Полный текст (789 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
تفسير قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج)
قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٩] ذهب بعض المفسرين أو أكثر المفسرين على أن المقصود: الناس جميعاً في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٩]، لكننا نقول -والعلم عند الله-: إننا نرى أن هذا مخالفاً للصواب؛ لأن كلمة (يومئذٍ) عائدة لقول ذي القرنين: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف:٩٨] عائدة عليها، يعني: يومئذ عائدة لليوم الذي يجعل فيه ذلك الردم دكاء، وليست عائدة لقيام الساعة وحشر العباد، والدليل على أنها ليست عائدة على قيام الساعة وحشر العباد أن الله قال بعدها: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩]، والواو تقتضي الترتيب وهي عاطفة والعطف يقتضي المغايرة بصورة أولية، فلا يمكن أن يكون المعنى شيئاً واحداً.
لكننا نقول: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [الكهف:٩٩] المقصود: قبائل يأجوج ومأجوج، ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٩] أي: من كثرتهم يموج بعضهم في بعض، والموج الاختلاط بين الأشياء، والاضطراب يكون على غير نظام، ويؤيد هذا ما ورد في الأحاديث الصحيحة في خبر يأجوج ومأجوج أن أولهم يشرب بحيرة طبريا فيأتي آخرهم فيقول: قد كان ها هنا ماء، ولكثرتهم يموج بعضهم في بعض، فليس المقصود الناس جميعاً وإن قال: ذلك أفاضل من العلماء.
ثم قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩] على كثرة ما ورد في القرآن من ذكر النفخ في الصور إلا أن الله جل وعلا لم يذكر في القرآن قط اسم الملك الذي سينفخ في الصور، فكلها جاءت بالبناء للمجهول لكنه اشتهر بين العلماء بدلالة السنة من وجه أو آخر على أن الذي ينفخ في الصور هو الملك إسرافيل ﵇، والمستقر عند العلماء أن رءوساء الملائكة أربعة منهم: إسرافيل ﵇، وأنه قد التقم الصور، يعني: ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ، كما أخبر نبينا ﷺ في الحديث الصحيح.
قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩] وهذه يقيناً أنها النفخة الثانية؛ لأن النفخة الأولى ليس بعدها جمع وإنما يكون بعدها الصعق ثم يكون بعدها أربعون الله أعلم إن كانت أياماً أو سنيناً أو شهراً، ثم يكون بعد ذلك بعث الخلائق من جديد.
قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩] وهذه تعود على الجميع؛ على كل من خلقه الله، فإنه يجمع يوم القيامة.
стр. 492
تفسير قوله تعالى: (وعرضنا جهنم يومئذٍ لا يستطيعون سمعاً)
ثم ذكر الله جل وعلا بعضاً من مراتب أهوال اليوم الآخر فقال جل شأنه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠] اللام هنا للكافرين، بمعنى على، وهو استخدام عربي معروف دل عليه ما ورد من آيات أخر مثل قول الله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، فاللام هنا بمعنى: على أي: عرضنا جهنم على الكافرين، كما أن الكافرين يعرضون على النار، فكل من جهنم وكل من الكافرين يعرض أحدهما على الآخر نكاية بهم، الله يقول: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج:٧٢]، والوعد لا يكون إلا في الخير لكن المخاطب ليس الكفار فلم يقل الله: وعدت الذين كفروا النار، ولا قال: وعدت النار الذين كفروا، وإنما قال الله: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج:٧٢] وإلا فإن الوعد يستخدم للخير في الأصل.
نعود فنقول: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠] وهذه أول مراحل العذاب، واللام هنا بمعنى على وهو استخدام عربي معروف وقد جاء في بيت شعر عربي عجزه: فخر صريعاً لليدين وللفم والمعنى خر صريعاً على يديه وعلى فمه، فعبر باللام نيابة عن: حرف الجر على.
قال الله جل ذكره: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠] وهؤلاء هم الكافرون ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١]، ومعلوم لكل أحد أن هؤلاء الكافرين المخاطبين في الآيات القرآنية كانوا يسمعون وكانوا يبصرون لكنهم لم يكونوا ينتفعون بأبصارهم ولم ينتفعوا بأسماعهم كما قال الله: ﴿أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
وقد تقرر عقلاً أن الجارحة إذا لم تفد صاحبها فهي كالعدم، فمن كانت له قدمان لا يستطيع أن يمشي عليهما فكأنه ليس له قدمان، ومن كانت له أعين لا يرى فيها بعين بصيرته مخلوقات الله جل وعلا ويستدل بها على عظمة ربه ووحدانيته في المقام الأول فهو كمن ليس له عين أصلاً، ومن كانت له أذن وهو لا يعتبر بالقرآن ولا يتدبره ولا يتذكره ولا يسمعه ولا ينتفع بما يسمع من المواعظ والأحاديث والذكر فكأنه لا سمع له أصلاً، وسنقرر هنا مسألة إيمانية عظيمة وهي من فرائد ما ينقل، ونقول من الآية ومن غيرها: وهذه حري بها أن تفهم ويعمل بها: أن الله جل وعلا حجب عنا جميعاً في الدنيا ذاته العلية، ومكننا من رؤية مخلوقاته، فالله لا يرى في الدنيا، ومكننا جل وعلا من رؤية مخلوقاته، فمن رأى تلك المخلوقات بعين البصيرة واستدل بها على ربه جل وعلا وعرف الله من خلالها ووحده وعظمه وأجله فإنه يرى ربه في الآخرة بعينه الباصرة، ومن لم تدله بصيرته على عظمة الله ووحدانيته وجلالة خلقه جل وعلا وقدرته على الخلق بعين بصيرته فإنه يحرم يوم القيامة لذة النظر إلى وجه الله بعينه الباصرة، قال الله جل وعلا عن أهل النار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وقد قدمنا مراراً في دروس عدة أنه لا عذاب أشد وأنكى من أن يحرم أهل النار من رؤية وجه الواحد القهار، ولا عطية لأهل الجنة أعظم من أنهم يرون وجه العلي الأعلى ﷻ ، قال الرب ﵎ ممتناً عليهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] من النضرة بسبب أنها ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]؛ لأنها تبصر وترى وجه ربها العلي الأعلى.
على هذا يفهم أن السمع والبصر من الجوارح التي من الله جل وعلا بها على خلقه، من استعملها استعمالاً صحيحاً دلته على الله قد انتفع بها، أما من كتب الله عليه الشقاوة وجعل على بصره غشاوة، وختم الله من قبل على قلبه وسمعه فهذا كمن لا سمع له ولا بصر ولا قلب، قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١].
стр. 493
تفسير قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا)
ثم قال جل شأنه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢]، والهمزة هنا: همزة استفهام، والمقصود من هذا الاستفهام: التوبيخ، والمعنى العام: أفيحسب أولئك الذين عبدوا ما عبدوا من دون الله من ملائكة وأنبياء وأقوام صالحين، وجعلوهم أولياء من دون الله يعبدونهم ويعظمونهم ويصرفون لهم من الطاعات ما لا يجب ولا يجوز شرعاً صرفه إلا لله فصرفوه للأولياء، أيحسب بعد ذلك كله -والجواب محذوف- أنهم ناجون من العذاب وأنهم يتركوا، هذا لا يمكن أن يكون.
وجاء في الحديث الصحيح قال: (قال: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وقد خلقك) والملائكة والأنبياء الذين عبدوهم يتبرءون من أولئك الذين عبدوهم من دون الله، لكن الملائكة والأنبياء الذين عبدوا من دون الله لا يسمون طواغيت وهذا احتراز لا بد منه، وإنما يسمى طاغوت من رضي بتلك العبادة، ومن صرفت له طاعة وعبادة ورضي بها أو أمر بها، أما من لم يرض بها ولم يأمر بها أصلاً كما صنعت الملائكة وعيسى بن مريم وغيرهم ممن عبد من عبد من دون الله من الصالحين فلا يسمون طواغيتاً، وإنما الجرم كل الجرم على من جعلهم أولياء من دون الله.
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢]، النزل: أول ما يقدم للضيف كالقهوة التي تقدم للضيف في عصرنا هذا، لكن القهوة شراب، وأحياناً تكون طعاماً كما قال ﷺ : (إن أول نزل أهل الجنة زيادة كبد النون) أي: زيادة كبد الحوت، ولا تكون مكاناً في الأصل لكن الله قال هنا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢] فكأن جهنم هي أول ما يقدم للضيف، والحق أنني أقول: إن هذه الآية مر عليها المفسرون مروراً عادياً ولا يرون فيها إشكالاً، لكن نقول والعلم عند الله: إن هذه الآية مشكلة وكثير من آيات القرآن التي فيها جهنم فيها إشكال كبير ينتبه له أو لا ينتبه له، لكنني في صدد فهم نظريتها كاملة وقد وصلت إلى أكثرها لكنها لم تكتمل بعد، وسبب الإشكال أن الله يقول مثلاً في سورة تبارك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٥]، ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [الملك:٦]، فكأن جهنم غير السعير، وقال الله في البروج -وكنت أتحاشى تفسيرها-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فكأن عذاب جهنم غير عذاب الحريق، وقد يقول إنسان: إنها دركات، وهذا لا يعقل هنا؛ لأن المخاطب بها فئة واحدة والفئة الواحدة لا تنقسم، لكنني لست في عجلة في إظهار ما توصلنا إليه لكن نجعل هذه الآية أو فهمها معلقاً حتى حين، وكذلك الفردوس في القرآن تحتاج إلى إعادة نظر.
نقول: إن الله يقول هنا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢]، وبينا أن النزل الذي عليه عامة أهل التفسير أنه أول ما يقدم لهم من مكان في النار؛ لأن النزل في اللغة هو أول ما يقدم للضيف.
стр. 494
تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً يوم القيامة وزناً)
نعود فنقول: قال الله جل وعلا بعدها: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٥] ثمة معانٍ جليلة تتضمنها هذه الآيات، أولها: أنه لا يمكن أن يقال: إن المخاطب بها فئة بعينها، وإنما المخاطب كل من صنع صنيعاً يعتقد أنه حسن وأنه ناجٍ بذلك العمل وذلك العمل لا يدل الشرع عليه يدخل في هذه الآية بقليل أو بكثير بنسب متفاوتة، كل من صنع صنيعاً ويعتقد أنه أحسن بذلك العمل وأنه ناجٍ يدخل في هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، قوله: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف:١٠٤] بمعنى: اضمحل ولم ينجم عنه فائدة، وهم يحسبون ويعتقدون مع هذا الاضمحلال وهذا الضلال أنهم يحسنون صنعاً ويتقنون أمراً.
قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف:١٠٥] هذا الاحتراز في أن الآيات لا تطلق إطلاقاً عاماً إلا على أهل الكفر لكنها تطلق من وجه نسبي على غيرهم لا من وجه عام كما قيل لـ عبد الله بن مسعود في قضية الميراث لما مات رجل عن زوجته قبل الدخول فأفتى فيها بعض الصحابة وقال: ائتوا ابن مسعود فسيوافقني، فلما أخبر ابن مسعود قال: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، ثم قال بفتوى أخرى وافقت فتوى النبي ﷺ بعد ذلك قبل أن يعرف، المقصود قول ابن مسعود: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، والآية ليست في بابها لكنه أخذ جزئية منها، فالتشبه هنا ليس بكامل الوجوه وعليه يحمل قول النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر)، فالمقصود: جزء من التشبيه وهو إمكانية الرؤية، وليس المقصود تشبيه الله بخلق من مخلوقاته، فهذه مثلها، وعلى هذا -وهذا تأصيل علمي- يحمل في الأخذ الجزئي من الآية قول سعد بن أبي وقاص ﵁ خال رسول الله ﷺ لما بلغه قتل عثمان وأن الذين قتلوه زعموا أنهم بقتلهم له يتقربون إلى الله، وهؤلاء يدخلون في الأخسرين أعمالاً، فتلا الآية؛ لما قيل له: إن قتلة عثمان صنعوا وصنعوا وصنعوا تلا الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] لكن الآية آخرها لا ينطبق عليهم؛ لأن الله قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف:١٠٥]، وهؤلاء الذين قتلوا عثمان يؤمنون بلقاء الله، بل إنهم قتلوه في زعمهم تقرباً إلى الله، وهذا يهمنا جداً في أن نفهم أن الإنسان أحياناً تختلط عليه الأمور وتتزاحم عليه الشبهات إذا قبل أن يسمع من كل أحد، وإن لم يكن مؤصلاً علمياً يملأ بغير شيء صحيح.
ذكر الإمام البخاري ﵀ في تاريخه سنداً عن غالب قال: حدثنا غالب وفي هذا السند عن محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين يقول في هذه الرواية: إنه وقف عند الكعبة فسمع رجلاً يدعو يقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي، فقال له محمد بن سيرين: يا هذا! ما سمعت أحداً يدعو بمثل دعائك، فقال: إنك لا تدري إنني كنت قد أعطيت الله عهداً أن ألطم عثمان على وجهه متى قابلته، فقتل عثمان قبل أن ألطمه، فلما وضع عثمان في داره ليصلى عليه دخلت في جملة من يصلي حتى وجدت خلوة فكشفت عن وجهه ولحيته ولطمته، ثم رفعت يميني فإذا هي يابسة.
قال ابن سيرين ﵀ في الرواية: فأنا رأيت يمينه يابسة كأنها عود.
ووجه الدلالة الآن هنا: أن هذا يعطي الله عهداً يعني يعرف أن هناك رباً ويعطيه عهداً ويريد أن يحافظ على العهد الذي أعطاه الله وعثمان ﵁ لم يأخذ من هذا الرجل ديناراً ولا درهماً ولم يسفك له دماً ولم يهتك له عرضاً، وربما أنه لم يقابله طول حياته، لكن هذا الرجل كان يسمع ويقبل أن يسمع ممن يطعن في عثمان وليس المجنون الذي فقد عقله؛ لأنه لا يلام، إنما المجنون من يعطي غيره عقله ليقوده، فالنبي ﷺ يقول: (عثمان في الجنة)، (أشد أمتي حياءً عثمان)، (ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم) إلى غير ذلك من المناقب، فيجعل هذه الآثار كلها وراء ظهره ثم يسمع قول رجل من عامة الناس في قلبه حقد وحسد على عثمان فيصدقه ويصل به الأمر إلى أن يقطع العهود والمواثيق على قتل عثمان، فهذا أول ما تتضمنه الآية في أنها ليس مخصوصاً به أحد، فاليهود والنصارى وسائر من زعم أنه بفعله يتقرب إلى الله كقول القرشيين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يدخلون في هذه الآية، لكن أولئك الذين عبدوا عيسى أو عبدوا عزيراً أو عبدوا أصناماً يدخلون بها من كل وجه ويدخل بها غيرهم إذا كان غير ذلك بحسب قوله في المسألة.
ثم قال الله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] وهذه الآية أشكلت على المفسرين، وقال بعض أهل الفضل ممن يشار إليهم بالبنان قولاً تعجب منه، قال بعضهم: إن معنى قول الله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] أنه لا يوزن لهم عمل، وحجة هؤلاء الفضلاء في قولهم هذا: أن الميزان يقوم على كفتين حسنات وسيئات، فالكفار لا حسنات لهم وبالتالي لا ميزان لهم، والآية يقولون: دليل على ما نقول؛ لأنه لا ميزان إلا لشيء مقابل شيء، وأهل الكفر نحن مجمعون على أنه لا حسنات لهم، فما دام لا حسنات لهم فكيف يكون لهم ميزان، فالآية ليست مجازية وإنما صريحة في أن الله جل وعلا لا يقيم لهم وزناً يوم القيامة.
وهذا القول قاله الثعالبي واختاره ابن سعدي وقاله كثير من المفسرين، لكن لو قدر أن هؤلاء تأنوا في أن الله يقول في سورة المؤمنون: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١١٠] فكل هذه الآيات تدل على أنهم كفار ومع ذلك أثبت الله لهم أنهم توزن أعمالهم؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٣] والله شهد لهم بالكفر؛ لأن العصاة من أهل الإيمان لا يقال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] وإنما يخاطب بهذا من كتب الله عليه الخلود في النار، فهم كفار ومع ذلك نسب الله إليهم صراحة أنهم توزن أعمالهم فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] في حق أهل الإيمان، وقال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٣] في حق أهل الكفر.
فلا معنى أبداً لقول: إن أهل الكفر لا ميزان لهم.
ومن الأدلة العقلية فضلاً عن هذا الدليل النقلي الظاهر: أن الميزان أكثر ما ذكر في الصور المكية والصور المكية مخاطب بها كفار قريش قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨] في الأعراف، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وهذه الآية التي بين أيدينا في الكهف وهي مكية وكلها سور مكية، ولم يكن الحديث عن أهل الإيمان في كيفية حسابهم إنما كان في أهل الإيمان وأنهم يحاسبون على الجملة، يكلم عنهم على أنهم فرقة مؤمنة وفرقة كافرة.
ثم نعود فنقول: اختلف الناس في من الذي يوزن؟ وهذا مر معنا وإنما نعيده إجمالاً، قيل: يوزن العمل ودليل هؤلاء قول النبي ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان)، وهذا صريح في أن العمل يوزن، وقيل: يوزن العمل، والدليل قول النبي ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان)، وقيل: توزن صحائف الأعمال أي: أن الأعمال تكتب في صحائف فتوزن، ودليلهم حديث البطاقة المعروف، وقال آخرون: بل يوزن صاحب العمل ودليلهم قول النبي ﷺ في منقبة عبد الله بن مسعود: (أتعجبون من دقة رجليه؟ إنهما في الميزان لأثقل من جبل أحد)
стр. 495
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغون عنها حولاً)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨].
أعلق الحديث عنها، فلنا رأي في الفردوس إلى الآن لم يكتمل، لكن على ما قال المفسرون الآية ظاهرة، وهي أن الإيمان والعمل الصالح سبب في دخول جنات الفردوس، والفردوس جاء في الآية مطلقاً وفي الحديث جاء مقيداً ففي بعض الروايات أن الفردوس الأعلى من الجنة، والفردوس الأعلى من الجنة وهي وسط الجنة وأعلاها فيها في وقت واحد وأظن إني شرحته قبل بمعنى أنه كالقبة فالقبة تأتي في الوسط وهي في نفس الوقت أعلى مكان في السقف.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا﴾ [الكهف:١٠٨] أي: عن جنات الفردوس، ﴿حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨] وهذا تكلمنا عنه كثيراً لكنني أقول: ما زلت متوقفاً في معنى الآية، من أسباب التوقف أن الله لم يقل: خالدين فيها أبداً قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف:١٠٨]، وتأتي في جهنم كذلك من أسباب التوقف أن الله قال في آخر البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة:٦] ولم يقل: أبداً، ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦]، وقال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة:٧ - ٨] ما عبر بالفردوس هنا وإنما عبر بالجنات، فإذا عبر بالجنات يقول: أبداً، وإذا عبر بالفردوس يقول: خالدين فيها، وإذا عبر بالنار يقول: خالدين فيها أبداً، وإذا عبر بجهنم لا يقول: خالدين فيها أبداً، قال الله مثلاً: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] ولم يقل: أبداً، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] وبالعقل: هو الآن يقول: في جهنم، ثم يقول: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] أي: غير جهنم، لكن كما قلت: النظرية لم تكتمل بعد، وهذه إشكالات نسأل الله التوفيق في حلها.
نقول: وصفهم الله -أي: أهل الجنة- بأنهم ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨] أي: لا يريدون عنها خروجاً وهذا من حقهم بلا شك جعلنا الله وإياكم من أهلها، فالجنة أعلى المنازل وأرفع الدرجات وأعز الأماني لبنة من ذهب ولبنة من فضة حصباؤها اللؤلؤ والياقوت، من يدخلها ينعم فلا يبأس، ويخلد فلا يموت، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
стр. 496
تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، في القرآن فعلان: نفذ بالذال ونفد بالدال، فنفد بالدال بمعنى: انتهى، ونفد بالذال بمعنى: اخترق وعبر ولم تأت إلا مرة في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] فتكررت ثلاث مرات في آية واحدة في سورة واحدة هي سورة الرحمن.
أما الآية التي بين أيدينا فإنها تتكلم عن النفاد وهو الانتهاء، قال الله في النحل: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ﴾ [النحل:٩٦] يعني: ينتهي، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
على هذا نقول: إن الآية المقصود بها بيان الفرق، ومعناها عموماً أن هذا البحر لو كان مداداً حبراً، ولو أن الأشجار بريت فأضحت أقلاماً كما دلت عليها آية لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] لأن المداد من بحر أو من غيره والأقلام من شجر أو من غيرها هذه مخلوقات، والمخلوقات لها منتهى، وأما كلمات الله فهي صفة من صفاته لا منتهى لها، فالله جل وعلا يتكلم متى شاء بما شاء إذا شاء، وعلى هذا لا يمكن أن يواكب غير المخلوق المخلوق فيما يتعلق بالله من صفاته التي لا تنفك عنه، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، (مثله) يعني: من جنس البحر.
стр. 497
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم)
ثم قال الله جل وعلا في خاتمة السورة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] كان القرشيون يعيرون النبي ﷺ أنه بشر، وقد مر معنا أن هذا الرد الذي قاله كفار قريش أمراً تكرر عند الأمم كلها فكل الأمم اعترضت على كون أنبيائها بشر.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] لكن الله خصني بخصيصة أنه ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠] ومن هنا تعلم أن وحي الله إلى أنبيائه أعظم خصائص الأنبياء، ثم إن الأنبياء يشتركون بعد ذلك في خصائص لهم دون غيرهم، وخصائص شاركهم بعض الناس فيها واتفقوا ﵈ جميعاً فيها.
стр. 498
بعض خصائص الأنبياء
جملة فإنه يقال: الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل منهم ثلاثمائة وأربعة عشر، وأولو العزم منهم خمسة، والمذكورون في القرآن المتفق على نبوتهم خمسة وعشرون، والوحي ينزل على كل الأنبياء وهو أعظم خصائصهم، وبه يفرق ما بين النبي المؤيد بالوحي وما بين المصلحين في الأرض من الساسة والقادة والمفكرين فإنهم يخطئون ويصيبون؛ لأنهم غير معصومين، أما الأنبياء فإنهم معصومون؛ لأنهم يأخذون علمهم عن الله، والوحي هو أول خصائص الأنبياء.
الأمر الثاني: أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
الأمر الثالث: أنهم يخيرون عند الموت.
الأمر الرابع: أنهم يدفنون في البقعة التي ماتوا فيها.
والأمر الخامس: أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم.
سئل ﷺ : (كيف نصلي عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، فلو خرجت من مجتمعنا العلمي هذا وسألك سائل: كيف يقول رسول الله ﷺ : (إن الله حرم على الأرض) والأرض غير مكلفة فكيف يقع عليها التحريم؟ يكون جوابك -ولا حاجة إلى أن أستفهم منك- أن تقول: هذا تحريم منع أو تحريم شرع؟ فهو تحريم منع لا تحريم شرع، ونظيره في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢] تحريم منع ليس تحريم شرع؛ لأن موسى ﵇ المخاطب بهذه الآية كان صبياً صغيراً رضيعاً لا يجري عليه قلم التكليف، لكن المعنى أننا منعناه من أن يقبل ثدي المرضعات، فالتحريم تحريم منع، أما التحريم الذي عليه قلم التكليف فهذا يسمى تحريم شرع، والأصل أن الأرض تأكل أجساد الناس إذا ماتوا، لكن الله جل وعلا منعها وهذا تحريم المنع من أن تأكل أجساد الأنبياء إكراماً جل وعلا لأنبيائه ورسله، هذه خصائص الأنبياء فقط، ثمة خصيصة تجمعهم لكن يمكن أن يشاركهم فيها غيرهم وهي رعي الغنم، فقد قال ﷺ كما في الحديث الصحيح قال: (وهل من نبي إلا رعاها)، والمعنى: أن جميع الأنبياء رعوا الغنم، لكن لا يمنع أن يرعى الغنم غير الأنبياء فقد وقع هذا من كثير من الناس من الصالحين وغير الصالحين ورعوا الغنم لكن الأنبياء يعلمهم الله جل وعلا برعي الغنم كيف يكونون بعد ذلك ساسة للأمم.
نعود إلى قولنا: إنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فهذا لا يعرف كيفيته، لكن المقصود: أن قلوبهم حية معمورة بذكر الله جل وعلا، وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عمرت قلوبهم بذكر ربهم ﵎ ومحبته وجلاله ومن جميل ما قيل مأخوذ من هذا الأثر: لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه، والأبيات فيما أحفظ لأخينا الدكتور ناصر الزهراني وهي من جميل الشعر في مدح النبي ﷺ ، وفيها بيت فرد بعد ذلك في نفس القصيدة: يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدم صلوات الله وسلامه عليه.
نعود للآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] وهذا ما تقرر عقلاً ونقلاً وشرعاً وطبعاً أن الرسل ما جاءت إلا بالتوحيد، وقد قلنا مراراً: إن النبي ﷺ يقولون في الروايات: إنه لما صلى بالأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى التفت فإذا مشيخة الأنبياء وراءه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وذريتهم فقال: (إن الله قد أمرني أن أسألكم: هل أمركم الله أن تدعوا إلى عبادة غيره؟ قالوا: لا) قال العلماء: هذا هو تفسير قول الله في الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠] يدخل في رجاء لقاء الله ثلاثة أمور عندنا، وواحدة أو اثنتين عند المعتزلة، وعندما نقول: عندنا فإننا نقصد أهل السنة جعلنا الله وإياكم من سبيلهم، فالمعتزلة يقولون: فمن كان يرجو لقاء الله يعني: يرجو ثواب الله ويكتفون بهذا.
وأهل اللغة يقولون: إن الرجاء يستخدم في المرغوب والمرهوب، فيما تطلبه وفيما تفر منه، والمعنى عندنا أن يرجو لقاء الله أي: أن المؤمن يرجو ثلاثة أمور: لقاء الله بمعنى: رؤيته، أي: يرجو رؤية الله بعمله، ويرجو ثواب الله بعمله، ويخشى عقاب الله بعمله، فأنت تصلي وتقرأ القرآن وتصوم يوم الإثنين وتسبح وتقوم الليل وتتصدق من أجل أمور ثلاثة لهذا العمل: لعل الله أن يثيبك؛ لعل الله أن يؤمنك من العقاب؛ لعل هذا العمل الصالح يكون سبباً في رؤية الله جل وعلا، هذا معنى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠] وإنما حصرها المعتزلة في قضية حصول الثواب وبعد العقاب؛ لأن مذهبهم قائم على أنهم ينفون رؤية الله جل وعلا، وقد مر معنا ما يسمى بلن الزمخشرية فإنهم يقولون: (لن تراني) بمعنى النفي المؤبد للرؤية.
نعود فنقول: إن الله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
الله جل وعلا لا يعبد إلا هو، ولا يعبد بما شرع وهذه من أعظم قواعد الدين: أن الله لا يعبد إلا هو، وقد أمر ألا يعبد إلا هو، ولا يعبد جل وعلا إلا بما شرع قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، على هذا فقول الله جل وعلا: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] الأصل أن العلماء يقولون: إن العمل الصالح لا بد فيه من شرطين: إخلاص العبادة، والأمر الثاني: موافقة العمل لهدي نبينا ﷺ ، وهذا حق لكن العمل الصالح في هذه الآية يراد به ما كان موافقاً لهدي نبينا ﷺ ، أما الإخلاص فقد دل عليه الجزء من الآية الذي بعده وهو قوله جل وعلا: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولا يمنع أن يكون المقصود بالعمل الصالح الأول وتكون جملة أو جزء آية: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] تأكيداً لمسألة الإخلاص وهو أقرب، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وكلمة ﴿أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] نكرة وجاءت في سياق نفي، والمعنى: أن الله جل وعلا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن أشرك مع الله غيره أوكله الله جل وعلا إلى ما أشرك به، ولا يعبد الله جل وعلا بأعظم من إخلاص العبادة له، والإنسان قد ينال بنيته ما لا ينال بعمله، وكلما عظمت المعرفة والعلم بالله جل وعلا ركزت المحبة في القلب، وإذا ركزت المحبة في القلب لله جل شأنه نجم عن ذلك من الأعمال ما يقرب إلى الله جل وعلا، وأرفع الدرجات لا يناله المرء إلا إذا أقام نفسه على عتبة العبودية للرب ﵎، وعتبة العبودية تستلزم ألا يكون في القلب أحد غير الله إلا أحداً نحبه أو نواليه في محبتنا وموالاتنا لربنا ﵎، هذا جملة ما أخبر الله جل وعلا عنه في هذه السورة المباركة.
стр. 499
جملة ما ذكر في سورة الكهف
جملة نقول في كل ما مر معنا: إن سورة الكهف سورة مكية من التلاد الأول أي بمعنى: أنها من أوائل ما أنزل كما عبر عنها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه، وقراءتها يوم الجمعة سنة تضيء لصاحبها نوراً، وهذه السورة ضمنها الله جل وعلا أجوبة على سؤالين سألهما القرشيون بناء على مشورة اليهود، الأول منهما عن فتية ضاعوا في غابر الأزمان، وهم الذين سميت السورة باسمهم.
والأمر الثاني: عن ملك طواف وهو ذو القرنين.
وبقي لهم سؤال ثالث كانت الإجابة عنه في سورة الإسراء قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥].
وقد ذكر الله جل وعلا في هذه السورة خبر نبيه موسى بن عمران ﵇ لكنه ما كان في سورة الكهف ما جرت العادة في ذكره من نبأ موسى مع فرعون وإنما ذكر الله جل وعلا خبر موسى مع العبد الصالح الخضر، وخبر موسى مع العبد الصالح الخضر لم يتكرر في القرآن ولم يذكر إلا في موطن واحد وهو سورة الكهف، وكذلك خبر ذي القرنين، فإنه لم يذكر إلا في سورة الكهف، أما خبر يأجوج ومأجوج فقد ذكر في سورة الكهف وذكر في سورة الأنبياء؛ لأن الحديث عن أشراط الساعة حديث متكرر في القرآن فبديهي أن ينتقل من موضع إلى موضع ومن سورة إلى سورة.
ثم ذكر الله جل وعلا في هذا الخطاب المكي في أصله الذي يخاطب به القرشيين، فخاطب الله جل وعلا أولئك الذين يتعلقون بغير ما أمر الله أن يتعلق به: بالأنبياء والملائكة وغيرهم، وأخبر الله جل وعلا أنهم خسروا أعمالهم، وإن كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهذا يقودنا إلى التفريق أن الناس في المعصية قسمان: قسم يرى أنه مفلح وهذا ضربنا له أمثال، وقسم يعلم يقيناً أنه غير مفلح وهذا نحتاج إلى ضرب أمثال له؛ لأن أكثر الناس عليه.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، ووفق للحديث عنه.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 500
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة طه [ ١]
سورة طه سورة مكية، وهي من العتاق الأول، وقد افتتحها الله تعالى بقوله: (طه)، وهي من الحروف المقطعة المختلف في معناها، وهناك من يقول: إن (طه) اسم للنبي ﷺ ، ثم ذكر الله تعالى الغرض من إنزال القرآن الكريم على نبيه، وهو أنه للتذكرة والموعظة لمن يخشى الله تعالى، وفي بداية السورة ذكر الله تعالى أن له الأسماء الحسنى، وأنه سبحانه يعلم السر وأخفى وفي ذلك فوائد عظيمة وثمرات جليلة ينتفع بها المؤمن في حياته وآخرته.
стр. 501
توطئة عن سورة طه
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فسورة طه من العتاق الأول مثل قرينتها سورة الكهف، وقد أنزلت سورة طه بعد سورة مريم، وهي كذلك في ترتيب المصحف بعد مريم، لكن الذي جعلنا نبدأ بسورة طه أن لنا تفسيراً لسورة مريم موجود بين الناس متداول فأحببنا أن نبدأ بما لم نشرع به، فلذلك بدأنا بسورة طه، وسنعود إن شاء الله تعالى إلى سورة مريم، لكن من حيث النزول طه نزلت بعد مريم، وكلاهما سورة مكية، إلا آيتين من سورة طه اختلف فيهما وهما: الآية رقم مائة، ومائة وإحدى وثلاثين.
стр. 502
تفسير قوله تعالى: (طه) وبيان اختلاف العلماء في معناها
استفتح العلي الكبير سورة طه بقوله: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢]، ومن أكثر أحرف القرآن المتقطعة في أوائل المصحف إشكالاً هذان الحرفان (طه)؛ ذلك أن العلماء من حيث الجملة انقسموا إلى قسمين في فهم هذا الأمر: فمنهم من قال: إن (طه) هي من جنس الحروف المتقطعة، ومما يعينهم على هذا الفهم أن الحرفين (الطاء والهاء) من نفس الأحرف التي جاء بها افتتاح بعض سور القرآن، قال تعالى: ﴿طسم﴾ [الشعراء:١]، وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، فالهاء والطاء وجدتا من قبل في فواتح سور القرآن، فهذا منحى، وهذا المنحى يجري عليه أحكام رأينا في مسألة فواتح القرآن -أي: الأحرف المتقطعة- وقد فصلنا فيه في تفسير سورة (ن).
وقال بعض العلماء: إن (طه) ليست من الأحرف المتقطعة، وقد اختلف أصحاب هذا القول فيما بينهم: ما المقصود بكلمة طه؟ فقال بعضهم: إنها فعل أمر بمعنى: ضع، وهي مأخوذة من وطئ، وهؤلاء يقولون: إن النبي ﷺ كان إذا قام الليل يقوم على قدم ويرفع أخرى، فجاء القرآن تسلية وتعزية له.
وقال فريق آخر من العلماء: إن (طه) كلمة معناها: يا رجل! طه بمعنى: رجل، وحرف النداء محذوف والمعنى: يا رجل! وقال آخرون: إنها اسم للنبي ﷺ ، وقد كنت إلى عام أو عامين تقريباً أذهب إلى أنها من الحروف المتقطعة، لكن الذي يبدو أن القول بأنها اسم للنبي ﷺ أقوى، ووجه القوة مأخوذ من تدبر القرآن -ولولا آية الشورى لجزمت لكن آية الشورى أوقفتني- وهذه طريقة في فهم القرآن، فالله تعالى يقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ويقول: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، ويقول: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء:١ - ٢]، إلى غير ذلك من آيات القرآن، فلم يرد بعد الحروف المتقطعة خطاب مباشر للنبي ﷺ اللهم إلا في سورة الشورى، قال تعالى: ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:١ - ٣]، وهذه هي التي أوقفتني، وإلا فسائر سور القرآن المبدوءة بأحرف متقطعة لا يأتي بعدها مخاطبة للنبي ﷺ ، ففي سورة طه ما يشعر أن طه اسم له ﵊؛ إذ الله تعالى يقول مخاطباً له: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢].
أما قول من قال من العلماء: إن معناه: يا رجل، فقد ورد في شعر العرب -كما في شعر أبي تمام وغيره- أن طه بمعنى: رجل، لكننا نستبعدها؛ لأنه ليس لها نظائر، ومعنى ليس لها نظائر: أنه إذا اتفقت الأمة على أن الله جل وعلا إكراماً لنبيه لم يخاطبه باسمه فلم يقل له في القرآن: يا محمد، فكيف يعقل أن يناديه: يا رجل؟! فهذا بعيد، فكل ما ورد في القرآن: يا أيها النبي! يا أيها الرسول! فلا يمكن أن ينتقل من هذه الفوقية حتى ينادى: يا رجل! فهذا بعيد وإن كانت اللغة تحتمله.
لكن نقول: إن القول أن طه اسم للنبي ﷺ غير بعيد، وهذا ما نميل إليه ميلاً كبيراً، وهذا مستخدم حتى في الشعر العربي.
وذهب بعض مشايخنا إلى أن طه من الحروف المتقطعة، لكن لا ينكر على من ذهب إلى أن طه اسم للنبي ﷺ ، وقد مر معنا -فيما يبدو لي- أن سماحة الوالد الشيخ ابن باز والشيخ العلامة ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليهما أنشد بين يديهما قصيدة للتويجري كان مطلعها: دمع المصلين في المحراب ينهمر وفيها: إذا تطاول بالأهرام منهزم فإن أهرامنا سلمان أو عمر أهرامنا شاد طه دعائمها وحي من الله لا طين ولا حجر فكبر الشيخان عندما سمعا هذين البيتين، ولم ينكرا كلمة (طه)، مع أن الشيخ عبد العزيز ﵀ كان يرى أن (طه) ليست اسماً للنبي ﷺ ، لكن الآية كما قلنا قابلة للأخذ والعطاء وليست مجال إنكار, والبيتان اللذان ذكرناهما من جميل الشعر الإسلامي المعاصر.
نعود ونقول: إننا نختار أن طه اسم للنبي ﷺ .
стр. 503
تفسير قوله تعالى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى)
قال تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢]، (ما): نافية قطعاً، و (أنزلنا): أخبر الله أن القرآن منزل من عنده، وقد فصلنا القول في التنزيل وأنواعه، ونذكر بأن الله لا يذكر أن شيئاً أنزل من عنده إلا القرآن، وفي غيره يبهم أو يسنده إلى غيره، كقوله: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة:٥٩] من أين؟ ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٥٩]، ولم ينسبه إلى نفسه، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولم يقل من عندنا، فالذي ينسبه الله ويضيفه إلى ذاته العلية لا يكون إلا القرآن، كما قال تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:٥]، وغيرها من الآيات الكثيرة.
يقول تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢]، الشقاء: هو العناء والتعب، ومقصود الآية: أن هذا القرآن أنزلناه رحمة بك، وبه ترحم الناس، وليس المقصود من إنزاله أن يصيبك شقاء وعناء وتعب من كثرة محاورتك لقومك، وكثرة تأسفك على حالهم؛ فإنك لست مكلفاً بأكثر من أن تدعوهم إلى الدين، وهذا المعنى يؤيده القرآن كله، قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف:٦]، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، فالقرآن يؤيد هذا المعنى، وهو أن الله ما أنزل هذا القرآن على نبيه حتى يصيبه من الكمد والعناء والشقاء بسبب جحود قومه له.
قال تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣] (إِلَّا) استثناء منقطع: ((تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى))، فالقرآن تذكرة، لكن هذه التذكرة لا يفرح بها ولا ينالها كل أحد، وإنما ينالها أهل الخشية، فيدخل فيها جميع من يخشى الله، وفي مقدمتهم بل في ذروتهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى﴾ [طه:٤] قوله: (تنزيلاً) أي: هذا القرآن، و (تنزيلاً) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نزلناه تنزيلاً، ((تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى)) وهو الله ﷻ ، وقدم الأرض هنا على السموات لأنها ألصق بحياة الناس، وهي أولى الآيات المحسوسة بالنسبة لهم.
وخلق السماوات والأرض من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، وقد قررته أكثر من آية في كلام الله.
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أي: من خلق الأرض والسماوات العلى هو الرحمن، فالرحمن خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.
والرحمن: اسم من أسماء الله الحسنى؛ بل من أعظم أسمائه الحسنى، فالرحيم يجوز أن ينادى به غير الله، فتقول: فلان رحيم بغيره، لكن لا يقال: فلان رحمن بغيره، فهذا من الأسماء المختصة بالله جل وعلا.
وقوله: ((عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))، العرش: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، والدليل على أنه ذو قوائم: قوله ﵊: (فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا بموسى آخذ بقوائم العرش)، فهذا نص صريح على أن العرش له قوائم تحمله الملائكة، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وقال الله في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧]، فأثبت الله أن هناك ملائكةً تحمل العرش.
وقوله: ((عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) أي: استواءً يليق بجلاله وعظمته، وهذه أحد ست آيات أخبر الله جل وعلا فيها أنه مستوٍ على عرشه، ولا ينبغي العدول أبداً عن قول أهل السنة: أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ لأن ذكر الله للاستواء في أكثر من موضع تصل إلى ستة ولم يتغير اللفظ دليل على أن اللفظ مقصود لا يقوم مقامه غيره، وقد ذهب بعض أهل البدع إلى أنه بمعنى: استولى؛ وهذا باطل، فإن الله قد أخبر أنه مستوٍ على عرشه، ونحن نقول: نؤمن بكلام الله على مراد الله، ونؤمن بكلام رسول الله على مراد رسول الله، وقد كان الشافعي يردد هذا الكلام كثيراً: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، ذكر الله أربعة أملاك: السماوات، والأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، واختلف في معنى قوله: (وما تحت الثرى)، ولعله يدخل فيها -من حيث الاستئناس- المعادن التي في الأرض، وكنوز الأرض المدفونة غير الظاهرة، وما بين السماوات والأرض: الأشياء الظاهرة.
وينبغي أن نعلم أن الله ملك الأملاك، ورب الأفلاك، وأنه جل وعلا متصرف في هذه الأربعة تصرفاً تاماً؛ فهو الذي أوجدها، وهو الذي يملكها، وهو الذي يفنيها، وهو الذي يحيي من شاء منها، وهذا كله ملك تام لا نقص فيه بأي وجه من الوجوه، قال تعالى: ((لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى))، (ما) هنا موصولة، والمعنى: والذي تحت الثرى، وليست نافية، و (ما) الموصولة لا يجوز الابتداء بها، فمثلاً قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، لا يجوز أن تقف فيها ثم تبدأ بقوله: ((وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ))، لأنه ستصبح (ما) نافية، فما الموصولة لا يبدأ بها، إنما تعود وتقرأ: ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ [البقرة:١٣٦]، ولا تبدأ بها.
فهنا لو أن إنساناً انقطع نفسه فلا يقرأ: ((وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) وحدها، فكأنه ينفي؛ لأنها موصولة فلا يبدأ بها؛ لأن واو العطف لا يعتبر شيئاً، وهذا يحترزه الأئمة.
стр. 504
تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى له الأسماء الحسنى)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، يقول بعض المفسرين: إن المعنى: أن الله يقول لنبيه: لا حاجة للجهر؛ فإن الله يعلم السر وأخفى، وأظنه معنى بعيداً على جلالة من قال به، وإنما المعنى: إخبار النبي بعظيم علم الله، أو أن يقال: إن الخطاب لقراء القرآن، وليس النبي ﷺ مقصوداً به إلا في المقام الأول باعتبار أن القرآن أنزل عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ فيه: أن القول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الجهر: وهو ما تعلنه وتقوله علانية فيسمعه من يرغب ومن لا ترغب، والسر: وهو ما تعلنه لكن تسمعه من ترغب فقط، هذا يسمى سراً، فلو أنني استدعيت أحدكم وأجلسته بجواري وأسمعته فأنا جهرت له بالقول حتى يسمعه، لكن لا يسمى جهراً بل يسمى سراً؛ لأنني أردت به شخصاً بعينه.
والثالث: ما هو أخفى من السر، وهو ما أسررته في نفسك ولم تخبر به أحداً، وهذا هو الذي قصده الله بقوله: ((فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى))، أي: ما هو أخفى من السر، وهو ما لم تخص به أحداً بعينه، فهذه مراتب القول، والمقصود بيان عظيم علم الرب جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، من هذا الذي يعلم السر وأخفى؟ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨]، وقد مر معنا أن لفظ الجلالة (الله) لم يتسم به أحد إلا الله، وهو معنى قول الله جل وعلا: ﴿ِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقوله: ((لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى))، فالله جل وعلا له أسماء حسنى وصفات عليا، وجملة ما يمكن أن تفقه أيها المسلم أن تعلم أن الله جل وعلا وجهه أكرم الوجوه، وهذه اكتبها واعمل بها: وجهه أكرم الوجوه، وأسماؤه أحسن الأسماء، وعطيته أحسن العطايا، فتوسل إلى ربك بهذه الثلاث، قل: اللهم يا ذا الوجه الأكرم، والاسم الأعظم، والعطية الجزلاء، ثم سل الله ما شئت.
وقد ذكر من أسماء الله تعالى تسعة وتسعون، على خلاف بين العلماء في تحديدها، وبعض أهل التحقيق من أهل العلم يقول: إنها أكثر من تسعة وتسعين، وحجتهم ما جاء في الخبر الصحيح: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فقالوا: إن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب غير التسعة والتسعين التي أظهرها وبسطها لخلقه.
وفي هذا كله بيان لعظمة الجبار ﷻ ، وإظهار لبعض صفاته، وأن له كمال الأسماء وأجمل الصفات، وأنه أحق من عبد وأحق من شكر وأعظم من ملك وأوسع من أعطى.
стр. 505
تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى أو أجد على النار هدى)
بعد أن قرر الله جل وعلا هذا لنبيه ذكر له قصة الكليم موسى بن عمران ﵊، وموسى بن عمران من أولي العزم من الرسل الذين تكررت قصصهم في القرآن في مواطن شتى سيأتي تفصيلها، لكننا هنا سنقف عند ما نحن معنيون به، قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩]، (وهل): حرف استفهام، والمقصود به هنا: التشويق، حتى تكون أذن السامع متلهفة لما سيقال بعد، وموسى: هو موسى بن عمران.
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:٩ - ١٠]، هذا كان بعد عودة موسى ﵊ من أرض مدين، فموسى ﵊ كان قد خرج إلى أرض مدين -وهي تقع الآن شمال الجزيرة العربية شمال المملكة- بعد أن فر بسبب قتله للقبطي، فمكث في أرض مدين -كما سيأتي تفصيله في مواضع- عشر سنين، وبعد أن قضى هذه المدة أخبر العبد الصالح -وهو صهره أبو زوجته- أنه يريد أن يرجع، فأذن له بعد أن أتم له موسى الأجل.
وحينما رجع موسى ﵇ من مدين -من الجزيرة- صار خليج العقبة عن يمينه، ثم رجع وأصبح خليج العقبة على يساره، ثم مشى موازياً للبحر حتى دخل على صحراء سيناء، حتى وصل إلى جبل الطور، وهنا نبئ، وعندما نبئ ﵊ مشى بعد ذلك واستمر حتى قطع خليج السويس ودخل أرض مصر، وسنتكلم عن هذه المنطقة وعن الأحداث العظام التي حدثت في هذه المنطقة التي نبئ فيها موسى ﵊ وأرسل فيها.
فالله جل وعلا يقول لنبيه: ((وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى))، أي: خبر موسى، ((إِذْ رَأَى نَارًا))، متى رأى النار؟ رأى النار في ليلة باردة مظلمة ومعه زوجته وغنمه، ((فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا))، لم يقل: إني رأيت، بل قال: إني آنست؛ لأنه كان يشعر بوحشة وخوف، فلما رأى النار شعر بشيء من الأنس، واحترازاً من الكذب قال ﵊: ((لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا))، لم يقل: سآتيكم منها، وهذا الاحتراز من الكذب قبل أن ينبأ حتى تعلم أن الله أعلم حيث يجعل رسالته، ((لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ))، القبس هو الجذوة من النار، أي: القطعة من النار، فالقطعة من النار تسمى جذوة، والقطعة من الليل تسمى: هجيعاً، وكل شيء منه قطعة له اسمه في اللغة، فالجذوة من النار والقطعة من النار إذا كانت ملتصقة بعود ولم تكن جمرة لوحدها فإنها تسمى قبساً، إذا أخذنا عود حطب من النار فيه نار مشتعلة فإنه يسمى قبساً ويسمى جذوة؛ لأنه قطعة من النار، وإذا كان على هيئة جمرة وليس عوداً كاملاً فإنها تسمى جمرة، قال الله تعالى في سورة أخرى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل:٧]، أي: نار مشتعلة، فهذه أمنية موسى الآن، وخوفاً على أهله قال: ((امْكُثُوا))، والعاقل كما يقولون بالعامية: ما يضع البيض في سلة واحدة، إذا كان هناك مهلكة يهلك هو وينجو أهله.
قال: ((أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى))، أي: أجد من يهديني ويدلني على الطريق الذي أضعته، لقد أتى موضع النار فرأى ناراً مشتعلة في شجرة عوسج على الأظهر، فرأى النار تزداد وقوداً والشجرة تزداد خضرة، وهو ما يتنافى في الأصل؛ لأن النار إذا كانت حارقة لم تبق الخضرة، وإذا كانت الخضرة ريانة فلن تبقي على النار، فلا تجتمعان، لكنه يرى النار تزداد نوراً ويرى الشجرة تزداد خضرة.
والنار ثلاثة أقسام: نار لا نور فيها وهي حارقة، وهي نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها.
ونار فيها نور وليست بحارقة، وهي النار التي رآها موسى ﵇.
ونار فيها نور أو لها نور وهي حارقة، وهي نار الدنيا، أي نار تشعلها فلها نور تضيء ما حولها وفي نفس الوقت تحرق من يضع يده فيها.
стр. 506
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى إنك بالواد المقدس طوى)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١١ - ١٢] من الذي ناداه؟ إنه رب العزة ﷻ ، وهذا مقام عظيم ومنزل شريف وعطية قل ما تعدلها عطية إلا أن يرى العبد ربه ((فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى))، وقد كان في خوف فطمأنه الله ولم يطالبه بالتكليف، بل قال له: إني أنا ربك؛ ليشعره بالاطمئنان، والإنسان عندما يسمع رجلاً أقوى منه مديره أو أبوه أو أخوه يطمئنه أنه معه فيغشاه شيء من السكينة، فكيف إذا سمع عبد مخلوق في ليلة شاتية مظلمة رب العزة ﷻ يناديه: إني أنا ربك، من غير واسطة.
((فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ))، والمقصود من خلع النعلين أمران: الأول: أن تمس موسى كله بركة الوادي، فلا يصبح هنا فاصل بين بركة هذا الوادي المقدس وبين جسد موسى، الأمر الثاني: أن يشعر موسى بالتواضع وعظمة الوقوف بين يدي رب العزة والجلال ﷻ في مقام العبودية.
((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى))، وانظر كيف يؤدب الله نبيه ويرعاه ويخبره بكل شيء؛ فأخبره بأنه ربه، وأخبره بأنه في واد مقدس اسمه: طوى، والإنسان إذا كان يجهل الأشياء التي حوله يصيبه الرعب، فأول شيء أعطاه الله لنبيه موسى أن عرفه بالأشياء التي حوله.
وقوله: ((بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى))، هذه شهادة من رب العباد لهذا الوادي بأنه واد مقدس قطعاً، ولو لم يكن وادياً مقدساً لما اختار الله تلك البقعة التي سماها في سورة أخرى: (بقعة مباركة) ليكلم فيها عبده وكليمه وصفيه موسى بن عمران.
وقوله: (طوى): بدل من الوادي المقدس، أي: اسم الوادي طوى.
стр. 507
تفسير قوله تعالى: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى وأقم الصلاة لذكري)
قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]، لا يمكن أن نأتي بألفاظ تساعد أكثر من ألفاظ القرآن في بيان هذا الأمر العظيم، وهو أن الله ينادي عبداً من عباده لا منة له على الله ولا فضل، ولا يدري هو لأي شيء غادي، كان همه جذوة من النار، فعاد وهو كليم الواحد القهار، يقول له رب العزة في موقف عطاء وبذل كريم: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ))، أي: اخترتك لعظائم الأمور للنبوة للرسالة لجلائل الطاعات، والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته إذ جعلها في هذا الكليم ﵇، وحينما قال الله له: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ))، أصبح موسى مرهف السمع لربه، فقال له ربه: ((فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى))، (ما) موصولة أي: للذي يوحى، ولكن الله لم يعطه الأوامر والتكاليف إلا بعد أن أشعره بالأمان ورفعه إلى أعلى المنازل، وآواه أيما إيواء، وغرس في قلبه الترقي من رب العزة والجلال، وهي إحدى طرائق الوحي الثلاث؛ بل إنها أرفع طرائق الوحي الدنيوية.
ثم قال تعالى له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وقد ذكرنا مراراً أن هذه الآية من أعظم الأدلة على أن اسم الله الأعظم هو لفظ الجلالة: (الله)، ووجه الدلالة: أن الله جل وعلا لما أراد أن يعرف نفسه لعبده موسى قال له: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ))، فاختار الرب جل وعلا هذا الاسم دون غيره من الأسماء الدالة عليه جل وعلا ليعرف به نفسه لكليمه موسى، ولا يلزم أن نجزم، لكن نقول: إشارة قوية وأمر فيه تلميح قوي إلى أن لفظ الجلالة (الله) من أعظم أسماء الله الحسنى إن لم يكن هو اسم الله الأعظم.
((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا))، وما دام قد تحقق لديك يا عبدنا أنه لا إله إلا أنا فوجب أن تصرف العبادة لي دون سواي، ولهذا قال الله له: ((فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي))، ومعلوم أنه لا يمكن أن يدعو موسى الناس لعبادة الله حتى يحقق العبودية في نفسه، فالرسول الذي يحمل هم أمر لا بد أن يكون مقتنعاً به أولاً، ولا يمكن للإنسان أن يحقق هدفاً هو غير مقتنع به، وعظائم الأمور وجلائل الهبات لا تنال إلا إذا انطلق الإنسان من خاصة نفسه يتصرف في السر كما يتصرف في العلانية، ويؤمن بقضيته في الملأ وفي الخلاء، أما إن كانت القضايا بالنسبة له يجلب من ورائها ديناراً أو درهماً فسيكون سيره في تلك القضية ضعيفاً إن لم تنكشف عورته وتظهر سوءته ما بين يوم وآخر، لكن الله وطن في قلوب أنبيائه محبته وإجلاله جل وعلا وعظمته، وحبهم وعبادتهم لربهم.
قال تعالى: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي))، وفي هذا دلالة ظاهرة على أن الصلاة من أرفع العبادات، وقد اختلفوا في قوله جل شأنه: ((لِذِكْرِي))، هل اللام للتعليل أي: لإقامة ذكري، أو أن المعنى: على ذكري، بمعنى: في الوقت الذي أمرتك أن تذكرني فيه؟ وهذا المعنى قد جاء في حديث صحيح: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ثم تلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]).
стр. 508
تفسير قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها فتردى)
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥]، أخذ الله جل وعلا يبين لموسى قضية الساعة، والساعة: هي الإذن بفناء الدنيا: ((إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ))، أي: قادمة لا محالة، ((أَكَادُ أُخْفِيهَا))، اختلف العلماء في معنى (أكاد)، لكن الأظهر أن يقال: إنها فعل من أفعال المقاربة نحوياً، وكاد وأوشك وعسى تعمل عمل كان وأخواتها، لكن الفرق بينها: أن كان وأخواتها خبرها يأتي مفرداً ويأتي جملة أسمية ويأتي جملة فعلية، أما كاد وأوشك وعسى فيشترط في خبرها أن يكون جملة فعلية، فانفكت عن كان في العمل من هذا الباب.
فقوله: (أكاد) بمعنى: أقارب، وعلى ذلك يصبح معنى الآية: أن الله لم يخف الساعة بالكلية، وإنما أظهر أشراطها وعلاماتها، وفي نفس الوقت عينها تحديداً لا يعلمه إلا الله.
قال تعالى: ((أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى))، أي: بعد إتيانها، ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى))، وكل من ألفاظ العموم.
قال تعالى: ((فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى)) الخطاب هنا لموسى، وقوله: (عنها) قيل: إن الضمير عائد على الصلاة، وقيل: إنه عائد على الساعة، أي: لا يصدنك عن الإيمان بالساعة، والصواب أن يقال: المعنى: أي: لا يصدنك عن الإيمان بالساعة وما يتعلق بالاستعداد لها ((مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى))، فذكر الله صفتين للصادين عن سبيله وهما: عدم الإيمان بالله، واتباع الهوى، ثم قال الله جل وعلا: (فتردى) أي: فتهلك، والمقصود بالهلاك هنا: دخول النار وعدم مقاربة الجنة، وهو أعظم الهلاك.
стр. 509
فوائد متفرقة من أوائل سورة طه
عبر الله عن الزوجة هنا في قصة موسى بكلمة (الأهل)، وهو أفضل ما يعبر به عن الزوجة في قضايا الائتلاف، في المحاكم والقضاء وشئون الحقوق يقال: زوج وزوجة، وفي وقت الائتلاف -لا فرق الله لنا ولكم شمل- يعبر بالأهل، وقد جاء أن بعض الصحابة والصحابيات لما سألهم النبي ﷺ عن عائشة في حادثة الإفك قالوا: (يا رسول الله! أهلك، ولا نعلم إلا خيراً)، فما قالوا: زوجتك، وبعض الإخوة إذا أراد أن يكتب رمزاً لهاتف جوال زوجته في جواله يكتب: الأهل، اتباعاً للقرآن، لا يكتب: أم فلان، ولا يكتب عبارات مبالغ فيها ومغالى فيها، وإنما يكتب: الأهل؛ لأن هذا تعبير القرآن وتجده يقول: أنا أريد أن أذهب إلى أهلي، سأوصل أهلي، اتصل بي أهلي ونحو ذلك، وليست القضية قضية حساسية مفرطة ممن حولنا، إنما القضية في المقام الأول أن مما يفتح الله به عليك في فهم القرآن أن تحاول أن تستخدم أسلوب القرآن: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠]، وقد مر معنا أن العلماء قالوا: إن موسى ﵇ قال: (لعلي) من باب الاحتراز، وهذه قضية عامة، يقولون: إن أهل العقل لا يضعون أقدامهم اليمنى حتى يجدوا موطئاً لليسرى، ويفكرون في طريق الرجوع قبل أن يفكروا في طريق الذهاب، والعاقل لا يقطع الحبال كلها عن نفسه وإنما يجعل له طريق عودة، وهذا هو الذي قصده موسى بقوله: ((لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ))، و (لعل) في القرآن على بابها إلا في موضع واحد، بمعنى: لعل عند النحويين حرف يفيد الترجي، حرف يستخدم للرجاء ويستخدم في الغالب فيما يرجى وقوعه.
ويقولون في حرف ليت: إنه حرف للتمني، وهي قرينتها في العمل، إلا أن ليت فيما لا يرجى في الغالب وقوعه، ومنه قول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب والشباب لا يعود، فعبر بليت؛ لأنها للتمني.
فلعل في القرآن على بابها إلا في موضع واحد في سورة الشعراء، قال الله جل وعلا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٢٩]، فلعل هنا ليست للترجي وإنما هي بمعنى: كأنكم تخلدون، أو كأنما تخلدون؛ لأن الموت اتفق الناس على أنه لا يدفعه شيء، حتى أهل الكفر مؤمنون بالموت، ولذلك لا يوجد موطن سكن إلا وفيه مقبرة، وهذا في كل مكان في الدنيا، فلم يقل أحد: أن تشييد البناء والمبالغة فيه يدفع الموت، لكن بعض الناس يشيد بناءه وكأنه لن يموت، كأنه مخلد، وهو يعلم أنه غير مخلد، وهذا معنى الآية: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩].
ومما يستفاد من هذه الآيات أن الذين حولك أحوج ما يكونون إلى الأمن، والإنسان إذا أعطي الأمن يعطى القدرة على العطاء، أما إذا شعر الإنسان بالخوف فإنه غالباً غير قادر على العطاء، قال الله تعالى في حق أهل الكفر: ﴿فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:٦] أي: أشعره بالأمن: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]؛ لأنه لن يستطيع أن يسمع كلام الله ويفقهه عنك وهو خائف وجل، والسيف إذا وضع على أي رقبة في أي إنسان يجعله لا يعقل، ويذكر المؤرخون أن أحد الخلفاء -من دون ذكر أسماء- من الخلفاء السابقين في عهد بني أمية أتي برجل صالح ومعه زمرة من أصحابه حوالي عشرة كانوا قوماً صالحين، وهذا الزعيم فيهم كان مشهوراً بثبات جأشه وفصاحة لسانه، فقال له الناس في ذلك الموضع: تكلم قل، قال: ماذا أقول؟ سيف مشهور، وكفن منشور، وقبر محفور، من أين سيأتي كلام؟ وهو محق، أي: أن الخوف والوضع الذي أنا فيه لا يساعد على أن أتكلم، ولهذا لما أراد الله أن يفيء على موسى بعظيم العطايا وجزيل المواهب -ومقام التكليم مقام لا يمكن تخيله، والله كلم موسى ﵊ مرتين: كلمه في هذا الموضع، وكلمه عندما ناداه عند جبل الطور في نفس الموضع، وهذا الجبل -جبل الطور- كان عن غرب موسى وفي نفس الوقت كان في الجانب الأيمن منه، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]- موضع الشاهد: أن الله جل وعلا طمأن موسى حتى يعطيه، لكن يقول الناس عموماً كفوائد تاريخيه: أنه قد يوجد في الناس -لكن هذه حالات أفراد شاذة- من يكون رابط الجأش حتى عند رؤية السيف، ويقولون: إن المعتصم أراد أن يقتل رجلاً يقال له تميم بن جميل، كان له أطفال وصبية صغار، ثم إنه أحضر النطع والجلاد والسيف والناس ينظرون، ولم يكن ثمة شك بأن أمير المؤمنين قرر قتله، فأراد المعتصم أن يختبره ليرى أين لسانه عن جنانه، فقال له: ما تقول يا جميل؟ هذا والسيف مشهور، والكفن منشور، والقبر شبه محفور، فقال: أرى الموت بين السيف والنطع كامناً يلاحظني من حيث ما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي امرئ مما قضى الله يفلت يعز على الأوس بن تغلب موقف يسل علي السيف فيه وأسكت وما جزعي من أن أموت وإنني لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين أنغى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة أذود الردى عنهم وإن مت موّتوا فتعجب المعتصم من رباطة جأشه مع الحال التي هو فيها، وقال: تركتك لله ثم لصبيتك، وعفا عنه.
لكن هذا المقام الذي قامه تميم بن جميل بين يدي المعتصم مقام فردي قلما يعطاه أحد، لكن في باب الدعوة وفي باب التربية التأسي بالقرآن هو الأصل، ولذلك لما أراد الله أن يربي هذا النبي المكلم ﵇ خاطبه بقوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢]، وعرفه بالمقام: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، ولهذا أحياناً تتلقى مكالمة مجهولة المصدر فلا يحسن أن تتعامل معها بانفعال ولا بعجلة، وإنما من حقك على من اتصل بك أن تعرف من هو قبل أن تعرف مقامك، وليس من الأدب ما يشيع عند بعض الناس أنه إذا اتصل من غير عمد سوء يقول: ما عرفتني؟! فيعرضك للإحراج في أن يذهب همك في البحث عن شخصيته، فالواجب على الإنسان إذا دخل أن يقول: أنا فلان، أو إذا اتصل أو طرق باباًَ وغلب على ظنه أن من أمامه لا يسمعه أو لا يعلمه أن يعرفه بنفسه.
نختم على هذه القضية بشاهد عظيم من السنة، فالنبي ﵊ وجبريل أرفع الخلق، فلما استفتح باب السماء وجبريل يطرق يقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل، فيقول: هل معك أحد؟ فيقول: نعم، معي محمد.
قال العلماء: فاستئذان جبريل مع النبي ﷺ رغم أنهما أرفع مقاماً من صاحب المحل -من خزنة السماء- يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يستأذن ويعرف بنفسه ولو كان داخلاً على من هو أقل منه، وهذه قضية مهمة جداً في فهم كلام الله جل وعلا.
نفعنا الله وإياكم بهدي كتابه، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، والله المستعان.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 510
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة طه [٢]
موسى ﵇ هو كليم الله تعالى، وقد كلمه ربه حينما كان في الوادي المقدس طوى، وفي تلك الأثناء بعثه الله تعالى وأرسله نبياً إلى فرعون وقومه، وقد أعطاه الله تعالى آيتين عظيمتين كي يحاج بهما فرعون، وهما: العصا، واليد، وحينما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون دعا الله تعالى أن يشرح له صدره، وييسر له أمره، ويحلل عقدة من لسانه، وأن يجعل أخاه هارون وزيراً معه، فأعطاه الله تعالى كل ما سأله تفضلاً وتكرماً منه عليه.
стр. 511
تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى ولي فيها مآرب أخرى)
لقد تكلمنا في فاتحة هذه السورة، ثم انتقلنا إلى ما قرره الله جل وعلا فيها من أمور العقيدة العظام، وإخباره جل وعلا عن ذاته العلية بأن ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، وأنه جل وعلا يعلم الجهر والسر وأخفى، وأنه سبحانه الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
ثم ذكر الله جل وعلا فيها نتفاً من خبر كليمه وصفيه موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه، صدر الله ذلك بقوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩]، ومضى بنا القول إلى أن الله جل وعلا ربى نبيه وكليمه وصفيه أعظم تربية، فطمأنه وآمنه من الخوف، ثم أعطاه مقام التكليف، أي: مقام الرسالة بعد مقام النبوة، وانتهى بنا الأمر إلى أن الله جل وعلا نهى عبده وصفيه موسى من اتباع من كتب الله عليهم أنهم يصدون عن ذكره، وأن في اتباعهم سبب الهلاك وأودية الرداء.
وانتهينا إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨]، فنقول والله المستعان وعليه التكلان: ما زال الأمر مستأنفاً في مقام التكليم، والمقام جبل الطور، والمكلِّم هو الرب جل وعلا، والمخاطب هو موسى.
وقد أنكرت المعتزلة وبعض الناس هذا الأمر، وقالوا: إن الله جل وعلا لم يكلم موسى تكليماً، وأولوا وحرفوا في الآيات الناصة على ذلك، ومنها قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فأجابوا عن هذا بأن حقها أن تقرأ: (وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فجعلوا لفظ الجلالة مفعولاً به مقدماً، وموسى فاعلاً مؤخراً عن مفعوله.
والرد عن هؤلاء أن يقال: إن هذا وإن كان يجوز في اللغة أن يقدم المفعول على الفاعل إلا أن المعنى يذهب تماماً هنا؛ لأنه إذا كان الأمر أن موسى يناجي ربه فهذا ليس من خصائص موسى وحده، فكل المؤمنين والصالحين يناجون ربهم ويدعونه ويخاطبونه، ويستغفرونه، ويسألونه، فأي فخر أو فضل لموسى ينص الله عليه حتى يقول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]؟ ثم أين هم عن قول الله له: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، إلى غير ذلك من الأدلة التي يرد عليهم بها.
قال الله تعالى لهذا النبي الكليم: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، (ما): استفهامية من غير نزاع، والاستفهام الأصل فيه أن يعرف المستفهم خبر المستفهم عنه، لكن هذا غير وارد هنا؛ لأن الله جل وعلا يعلم ما الذي بيمين موسى؛ بل يعلم كل شيء، ولا يغيب عنه مثقال ذرة ﷻ ، ولكن المقصود: تربية موسى على طريقة الأسئلة، وهنا تعهد رباني وعناية إلاهية بعبد تغلب عليه السمرة فيه لثغة في لسانه لا يظهر كلامه جيداً، يجد عناء وهو يتكلم، في ليلة شاتية أهله غير بعيدين عنه.
هذه الأجواء بالنسبة لشخص موسى، لكن مواطن الضعف هذه كلها ذهبت عندما وجدت عناية إلاهية ربانية بهذا العبد، كل مواطن الضعف أضحت قوة؛ لأن المتعهد به والقائم بأمره هو رب العزة ﷻ ، قال الله له: ((وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى))، فأجاب كما قال الله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه:١٨]، وهذا يكفي في الإجابة، لكنه أراد أن يستمر الخطاب تلذذاً منه بمناجاة الملك العلام، فقال ﵇: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨]، ولم يكن
السؤال
ماذا تعمل بالعصا؟ وإنما
السؤال
ما الذي في يمينك؟ وكان يكفي أن يقول: هي عصاي، لكنه -كما قلنا- فرحاً بمناجاة ربه زاد: ((قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي)).
ومعلوم أن موسى لا يضر غنمه بعصاه، فقوله: (أهش) بمعنى: أهش على الشجر فيتساقط ورقه على الغنم فتأكلها، وما زال مردفاً، أحياناً يغلب عليه الأدب لا يريد أن يستمر، وأحياناً تغلب عليه المناجاة فاتخذ طريقاً بينهما فقال: ((هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي))، وكأنه شعر بأنه أطال في اللفظ فقال: ((وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى))، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 512
تفسير قوله تعالى: (قال ألقها يا موسى سنعيدها سيرتها الأولى)
وقد أراد الله بهذا أن يبين أن هناك آية ستنجم عن هذه العصا، ولم يرد الله أن تكون الآية في شيء غير العصا فلعل موسى يقع في ذهنه أنه شيطان أو ما أشبه ذلك، لكن موسى من أعلم الناس بعصاه، وهو يعرفها، وهي ملازمة له سنين عديدة، ويعرف من أين اقتطعها، وهو يتوكأ عليها -كما يقول- ويهش بها على غنمه فهي لا تكاد تفارقه.
ولهذا أراد الله أن تكون الآية في نفس الشيء الذي يعرفه موسى جيداً، فخاطبه رب العزة: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩]، (ألقها): فعل أمر جزم بحذف حرف العلة وهو الياء، وقد استجاب الكليم لأمر ربه فألقى العصا، قال الله: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠] (فإذا) فجائية، وسيبين نحوياً غرابة هذه (إذا) في موطنه بعد أن نترك قصة موسى، ((فَإِذَا هِيَ))، أي: العصا، ((حَيَّةٌ تَسْعَى))، فجأة إذا بهذه العصا التي يعرفها جيداً تنقلب إلى حية.
وجاء في بعض الآيات أنها ثعبان، وجاء في بعض الآيات أنها جان، والجمع بينها أنها حية في ضخامتها، ثعبان في تلونها جان في خفتها، فهي تتنقل وتسبح في الأرض وتجوب فيها، وبجبلته التي فطره الله عليها كأي بشر ولى هارباً، قال الله جل وعلا: ((قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا))، أي: عصاه، ((فَإِذَا هِيَ))، أي العصا، ((حَيَّةٌ))، ليست ثابتة واقفة جامدة ميتة ((تَسْعَى))، تتحرك، قال تعالى: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١]، بمعنى: أنه نجم عنه خوف، وقد ذكر في سور أخرى أنه ولى هارباً، فطمأنه ربه وقال: ﴿أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ﴾ [القصص:٣١]، ثم أمره الله أن يأخذها يأخذها وهي حية لم تعد عصا، فأخذها امتثالاً لأمر الله، وطمأنه الله فقال: ((سَنُعِيدُهَا))، أي: الحية، ((سِيرَتَهَا الأُولَى))، أي: سوف تعود إلى عصا، وسيكون هذه العصا شأن عظيم مع موسى في دعوته لفرعون كما سيأتي.
قال الله: ((سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى))، وكلمة (سيرة) تطلق على حال الإنسان إن كانت حسنة أو قبيحة، يقال: فلان سيرته حسنة، وفلان سيرته قبيحة، فلما أخذ موسى الحية عادت إلى عصا بإذن الله تعالى.
стр. 513
تفسير قوله تعالى: (واضمم يدك إلى جناحك لنريك من آياتنا الكبرى)
ثم قال الله تعالى لموسى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢]، الجناح: الأصل أنه للطائر، واستعير هنا لبني آدم، وهو ما تحت العضد كما أن جناح الطائر في هذا الموطن، وفي آية أخرى قال الله له: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل:١٢]، والجيب هو فتحة الثوب التي تقع في الصدر.
والمعنى: أن موسى أدخل يده من جيبه حتى دخلت تحت عضده، وحينئذ شعر بالاطمئنان من الخوف، وهذا الأمر يفعله الناس جبلة، يضع أحدهم يده على قلبه إذا خاف، ويقولون في التعبير: يدي على قلبي، كناية عن الخوف، قال تعالى: ((وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ)) ما الذي يحدث؟ ((تَخْرُجْ))، جاءت مجزومة بالسكون؛ لأنها واقعة في جواب الأمر الذي هو (واضمم)، فأخرجها، يقول الله له: ((تَخْرُجْ))، أي: يدك ((بَيْضَاءَ)) من غير تنوين؛ لأنها ممنوعة من الصرف، وقد جاءت مفتوحة؛ لأنها حال، أي: كيف تخرج؟ تخرج بيضاء، وموسى -كما قلت- كان يميل لونه إلى السمرة، وقد جاء في الحديث: (كأنه رجل من أزد شنوءة) وهم يميلون إلى السمرة.
فأخذت يده تبرق نوراً، وجاء هنا احتراز عظيم: ((مِنْ غَيْرِ سُوءٍ))، فليس هذا من مرض أو ما شابهه، وإنما ((مِنْ غَيْرِ سُوءٍ))، لماذا يا رب؟ قال الله له: (آية أخرى)، ولم يقل: أخيرة، بل قال: أخرى، أي: غير الأولى، فالأولى عصا انقلبت حية، والثانية يده تدخل فتخرج بيضاء، (أخرى) أي: أن هناك شيئاً سيأتي، تقول: رجل آخر، فلا يمنع أن يأتي بعده أحد آخر، لكن إذا قلت: أخير أي: أنك انتهيت، فمثلاً عندما تكتب أسئلة لطلابك تقول: السؤال الأول، السؤال الثاني، السؤال الثالث، فإذا أردت أن تنهي فلا تقل: الرابع، بل قل: السؤال الأخير، حتى يفقه من يقرأ أسئلتك أن أسئلتك انتهت، وكذلك قل: الفائدة الأخيرة، الحديث الأخير، وأي شيء تريد أن تختمه صفه بأنه أخير، أي: لا شيء بعده.
فالله جل وعلا قال هنا: ((آيَةً أُخْرَى))، ولم ينهها؛ لأن ثمة آيات ستأتي لهذا النبي الكليم سيخاطب بها من بعث إليه في الأصل وهو فرعون.
قال الله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣]، وقول الله جل وعلا: (من آياتنا) إفهام وإشعار لكليم الله أن آيات أخر كبرى عظاماً سيأتي، وقد أتت، وهي في مجملها تسع: هاتان الآيتان وهما العصا واليد، ثم أتبعها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:١٣٠]، فهاتان اثنتان، فصرن أربعاً، قال الله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، أي: يتبع بعضها بعضاً وليست في آن واحد، فهذه تسع آيات.
стр. 514
تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)
لأي شيء كل هذا الإعداد لموسى، قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤]، (إنه طغى) جملة تبين حال فرعون وليست صفة؛ لأن قواعد النحو تقول: الجمل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات، وفرعون معرفة، فالجملة التي بعده حال تبين وضع فرعون.
لكن قول الله جل وعلا: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ))، هذا تكليف بالرسالة، وليس موسى أول الرسل إلى فرعون، والدليل أن الله قال حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤].
فيوسف أرسل إلى فرعون الذي عاصره، وموسى أرسل إلى فرعون الذي عاصره، وكلاهما من أنبياء بني إسرائيل؛ إذ إن موسى من ذرية يعقوب، ويوسف وأبوه يعقوب كلهم بنو إسرائيل، وقد دخلوا مصر محدودي العدد وخرجوا وهم أكثر من ستمائة ألف كما سيأتي في موضعه.
المقصود: أن الله جل وعلا قال لموسى: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى))، فموسى قبل التكليف، وسأل الله الإعانة، وقدم أربعة رجاءات إلى ربه.
стр. 515
تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري واجعل لي وزيراً من أهلي)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥]، كلمة (رب) مكتوبة من غير ياء، وحتى تستريح من عناء أشياء كفاك الله هم البحث عنها اعلم أنه لا يوجد في القرآن (رب) بصيغة دعاء مناداة موصولة بياء، بل كلها مكونة من حرفين الراء والباء المشددة.
فأول ما سأل الله جل وعلا أن يشرح له صدره لهذا التكليف ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦]، وأن ييسر له الأمر، ولا ييسر العسر إلا الله، ثم قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨].
قوله: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي))، سيأتي الحديث عنها في درس قادم، لكن نتوقف عند قول الله: ((وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي))، فنقول: إن موسى ﵊ معلوم أنه نشأ في قصر فرعون، فلما نشأ كان فرعون على وجل منه؛ لأنه قد سبقته رؤيا أن غلاماً من بني إسرائيل سيكون على يديه هلاك ملكه فكان يتحرز، فلما نشأ موسى رضيعاً نشأ فصيحاً، فخاف منه فأراد أن يقتله، فأرادت زوجته آسية أن تمنعه من ذلك، فبعد أخذ وعطاء بينهما اتفقا على أن يختبر موسى، فقدم له جمر ولؤلؤ، وقيل: جمر وتمر، أو تمر في إناء من ياقوت، وجمر من نار ليختار أحدهما، فذهبت يده إلى التمر أو إلى الياقوت، المهم أنها لم تذهب إلى الجمر، فقيل: إن جبريل جاء ووضع يده على الجمر حتى يكون ذلك سبباً في بقائه، والله جل وعلا يجعل للأشياء أسباباً وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه، فوضع الجمرة في فيه فلذعته، فلما لذعته أصابته هذه الحبسة التي في لسانه والبطء في كلامه، وهذه الحبسة قد عيره بها فرعون كما في آية الزخرف في قول الله عنه: ﴿أم أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، أي: لا يكاد يظهر كلامه ولا يفصح ولا يفقه ماذا يقول، ولذلك هنا لأن مقام الدعوة يحتاج إلى شيء من البيان مع العلم بأمور كثيرة قال موسى: ((وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي))، نقول: إن الله تعالى ذكر على لسان موسى أنه طلب حل عقدة واحدة، قال العلماء في هذا: إن موسى كان يطلب الأمور على قصد ولم يرد أن يظهر أنه فصيح ويشار إليه بالبنان ويذكره بنو جنسه، وإنما أراد ما يكتفي به في أن يبلغ دعوة ربه.
وقد فهم منها العلماء أنه الإنسان أن يقتصد في أمور الدنيا إذا كان مصدراً للإمامة في الدين بالقدر الذي يقيم به حاله، ولا يتجاوز الحد، ثم إن الله جل وعلا ختم هذه السؤالات بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، وسيأتي بيانه في موضعه.
стр. 516
تربية الله تعالى لنبيه موسى ﵇
نعود للقضية كلها في بيان نستطرد في الحديث عن هذه الآيات التي سلفت فنقول في أولها: إن التربية الإلهية لا يعدلها تربية، والنبي ﷺ قد قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، وإذا أراد الله جل وعلا شيئاً هيأ أسبابه، ومن أعظم ما يجعلك تقف على الحق وتثبت عليه علمك اليقيني به.
لكن ينبغي عليك أن تعلم أنك بشر ضعيف، تحتاج إلى ما يقويك، والله جل وعلا قادر على أن يثبت موسى بين يدي فرعون من غير تجربة، لكن موسى لما وقف ذلك الموقف، وانقلبت العصا حية وهو يرى، واليد أدخلت وخرجت بيضاء وهو يرى؛ انتهى من مقام التجربة فآمن هو بقضيته، فلما آمن هو بقضيته واقتنع بقدرته كان يسيراً عليه أن يقف واثقاً من نفسه، متمكناً من قوله، مظهراً لدليله أمام فرعون، ولهذا قال الله عنه في الشعراء: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٣٠]، ذلك الخوف الذي كان موجوداً انتهى، ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء:٣١]، قال الله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء:٣٢ - ٣٣].
فلما ألقى موسى العصا أمام فرعون لم يفر هارباً، رغم أنها انقلبت حية مثل المرة الأولى؛ وذلك لأنه كان يعلم أنها ستنقلب حية، وهناك لغز تقوله العامة -وهو مقبول في مثل هذه المواطن- عند قضية موسى بعد أن انقلبت العصا إلى حية مع السحرة، يقولون: خشبة انقلبت لحمة أكلت لحمة عادت خشبة، وهي وإن كانت باللهجة العامية لكنها صحيحة، فالخشبة: هي عصا موسى، انقلبت لحمة أي: صارت حية، والحية من لحم، أكلت لحمة أي: أكلت العصي التي ألقاها السحرة، عادة خشبة أي: عادت عصا كما كانت، وهذا ربط بألغاز عامة بالقرآن، وهو مقبول؛ لأن المقصود: ربط الناس بآيات الله البينات، وما هذه الأمور إلا وسائل، وأي وسيلة لم ينص الشرع على تحريمها وقربت من الله أو دلت على آياته وعرفت بالقرآن فهي محمودة ما لم ينص الشرع على تحريمها ذاتاً.
نعود فنقول: لأجل هذا ربى الله رسله، فالله يقول في حق خليله إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:٧٥]، لماذا؟ ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]، فكان إبراهيم عارفاً بملكوت السماوات كما علمه الله حتى يثبت أمام الشدائد التي ستأتي.
ونبينا ﷺ غسل قلبه، وملئ إيماناً وحكمة، وجاوز السبع الطباق، وعرج به، ورأى من آيات الله الكبرى، حتى بعد ذلك إذا حدث عن الجنة والنار يحدث عن شيء هو مؤمن به كل الإيمان ويعرفه حق المعرفة.
فمن دعا إلى الله ولم يتسلح بالعلم القلبي والإدراكي لن يكون قادراً على الثبات كغيره، ولو سمع شبهة تشكك في الجنة أو في النار، أو تخبر بعدم قيام البعث، أو أي كلمة يلقيها من يلقيها على عواهنها، فتقع منه موقعاً يجعله يحجم عن الدعوة.
فحتى الذين من الله عليهم بالهداية من خلال موقف إيماني كالذي يرى مصرعاً لأحد، أو يمر على جنازة، أو يرى قبراً فهذا أمر محمود، وهو يكون سبباً في الهداية، لكنه لا يكفي فلا بد أن يسقى ذلك بعلم بالله جل وعلا حتى يحصل الثبات على الدين؛ لأن أثر ذلك الموقف العارض لا يلبث أن ينجلي إن لم يسق برحيق العلم والمعرفة والتفكر في مخلوقات الله، وإذا أراد الله بعبد خيراً ومضياً في الطريق قلَّبه جل وعلا في أمور الدنيا والأحوال، والنوازل والابتلاءات وغيرها، يراها حتى يشتد عوده، ويثبت جنانه، ويصبح على بينة من ربه وهو يدعو إلى الله ﵎.
وهذه العطية هي التي منحها الله ووهبها لأوليائه ورسله، وخاصة منهم أولي العزم، ومنهم كليم الله موسى بن عمران.
стр. 517
ضرورة التجاء العبد إلى ربه واتكاله عليه
من الفوائد: أن الإنسان ضعيف لولا إعانة الله جل وعلا له، وقد ورد في الحديث القدسي: (أن الله جل وعلا قال لموسى: يا موسى! سلني ملح عجينتك، سلني علف دابتك، سلني شسع نعلك).
فلا تدخلن مقاماً، ولا تجلسن على كرسي، ولا تتصدرن في موضع وأنت تظن أنك وصلت إليه بحولك أو قوتك.
فإذا كان كليم الله يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦]، ويسأل الله الإعانة تلو الإعانة، والأمر تلو الأمر؛ فأنت أولى بذلك، لكن المهم ألا تسأله غير الله جل وعلا، وأن تلجأ إلى الله جل وعلا في حاجتك، يقول العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام: والله لن يصلوا إلى شيء بغير الله فكيف يوصل إلى الله بغير الله؟ وهذا من نفائس الكلم، ولا يوفق لقوله أي أحد، لكن العز بن عبد السلام كان -فيما نحسبه- عارفاً بربه، عالماً بالشرع، متدبراً للأمر، مستعيناً برب العزة والجلال فوفق إلى أن تخرج منه هذه الكلمة.
وهذه ما دلت عليه جملة سؤالات الأنبياء وخاصة منهم ما نحن فيه من سؤال كليم الله موسى بن عمران لربه جل وعلا.
стр. 518
الخوف أمر جبلي
مما دلت عليه الآية: أن الخوف جبلي في الإنسان، وأن الإنسان لا يعير بالخوف، وقد قال الله جل وعلا عن موسى في آية أخرى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء:١٢]، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣]، ومع هذا طمأنه الله.
فثمة أمور جبلية تنشأ في بني آدم لا تضر، لكن العبرة فيما استقر عليه القلب، والسكينة أمر محمود، والأمنة من الله شيء عظيم وهبة منه، والله تعالى له جند ينصر جل وعلا حتى بالنعاس بالنوم، والنعاس نصر المؤمنين في بدر، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١].
فالله جل وعلا له جند يعلمهم ولا نعلمهم، لكن المقصود أن من أراد الله الاحتفاء به وإكرامه فيسخر الله له من الجند ما يعلمه وما لا يعلمه -أي: ذلك المؤيد المنصور-.
стр. 519
الأسلوب القرآني في الحوار والإقناع
دلت الآيات كذلك على أن أسلوب الأخذ والعطاء في إقناع الغير أمر محمود، خاصة في التربية، فمن دونك من الطلاب أو الأبناء، أو من تريد إقناعه والوصول به إلى الغايات الذي تريد إيصالها إليه عن طريق الحوار، والأخذ والعطاء، والتساؤلات والبدء بالأشياء المتفق عليها إلى الأشياء المختلف عليها، هذا أمر محمود في الطريقة.
ثم إن إشعار من أمامك بمحبتك وإجلالك له، والانطلاق من أشياء تتفقون عليها؛ من أعظم أسباب قبول ذلك الطرف أو الغير أو المحب الذي تريد أن توصله إلى بر الأمان، فمن أعظم أسباب الوصول إلى قلبه إتباع مثل هذه الطرائق.
стр. 520
الكلام عن (إذا) الفجائية في قوله تعالى: (فإذا هي حية تسعى)
من المعلوم أن موسى ﵊ عندما ألقى العصا كان يعلم أنها عصا، ولم يدر في خلده أنها ستنقلب إلى حية، فيقول النحويون: إن هذه هي (إذا) الفجائية وما بعدها حقه عند جماهيريهم أن يرفع، ولهذا قال الله: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف:١٠٨]، بيضاء: خبر، وقال هنا: ((فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)) [طه:٢٠]، بالضم.
فالقرآن يدل على المذهب النحوي القائل: إن الأصل فيما يأتي بعد إذا الفجائية أن يكون مرفوعاً، وهذه المسألة تسمى المسألة الزنبورية، وذلك أن سيبويه إمام النحاة خرج من البصرة يؤمل مجداً في بغداد، فدخل على يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد، وكانت بغداد آنذاك حاضرة الإسلام، والخلافة فيها موطن الناس، فجاء يؤمل مجداً عظيماً، وكان إمام أهل البصرة بلا منازع، والكسائي إمام أهل الكوفة، فالتقيا - الكسائي وسيبويه - في مجلس يحيى بن خالد البرمكي وعنده ابنه جعفر، فقال الكسائي لـ سيبويه: تسألني أم أسألك، قال: سلني.
فذكر الكسائي هذه المسألة وهي ما يقع بعد إذا وأنه يجوز فيها الوجهان: الرفع والنصب، فمنع سيبويه أن تكون العرب تقولها بالنصب، وأنه ليس لها إلا وجهاً واحداً هو الرفع، والقرآن يؤيده، لكن الكسائي أصر على رأيه، فقال يحيى بن خالد: اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه وجوه الأعراب في الباب اسألهم، فقيل: إن المسألة أصلاً كانت سياسية قبل أن تكون علمية للتنازع ما بين الكوفة والبصرة، والتنازع ما بين الكسائي كشخص مقرب من الوالي وبين سيبويه الذي لم يظهر له بعد قربة عند السلطان.
فوجوه الأعراب مالت إلى قول الكسائي عمداً تريد أن تنصره على خصمه سيبويه، فأشاروا إلى أن الصواب مع الكسائي، فبهت سيبويه، وزاده حنقاً أن الكسائي أخذ يظهر عطفه عليه ويقول لـ يحيى: إنه جاء يأمل منك عطايا فاجبر كسره وارحمه، فجعله ضعيفاً بعد أن كان يعلم أن سيبويه أعظم منه في النحو، فلما قال له ذلك خرج سيبويه من عنده كسيراً من سوء ما لحق به، واستحيا أن يعود إلى البصرة وقد خرج منها إماماً ولحق بفارس ثم مات مغتماً في ريعان شبابه ولم يكن قد جاوز الرابعة والثلاثين من عمره.
ومعلوم أن الحق كان مع سيبويه، لكن السياسة لعبت دورها، والقرآن كله يشهد أن الحق مع سيبويه، وللعلماء في تخريج قول الكسائي خمسة أوجه، وكلها باطلة، وقد بينها أهل النحو، ولا حاجة للتفصيل فيها.
ثم قيض الله للكسائي تلميذاً من تلاميذ سيبويه يقال له: أبو محمد اليزيدي، هذا اليزيدي دخل على الكسائي في مناظرة في مسألة أخرى، وذلك أنه جاء ببيتين من الشعر قالهما في نفس المجلس أمام الكسائي، وقال له: هل تجيز هذا فسأتلو عليك البيتين؟ ومعلوم أن العرب ترفع اسم وتنصب خبرها، وهذا شيء متفق عليه، فليست هذه من مسائل العلم الكبار، بل يعرفها كل واحد، فقال اليزيدي للكسائي: ماذا تقول في قول العرب: ما رأينا خرباً ينقر عنه البيض صقر لا يكون العير مهراً لا يكون المهر مهر ومن المعلوم أن (لا يكون) تكررت مرتين، وهي التي أرادها مزلقاً يقع فيه الكسائي فوقع فيه، فـ الكسائي فهمها بأن اليزيدي يقول: لا يكون العير مهراً لا يكون المهر مهراً، وهذا هو أصلها النصب، واليزيدي نطقها: لا يكون المهر مهر، اليزيدي: قصد لا يكون العير -أي: الحمار- لا يكون العير مهراً لا يكون.
وهنا انتهى الكلام، ثم قال: المهر مهر، وهما مبتدأ وخبر وكلاهما مرفوع، لكن الكسائي قرأها: لا يكون العير مهراً لا يكون المهر مهراً، فوجدها منصوبة، فرد البيتين وقال: لا يكون المهر مهر، هذا خطأ؛ بل أحقها أن تنصب ولا تجوز إلا لضرورة الشعر، وعبر عنها باصطلاح يسمى: الإسراف عند البعض والإقواء عند البعض، عند العروضيين، ففرح اليزيدي فرحاً أن المزلق وقع فيه الكسائي، فصار يعيد عليه ويقول له: انظر، والكسائي مصر، مع أن البيت واضح لا يغيب عن رجل مثل الكسائي، لكن إذا أراد الله شيئاً وقع، فكررها مرتين وثلاثاً وهنا وقع الكسائي في الخطأ، فلما أصر الكسائي على رأيه، وعلم اليزيدي أنه أوقع الكسائي فيما يريد؛ خلع عمامته وقلنسوته وضرب بها الأرض فرحاً، وضرب بيده على صدره وقال: أنا أبو محمد!! يعني: انتصرت، فقال له يحيى بن خالد: والله لخطأ الكسائي مع حسن أدبه أحب إلينا من صوابك مع سوء أدبك، أتتكنى بحضرة أمير المؤمنين وتنزع قلنسوتك من رأسك؟! يعني: أن هذا سوء أدب، لا يفعل أمام أمير المؤمنين، فانقلب الأمر عليه وإن كان منتصراً في الأصل، هذا ما دونه المؤرخون.
وأقول -عفا الله عني-: نصر الله الكسائي بالقرآن، فالذي يظهر لي أن الدور العظيم الذي لعبه الكسائي في حفظ القرآن هو الذي نصره في هذين الموضعين، فنصره الله في المرة الأولى على سيبويه مع أن الحق مع سيبويه من جميع أوجهه، وهذه المرة عندما وقع اليزيدي في سوء الأدب فبقي هو على حشمته ووقاره فكان سبباً في نصرته.
الذي أريد أن يفهم من هذا الاستطراد أمور من أهمها: لا تبدأ أحداً بالأسئلة، دع خصمك هو الذي يبدأ، فإذا غلبت في الرد على خصمك فوق يقولون: حول الجواب إلى سؤال، فينشغل خصمك بالإجابة وتسلم أنت، هذا إذا كنت تريد موارد أهل الدنيا، أما إذا كنت تريد موارد الآخرة فلا تدخلن مجلساً إلا وأنت تريد أن تصل فيه إلى الحق، وقد كان الشافعي رحمة الله تعالى عليه -لكن أين مثل الشافعي؟! - كان يقول: ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه، وحب الشافعي للحق هو الذي أوصله إلى هذه المنزلة العالية من حب المسلمين أو يكاد إجماع المسلمين على حبه.
هذا في الأخذ والعطاء، لكن قد يحصل بين الأنداد عموماً التنازع، ولذلك لا يحبذ أن يجتمع أكثر من طالب علم في مجلس صدارة في مكان واحد حتى لا يقع بينهما تنازع.
فمالك ﵀ على جلالة قدره كان في المدينة مجاوراً لـ محمد بن إسحاق صاحب السيرة، وكل منهما جليل القدر في فنه، عظيم الأثر في علم الأمة، وإن كان مالك نحا إلى علم الحديث وهو أشرف من هذا الوجه.
فيقولون: إن مالكاً كان يقول عن محمد بن إسحاق: إنه دجال من الدجاجلة، وذلك لأجل الروايات التي يقولها في التاريخ، ومحمد بن إسحاق كان يقول: ائتون بالموطأ فأنا بيطاره -يعني: طبيبه- أبين لكم أخطاء مالك في الموطأ، ومعلوم أنه لا يقبل قول مالك في محمد بن إسحاق، ولا يقبل قول محمد بن إسحاق في مالك، لكن يوجد من أهل العلم من من الله عليه ببغية الحق أينما كان، حتى في تعامله مع أنداده وقرنائه يتقي الله جل وعلا فيهم، ولا يمنعنه كونهم أنداداً له ومعاصرين له أن يترفع عليهم، أو أن يقول فيهم بغير وجه حق، لكن هذه منزلة العالية ليس الكل يؤتاها.
стр. 521
طمأنة الله تعالى لموسى ﵇
من فوائد هذه القصة أن الله جل وعلا قال لنبيه: ﴿خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١]، فقول الله جل وعلا: ((وَلا تَخَفْ))، هذا نوع من الاطمئنان أعطاه الله جل وعلا لموسى قبل أن يأخذ العصا، وهذا يعلمك درساً أن الذين تريد أن تربيهم على الحق لا تقطع أملهم في المكافآت، أو لا تظهر تخليك عنهم تماماً وتقول: أنا أريد أن أربيهم، أنا أريد أن يصل إلى الحق بنفسه، بل يحسن أن يكون هناك شيء يسير من الإعانة، كما أعان الله كليمه موسى بقوله: ((خُذْهَا وَلا تَخَفْ))، ولو قال له: خذها من غير أن يقول له: ولا تخف، لأخذها موسى؛ لأن موسى أتقى لله من أن يرد قوله، لكن الله قال له: ((وَلا تَخَفْ)) ففيه نوع من الاطمئنان، ونوع من الإعانة، ومن التيسير في التكليف، ولهذا جاء في دعاء الصالحين: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦].
ثم إن موسى ﵊ -كما سيأتي- طلب أن تكون الوزارة لأخيه هارون؛ لأنه -كما ذكرنا-كانت في موسى حبسة، وهارون كان فصيحاً، فكان الناس في حاجة إلى صرامة موسى وحسن سياسته مع قدرة هارون على التعبير وإيضاح الرأي.
стр. 522
ضرورة التجاء العبد المؤمن إلى الدعاء
وقد ختم الله جل وعلا هذا المقطع بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، وهذه الكلمة الإلهية لهذا العبد الصالح من أعظم ما يفرح به، أن يجيب الله جل وعلا دعاءك وإجابة الدعاء من أعظم العطايا؟ ولهذا قال الله لنبيه ﷺ مقروناً بحرف التحقيق: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، ثم أخبره أن هذه ليست أول منة عليه.
والمراد من هذا أن نقول: إن الدعاء من أعظم ما ينتصر به الإنسان، لكن من المهم أن يكون هذا الدعاء مقروناً بحسن نية، ووالله لن يوجد أحد لديه حسن نية في بغية شيء إلا وأعطاه الله جل وعلا إياه إذا كان يريد بذلك الشيء الذي يبتغيه النصح لله ورسوله، وليس له فيه أو لغيره حظ ولا نصيب.
قبل أيام كان عندي أخ فرنسي الأصل والمولد والمنشأ، له سبع سنوات عندنا في المدينة وهو دائماً يحضر الدروس، هذا الأخ الكريم يقول: نشأ في بيت أبواه ملحدان، حتى النصرانية التي هي ذائعة في فرنسا لا يؤمنان بها، ويبغضان الله، ولا يؤمنان أصلاً بوجوده.
يقول: لما وصلت إلى الثانية عشرة من العمر كنت أسألهما عن الدين فينهراني، فلما أكثر عليهما طلبا منه أن يبحث بنفسه، يقول: فدخلت كنيسة فأعجبني ما فيها، فتنصرت فأصبحت نصرانياً، وكنت أجيد الرياضة، فاشتركت في ناد رياضي اقترنت مشاركتي بهذا النادي مع مسلمين من أصول عربية، قال: كانوا يلعبون الحركات الرياضية على الموسيقى، فإذا انتهوا صلوا.
يقول: فكنت أتعجب من صنيعهم وأنا أبحث عن الحق، ثم تعلمت عنهم الدين فكان ذلك سبباً في إسلامي.
هذا كله ليس بعجيب، فهو يتكرر عليكم مئات المرات، لكن الغرابة أن له جدة تعمل في التنجم، فأتاها وهو صبي قبل أن يسلم في أيام المراهقة فقالت له من خلال تنجيمها: أنت ستجد الحق الذي تبحث عنه.
يقول: فلما هداني الله إلى الإسلام أتيتها وقلت: ألا تذكرين يوم كذا وكذا؟ قالت: نعم، قال: أبشرك لقد عرفت الحق وأن هناك رباً وديناً اسمه: الإسلام، وأخبرها الخبر، فزاد بغضها له، وأخذت تسبه وتلعنه، وتسب الدين الذي انتسب إليه، ثم تركها وجاء يسألني في قضية كيف يبرها باعتبارها جدة له إذا وصل إلى بلاده؟ موضع الشاهد من هذا كله أن الله يقول: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، ومن جملة مشيئة الله في الهداية إلى النور سواء النور العام الذي هو نور الإسلام، أو نور الوصول إلى بعض المعارف والحقائق والغايات أن يكون مرتبطاً بحسن المقصد، ويكون الإنسان همه وبغيته أن يصل بهذا الأمر الذي يبتغيه إلى رضوان الله.
وقد يمكن أن من يبتغي بالأمر الذي ينشده غير الله أن يصل إلى الذي يريده، لكن مثل هذا لا يعد إماماً في الدين؛ لأن الله جل وعلا منع الإمامة في الدين للظالمين، ولا ريب أنه ظالم لنفسه، من أراد بالدنيا غير وجه الله، ومن أراد بالعمل الصالح وبعمل غير وجه الله، والله قد قال لعبده وخليله إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤]، فقال متلهفاً من أجل ذريته: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤]، فحكم الحكم العدل فقال لإبراهيم: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، أي: هذه العطية والعهد والميثاق التي أعطيتك إياها لا ينالها ولا يصيبها ولا يفرح بها ظالم، فلا يسمى إماماً في الدين من ابتغى بعلمه أو بأي أمر آخر أحداً غير الله تعالى.
لكن الإمام في الدين الحق هو من ابتغى بعلمه الله جل وعلا وحده، ولم يستشرف ولم يشرئب عنقه لغير عطايا الرب ﵎، فما أتاه من الدنيا يتحرز منه، وقد تنقل له رؤى ومنامات تحكى عنه، ويمدح، ويقول الناس فيه ما يقولون، وأن الله كتب له القبول وأمثال ذلك، فليأخذها على حذر خوفاً من أن تكون استدراجاً؛ فإن العبد لا يدري بماذا يختم له.
هذا التكليم الذي حدث في سورة طه لموسى جعل بعض العلماء كتسمية اجتهادية لسورة طه يسمونها: سورة الكليم، لكن هذا وقع عند بعض المفسرين، أما الاسم التوقيفي لها فهو: سورة طه.
стр. 523
الحكمة في الإكثار من ذكر قصة موسى في القرآن
موسى ﵊ أكثر الله من ذكر قصته في عدة مواطن، والسبب في ذلك: أنه عالج بني إسرائيل أعظم المعالجة، وهذه المعالجة انقلبت نصحاً في حديث الإسراء والمعراج؛ فإنه قال لنبينا ﷺ : إنني قد بلوت الناس قبلك، وإن أمتك لن يطيقوا ذلك، وهذا النبي ﷺ الكريم واجه أمرين: أمراً في عتو من أرسل إليه وهو فرعون، وأمراً في أن من حوله من بني إسرائيل لم يكونوا يعينونه على دعوته إلى ربه، فما أن نجاه الله من فرعون حتى وجد العناء والعنت من قومه، قالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤].
ومع ذلك صبر على طغيان فرعون، وصبر على عنت قومه وشقائهم وعتوهم معه، حتى ختم الله له جل وعلا ومات في أرض التيه، وبقي عبداً صالحاً حتى وهو في قبره، يقول ﷺ : (مررت ليلة أعرج بي وإذا بموسى قائم يصلي في قبره)، وهذه حياة برزخية الله أعلم بها، لكنها تبين لنا أي مقام كريم لهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 524
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة طه [٣]
لقد من الله تعالى على عبده ورسوله موسى ﵇ بمنن كثيرة وعطايا جسيمة، وما ذاك إلا دلالة على المنزلة العظيمة عند الله تعالى، ومن ذلك استجابة لله تعالى لدعائه، وإعطائه ما أراد، وقبل ذلك ما من الله تعالى به عليه حينما كان صبياً في حجر أمه، من إلقائه في اليم، وأخذ فرعون له وعدم مسه بسوء، ثم رجوعه إلى أمه، وبعد أن صار شاباً ووقع ما وقع من الله عليه بأن جعله يفر إلى مدين ويجد فيها الأمن والاطمئنان وبعد رجوعه منها أرسله الله تعالى إلى فرعون هو وأخاه هارون كي يدعوا فرعون إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له.
стр. 525
دعاء موسى لربه بشرح صدره وتيسير أمره وحل عقدة لسانه
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو أراد أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد توقفنا في الدرس السابق عند قول الله جل وعلا في ذكر ما طلبه موسى ﵊ من ربه بعد أن كلمه الله جل وعلا وأوحى إليه، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٣٢].
هذه السؤالات التي سألها موسى ﵊ ربه، إنما سأله إياها حتى تعينه على الدعوة إلى الله جل وعلا، فبدأ بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥]؛ لأن الإنسان إذا انشرح صدره للأمر الذي يطلبه كان ذلك أشد عوناً له في قضاء تلك الحاجة التي يرومها.
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٦]، ذلك أن الأمر في الأصل أنه حزن صعب إلا أن ييسره الله، ولذلك جاء في الحديث: (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً)، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨]، جاء الفعل (يفقهوا) مجزوماً بحذف النون؛ لأنه واقع في جواب الأمر، فحذفت نونه لأنه من الأفعال الخمسة، والناس في قول الله جل وعلا: (عقدة من لساني) على قولين: والقول الأول: أخذوا بالأثر الموقوف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن سبب تلك العقدة ما كان من اجتراء موسى بين يدي فرعون لما قدم له جمراً وتمراً فأخذ التمر، فقالوا: إن جبريل جاء ونقل يد موسى من التمر إلى الجمر، فحمل موسى الجمر فأثرت في يده كما سيأتي، وأثرت في لسانه، فنجم عن ذلك حبسة جعلت موسى غير فصيح في كلامه؛ ولهذا قال فرعون يسخر من موسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، وموسى قد اعترف بهذا بين يدي ربه بأنه أقل فصاحة من أخيه هارون، قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص:٣٤].
القول الثاني: قالوا: إن شخصية موسى شخصية انفعالية حادة -وهذا قول أكثر المتأخرين- والشخص إذا انفعل وأصبح حاداً تحدث عنده حبسة ويكون كلامه سريعاً غير واضح وغير ظاهر يتفق مع شخصيته، ونقلوا أن الإمام المفسر كان فيه هذا الأمر، وهذا ملحوظ أحياناً عند بعض الناس أنه إذا انفعل يصبح الكلام عنده سريعاً متتابعاً، لا يكاد يفهم، هذا تخريج بعض المتأخرين للعقدة.
وقد حملها: بعضهم على الأثر الموقوف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وبعض العلماء قال برفعه، لكنه بعيد، ورجح ابن كثير رحمه الله تعالى وقفه على ابن عباس، والأظهر -والعلم عند الله- أن ابن عباس ﵄ أخذه من مسلمة أهل الكتاب، وعندما نقول: من مسلمة أهل الكتاب، نقصد أولئك الذين آمنوا بالإسلام، آمنوا بالله ودخلوا في الدين من أهل الكتاب من العلماء، ومن أشهر هؤلاء وفي مقدمتهم كعب الأحبار، كما مر معنا الاستشهاد بأقواله في مواطن عدة.
стр. 526
سؤال موسى ﵇ لربه أن يجعل هارون وزيراً له
ثم قال ﵇ لربه يناجيه ويرجوه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]، كلمة (من أهلي) عامة، ثم خصص وعين فقال: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٣٠]، وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾ [طه:٢٩] كلمة (وزر) في اللغة مادتها الأصلية تعني الثقل، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، والمعنى: لا تتحمل نفس ذنب أخرى ولا ثقلها، فالذنوب وزر؛ لأنها أعظم ما يحمل على الظهر، وفي القديم لم يكن هناك وزراء كثيرون، وإنما الوزير واحد، كما كان هامان وزيراً لفرعون، فكان الوزير في النظام القديم السياسي للدول واحداً للأمير أو للملك أو للسلطان، بحسب مسماه، وهذا الوزير هو الذي يحمل ثقل الإمارة عن الأمير، فلذلك سمي وزيراً، فلا تعارض بين الجذر اللغوي لكلمة (وزر) وبين قول نبي الله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١]، يطلب من الله أن يجعل أخاه هذا مما يشد به الأزر، وسيأتي التفصيل في هذا في خاتمة الدعاء.
قال: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣٢]، الهاء في (أشركه) عائدة على هارون، وقوله: (فِي أَمْرِي)، أي: أمر النبوة والرسالة، فقال العلي الكبير لعبده موسى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، فأضحى هارون ﵇ نبياً رسولاً بشفاعة أخيه موسى؛ ولهذا قالوا: إنه لا يعلم أن أخاً أمن على أخيه من منة موسى على هارون، ولهذا قال الله في نعت كليمه موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، أي: له قربى وزلفى وجاه عند الله، ولهذه الوجاهة التي عند الله أضحى هارون نبيناً ورسولاً، وقد مرت عائشة ﵂ وأرضاها على رجلين في الحج يسأل أحدهما الآخر، قال له: هل تعلم أي أخ أعظم منة على أخيه؟ فقال الآخر لا أدري، فقال الذي سأل: أنا أعلم، إنه موسى بمنته على هارون، فبفضل دعاء موسى أضحى هارون نبينا رسولاً، فقالت عائشة ﵂ معلقة: صدق والله: أي: صدق والله فيما قال: والأخوة منها أخوة الإيمان، ومنها أخوة النسب، ومنها أخوة الصداقة والاتفاق في العيش أو في الذكرى، وأعظمها إذا اجتمعت: أخوة إيمان، وأخوة نسب، وأخوة علاقة أو صداقة أو رفقة أو جيرة أو ما شابه ذلك، أو زمالة، والعرب تقول: إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك والإنسان يحتاج إلى من يكون معه في السراء والضراء، ولا يدخر الإنسان للسراء والضراء أعظم من إخوانه، لكن العرب تقول: إن ذلك الأخ -ويعبرون عنه بالخل الوفي- هو ثالث المستحيلات.
والمستحيلات عند العرب ثلاثة: اثنان منها يتعلق بالدواء، فيقولون: الغول يخوفون به، ولا حقيقة له، والعنقاء طائر يخوفون به، ويتحدثون عن شيء كثير من أساطيره ولا حقيقة له، ولكنهم يجمعون إلى ذلك الخل الوفي، فيقولون: إن ثالث المستحيلات الخل الوفي.
وقد يكونون أصابوا في الأولى، لكنهم أخطئوا في الثانية، فكم من خل وفي موجود، وهذا لا يحتاج إلى شواهد، وأعظمها أخوة الصديق لنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
ثم ذكر موسى ﵇ القضية الأساسية من هذا كله، قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٥]، فذكر الله من أعظم العبادات وأجل الطاعات، قال ﷺ : (سبق المفردون، قالوا: يا رسول الله! ومن المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).
وبعد أن سأل موسى ذلك قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، وهذه منة من الله على موسى، لكنها ليست بأول منة.
стр. 527
منن الله تعالى على موسى منذ صغره حتى صار شاباً
ثم عدد الله جل وعلا أفضاله ومننه وعطاياه على هذا النبي الكريم، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧] أي: بإجابتنا لدعائك مرة أخرى.
وقوله جل وعلا: (مرة أخرى) يدل على أمرين: أولاً: يدل على أن هناك أموراً سابقة، وثانياً: يدل على أن هناك أموراً لاحقة؛ لأنها لو كانت خاتمة المطاف لجاء التعبير القرآني: (ولقد مننا عليك مرة) أخيرة؛ لأن الأخير يعني: الخاتم، لكن الآخر قد يكون بعده آخر غيره، ولكنه خلاف الأول، أما الأخير فهو خاتمة لما سبق.
فقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ﴾ [طه:٣٧] المخاطب هو موسى ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧] أي: سبقت منتنا عليك، وستأتي منن أخرى عليك أيها الكليم، ثم عدد الله ما سبق، وأشار إلى ما سيأتي، فقال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه:٣٧ - ٣٨]، (إذ) ظرف لما مضى من الزمان، كما أن إذا بالألف وظرف لما يستقبل من الزمان، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه:٣٨]، ولم يذكر الله جل وعلا في آية ما الذي أوحاه إلى أم موسى، فأبهمه حتى يفصله بعد قليل، وتصبح الأنفس مشتاقة لسماعه، ومن أساليب القرآن: التفصيل بعد الإجمال.
قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ [طه:٣٨ - ٣٩]، لكن ينبغي أن تعلم أن وحي الله لأم موسى إنما هو إلهام، وليس هو الوحي المعروف الذي هو من خصائص الأنبياء؛ لأن النبوة لا تكون في النساء، وما كانت نبياً قط أنثى.
فقوله: ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى))، أي: ألهمها الله ((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ))، الذي سيقذف هو موسى (في التابوت) أي: في الصندوق، فلم يقل الله لها: أخفيه هنا أو هناك عن أعين حرس فرعون وجنده، وإنما قال الله لها: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه:٣٩]، ومعلوم أن إلقاء طفل رضيع في اليم لم تمر عليه إلا أيام معدودات مظنة هلاكه، لكنه يصبح عين النجاة إذا كان بأمر الله.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان فالإنسان يصبح في قمة الأمان إذا كان محاطاً برعاية الله، والصحابة ﵃ في يوم بدر أنزل الله عليهم النعاس، والنعاس مظنة نصر لهم ﵃ وأرضاهم، مع نبيهم ﷺ .
فالمقصود: أنه كل من خاف من أحد فر منه، إلا من خاف من الله لجأ إليه، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، وقد قذف الله في قلب أم موسى أن تفعل هذا الصنيع، وإلا ففي العقل أنه لا تقوى امرأة على هذا الصنيع؛ لأنه مهما كان أن يبقى موسى بين يديها في بيتها تحت عينيها خير له من أن تلقيه في البحر.
فقذفته في البحر بأمر من الله، وأمر الله البحر كما يدل عليه ظاهر القرآن: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه:٣٩]، أي: البحر، وهو النيل بالاتفاق، ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ﴾ [طه:٣٩] جواب للأمر، فجرى ذلك التابوت بقدر الله، حتى أضحى قريباً من بيت فرعون، أو من قصره، حتى آل به الأمر إلى أن تفتحه زوجة فرعون، قال الله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ﴾ [طه:٣٩]، ما زال الخطاب لموسى، ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩]، وحتى يحيا موسى أجرى الله السبب، والسبب أن الله قذف في قلب من يراه المحبة إلا بعض شواذ خلقه، وأول من ألقى في قلبه محبة موسى آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وهذه المرأة من أربع نساء أثنى عليهن نبينا ﷺ ، وهن: خديجة ومريم وفاطمة وآسية، ثم قال ﷺ : (وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ومن أخطائنا في التعبير اليوم أننا نطلق كلمة (سائر) بمعنى كل، وسائر ليست بمعنى كل، إنما المعنى: بقية، فأنت تقول: نجح فلان وفلان وفلان وأخفق سائر الطلاب، أي: باقي الطلاب، وليست بمعنى كل، فالنبي ﵊ عدد أولاً أربعاً، ثم قال: (وفضل عائشة على سائر النساء) أي: البقية من غير الأربع (كفضل الثريد على سائر الطعام) فالثريد غير داخل في سائر الطعام.
المقصود: أن هذه المرأة قذف الله في قلبها محبة موسى، فهرولت إلى فرعون تقول له: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩]، قيل -والعلم عند الله- أن فرعون قال لها: أما لك فنعم، وأما أنا فليس لي به حاجة، والبلاء موكل بالمنطق، فوقع الذي أراده فرعون، وهذا بيناه في مواطن كثيرة، لكن نقف على آيات السورة.
قال الله جل وعلا: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، أي: تنشأ وتهيأ على رعاية من الله وحفظ وكلأ من رب العزة والجلال؛ لأن الله ادخرك لأمر عظيم.
стр. 528
إعادة الله تعالى لموسى إلى أمه
ثم كرر جل وعلا ظرفاً آخر هو إعادته إلى أمه، قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه:٤٠]، وهذا وقع بعد تحريم المنع، وقد قلنا: إن امتناع موسى من قبول ثدي النساء إنما هو تحريم منع وليس تحريم شرع، قال الله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢].
واستنبط العلماء ﵏ من هذه القضية: أن الإنسان ينبغي عليه أن يأخذ بالأسباب، ووجه هذا الاستنباط: أن الله جل وعلا وعد أم موسى أنه سيرد موسى إليها، فقال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، ومع هذا الوعد الإلهي الرباني إلا أن أم موسى قالت لأخته -أي: أخت موسى-: قصيه، أي: تحسسي خبره، فأخذت بالسبب، فتحسست الخبر، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ [طه:٤٠] تخاطب آل فرعون، (على من يكفله)، وكانوا قد بلغت بهم المشقة مبلغاً من الذي يكفله، وقد امتنع عن النساء، قال الله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠]، وأي حزن سيأتيها وقد أضحى وليدها الذي رمته في اليم بين يديها ترضعه وتأخذ على رضاعته أجراً؟ لأن القضية قضية عناية إلهية لهذا العبد الذي أراد الله أن يكون بعد ذلك كليماً مصطفى ونبياً رسولاً، قال الله جل وعلا يذكر أنه من على هذا الكليم الصالح: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص:١٣]، وهذا الوعد هو الذي قاله الله في سورة القصص: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [طه:٤٠]، وهي قصة قتل موسى للرجل القبطي من أهل مصر، ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه:٤٠] أي: الغم الذي أصابك عندما قتلت تلك النفس، وله صورتان: غم: عند شعورك بالذنب، فقد قال الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦].
وغم: عندما أخبرت أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرجك الله ممن كان يريد قتلك إلى أرض مدين؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]، والأظهر عندي في قول الله: ((وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)) أي: وابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء.
стр. 529
رجوع موسى من مدين بعد فراره إليها
وقال تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠].
قوله: ((فَلَبِثْتَ سِنِينَ))، هذا إبهام لعدد السنين، فلم يحدد الله تعالى عدد السنين، لكن عدد السنين لا يمكن أن يخرج عن ثمان أو عشر، وقد عرفنا أن هذا الإبهام لا يخرج عن ثمان أو عشر من قول العبد الصالح كما حكا الله في سورة القصص عنه أنه قال: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧].
فهنا فسرنا القرآن بالقرآن، فتفسير القرآن بالقرآن أجلى لنا الصورة بنسبة ثمانين في المائة، وهي أن السنين أصبحت محصورة في الثمان والعشر، ثم جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه: (أن النبي ﷺ سأل جبريل: ما الأجل الذي قضاه موسى؟ فقال: أتم أوفى الأجلين)، فعلمنا هنا أن السنين التي أبهمها الله في سورة طه هن عشر سنين، عندما اتخذنا طريقاً علمياً بحتاً متدرجاً كما هو ظاهر.
وكلمة (سنين) تسمى عند النحويين من الملحقات بجمع المذكر السالم، فترفع بالواو، وتنصب وتجر بالياء، وقد يرد
السؤال
لماذا لا يقال لها مباشرة جمع مذكر سالم، مع أنها ترفع بالواو، وتنصب وتجر بالياء؟
و
الجواب
أن جمع المذكر السالم لا تتغير صورة مفرده إذا جمع، فتقول: مدرس مدرسون، مهندس مهندسون، إنما يزاد واو ونون في حالة الرفع، أو يزاد ياء ونون في حالة النصب، لكن كلمة (سنة) إذا جمعت على (سنين) لم يسلم مفردها، بل يتغير؛ ولهذا قال النحويون: إن هذه الكلمة ومثيلاتها تسمى: ملحقات بجمع المذكر السالم.
ومما ورد في القرآن من ملحقات جمع المذكر السالم كلمة (بنون) قال الله جل وعلا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦].
وكلمة (أهلون) قال الله جل وعلا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح:١١]، (أهلون): فاعل مرفوع؛ لأنه معطوف على فاعل، وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
أما في السنة فوردت كلمة أرضين، قال ﵊: (طوق من سبع أرضين) فأرضون ملحقة بجمع المذكر السالم إلا أنها لم ترد في القرآن، وإنما وردت في السنة.
قال الله: ((فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ))، هذه السنين كنت فيها معززاً مكرماً، محفوظاً آمناً من بطش فرعون، ثم قال الله له: ((ثُمَّ جِئْتَ)) إلى أي مكان؟ إلى هذا المكان الذي أنت فيه، الذي تخاطب فيه ربك، ثم جئت من أرض مدين إلى جبل الطور، إلى الوادي المقدس ((عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى))، وأنت تعلم أن كل شيء خلقه الله بقدر، لكن القدر هنا قدر خاص، والمقصود به العناية العظيمة بكليمه موسى، أي: جئت لأمر أعددناه، لم تتأخر عنه ولم تتقدم، ولحكمة أرادها الله جئت في هذا الوقت بالذات لأنبئك وأرسلك وأجعلك كليماً مصطفى على أهل زمانك، ولذلك قال الله له: ﴿يا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤].
وهذا المعنى قد فهمه الشاعر جرير حين قال يمدح عمر بن عبد العزيز: نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر فهذا المعنى قد فقهه جرير، وهو أن هناك معنى خاصاً للقدر وليس هو القدر العام، وإن كان يقيناً يندرج هذا في القدر العام بلا مراء.
وجرير -وهذا من باب الاستطراد النافع- هو أحد الشعراء الأمويين الذين يستشهد بشعرهم، فكون طالب العلم يلجأ إلى شعر جرير فيقرؤه ويبحث عن معانيه ويغوص في أعماقه، هذا مما يعينه على فهم كلام الله، وجرير أعطي قدرة على السحر بالمبنى، لا السحر بالمعنى، فليس في شعره كبير معان، لكن لديه قدرة في السبك بين الأبيات، أو بتعبير أصح: السبك بين الألفاظ، وهذه روح الشعر وحقيقتها، ولا تأتي إلا من الدربة؛ ولهذا يقل هذا الإتقان في شعر العلماء؛ لأن الإتقان والدربة عندهم قليلة، فلو أتيت برجل حافظ للقرآن، متقن للخطابة، فيعني ذلك لزاماً أنه مشغول أكثر وقته بقراءة القرآن والنظر في كتب العلم، وهذا بالضرورة يعني عدم قراءته للشعر كثيراً، فلا يكون هناك سبك جيد وقد يكون أقرب إلى النظم.
لكن إذا كان الإنسان أكثر قراءته في الشعر فستكون عنده معرفة بروح الشعر، ولذلك كل من اشتهر بالشعر، وأصبح إماماً فيه لا يكون إماماً في شيء آخر، من أصبح إماماً في الشعر محال أن يكون إماماً في غيره؛ لأن هذه منزلة يطلب منها التجرد عما غيرها، بخلاف غيره، لكن قد يكون الإنسان ملماً بكل ذلك، كالإمام الشافعي مثلاً، فقد كان إماماً في اللغة، إماماً في القراءات، إماماً في النحو، فجمع فنوناً هو فيهن رئيس وسيد، لكنه لم يكن إماماً في الشعر كـ جرير، والمتنبي، وأبي تمام، والبارودي، وشوقي وغيرهم؛ فهؤلاء لم يفعلوا في الشعر إلا لأنهم قلما يجيدون شيئاً آخر من الناحية الفكرية.
نعود فنقول: إن الرجل سحر الناس بمبانيه ولم يسحرهم بمعانية، ومن ذلك قوله: أتنسى إذ تودعنا سليمى بفرع بشامة سقي البشام فما وجد كوجدك يوم قلنا على ربع بناظرة السلام تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكمو علي إذاً حرام وهذه من حيث المعنى ليس فيها كبير معنى، فإنه يتكلم عن المعشوقة وهو خارج من الديار، فقد أعطته عود البشام، ثم خرج يمر على ديار اسمها ناظرة، أي: مكان اسمه ناظرة؛ ولذلك لم يجر بالكسرة في الأبيات، فيسلم على أهله ويمر، ويعاتب قوماً لم يمروا عليه ويزوروه، وهذا إلى اليوم يجري بين الناس، لكن الله أعطاه سبكاً لفظياً، جعل لشعره صيرورة بين الناس، ومن ذلك قوله: بان الخليط ولو طوعت ما بان وقطعوا من حبال الوصل أقرانا حي المنازل إذ لا نبتغي بدلاً بالدار داراً ولا الجيران جيرانا يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ردي علي فؤادي كالذي كانا لو تعلمين الذي نلقى أويت لنا أو تسمعين إلى ذي العرش شكوانا إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا وحبذا نفحات من يمانية تأتيك من قبل الريان أحيانا فليس في الأبيات كلها كبير معنى، لكنها تجري على اللسان وإذا بدأت بها تعجز أن تقف قبل أن تكملها؛ ولهذا كان شعره يسير بين الناس في البوادي والقرى والمدن كسيران النار في الهشيم؛ لأن القضية قضية سبك لفظي في المقام الأول، وهذا مهم جداً في فهم لغة القرآن؛ لأن أكثر من يخطئ في القرآن من أسباب الخطأ عدم فهم ألفاظ القرآن، وأن المقصود من بعضها المعنى العام وليست الحرفية التي تنظر في قواميس اللغة، هذا استطراد في معنى قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠].
стр. 530
أمر الله تعالى لموسى وهارون بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى الله
ثم أتم الله عليه النعمة، فقال عن هذا الكليم: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وفي الآية السابقة قال: ﴿وََلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، لكن لأي شيء؟ ثم قال: (واصطنعتك لنفسي)، وهذا من أعظم الثناء في القرآن، ومن أعظم الثناء في القرآن ما مر معنا من قول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، وقول الله جل وعلا على لسان خليله إبراهيم: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، فهذه ثلاثة مواطن ظاهر فيها الثناء على هؤلاء الأنبياء الكرام، وأعظمها قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، وهذا عظيم جداً.
قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، ثم انتقل الأمر من تهيئة موسى إلى بعثه، فقال له: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢]، وقرنهما بالأمر الأول: ((وَلا تَنِيَا)) أي: لا تضعفا، من الفعل: ناء، بمعنى: ضعف وعجز ولان، وهذا دليل على أن أعظم ما يعين على تحقيق المطلوب هو الإكثار من ذكر علام الغيوب، اللهج بذكر الله يعين على تحقيق كل مرغوب، ويدفع به كل أمر مرهوب؛ ولهذا قال الله قبل أن يبعثهما وقبل أن يسمي لهما إلى من يذهبان: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٢ - ٤٣]، ولا ريب أن فرعون طغى طغياناً عظيماً، قال تعالى عنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وكل ذنب يندرج بعد ذلك في هذا الأمر، وهذا إجمال من الله في قوله: ((إِنَّهُ طَغَى)).
قال الله: ﴿فَقُولا لَهُ -أي: لفرعون- قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، اللين يكون في الأسلوب لا في المضمون، فإياك أن تفهم أن اللين يكون في مضمون الكلام، إنما اللين يكون في الأسلوب الذي تعرض به خطابك، وهذا يجب أن يدقق فيه الإنسان وهو يقرأ القرآن، فمثلاً: تطبيقه على خبر موسى، الله تعالى أمر موسى وهارون أن يدعوا فرعون إلى التوحيد، وإلى عبادة الله، فلا يعقل أن موسى وهارون فهما من اللين أن يغيرا الدعوة، بأن يشرك مع الله واحد منهما أو هما معاً، أو أنه لا يدعي أنه إله لكن لا يعبد الله هذا غير وارد، لكن اللين في قضية كيف تطرح التوحيد كيف تقول لفرعون: آمن بالله، كيف تخاطبه، هذا هو اللين في الأسلوب، أما المضمون فيبقى هو المضمون ترى رجلاً لا يصلي فتذهب إليه وتنكر عليه إنكاراً عظيماً كونه لا يصلي، لكن كيف تنكر؟ هذا هو اللين الذي أمر الله به، أما المضمون فيبقى كما هو مبجلاً عظيماً نحافظ عليه، كما أن الأسلوب إذا بقي العاصي على ما هو عليه يتغير، والدليل: أن موسى وهارون قطعاً عبدان طائعان لله، والله قال لهما: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا))، ومع ذلك قال الله جل وعلا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وكلمة (يا فرعون مثبوراً) ليس في هذا الأسلوب لين، لكن موسى لجأ إليه بعد أن استنفد مسألة اللين، فلما ثبت فرعون على كفره وإلحاحه وعناده غير موسى أسلوبه ﵊.
قال تعالى: ((لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى))، وقد سبق في علم الله أن فرعون لن يتذكر ولن يخشى، لكن الله أراد أن يعلم من يدعو إليه كيف يدعو ويتدرج في خطابه.
следующие страницы →