولا يبقى كاملاً أيضاً، فإنه ينقص بقدر نقص هذا العمل، لكن لا يصح أن نقول: إنه إذا اختل منه شيء أو زال جزؤه أو ذهب بعضه فقد ذهب مسمى الإيمان عن المؤمن أو زال كله، بمعنى أنه لا ينعدم بزوال جزء منه، بل يبقى أصله حتى ولو كثر النقص فيه، فلو افترضنا أن النقص في أكثر أجزاء الإيمان فإنه يبقى أصله، هذا جانب. والجانب الآخر: أننا لو افترضنا أن النقص جاء من شيء عظيم في الدين -كارتكاب بعض الكبائر- فإنه مع ذلك قد يختل خللاً عظيماً، لكن يبقى أصله، وقد يرتفع معنى الإيمان عن المسلم في لحظة ما، لكنه مع ذلك لا ينفك عنه مسمى الإسلام ولا مسمى الإيمان، إنما قد يرتفع في تلك اللحظة التي حدث للمسلم فيها عارض، كأن يشك في شيء من الدين أو يضطرب اعتقاده أو يحصل له شيء من النزغات العظيمة التي تستوجب زوال الإيمان في لحظة ما، لكنه لا يلبث أن يعود، بل ربما يرتكب من الكبائر والفواحش العظام ما يمكن أن نقول: إنه بذلك لم يكن مؤمناً في تلك اللحظة التي حصل منه فيها ذلك الفعل، بمعنى أنه لا يستحق أن يكون ممن وفى بالإيمان، لكن يبقى أصل الإيمان ثابتاً. فعلى هذا فإن قول الذين يقولون: إن الإيمان يزول كله بزوال جزئه لا يصح، وإذا كان قصدهم أنه يزول كماله فنعم، لكن هذا لا يسمى زوالاً، بل يسمى نقصاً، ويسمى تقصيراً، ويسمى خللاً، ويسمى عدم كمال إلى آخر ذلك من الألفاظ التي يعبر بها أهل العلم، والآن سيبدأ في الاستدلال على تقرير زيادة الإيمان أو نقصانه.

стр. 875

الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه

стр. 876

أدلة الكتاب على زيادة الإيمان ونقصانه قال رحمه الله تعالى: [والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جداً، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]]. هنا صرح تعالى بزيادة الإيمان، فزيادة الإيمان بسبب الجمع بين العمل والمعرفة، أو العمل والتطبيق، أو تلاوة آيات الله، زادتهم إيماناً، ولا شك أنه يلزم منها أنها زادتهم يقيناً وزادتهم عملاً؛ لأن من زاد يقينه زاد عمله. قال رحمه الله تعالى: [﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]]. هذه خمسة أدلة من كتاب الله كلها صريحة صراحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض في أن الإيمان يزيد، وعلى أنه يزيد بمجموعة من الأمور القلبية والعملية، وليس في الأمور القلبية التصديقية فقط. قال رحمه الله تعالى: [وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها: إن الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به؟! فهل في قول الناس: (قد جمعوا لكم فاخشوهم) زيادة مشروع؟! وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟!]. هنا أشار إلى اعتراض قال به المرجئة، وهو أنهم قالوا في الزيادة المذكورة في هذه الآيات وفي غيرها: إن هذه الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به، أي: بزيادة الشرائع، فقالوا: إن زيادة الإيمان للمؤمنين بزيادة ما يرد إليهم من الله من أوامر ونواه وأخبار، فكلما زادت الأخبار عندهم -بزعمهم- وصدقوا بها زاد إيمانهم بذلك، وكلما زادت الأعمال وصدقوا بها زاد إيمانهم، فكأنهم أعادوا الزيادة إلى مجرد التصديق بالقلب، ثم أجابوا على هذا: بأن قولهم هذا لا يصح وإن كان ضمن الزيادة الواردة في النصوص الشرعية، فلا شك أن زيادة المؤمن به واقعة، بمعنى أن الشرائع تزيد في وقت تنزل الوحي، وفي وقت نزول هذه الآيات، فقد كان النبي ﷺ ينزل عليه أشياء من الأعمال والاعتقادات تزيد في مسمى الإسلام، وفي شرائعه، هذا معنى صحيح، لكن ليس هذا فقط هو معنى الزيادة. إذاً: فالذين قالوا بأن الزيادة زيادة المؤمن به يقصدون به زيادة الأعمال المشروعة، فرد عليهم بقوله: فهل في قول الناس ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] زيادة مشروع؟! يعني: هل جاء فيه تشريع جديد؟! نعم إن الله أمرهم بأن يثبتوا في الإيمان، لكن لا يعني ذلك أنه جاءهم أمر جديد في الدين، إنما أمرهم الله بأن يثبتوا على ما هم عليه، فكذلك بقية الآيات، فليس فيها زيادة عمل مشروع، إنما فيها إشارة إلى أن المؤمنين الذين حصل لهم ذلك زاد إيمانهم، وزاد يقينهم، وزاد عملهم، وزاد أخذهم بالأسباب، وكل مستلزمات الزيادة معروفة، وأقل ذلك أنهم لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم؛ قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا دليل على أنهم جمعوا بين يقين القلب وبين العمل، وهو نطق اللسان في الاحتساب وفي مسألة اللجوء إلى الله . قال رحمه الله تعالى: [وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟! وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقيناً، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران:١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]]. الآيات التي تتنزل ويزداد بها المؤمنون إيماناً تتضمن العقائد والأمور القلبية، وتتضمن الأعمال، هذا شيء. الشيء الآخر: أن الله نسب الزيادة إلى الإيمان نسبة صريحة لا لبس فيها كما ذكرت، إذاً: فمحاولة تأول هذا الأمر فيه نوع تناقض وتكلف.

стр. 877

بيان حال حديث أبي هريرة في امتناع زيادة الإيمان ونقصانه قال رحمه الله تعالى: [وأما ما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي ﵀ في تفسيره عند هذه الآية، فقال: حدثنا الفقيه، قال: حدثنا محمد بن الفضل وأبو القاسم الساباذي قالا: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل بن العابد قال: حدثنا يحيي بن عيسى قال: حدثنا أبو مطيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: (لا، الإيمان مكمل في القلب زيادته ونقصانه كفر)]. هذا الحديث لا يصح كما قال أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: [فقد سئل شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير ﵀ عن هذا الحديث فأجاب بأن الإسناد من أبي ليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة، وأما أبو مطيع فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني وغيرهم، وأما أبو المهزم الراوي عن أبي هريرة -وقد تصحف على الكتاب، واسمه: يزيد بن سفيان - فقد ضعفه أيضاً غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً!]. إذاً: الحديث لا دليل فيه، ولا يصح الاستدلال به، ولا تكون به حجة للمرجئة، ومتنه تظهر عليه علامة الوضع، فالمتن مركب تماماً على عقيدة المرجئة التي ما ظهرت إلا في آخر القرن الأول، فهو مركب تركيباً يناسب عقيدة المرجئة في القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وقول طائفة منهم ومن المتكلمين بأن نقص الإيمان يعني الكفر، يعني: إذا نقص اختل كله، وهذا لا يستقيم مع النصوص الشرعية في الكتاب والسنة ولا مع ما أجمع عليه السلف، ولا مع قواعد الشرع المعروفة في مسائل التكفير. إذاً: فعلامات الوضع على متن الحديث واضحة جداً، وقد كفينا في موضوعه والحديث عنه من قبل أهل العلم؛ لأن السند لا يصح أبداً.

стр. 878

الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه قال رحمه الله تعالى: [وقد وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين]. هذا الدليل السادس؛ لأن الأدلة متفرقة نوعاً ما، فالشيخ استأنف الاستدلال على زيادة الإيمان ونقصانه عند أهل السنة والجماعة، وهذا هو الدليل السادس. قال رحمه الله تعالى: [وقد وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين، وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، والمراد نفي الكمال، ونظائره كثيرة، وحديث شعب الإيمان، وحديث الشفاعة، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء، وإنما التفاضل بينهم بمعانٍ أخر غير الإيمان؟!]. الإشارة إلى حديث شعب الإيمان هو الدليل السابع، وحديث الشفاعة الدليل الثامن، والشاهد أن حديث شعب الإيمان معروف، وسبق إيراده، وهو أن النبي ﷺ قال بأن الإيمان بضع وسبعون شعبة، وفي بعض الروايات: بضع وستون، ثم ذكر أعلاها وأدناها، وهي من الأعمال، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدنها إماطة الأذى عن الطريق، وهي كلها أعمال، فعلى هذا فإن الإيمان يشمل الأعمال، ويزيد وينقص؛ لأن ذكر الأعلى إشارة إلى الزيادة والأدنى إشارة إلى النقص. وكذلك حديث الشفاعة، ذكر فيه أنه يخرج من النار من في قلبه أدنى مثقال ذرة، وفي سياق الحديث ثلاث مرات، أي: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان؛ لأن الحديث ورد متدرجاً، فذكر فيه أدنى مرة، ثم أدنى مرتين، ثم أدنى ثلاثاً، فذكر الثالثة يدل على المقصود بشكل أوضح، فدل على أن الإيمان له أدنى وأدنى من أدنى، الأمر الذي يدل على أن الإيمان فيه زيادة ونقص، لا سيما أنه مثل الإيمان بالحبة وبنصفها وبالذرة، وهي تتفاوت فيها الزيادة والنقص، وعلى هذا فإن هذا يعتبر أيضاً دليلاً صريحاً على زيادة الإيمان ونقصانه.

стр. 879

آثار السلف في زيادة الإيمان ونقصانه قال رحمه الله تعالى: [وكلام الصحابة ﵃ في هذا المعنى كثير أيضاً]. هنا بدأ يستدل بأقوال السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، فذكر الدليل الأول قول أبي الدرداء. قال رحمه الله تعالى: [منه: قول أبي الدرداء ﵁: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص. وكان عمر ﵁ يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيماناً. فيذكرون الله ، وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً. وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة. ومثله عن عبد الله بن رواحة ﵁، وصح عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم. ذكره البخاري ﵀ في صحيحه، وفي هذا المقدار كفاية، وبالله التوفيق]. فيما سيأتي سيشير إلى استدلالات المرجئة والرد عليها، وهنا أشار إلى الرد مباشرة، فبدأ بالأول، وهو أنهم زعموا أن عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة، أي: أن العمل غير الإيمان، وسيرد على ذلك.

стр. 880

الرد على احتجاج الحنفية بأن عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة قال رحمه الله تعالى: [وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة؛ فلا يكون العمل داخلاً في مسمى الإيمان؛ فلا شك أن الإيمان تارة يذكر مطلقاً عن العمل وعن الإسلام، وتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام، فالمطلق مستلزم للأعمال، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]]. هنا فسر المؤمنين بمن إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وهذا يتضمن المعنيين، فوجل القلب هو نوع من اليقين والإيمان، ثم إنه نوع من العمل؛ لأن الوجل لابد أن يكون له لوازم. قال رحمه الله تعالى: [﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٨١]]. هنا أفرد الإيمان، ولابد أن يستلزم أعمالاً، أي: أن هذه المعاني لا تتحقق للمؤمنين إلا إذا كانوا يعملون بمقتضى الدين. قال رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث، (لا تؤمنوا حتى تحابوا)، (من غشنا فليس منا)، (من حمل علينا السلاح فليس منا)]. في الدليل الأول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) نفى الإيمان عن الفاعل بعمل يخل بالإيمان، وهذا دليل على أن العمل من الإيمان، وكذلك قوله: (حتى تحابوا) فالتحاب هو عمل، وهو شرط للإيمان، بل هو أيضاً معنى من معاني الإيمان، وكذلك قوله: (من غشنا)، (من حمل السلاح)، نفى عنه ذلك بالعمل الذي هو الغش وحمل السلاح، وهذه كلها أعمال. قال رحمه الله تعالى: [وما أبعد قول من قال: إن معنى قوله: (فليس منا) أي: فليس مثلنا! فليت شعري فمن لم يغش يكون مثل النبي ﷺ وأصحابه؟! وأما إذا عطف عليه العمل الصالح فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب]. يقصد هنا عطف العمل الصالح على الإيمان، فإنه غايره من بعض الوجوه ووافقه في الأصل، يقول: إن كثيراً من ألفاظ اللغة العربية التي فيها ترادف إذا عطف أحدها على الآخر بقي الاشتراك على أصله، ودل العطف على المغايرة من بعض الوجوه، وهذه قاعدة عند العرب لا تتخلف، وهي قاعدة معروفة معلومة، وتستقيم في المصطلحات الشرعية أكثر من غيرها، وهو أنه إذا وجدنا لفظين مترادفين فإذا أطلق أحدهما منفرداً دل على معنى الآخر، وإذا أطلقا جميعاً بقي الاشتراك بينهما ودل العطف على التغاير من بعض الوجوه. فالعطف فعلاً يدل على المغايرة، لكن في بعض الوجوه، ولا يعني وجود المغايرة من بعض الوجوه أن الترادف انعدم أو زال. ومن ذلك: الفقير والمسكين، فإذا أطلقنا كلمة (فقير) دلت على معنى المسكين وحدها بدون أن ترد معها الأخرى. وكذلك إذا قلنا: (مسكين) دل على معنى الفقير، لكن إذا اجتمعتا فقلنا: الفقير والمسكين صار بينهما شيء من الفروق، ومع ذلك فوجوه الاشتراك بينهما موجودة، ومنها الحاجة ونحو ذلك من الأمور. وكذلك الإيمان والعمل الصالح؛ فإذا عطف العمل الصالح على الإيمان بقي الاشتراك موجوداً في أن العمل الصالح جزء من الإيمان والإيمان يشمل العمل الصالح، لكن العطف يدل على التغاير الجزئي الذي جاء من أجله سياق الكلام.
следующие страницы →