(إلا الذين تابوا من بعد ذلك) الارتداد (وأصلحوا) بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة، وفيه دليل على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصاً، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ وقيل ضمّوا إلى التوبة الأعمال الصالحة لأن التوبة وحدها لا تكفي حتى يضاف إليها العمل الصالح، وقيل أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات والطاعات، والأول ألصق بظاهر الآية (فإن الله غفور) لقبائحهم في الدنيا بالستر وقيل بإزالة العذاب (رحيم) في الآخرة بالعفو، وقيل بإعطاء الثواب.
стр. 1017
(إن الذين كفروا) بعيسى (بعد إيمانهم) بموسى (ثم ازدادوا كفراً) بمحمد ﵌، قال قتادة وعطاء الخرساني والحسن: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﵌ بعد إيمانهم بنعته وصفته، ثم ازدادوا بإقامتهم على كفرهم كفراً بمحمد ﵌، وقيل ازدادوا كفراً بالذنوب التي اكتسبوها ورجحه ابن جرير الطبري وجعلها في اليهود خاصة.
стр. 1018
وقيل نزلت في جميع الكفار، وذلك أنهم أشركوا بالله بعد إقرارهم بأن الله خلقهم، ثم ازدادوا كفراً يعني بإقامتهم على الكفر حتى هلكوا، وقيل زيادة كفرهم هو قولهم نتربص بمحمد ﵌ ريب المنون، وقيل نزلت في أحد عشر رجلاً من أصحاب الحارث بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام، فلما رجع الحارث أقاموا على كفرهم بمكة.
وقد استشكل جماعة من المفسرين قوله تعالى (لن تقبل توبتهم) مع كون التوبة مقبولة كما في الآية الأولى وكما في قوله تعالى (هو الذي يقبل التوبة عن عباده) وغير ذلك فقيل المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت، قال النحاس وهذا قول حسن كما قال تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) وبه قال الحسن وقتادة وعطاء والسدي، ومنه حديث: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر (١) ".
وقيل المعنى لن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر أحبطها، وقيل لن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفر إلى كفر آخر، وقال ابن عباس إنهم الذين ارتدوا وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ضمائرهم.
وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، وقال مجاهد: لن تقبل توبتهم إذا ماتوا على الكفر، وقال ابن جرير: هو الازدياد على الكفر بعد الكفر لا يقبل الله منه توبة ما أقام على كفره.
(وأولئك هم الضالون) أي هم الذين ضلوا عن سبيل الحق وأخطئوا منهاجه والمراد هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً، والأولى أن يحمل عدم قبول التوبة في هذه الآية على من مات كافراً غير تائب، فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول التوبة.
(إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) في حكم البيان لها، قال ابن عباس: نزلت فيمن مات من أصحاب الحارث على الكفر، وقيل نزلت فيمن مات كافراً من جميع أصناف الكفار من أهل الكتاب وعبدة الأصنام، فالآية عامة فيهم (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً) الملء بالكسر مقدار ما يملأ الشيء، والملء بالفتح مصدر ملأت الشيء والمعنى مقدار ما يملأ الأرض مشرقها ومغربها ذهباً، مع أنه أعز الأشياء وقيمة كل شيء.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس عن النبي ﵌ قال يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً فيقول نعم فيقال له لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فذلك قوله تعالى (إن الذين كفروا) الآية (١).
(ولو افتدى به) قيل الواو زائدة مقحمة. وقيل الواو للعطف، والمعنى وكذلك لو افتدى من العذاب في الآخرة بملء الأرض ذهباً لن يقبل منه، وهذا آكد في التغليظ لأنه تصريح بنفي القبول في جميع الوجوه، أو المراد بالواو التعميم في الأحوال كأنه قيل لن يقبل منهم في جميع الأحوال ولو في حال افتدائه نفسه في الآخرة.
(أولئك) إشارة إلى من مات على الكفر (لهم) أي استقر لهم (عذاب أليم) مؤلم (وما لهم) أي ما استقر لهم (من ناصرين) يمنعونهم من العذاب، وأتى بناصرين جمعاً لتوافق الفواصل.
стр. 1021
عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم ﵇ أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك، هذا لفظ مسلم (١).
стр. 1022
(لن تنالوا البر) هذا كلام مستأنف خطاب للمؤمنين عقب ذكر ما لا ينفع الكفار، والنيل إدراك الشيء ولحوقه يقال نالني من فلان معروف ينالني أي وصل إلي والنوال العطاء من قولك نولته تنويلاً أي أعطيته.
وقيل هو تناول الشيء باليد يقال نلته أناله نيلاً، قال تعالى (ولا ينالون من عدو نيلاً) وأما النول بالواو فمعناه التناول يقال نلته أنوله أي تناولته وأنلته زيداً أنيله إياه أي ناولته إياه.
والبر فعل الخيرات والعمل الصالح، ففي الآية حذف المضاف أي ثوابه وهو الجنة، وقال ابن مسعود ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون والسدى: هو الجنة.
فمعنى الآية لن تنالوا العمل الصالح أو الجنة، وقيل التقوى وقيل الطاعة، وقيل الثواب، وأصل البر التوسع في فعل الخير، وقد يستعمل في الصدق وحسن الخلق.
وعن النواس بن سمعان قال سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " أخرجه مسلم (١).
والمعنى لن تصلوا ثواب البر المؤدي إلى الجنة (حتى تنفقوا) أي تصدقوا
стр. 1023
وحتى بمعنى إلى (مما تحبون) أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها، ومن تبعيضية؛ وقيل بيانية، وما موصولة أو موصوفة والمراد النفقة في سبل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات، وقيل المراد الزكاة المفروضة.
قال البيضاوي: أي من المال أو مما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيله انتهى وكتعليم العلم.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن أبا طلحة لما نزلت هذه الآية أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن أحب أموالي إليّ بير حاء وأنها صدقة، الحديث وقد روي بألفاظ (١).
وعن ابن عمر لم أجد شيئاً أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية فقلت هي حرة لوجه الله، الحديث أخرجه البزار وعبد بن حميد، وكذلك أعتق عمر جارية من سبي جلولاء، وجاء زيد بن حارثة بفرس له يقال له سبل لم يكن له مال أحب إليه منها فقال هي صدقة (٢).
(وما تنفقوا من شيء) بيان لقوله ما تنفقوا أي ما تنفقوا من أي شيء سواء كان طيباً أو خبيثاً جيداً أو رديئاً فيجازيكم بحسبه، وما شرطية جازمة (فإن الله به عليم) تعليل لجواب الشرط واقع موقعه. وفيه من الترغيب في إنفاق الجيد، والتحذير عن إنفاق الرديء ما لا يخفى.
стр. 1024
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)
(كل الطعام) أي المطعوم (كان حلاً) الحل مصدر يستوي فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث، وهو الحلال كما أن الحرم لغة في الحرام (لبني إسرائيل) هو يعقوب كما تقدم تحقيقه، يعني أن كل المطعومات كانت حلالاً لبني يعقوب لم يحرم عليهم شيء منها (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) مستثنى من اسم كان.
وجوز أبو البقاء أن يكون مستثنى من ضمير مستتر في " حلاً " وفيه قولان (أحدهما) أنه متصل والتقدير إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه فحرّم عليهم في التوراة فليس منها ما زادوه من محرمات وادّعوا صحة ذلك (والثاني) أنه منقطع والتقدير لكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم، والأول هو الصحيح قاله السمين.
أخرج الترمذي وحسّنه عن ابن عباس أن اليهود قالوا للنبي ﷺ أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه قال: كان يسكن البدو فاشتكى عرق النّسا فلم يجد شيئاً يلائمه إلا تحريم الإبل وألبانها فلذلك حرمها قالوا صدقت وذكر الحديث، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي (١).
وفي رواية عنه الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد والكليتان والشحم إلا ما كان على الظهر.
وعرق النسا بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ، قاله الكرخي ودواؤه ما ذكره القرطبي ونصه أخرج الثعلبي في تفسيره من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ في عرق النسا تؤخذ إلية كبش
стр. 1025
عربي لا صغير ولا كبير فتقطع قطعاً صغاراً وتسلأ على النار ويؤخذ دهنها فيجعل ثلاثة أقسام يشرب المريض بذلك الداء على الريق كل يوم ثلثاً.
قال أنس فوصفته لأكثر من مائة كلهم يبرأ بإذن الله تعالى.
وفيه رد على اليهود لما أنكروا ما قصه الله سبحانه على رسوله ﷺ من أن سبب ما حرّمه عليهم هو ظلمهم وبغيهم كما في قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم) الآية وقوله (وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلا قوله، ذلك جزيناهم ببغيهم) وقالوا إنها محرمة على من قبلهم من الأنبياء نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا كما حرمت على من قبلنا، يريدون بذلك تكذيب ما قصه الله سبحانه على نبينا ﷺ في كتابه العزيز.
(من قبل أن تنزّل التوراة) فإنها ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب إسرائيل وذلك بعد إبراهيم بألف سنة ولم يكن على عهده حراماً كما زعموا، وإنما قال " من قبل " لأن بعد نزولها حرم الله عليهم أشياء من أنواع الطعام.
ثم أمر الله سبحانه بأن يحاجّهم بكتابهم ويجعل بينه وبينهم حكماً ما أنزله الله عليهم لا ما أنزل عليه فقال: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها) حتى تعلموا صدق ما قصّه الله في القرآن من أنه لم يحرم على بني إسرائيل شيء من قبل نزول التوراة إلا ما حرمه يعقوب على نفسه (إن كنتم صادقين) في دعواكم أنه تحريم قديم.
روى أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فلم يأتوا بها وخافوا الفضيحة وبهتوا، وفي هذا من الإنصاف للخصوم ما لا يقادر قدره ولا تبلغ مداه، وفيه من الحجة النيرة على صدق النبي وجواز النسخ الذي يجحدونه ما لا يخفى.
(فمن افترى) الافتراء اختلاق الكذب والقذف والإفساد أصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود، وقال البيضاوي: افترى أي ابتدع، والجملة استئنافية أو منصوبة المحل، ومن شرطية أو موصولة (على الله الكذب من بعد ذلك) أي إحضار التوراة وتلاوتها متعلق بافترى، وهذا هو الظاهر أو بالكذب وجوزه أبو البقاء (فأولئك) فيه مراعاة معنى " من " كما في افترى مراعاة لفظها (هم الظالمون) أي المفرطون في الظلم المتبالغون فيه، فإنه لا أظلم ممن حوكم إلى كتابه وما يعتقده شرعاً صحيحاً ثم جادل من بعد ذلك مفترياً على الله الكذب.
ثم لما كان ما يفترونه من الكذب بعد قيام الحجة عليهم بكتابهم باطلاً مدفوعاً، وكان ما قصه الله سبحانه في القرآن وصدّقته التوراة صحيحاً صادقاً، وكان ثبوت هذا الصدق بالبرهان الذي لا يستطيع الخصم دفعه، أمر الله سبحانه نبيه ﵌ بأن ينادي لصدق الله بعد أن سجّل عليهم بالكذب فقال.
стр. 1028
(قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم) أي ملة الإسلام التي أنا عليها (حنيفاً) قد تقدم معنى الحنيف كأنه قال لهم إذا تبين لكم صدقي وصدق ما جئت به فادخلوا في ديني فإن من جملة ما أنزله الله علي (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه).
(وما كان) في أمر من أمور دينه أصلاً وفرعاً (من المشركين) الذين يدعون من الله إله آخر، ويعبدون سواه.
стр. 1029
وفيه تعريض بإشراك اليهود، تصريح بأنه ﷺ ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعاً، والغرض بيان أن النبي ﷺ على دين إبراهيم في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد، والبراءة عن كل معبود قاله الكرخي.
стр. 1030
(إن أول بيت) هذا شروع في بيان شيء آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل، وذلك أنهم قالوا إن بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر، وفي الأرض المقدسة وقبلتهم فرد الله ذلك عليهم، ونبّه تعالى بكونه أول متعبّد على أنه أفضل من غيره - والأول هو الفرد السابق المتقدم على ما سواه، وقيل هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل.
قال علي كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله قبل خلق آدم بألفي عام، ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين، وهذا يقتضي أن الأقصى، بنته الملائكة أيضاً .. وقد اختلف في الباني له في الابتداء فقيل الملائكة، وقيل آدم، وقيل إبراهيم، ويجمع بين ذلك بأن أول من بناه الملائكة ثم جدده آدم ثم إبراهيم.
(وضِع للناس) أي جميعهم كما قال (سواء العاكف فيه والباد) وضعه الله موضعاً للطاعات والعبادات، وقبلة للصلاة ومقصداً للحج والعمرة، ومكاناً للطواف تزداد فيه الخيرات وثواب الحسنات وأجر الطاعات.
(للّذي ببكّة) بكة علم للبلد الحرام وكذا مكة وهما لغتان، فإن العرب تعاقب بين الباء والميم كلازب ولازم، ونبيت ونميت، اسم موضع، وراتب وراتم، وقيل أن بكة اسم لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام، وقيل بكة للمسجد ومكة للحرم كله، قيل سميت بذلك لأنها كانت تبك أي تدق أعناق الجبابرة.
стр. 1031
وأما تسميتها بمكة فقيل سميت بذلك لقلة مائها. وقيل لأنها تمكّ المخ من العظم بما ينال سكانها من المشقة، ومنه مككت العظم إذا أخرجت ما فيه، ومكّ الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتصّه، وقيل سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه، وقيل لأنها تمك الذنوب أي تزيلها وتمحوها.
(مباركاً) يعني ذا بركة، وأصل البركة النمو والزيادة، والبركة هنا كثرة الخير الحاصل لمن استقر فيه أو يقصده أي الثواب المتضاعف. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " أخرجه البخاري ومسلم (١).
(وهدى للعالمين) أي لأنه قبلة للمؤمنين يهتدون به إلى جهة صلاتهم، وقيل لأن فيه دلالة على وجود الصانع المختار لما فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره، وقيل هدى لهم إلى الجنة.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول، قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي قال المسجد الأقصى، قلت كم بينهما قال أربعون سنة (٢).
وعن ابن عمر قال خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، " وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء وكانت الأرض تحته كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته " أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب وابن جرير وابن المنذر.
стр. 1032
فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
(فيه آيات بينات) أي دلالات واضحات على حرمته ومزيد فضله واحترامه، منها الصفا والمروة ومنها أثر القدم في الصخرة الصماء، ومنها أن الغيث إذا كان بناحية الركن اليماني كان الخصب في اليمن؟ وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب في الشام، وإذا عم البيت في جميع البلدان، ومنها انحراف الطيور عن أن تمر على هوائه في جميع الأزمان، ومنها إهلاك من يقصده من الجبابرة؛ ومنها الحجر الأسود والملتزم وزمزم ومشاعر الحج.
ومنها أن الآمر ببناء هذا البيت هو الله الجليل، والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنيانه هو اسمعيل، وهذه فضيلة عظيمة له، وغير ذلك من الآيات، وقد أوضحتها في كتابي (رحلة الصديق إلى البيت العتيق) فليرجع إليه، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
(مقام إبراهيم) يعني الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وكان فيه أثر قدمي إبراهيم فاندرس من كثرة المسح بالأيدي.
وقد استشكل صاحب الكشاف بيان الآيات وهي جمع، بالمقام وهو فرد، وأجاب بأن المقام جعل وحده بمنزله آيات لقوة شأنه أو بأنه مشتمل على آيات، قال ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأن الإثنين نوع من الجمع، وقال ابن عطية والراجح عندي أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالاً لما في حرم الله تعالى من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم.
стр. 1033
(ومن دخله كان آمناً) جمله مستأنفة من حيث اللفظ لبيان حكم من أحكام الحرم وهو أن من دخله كان آمناً، ومن حيث المعنى معطوفة على مقام إبراهيم الذي هو مبتدأ محذوف الخبر أي ومنها أمن داخله، ومن شرطية أو موصولة، وبه استدل من قال أن من لجأ إلى الحرم وقد وجب عليه حد من الحدود فإنه لا يقام عليه حتى لا يخرج منه، وهو قول أبي حنيفة ومن تابعه، وخالفه الجمهور، وقالوا تقام عليه الحدود من الحرم، وبه قال الشافعي.
وقد قال جماعة إن الآية خبر في معنى الأمر أي ومن دخله فأمنوه كقوله: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا.
أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال كان هذا في الجاهلية كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يطلب، فأما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل.
وعن عمر بن الخطاب قال لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وعن ابن عباس من عاذ بالبيت أعاذه البيت ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وروى عنه هذا المعنى من طرق، أخرجه ابن جرير وغيره.
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوى قال قام النبي ﷺ الغد من يوم الفتح فقال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لإمرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي في ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس (١).
стр. 1034
وقيل المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله ﵌ كان آمناً. وقيل من دخله معظماً له متقرباً بذلك إلى الله كان آمناً من العذاب يوم القيامة.
وعن النبي ﵌: من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً (١). وعنه: الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة ذكرهما أبو السعود ولم يخرجهما، وقيل آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك، والأول أولى.
(ولله على الناس حج البيت) اللام في قوله (لله) هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيداً حرف " على " فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل لفلان علي كذا، فذكره الله سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيداً لحقه وتعظيماً لحرمته.
وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد، والمعنى ولله على الناس فرض حج البيت، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله (من استطاع) لأنه من المخصصات عند الأصوليين.
والحج بكسر الحاء وفتحها لغتان سبعيتان في مصدر حج بمعنى قصد، والحج أحد أركان الإسلام، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌ " بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة. وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان " أخرجه البخاري ومسلم (٢)، فعد النبي ﷺ الحج من أركان الإسلام الخمسة.
стр. 1035
وقد ورد في فضله وفضل البيت والعمرة أحاديث منها عن أبي سعيد الخدري قال إن رسول الله ﵌ قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى ". أخرجه الشيخان (١).
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " أخرجه البخاري ومسلم (٢)، وفي الباب أحاديث لا نطيل بذكرها، وقد ذكرنا طرفاً منها في كتابنا رحلة الصديق.
(من استطاع إليه سبيلاً) يعني من وجد السبيل إلى حج البيت الحرام من أهل التكليف لأنه المحدث عنه، وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت.
لكن الأول أولى.
وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي، فقيل الزاد والراحلة، وبه فسره ﷺ ، رواه الحاكم وغيره، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم (٣)، وهو الحق، وقال مالك إن الرجل إذا وثق بقوته لزمه الحج وإن لم يكن له زاد ولا راحلة إذا كان يقدر على الكسب. وبه قال ابن الزبير والشعبي وعكرمة، وقال الضحاك إن كان شاباً قوياً صحيحاً وليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه.
ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولاً أولياً أن تكون الطريق إلى الحج آمنة بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي لا يجد زاداً غيره، أما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة لأن الله سبحانه يقول: (من استطاع إليه سبيلاً) وهذا الخائف على نفسه وماله لم يستطع إليه سبيلاً بلا شك وشبهة.
стр. 1036
وقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ بعض الأموال على وجه لا يجحف بزاد الحاج فقال الشافعي لا يعطي حبة ويسقط عنه فرض الحج، ووافقه جماعة، وخالفه آخرون، والظاهر أن من تمكن من الزاد والراحلة وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من مرورها ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج ولا ينقص من زاده ولا يجحف به فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه، لأنه قد استطاع السبيل بدفع شيء من المال.
ولكنه يكون هذا المال المدفوع في الطريق من جملة ما يتوقف عليه الاستطاعة، فلو وجد الرجل زاداً وراحلة، ولم يجد ما يدفعه لمن يأخذ المكس في الطريق، لم يجب عليه الحج لأنه لم يستطع إليه سبيلاً، وهذا لا بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فإنه قد تعذر المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون.
ولعل وجه قول الشافعي أنه يسقط الحج أن أخذ هذا المكس منكر فلا يجب على الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير مستطيع.
ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه الركوب، فلو كان زمناً بحيث لا يقدر على المشي ولا على الركوب فهذا وإن وجد الزاد والراحلة فهو لم يستطع السبيل.
وقد روي عن النبي ﵌ في تفسير الاستطاعة أنها الزاد والراحلة بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة عند أهل السنن وغيرهم.
وأقل أحوال هذا الحديث أن يكون حسناً لغيره فلا يضره ما وقع الكلام على بعض طرقه كما هو معروف.
وقد ثبت عنه ﵌ النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي
стр. 1037
رحم محرم، واختلفت الأحاديث في قدر المدة، ففي لفظ ثلاثة أيام وفي لفظ يوم وليلة وفي لفظ بريد، وقد ذكر بعض المفسرين ههنا أحكاماً تتعلق بالحج وأطال في ذكرها، ومحلها كتب الفروع فلا نذكرها.
(ومن كفر) " من " شرطية وهو الظاهر أو موصولة قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن ترك الحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه، وقيل المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجباً، وقيل أن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر، وعن ابن عمر: من كفر بالله واليوم الآخر، وعن ابن زيد من كفر بهذه الآيات.
وعن ابن مسعود ومن كفر فلم يؤمن فهو الكافر، وقيل هو الذي إن حج لم يره براً، وإن قعد لم يره إثماً، وقيل نزلت في اليهود وغيرهم من أصحاب الملل. قالوا الحج غير واجب وكفروا به، وعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها، وقيل إنه كلام مستأنف كما تقدم عن ابن عمر.
(فإن الله غني عن العالمين) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم، وبالجملة في قوله هذا من الدلالة على مقت تارك الحج مع الاستطاعة وخذلانه وبعده من الله سبحانه ما يتعاظمه سامعه ويرجف له قلبه، فإن الله سبحانه إنما شرع لعباده هذه الشرائع لنفعهم ومصلحتهم، وهو تعالى شأنه وتقدس سلطانه غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع.
وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زاداً وراحلة ولم يحج فأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﵌ " من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج بيت الله فلا عليه بأن يموت يهودياً أو
نصرانياً (١)؛ وذلك بأن الله يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
стр. 1038
سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
وفي إسناده هلال الخراساني أبو هاشم، قال البخاري منكر الحديث، وقيل هو مجهول، وقال ابن عدي هذا الحديث ليس بمحفوظ، وفي إسناده أيضاً الحارث الأعور وفيه ضعف.
وقد ذكره الشوكاني في الموضوعات ثم قال: وقد حكم ابن الجوزي بضعفه ودفعه الحافظ ابن حجر بما هو معروف.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في كتاب الإيمان وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵌ " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً (١) ".
وأخرج سعيد ابن منصور قال السيوطي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم، ما هم بمسلمين.
وأخرج الإسماعيلي عنه يقول من أطاق ولم يحج فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً، قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده: وهذا إسناد صحيح (٢).
وعن ابن عمر من مات وهو موسر ولم يحج جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب كافر، وعنه من وجد إلى الحج سبيلاً سنة ثم سنة ثم سنة ثم مات ولم يحج لم يصل عليه ولا يدري مات يهودياً أو نصرانياً.
وعن عمر بن الخطاب قال لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة، ومن شاء استيفاء مسائله فليرجع إلى كتابي (رحلة الصديق إلى البيت العتيق).
(قل يا أهل الكتاب) خطاب لليهود والنصارى، وقيل لعلمائهم الذين علموا صحة نبوة محمد ﵌ وتخصيصهم بالخطاب دليل على أن كفرهم أوضح وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما.
(لم تكفرون بآيات الله) الدالة على صدق نبوة محمد ﵌ فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، وقيل المراد بها القرآن، وقيل محمد ﵌، والاستفهام للإنكار والتوبيخ لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب (والله شهيد على ما تعملون) هذه الجملة الحالية مؤكدة للتوبيخ والإنكار؛ وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في " شهيد " يفيد مزيد التشديد والتهويل.
стр. 1041
(قل يا أهل الكتاب) أمر بتوبيخهم بإضلال غيرهم بعد توبيخهم بضلالهم (لم تصدون عن سبيل الله) الاستفهام يفيد ما أفاده الاستفهام الأول وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدهم عن الإسلام، ويقولون إن صفة محمد ليست في كتابنا ولا تقدمت به بشارة، وصد وأصد لغتان بمعنى تغير وأنتن، وسبيل الله دينه الذي ارتضاه لعباده وهو دين الإسلام.
(من آمن) منهم بالفعل أو من أراد الإيمان من الكفار (تبغونهما عوجاً) بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه ميلاً إلى الحق بنفي النسخ وتغيير صفة الرسول عن وجهها وغير ذلك، أي تبغون لأجلها عوجاً، والعوج الميل
стр. 1042
والزيغ، يقال عوج بالكسر إذا كان في الدين والقول والعمل، وبالفتح في الأجسام كالجدار ونحوه، روى ذلك عن أبي عبيدة وغيره.
والمعنى تطلبون لها اعوجاجاً وميلاً عن القصد والإستقامة بإيهامكم على الناس بأنها كذلك تنفيقاً لتحريفكم، وتقويماً لدعاويكم الباطلة، والهاء في تبغونها عائدة على السبيل، والسبيل يذكر ويؤنث، ومن التأنيث هذه الآية وقوله تعالى (هذه سبيلي).
(وأنتم شهداء) جملة حالية أي والحال أنكم عالمون بأن الدين المرضي القيم هو دين الإسلام كما في كتابكم، يعني كيف تطلبون ذلك بملة الإسلام والحال أنكم تشهدون أنها دين الله الذي لا يقبل غيره، وأن فيها نعت محمد ﵌، وقيل المراد وأنتم العقلاء، وقيل المعنى وأنتم شهداء بين أهل دينكم مقبولون عندهم، فكيف تأتون بالباطل الذي يخالف ما أنتم عليه بين أهل دينكم، وقيل وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد ﷺ الدالة على نبوته.
(وما الله بغافل عما تعملون) فيه وعيد شديد وتهديد لهم، وذلك أنهم لما كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل الله والتصديق بمحمد ﵌ بطريق الخفية، ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حيلتهم من إحاطة علمه تعالى بأعمالهم، كما أن كفرهم بآيات الله لما كان بطريق العلانية ختمت الآية السابقة بشهادته تعالى على ما يعملون.
(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) خاطب سبحانه المؤمنين محذراً لهم عن طاعة اليهود والنصارى مبيناً لهم أن تلك الطاعة تفضي إلى أن يردوهم ويصيروهم بعد إيمانهم كافرين، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا بوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة والحرب وسفك الدماء، وفي الآخرة النار.
стр. 1045
(وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) الاستفهام للإنكار والاستبعاد أي من أين يأتيكم ذلك ولديكم ما يمنع منه، ويقطع أثره، وهو تلاوة آيات الله عليكم أي القرآن الذي فيه بيان الحق والباطل، وكون رسول الله ﵌ الذي يبين الحق ويدفع الشبهة بين أظهركم.
وقيل (كيف) كلمة تعجب وتوبيخ والمراد منه المنع والتغليظ، قال قتادة في هذه الآية علمان بينان كتاب الله تعالى ونبيه ﵌، فأما النبي ﷺ فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة.
وقال الزجاج يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد ﷺ خاصة لأن رسول الله ﷺ -كان فيهم وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع
стр. 1046
الأمة لأن آثاره وعلامته والقرآن الذي أوتيه فينا فكأن رسول الله ﷺ فينا وإن لم نشاهده أ- هـ.
ثم أرشدهم إلى الإعتصام بالله ليحصل لهم بذلك الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام فقال.
(ومن يعتصم بالله) أي ممتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته، وقيل بالقرآن، وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة يقال اعتصم به واستعصم وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره، وعصمه الطعام منع الجوع منه، وفيه حث لهم في الإلتجاء إلى الله في دفع شر الكفار عنهم (فقد هدي إلى صراط مستقيم) أي طريق واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة، وفي وصف الصراط بالاستقامة رد على ما ادعوه من العوج.
стр. 1047
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) أي التقوى التي تحق له وهي أن لا يترك العبد شيئاً مما يلزمه فعله، ولا يفعل شيئاً مما يلزمه تركه، ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه.
قال القرطبي ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله ﷺ من يقوى على هذا، وشق عليهم ذلك فأنزل الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) فنسخت هذه الآية روي ذلك عن قتادة والربيع وابن زيد، قال مقاتل وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذا.
وقيل إن قوله اتقوا الله مبين لقوله (فاتقوا الله ما استطعتم) والمعنى اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، قال وهذا أصوب لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى.
قال ابن عباس في الآية هو أن يطاع فلا يعصى؛ ويشكر فلا يكفر ويذكر
стр. 1048
فلا ينسى؟ وقال مجاهد هو أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم. وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم.
قال أنس لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه؛ وقيل (حق تقاته) واجب تقواه وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم؛ وقيل غير ذلك؛ وتقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل اتقوا الله التقاة الحق أي الثابتة.
(ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تكونوا على حال سوى حال الإسلام؛ وجاءت الحال جملة اسمية لأنها ابلغ وآكد؛ ولو قيل إلا مسلمين لم يفد هذا التأكيد.
قال السيوطي في التحبير: من عجيب ما اشتهر في تفسير (مسلمون) قول العوام أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عمدة عليه انتهى.
وقد تقدم في البقرة مثل هذه الآية وهو نهي في الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة، والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بد منه فكأنه قيل دوموا على الإسلام إلى الموت، وقريب منه ما حكى عن سيبويه " لا أرينك ههنا أي لا تكن بالحضرة فيقع عليك رؤيتي ".
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية فقال لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (١).
стр. 1049
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)
(واعتصموا بحبل الله جميعاً) الحبل لفظ مشترك وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل أو استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن.
وقد وردت أحاديث بأن كتاب الله هو حبل الله، وأن القرآن هو حبل الله المتين (١)، قال أبو العالية: بالإخلاص لله وحده. وعن الحسن بطاعته، وعن قتادة بعهده وأمره، وعن ابن زيد بالإسلام.
(ولا تفرقوا) بعد الإسلام كما تفرقت اليهود والنصارى أو كما كنتم في الجاهلية متدابرين. وقيل لا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الإجتماع، والمعنى نهاهم عن التفرق الناشىء عن الاختلاف في الدين، وعن الفرقة، لأن كل ذلك عادة أهل الجاهلية.
(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً) أمرهم بأن يذكروا نعمة الله عليهم؛ لأن الشكر على الفعل أبلغ من الشكر على أثره، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام وهو أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخواناً في الدين، والولاية، ومعنى أصبحتم صرتم وليس المراد به معناه الأصلي وهو الدخول في وقت الصباح.
стр. 1050
وعن ابن جريج في الآية قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة، قال ابن عباس كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام وأطفأ الله ذلك وألف بينهم.
(وكنتم) يا معشر الأوس والخزرج (على شفا) طرف (حفرة من النار) يعني ليس بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا على كفركم، ففي الكلام تشبيه، وشفا كل شيء حرفه وهو مقصور من ذوات الواو وجمعه أشفاء ويثنى بالواو نحو شفوان، ويستعمل مضافاً إلى أعلا الشيء وأسفله، فمن الأول شفا جرف، ومن الثاني هذه الآية، وأشفى على كذا أي قاربه، ومنه أشفى المريض على الموت.
قال يعقوب: يقال للرجل عند موته، وللقمر عند انمحاقه، وللشمس عند غروبها ما بقي منه أو منها إلا شفا أي إلا قليل.
(فأنقذكم منها) أي من هذه الحفرة بالإسلام، وهو تمثيل للحالة التي كانوا عليها في الجاهلية، قال السدي: يقول كنتم على طرف النار من مات منكم وقع في النار، فبعث الله محمداً ﵌ واستنقذكم به من تلك الحفرة، وقيل منها أي من الشفا لأنه المحدث عنه، وتأنيث الضمير لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه.
(كذلك) إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي مثل ذلك البيان البليغ (يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) إرشاد لهم إلى الثبات على الهدى والإزدياد منه.
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) كلمة " من " للتبعيض وقيل لبيان الجنس، وقيل للتبيين، وقيل زائدة ورجح القرطبي الأول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفاً، وما ينهون عنه منكراً، وقد عينهم الله سبحانه بقوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) الآية.
وروى ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر عنه ﵌ الخير اتباع القرآن وسنتي.
وعن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام، والنهي عن المنكر، فهو عبادة الأوثان والشيطان انتهى، وهو تخصيص بغير مخصص، فليس في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يدل على ذلك.
وقال مقاتل بن حيان يدعون إلى الإسلام، ويأمرون بطاعة ربهم، وينهون عن معصية ربهم، وعن الضحاك في الآية قال هم أصحاب محمد ﵌ خاصة وهم الرواة انتهى.
ولا أدري ما وجه هذا التخصيص، فالخطاب في هذه الآية كالخطاب بسائر الأمور التي شرعها الله لعباده وكلفهم بها.
وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم
стр. 1053
من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها.
(ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) هذا من باب عطف الخاص على العام إظهاراً لشرفهما وإنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله به عباده بالدعاء إليه، كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وحذف متعلق الأفعال الثلاثة أي يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم أي كل من وقع منه سب يقتضي ذلك، والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه، والمنكر ضد ذلك، وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه.
(وأولئك) إشارة إلى الأمة باعتبار اتصافها بما ذكر بعدها (هم المفلحون) أي المختصون بالفلاح الكاملون فيه الفائزون، وتعريف المفلحين للعهد أو للحقيقة التي يعرفها كل أحد.
стр. 1054
(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) هم اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين فقد تفرق كل منهما فرقاً، واختلف كل منهما باستخراج التأويلات الزائغة وكتم الآيات النافعة وتحريفها لما أخلدوا إليه من حطام الدنيا، وقيل هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل الحرورية، والظاهر الأول.
وقيل وهذا النهي عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث. وفيه نظر، فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً، وتخصيص بعض المسائل بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل الشرعيه متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع.
أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت
стр. 1055
النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاوية مرفوعاً نحوه، وزاد: كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وأخرج الحاكم عن ابن عمر مرفوعاً نحوه أيضاً وزاد: كلهم في النار إلا ملة واحدة فقيل له ما الواحدة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي (١).
وأخرج ابن ماجة عن عوف بن مالك مرفوعاً نحوه وفيه فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله فمن هم قال الجماعة، وأخرجه أحمد من حديث أنس، وفيه قيل يا رسول الله من تلك الفرقة قال الجماعة.
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة والنهي عن الفرقة.
(من بعد ما جاءهم البينات) يعني الحجج الواضحات المبينات للحق الموجبات لعدم الاختلاف والفرقة فعلموها ثم خالفوها، ولم يقل (جاءتهم) لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل في التقديم تشبيهاً بعلامة التثنية والجمع (وأولئك لهم) أي لهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا (عذاب عظيم) في الآخرة، فيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرق والاختلاف.
عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من " عنقه " أخرجه أبو داود (٢)، وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: " من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الإثنين أبعد "، رواه البغوي بسنده.