(ولكن كذب وتولى) أي كذب بالرسول وبما جاء به، وتولى عن الطاعة والإيمان، ولم يستدرك على نفي الصلاة لأنه لا يصدق إلا بصورة واحدة فلم يحتج للإستدراك عليه.
стр. 10957
(ثم ذهب إلى أهله يتمطى) أي يتبختر ويختال في مشيه افتخاراً بذلك، وقيل هو مأخوذ من المطا، وهو الظهر والمعنى يلوي مطاه وقيل أصله يتمطط وهو التمدد والتثاقل أي يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق.
قال الإمام هذا ذكر لما يتعلق بدنياه بعد ذكر ما يتعلق بدينه، وثم للاستبعاد لأن من صدر عنه مثل ذلك ينبغي أن يخاف من حلول غضب الله به فيمشي خائفاً منه متطامناً لا فرحاً متبختراً، ذكره الشهاب.
(أولى لك) فيه التفات عن الغيبة، والكلمة اسم فعل مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما يفهم من السياق وهو كون هذه الكلمة تستعمل في الدعاء بالمكروه، واللام مزيدة والمعنى وليك ما تكرهه (فأولى) أي فهو أولى بك من غيرك، فدلت الأولى على الدعاء عليه بقرب المكروه منه، ودلت الثانية على الدعاء عليه بأن يكون أقرب إليه من غيره، هذا ما سلكه الجلال المحلي في تقرير هذا المقام وانفرد به عن غيره من المفسرين وهو حسن جداً.
стр. 10960
(ثم أولى لك فأولى) الأولى تأكيد للأولى والثانية تأكيد للثانية، وقيل أي وليك الويل وأصله أولاك الله ما تكرهه واللام مزيدة كما في ردف لكم، وهذا تهديد شديد ووعيد بعد وعيد، والتكرير للتأكيد أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة.
قال الواحدي قال المفسرون: " أخذ رسول الله ﷺ ، بيد أبي جهل فقال أولى لك فأولى فقال أبو جهل بأي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاًً وإني لأعز أهل هذا الوادي " فنزلت هذه الآية، وقيل معناه الويل لك وعلى هذا القول قيل هو من القلوب، كأنه قيل أويل لك ثم أخر الحرف المعتل، قيل ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات الويل لك حياً والويل لك ميتاً والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل
стр. 10961
النار، وقيل المعنى أن الذم لك أولى لك من تركه، وقيل المعنى أنت أولى وأحق وأجدر بهذا العذاب قاله محي السنة، وقال الأصمعي أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك، قال المبرد كأنه يقول قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من الولي وهو القرب.
قال ثعلب: لم يقل أحد في (أولى) أحسن وأصح مما قاله الأصمعي، وعن سعيد بن جبير قال: " سألت ابن عباس عن قوله أولى لك فأولى أشيء قاله رسول الله ﷺ ، لأبي جهل من قبل نفسه أم أمره الله به قال بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله الله " أخرجه النسائي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم.
стр. 10962
(أيحسب الإنسان أن يترك سدى) أي مهملاً لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا يعاقب ولا يكلف في الدنيا ولا يبعث ولا يجازى، وقال السدي معناه المهمل ومنه إبل سدى أي ترعى بلا راع، وقيل المعنى أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبداً لا يبعث، وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر، والدلالة عليه من حيث أن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح، والتكليف لا يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة.
стр. 10963
(ألم يك نطفة من مني يمنى) مستأنفة أي ألم يك ذلك الإنسان قطرة من مني تراق وتصب في الرحم، وسمي المني منياً لإراقته، والنطفة الماء القليل، يقال نطف الماء إذا قطر، قرأ الجمهور ألم يك بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإِنسان، وقرأ الحسن بالفوقية على الالتفات إليه توبيخاً له، وقرأ الجمهور تمنى أيضاًً بالفوقية على أن الضمير للنطفة، وقرىء بالتحتية على أن
стр. 10964
الضمير للمني، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو واختارها أبو حاتم وفائدته بعد قوله (من مني) الإشارة إلى حقارة حاله كأنه قيل إنه مخلوق من مني الذي يجري على مخرج النجاسة.
стр. 10965
(ثم كان علقة) أي كان بعد النطفة دماً أحمر شديد الحمرة (فخلق) أي فقدر الله منها الإنسان بأن جعلها مضغة مخلقه (فسوى) أي فعدله وكمل نشأته ونفخ فيه الروح وجعله بشراً سوياً
стр. 10966
(فجعل منه) أي حصل من الإنسان وقيل من المني (الزوجين) أي الصنفين من نوع الإنسان، قال الكرخي أي لا خصوص الفردين وإلا فقد تحمل المرأة بذكرين وأنثى وبالعكس، ثم بين ذلك فقال (الذكر والأنثى) أي الرجل والمرأة يجتمعان تارة وينفرد كل منهما عن الآخر أخرى.
стр. 10967
(أليس ذلك) الفعال الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه (بقادر على أن يحيي الموتى) أي يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا، فإن الإعادة أهون من الإِبداء وأيسر مؤنة منه، قرأ الجمهور بقادر، وقرأ زيد بن علي (يقدر) فعلاً مضارعاً، وقرأ الجمهور أيضاًً يحيى بنصبه بأن، وقرىء بسكونها تخفيفاً أو على إجراء الوصل مجرى الوقف كما مر في مواضع.
عن صالح أبي الخليل قال " كان رسول الله ﷺ ، إذا قرأ هذه الآية قال سبحانك اللهم وبلى " (١)، أخرجه عبد بن حميد وابن الأنباري.
стр. 10968
وعن البراء بن عازب قال " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﵌، سبحانك ربي وبلى " أخرجه ابن مردويه.
وعن أبي أمامة أنه " سمع رسول الله ﵌ يقول عند قراءته لهذه الآية بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " أخرجه ابن النجار في تاريخه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها أليس الله بأحكم الحاكمين، فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) فليقل بلى، ومن قرأ والمرسلات عرفاً فبلغ فبأي حديث بعد يؤمنون، فليقل آمنا بالله "، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وفي إسناده رجل مجهول.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: " إذا قرأت لا أقسم بيوم القيامة فبلغت أليس ذلك بقادر إلى آخرها فقل بلى " أخرجه ابن المنذر وابن مردويه.
قال ابن عباس من قرأ سبح اسم ربك الأعلى إماماً كان أو غيره فليقل سبحان ربي الأعلى، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة إلى آخرها فليقل سبحانك اللهم بلى، إماماً كان أو غيره، ذكره الخطيب.
قال الحفناوي: قوله إماماً كان أو غيره يقتضي أن هذه الكلمة وهي (بلى) لا تبطل الصلاة وهو كذلك لأنها ذكر وتقديس وتنزيه لله تعالى.
стр. 10969
سورة الإنسان
(وتسمى سورة هل أتى وسورة الأمشاج وسورة الدهر وهي إحدى وثلاثون آية)
قال الجمهور هي مدنية، وقال مقاتل والكلبي: هي مكيّة، وجرى عليه البيضاوي والزمخشري، وقال المحلي: مكيّة أو مدنية ولم يجزم بشيء قال ابن عباس: نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله، وقيل فيها مكي من قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) إلى آخر السورة وما قبله مدني وقال الحسن وعكرمة هي مدنية إلا آية وهي (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) -إلى قوله- (كَفُورًا) وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ " سل واستفهم " فقال يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به أني كائن معك في الجنة قال: " نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام " ثم قال " من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله ومن قال سبحان الله وبحمد كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة، ونزلت هذه السورة إلى قوله: (وَمُلْكًا كَبِيرًا) " فقال الحبشي وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة قال: " نعم "، فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر فلقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيده ".
стр. 10970
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال حدثني الثقة أن رجلاً أسود كان يسأل رسول الله ﷺ عن التسبيح والتهليل فقال له عمر بن الخطاب أكثرت على رسول الله ﷺ فقال: " مه يا عمر "، وأنزلت على رسول الله ﵌ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) حتى إذا أتى علي ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي ﵌ " مات شوقاً إلى الجنة " وأخرج نحوه ابن وهب عن ابن زيد مرفوعاً مرسلاً.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وغيرهم عن أبي ذر قال قرأ رسول الله ﷺ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) حتى ختمها ثم قال: " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله، والله وتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله " (١).
(هل أتى) حكى الواحدي عن المفسرين وأهل المعاني أن هل هنا بمعنى قد، وليس باستفهام لأن الاستفهام محال على الله تعالى، وقد قال بهذا سيبويه والكسائي والفراء وأبو عبيدة، قال الفراء (هل) يكون جحداً ويكون خبراً فهذا من الخبر، لأنك تقول هل أعطيتك تقرره بأنك أعطيته والجحد أن تقول هل يقدر أحد على مثل هذا، وقيل هي وإن كانت بمعنى قد ففيها معنى الاستفهام، والأصل أهل أتى، فالمعنى أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب وبه قال مكي وهو تقرير لمن أنكر البعث أن يقول نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، قال السمين: جعلها للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون لأن الاستفهام لا يرد من الله إلا على هذا النحو وما أشبهه انتهى والأول أنسب.
(على الإنسان) المراد بالإنسان هنا آدم قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي وغيرهم وقال ابن عباس كل إنسان (حين من الدهر) أي طائفة محدودة من الزمان الممتد غير المحدود، فإنه عند الجمهور يقع على مدة العالم جميعها، وعلى كل زمان طويل غير معين قيل أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، وقيل إنه خلق من طين أربعين سنة ثم من حمأ مسنون أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح، وقيل الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره.
وجملة (لم يكن شيئاًً مذكوراً) في محل نصب على الحال من الإنسان
стр. 10973
أو في محل رفع صفة لحين، قال الفراء وقطرب وثعلب المعنى أنه كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يذكر في السماء ولا في الأرض ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما المراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً، وقال يحيى: لم يكن شيئاًً مذكوراً في الخلق وإن كان عند الله شيئاًً مذكوراً، وقيل ليس المراد بالذكر هنا الإخبار فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف كما في قوله (وإنه لذكر لك ولقومك) قال القشيري ما كان مذكوراً لله سبحانه.
قال الفراء: كان شيئاًً ولم يكن مذكوراً، فجعل النفي متوجهاً إلى القيد وقيل المعنى قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئاًً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة.
وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره هل أتى حين من الدهر على الإنسان لم يكن شيئاًً مذكوراً لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيوان، وعن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية لم يكن شيئاً مذكوراً فقال عمر ليتها تمت، يعني ليته بقي على ما كان عليه، ويروى نحوه عن أبي بكر وابن مسعود، وقيل المراد بالإنسان جنس الإنسان وهو بنو آدم بدليل قوله:
стр. 10974
(إنا خلقنا الإنسان من نطفة) فإن المراد بالإنسان هنا بنو آدم، قال القرطبي من غير خلاف، والنطفة الماء الذي يقطر، وهو المني وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وجمعها نطف أي خلقناه من مادة هي شيء يسير جداً من الرجل والمرأة، والنطفة ماء الرجل والمرأة وأيضاًً الماء الصافي قل أو كثر، ولا فعل للنطفة أي لا يستعمل لها فعل من لفظها.
(أمشاج) صفة لنطفة وهي جمع مشج بفتحتين أو مشج كعدل وأعدال أو مشيج كشريف وأشراف وهي الأخلاط، ووقع الجمع صفة لمفرد لأنه في معنى الجمع أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فاعتبر ذلك فوصف بالجمع والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما يقال مشج هذا بهذا فهو
стр. 10975
ممشوج أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط.
قال المبرد مشج يمشج إذا اختلط وهو هنا اختلاط النطفة بالدم، قال الفراء أمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة، ويقال مشج هذا إذا خلط، وقيل الأمشاج الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة.
قال القرطبي: وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، قيل وما كان من عصب وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة، حتى لو زنت المرأة بامرأة واجتمع الماءآن في رحم إحداهما خلق الولد بلا عظم، وقد وقع ذلك في عصر السلطان غياث الدين فلم يدر السلطان، فجمع الأطباء والعلماء فلم يدركوا شيئاًً من شأنه فأرسل الاستفتاء إلى علماء ظفر أباد فقال محمد بن الحاج إنه خلق من ماء امرأتين فتفحص السلطان فظهر أنه كذلك، وقيل الأمشاج أطوار الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يكسوه لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر.
قال ابن السكيت: الأمشاج الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة، وقيل الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد هذا وقوعه نعتاً للنطفة، قال ابن مسعود: أمشاجها عروقها، وعن ابن عباس: قال ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان، وعنه قال: نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء، وعنه قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار، ومنه يكون الولد.
وجملة (نبتليه) في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا أي مريدين ابتلاءه حين تأهله ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان، والمعنى نبتليه بالخير والشر والتكاليف قال الفراء معناه والله أعلم (فجعلناه سميعاً بصيراً) نبتليه وهي مقدمة معناها التأخير، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وعلى هذا هذه حال مقدرة وقيل مقارنة.
стр. 10976
وقال الكرخي: لا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير مع صحة المعنى بدونه، وقيل معنى الابتلاء نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة والأول أولى، والمراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها قال الخطيب أي جعلناه عظيم السمع والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره، وسماع الآيات بسمعه ومعرفة الحجج ببصيرته فيصح تكليفه وابتلاؤه، وقدم السمع لأنه أنفع في المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية وقيل المراد بالسميع المطيع كقولهم سمعاً وطاعة، وبالبصير العالم يقال لفلان بصر في هذا الأمر أي علم، والأول أولى.
ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء فقال:
стр. 10977
(إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر بأدلة السمع والعقل، كما في قوله (وهديناه النجدين) قال مجاهد: أي بينا السبيل إلى الشقاوة وإلى السعادة، وقال الضحاك والسدي وأبو صالح: السبيل هنا خروجه من الرحم، وقيل منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب شاكراً وكفوراً على الحال من مفعول هديناه أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعاً، وقيل على الحال من السبيل على المجاز أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً (١).
وحكى مكي عن الكوفيين إن قوله إما هي إن الشرطية زيدت بعدها ما أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر، واختار هذا الفراء ولا يجيزه البصريون لأن (إن) الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع شاكراً وكفوراً، ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكراً وكفوراً وتقديره إن خلقناه شاكراً فشكوراً؛ وإن خلقناه كافراً
стр. 10978
فكفوراً، وهذا على قراءة الجمهور (إمّا) بكسر الهمزة وقرأ أبو السماك وأبو العجاج بفتحها وعلى الفتح هي (أمّا) العاطفة في لغة بعض العرب أو هي التفصيلية وجوابها مقدرة وقيل انتصب شاكراً وكفوراً بإضمار كان والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
ولما كان الشكر قل من يتصف به قال شاكراً، ولما كان الكفر كثيراً من يتصف به ويكثر وقوعه عن الإنسان بخلاف الشكر قال كفوراً بصيغة المبالغة، كذا في النهر أو هو مراعاة لرؤوس الآي.
ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال:
стр. 10979
(إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً) قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر (سلاسلاً) بالتنوين ووقف قنبل عن ابن كثير وحمزة بغير ألف، والباقون وقفوا بالألف، ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كونه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو إما شاكراً وإما كفوراً، وما بعده وهو أغلالاً وسعيراً منون أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب.
قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصوف لعارض فيها، قال الفراء هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه، وقيل إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف، وقيل إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف.
والسلاسل قد تقدم تفسيرها، والخلاف فيها هل هي القيود أو ما يجعل في الأعناق كما في قول الشاعر:
ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
والسلاسل جمع سلسلة أي يشدون ويسحبون بها في النار، والأغلال جمع غل تغل به الأيدي إلى الأعناق، وقد تقدم تفسير السعير وهي نار مهيجة يعذبون بها.
стр. 10980
ولما أوجز في جزاء الكافرين ذكر ما أعده للشاكرين وأطنب تأكيداً للترغيب فقال:
стр. 10981
(إن الأبرار يشربون من كأس) الأبراز أهل الطاعة والإخلاص والصدق جمع بر أو بار، قال في الصحاح: جمع البر الأبرار، وجمع البار البررة، وفلان يبر خالقه ويبرره أي يطيعه، وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر، وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر، وقيل هم الصادقون في إيمانهم المطيعون لربهم الذين سمت همتهم عن المحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، وقيل سماهم الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأساً، بل هو إناء، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني وغير ذلك، وقد كانت كؤوس العرب من أجناس مختلفة، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر كما في قول الشاعر:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
(كان مزاجها كافوراً) أي ما يخالطها وتمزج به، يقال مزجه يمزجه مزجاً أي خلطه يخلطه خلطاً ومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الإخلاط، والكافور قيل هو اسم عين في الجنة يقال لها الكافور أي تمزج خمر الجنة بماء هذه العين، وقال قتادة ومجاهد: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك، وقال عكرمة: مزاجها طعمها، وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها، وقيل إنما أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب كما في قوله (حتى إذا جعله ناراً) أي كنار، وقال ابن كيسان: طيبها المسك والكافور والزنجبيل، وقال مقاتل: ليس هو كافور الدنيا وإنما سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب.
والجملة في محل جر صفة لكأس، وقيل إن " كان " ههنا زائدة أي من كأس مزاجها كافور، وقرأ عبد الله قافوراً بالقاف بدل الكاف، قال السمين وهذا من التعاقب بين الحرفين.
(عيناً) بدل من كافور لأن ماءها في بياض الكافور، وقال مكي إنها بدل من محل من كأس على حذف مضاف كأنه قيل يشربون خمراً خمر عين، وقيل إنها منتصبة على أنها مفعول يشربون أي عيناً من كأس، وقيل هي منتصبة على الاختصاص، قاله الأخفش وقيل بإضمار فعل يفسره ما بعده أي يشربون عيناً، وذكر السمين في نصبها وجوهاً والأول أولى.
(يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) أي أولياؤه أو المؤمنون، والجملة صفة لعيناً، وقيل الباء في بها زائدة ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة يشربها، وقيل بمعنى (من) قاله الزجاج، وقيل إن يشرب مضمن معنى يلتذ وقيل هي متعلقة بيشرب والضمير يعود على الكأس، وقيل إنها حالية أي ممزوجة بها، وقال الفراء يشربها ويشرب بها سواء في المعنى وكأن يشرب بها يروى بها وينتفع.
(يفجرونها تفجيراً) أي يجرونها إلى حيث يريدون وينتفعون بها كما يشاؤون ويتبعهم ماؤها إلا كل مكان يريدون وصوله إليه، فهم يشقونها شقاً كما يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا، قال مجاهد: يقودونها حيث شاؤوا وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم أي فهي سهلة لا تمتنع عليهم، والجملة صفة أخرى لعيناً.
وجملة
стр. 10984
(يوفون بالنذر) مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف عليها، ومعنى النذر في اللغة الإيجاب، والمعنى يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات، قال قتادة ومجاهد: يوفون بطاعة الله من
стр. 10985
الصلاة والحج ونحوهما، وفيه مبالغة في وصفهم بالتوفيق على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجب الله عليه أوفى.
وقال عكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى يوفون بما أوجبوه على أنفسهم (١).
قال الفراء: في الكلام إضمار أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا، وقال الكلبي: يوفون بالنذر أي يتممون العهود لقوله تعالى (وأوفوا بعهد الله) وقوله: (أوفوا بالعقود) أمروا بالوفاء بهما لأنهم عقدوهما على أنفسهم باعتقادهم الإيمان، والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص.
(ويخافون يوماً كان شره مستطيراً) المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شره فشوه وانتشاره غاية الانتشار، يقال استطار يستطير فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، والعرب تقول استطار الصدع في القارورة والزجاجة إذا امتد ويقال استطار الحريق إذا انتشر، وهو أبلغ من طار، قال الفراء: المستطير المستطيل، قال قتادة استطار شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض.
قال مقاتل كان شره فاشياً في السموات فانشقت وتناثرت الكواكب وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت
стр. 10986
المياه، وفي الآية إشارة لحسن عقيدتهم واجتنابهم المعاصي.
стр. 10987
(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) أي يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام مع حبه لديهم وقلته عندهم، قال مجاهد على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له، فقوله (على حبه) في محل نصب على الحال أي كائنين على حبه ومثله قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقيل على حب الإطعام لرغبتهم في الخير قال الفضيل بن عياض على حب إطعام الطعام، وقيل الضمير يرجع إلى الله أي يطعمون إطعاماً كائناً على حب الله، ويؤيد هذا قوله الآتي
стр. 10988
(إنما نطعمكم لوجه الله) والأول أمدح لأن فيه الإيثار على النفس، والطعام محبوب للفقراء والأغنياء، والمسكين ذو المسكنة وهو الفقير أو من هو أفقر من الفقير، والمراد باليتيم يتامى المسلمين. والأسير الذي يؤسر فيحبس، قال قتادة ومجاهد الأسير المحبوس، وقال عكرمة الأسير العبد، وقال أبو حمزة الثمالي الأسير المرأة.
قال سعيد بن جبير: نسخ هذا الإطعام آية الصدقات وآية السيف في حق الأسير الكافر، وقال غيره بل هي محكمة، وإطعام المسكين واليتيم على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام، قال ابن عباس أسيراً هو المشرك.
وعن أبي سعيد الخدري " عن رسول الله ﷺ في قوله (مسكيناً) قال فقيراً (ويتيماً) قال لا أب له (وأسيراً) قال المملوك والمسجون " أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم، وعن ابن عباس قال: " نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ " أخرجه ابن مردويه، وقيل عامة في كل من أطعم هؤلاء لله وآثر على نفسه (١).
стр. 10989
وجملة (إنما نطعمكم لوجه الله) في محل نصب على الحال بتقدير القول أي يقولون بلسان المقال أو بلسان الحال، أو قائلين إنما نطعمكم يعني أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك، وهذا الوصف من باب التكميل، فقد وصفهم أولاً بالجود والبذل وكمله بأن ذلك عن إخلاص لا رياء فيه.
قال الواحدي قال المفسرون لم يتكلموا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم وعلم من ثنائه أنهم ذلك خوفاً من الله ورجاء ثوابه.
(لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً) أي لا نطلب منكم المجازاة على هذا الإطعام ولا نريد منكم الشكر لنا، بل هو خالص لوجه الله، وهذه الجملة مقررة لما قبلها لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه.
стр. 10990
(إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً) أي نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين ومعنى عبوساً أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى أنه ذو عبوس، قال الفراء وأبو عبيده والمبرد: يوم قمطرير وقماطر إذا كان صعباً شديداً، قال الأخفش القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء. قال الكسائي اقمطر اليوم وازمهر إذا كان شديداً صعباً.
وقال مجاهد إن العبوس بالشفتين والقمطرير بالجبهة والحاجبين فجعلهما من صفات اليوم والمتغير في ذلك اليوم بما يراه من الشدائد، قال أبو عبيدة يقال قمطرير أي منقبض ما بين العينين والحاجبين.
стр. 10991
قال الزجاج يقال اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما سبقها من القطر، وجعل الميم مزيدة.
وقال ابن عباس: عبوساً ضيقاً قمطريراً طويلاً، وعن أنس بن مالك " عن النبي ﷺ في قوله عبوساً قمطريراً قال يقبض ما بين الأبصار " وقال ابن عباس القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه.
стр. 10992
(فوقاهم الله شر ذلك اليوم) أي دفع عنهم شره بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه، والفاء سببيه (ولقاهم نضرة وسروراً) أي أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب بدل الخوف، قال الضحاك النضرة البياض والنقاء في وجوههم، وقال سعيد بن جبير: الحسن والبهاء، وقيل النضرة أثر النعمة، وعن ابن عباس: قال نضرة في وجوههم، وسروراً في صدورهم.
стр. 10993
(وجزاهم بما صبروا) أي بسبب صبرهم على التكاليف، وقيل على الفقر، وقيل على الجوع، وقيل على الصوم والأولى حمل الآية على الصبر على كل شيء يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه (جنة وحريراً) أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير، وهو لباس أهل الجنة عوضاً عن تركه في الدنيا امتثالاً لما ورد في الشرع من تحريمه.
والمراد بالجنة هنا بستان المأكولات لا ما يقابل النار، وهي دار الكرامة حتى يقال أي حاجة إلى ذكر الحرير بعد ذكر الجنة مع أنها مشتملة عليه في جملة ما أعد فيها للمؤمنين.
وظاهر هذه الآيات العموم في كل من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه، والسبب وإن كان خاصاً كما تقدم فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل سبب النزول تحت عمومها دخولاً أولياً.
(مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) منصوب على الحال من مفعول جزاهم، والعامل فيها جزي ولا يعمل فيها صبروا، لأن الصبر إنما كان في الدنيا قال الفراء وإن شئت جعلت متكئين تابعاً كأنه قال وجزاهم جنة متكئين فيها.
وقال الأخفش يجوز أن يكون منصوباً على المدح والضمير في (فيها) يعود إلى الجنة، وجوز أبو البقاء والزمخشري أن يكون متكئين صفة لجنة، وهذا لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم بروز الضمير فيقال متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له، وقد منعه مكي لما ذكر من عدم بروز الضمير، ولا يجوز كونه حالاً من فاعل صبروا لأن الصبر كان في الدنيا واتكاؤهم إنما هو في الآخرة.
والأرائك جمع أريكة وهي السرر في الحجال وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور، وقد تقدم تفسيرها في سورة الكهف.
(لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) الجملة في محل نصب على الحال من مفعول جزاهم، فتكون من الحال المترادفة أو من الضمير في متكئين فتكون من الحال المتداخلة، أو صفة أخرى لجنة، قال ابن مسعود الزمهرير هو البرد الشديد، والمعنى أنهم لا يرون في الجنة حر الشمس ولا برد لزمهرير، ومنه قول الأعشى: