(من يطع الرسول فقد أطاع الله) فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذه من النداء بشرف رسول الله وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه.
ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا ما نهى عنه، ولولا بيانه ﵌ ما كنا نعرف كل فريضة في كتاب الله كالحج والصلاة والزكاة والصوم كيف نأتيها، وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله طاعته وقامت به الحجة على المسلمين.
(ومن تولّى) أي أعرض عن طاعته (فما أرسلناك عليهم حفيظاً) أي حافظاً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، قيل وقد نسخ هذا بآية السيف.
стр. 1472
(ويقولون) أمرنا أو شأننا (طاعة) أو نطيع طاعة، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين أي يقولون إذا كانوا عندك طاعة أي آمنا بك وصدقناك (فإذا برزوا) أي خرجوا (من عندك بيّت) أي زوّر (طائفة منهم) أي من هؤلاء القائلين وهم رؤساؤهم، ومن للتبعيض والتبييت التبديل يقال بيّت الرجل الأمر إذا في بره ليلاً ومنه قوله تعالى (إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول).
(غير الذي تقول) لهم أنت وتأمرهم به أو غير الذي تقول لك هي من
стр. 1473
الطاعة لك وقيل معناه غيروا وبدلوا وحرفوا قولك فيما عهدت إليهم (والله يكتب) أي يثبت في صحائف أعمالهم (ما يبيّتون) أي ما يزوّرون ويغيّرون ويقدّرون، وقال ابن عباس. ما يسرون من النفاق ليجازيهم عليه ويحفظه عليهم، وقال الزجاج: المعنى ينزّله عليك في الكتاب.
(فأعرض عنهم) أي دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل معناه لا تخبر بأسمائهم وقيل لا تعاقبهم، وقيل لا تغتر بإسلامهم (وتوكل على الله) أي ثق به وفوض أمرك إليه في شأنهم (وكفى بالله وكيلا) ناصراً لك عليهم، أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، قيل وهذا منسوخ بآية السيف.
стр. 1474
(أفلا يتدبّرون القرآن) الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي يعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه يقال تدبرت الشيء تفكرت في عاقبته وتأملته ثم استعمل في كل تأمل، والتدبر أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما يصير إليه عاقبته.
ودلت هذه الآية وقوله تعالى (أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها) على وجوب التدبر للقرآن ليعرف معناه، والمعنى أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفاً غير مختلف، صحيح المعاني قوي المباني، بالغاً في البلاغة إلى أعلى درجاتها، قال ابن عباس: أفلا يتفكرون فيرون تصديق بعضه لبعض وما فيه من الواعظ والذكر والأمر والنهي، وأن أحداً من الخلق لا يقدر عليه.
(ولو كان من عند غير الله) كما يزعمون (لوجدوا فيه اختلافاً) أي تفاوتاً وتناقضاً (كثيراً) قاله ابن عباس، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات والسور لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب فإنه لا يوجد منه صحيحاً مطابقاً للواقع إلا القليل النادر. عن قتادة يقول: أن قول الله لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل وأن قول الناس يختلف.
стр. 1475
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً (٨٣)
(وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) يقال أذاع الشيء وأذاع به إذا أفشاه وأظهره، وهؤلاء جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئاً من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك، وقيل هم المنافقون كانوا يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ .
(ولو ردّوه إلى الرسول) حتى يكون هو الذي يتحدث به ويظهره (وإلى أولي الأمر منهم) وهم أهل العلم والبصيرة والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) أي يستخرجونه بتدبّرهم وصحة عقولهم.
والمعنى أنهم لو تركوا إذاعة الأخبار حتى يكون النبي ﷺ هو الذي يذيعها، أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى ويكتم، والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته والنبط الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، وقيل أن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة.
وفي الآية إشارة إلى جواز القياس، وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس عليهما.
стр. 1476
(ولولا فضل الله) أي ما تفضل الله به (عليكم ورحمته) من إرسال رسوله وإنزال كتابه (لا تبعتم الشيطان) فيما يأمركم به فبقيتم على كفركم (إلا قليلاً) منكم أو إلا اتباعاً قليلاً، وقيل أذاعوا به إلا قليلاً منهم فإنه لم يذع ولم يفش، قاله الكسائي والأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير، وقيل المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبة والأول أولى (١).
(فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلا نفسك) الفاء في قوله فقاتل قيل هي متعلقة بقوله (ومن يقاتل في سبيل الله) إلى آخره أي من أجل هذا فقاتل، وقيل متعلقة بقوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله فقاتل) وقيل تقديره إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك أو تركوك فقاتل.
قال الزجاج: أمر الله رسوله ﵌ بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصر، قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجىء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة، والمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمّته أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له فقاتل في سبيل الله لا تكلف غير نفسك ولا تلزم فعل غيرك وهو استئناف مقرر لما قبله، لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده.
وقرىء لا تكلف بالجزم على النهي وقرىء بالنون.
وفي الآية دليل على أن رسول الله ﵌ كان أشجع الناس وأعلمهم بأمور القتال، إذ لو لم يكن كذلك لما أمره بذلك، ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق ﵁ في قتال أهل الردة على الخروج ولو وحده.
стр. 1479
(وحرّض المؤمنين) أي وحضهم على القتال والجهاد يقال حرضت فلاناً على كذا إذا أمرته به وحارض فلان على الأمر وأكب عليه وواظب عليه بمعنى واحد، والمعنى ليس عليك في شأنهم إلا التحريض والترغيب في الثواب فحسب لا التعنيف بهم.
(عسى الله أن يكف) فيه إطماع للمؤمنين بكفّ (بأس الذين كفروا) عنهم، والإطماع من الله واجب فهو وعد منه سبحانه ووعده كائن لا محالة (والله أشدّ) أي أعظم (بأساً) أي صولة وسلطاناً وشدة وقوة (وأشد تنكيلاً) عقوبة وعذاباً يقال نكلت بالرجل تنكيلاً من النكال وهو العذاب والمنكّل الشيء الذي ينكل بالإنسان.
стр. 1480
(من يشفع شفاعة حسنة) أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو الزوج ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضمّ واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك فالشفاعة ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع له، والشفاعة الحسنة هي في البرّ والطاعة فمن شفع في الخير لينفع (١).
(يكن له نصيب) حظ (منها) أي من أجرها، وقد بيّن النصيب في حديث من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك آمين ولك بمثل " هذا " (١) فهذا بيان لمقدار النصيب الموعود به قاله أبو السعود، وعن أبي موسى قال: كان رسول الله ﵌ جالساً فجاء رجل يسأل
стр. 1481
فأقبل علينا بوجهه وقال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء أخرجه الشيخان.
(ومن يشفع شفاعة سيئة) الظاهر أن إطلاق الشفاعة هنا من قبيل المشاكلة لأن حقيقتها اللغوية تقتضي أنها لا تكون إلا في الخير، قال الخازن: هي النميمة والغيبة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس، وقيل المراد دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره بقتال المؤمنين.
(يكن له كفل منها) أي من وزرها والكفل الوزر، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيباً منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشر، ومن استعماله في الخير قوله تعالى (يؤتكم كفلين من رحمته).
(وكان الله على كل شيء مقيتاً) أي مقتدراً قاله الكسائي، وقال الفراء: المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته، يقال قته أقوته قوتاً وأقته أقيته إقاتة فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي: أقات يقيت وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ، قال النحاس: وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان، وقال ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر والحافظ والشاهد، وقال مجاهد: مقيتاً أي شهيداً حسيباً حفيظاً، وقال سعيد ابن جبير وابن زيد قادراً قديراً وعن الضحاك المقيت الرزاق (١).
(وإذا حييتم بتحية) ترغيب في فرد شائع من أفراد الشفاعة الحسنة بعد الترغيب فيها على الإطلاق، فإن تحية السلام شفاعة من الله للمسلم عليه، وأصل التحية تفعلة من حييت، والأصل تحيية مثل ترضية وأصلها الدعاء بالحياة والتحية السلام.
وهذا المعنى هو المراد هنا ومثله قوله تعالى (وإذا جاؤوك حيّوك بما لم يحييّك به الله) وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين، وروى عن مالك أن المراد بالتحية هنا تشميت العاطس، وقال أصحاب أبي حنيفة التحية هنا الهدية لقوله (أو ردوها) ولا يمكن رد السلام بعينه وهذا فاسد لا ينبغي الإلتفات إليه.
والمراد بقوله (فحيّوا بأحسن منها) أي بأن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدىء بالتحية، فإذا قال المبتدىء السلام عليكم قال المجيب وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدىء لفظاً زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدىء لفظاً أو ألفاظاً نحو: وبركاته وتحياته ومرضاته.
قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها ورده فريضة لقوله (فحيّوا بأحسن منها) وإنما اختار الشرع لفظ السلام على لفظ حيّاك الله لأنه أتم وأحسن وأكمل ولأن السلام من أسمائه تعالى.
(أو ردّوها) أي ردوا عليه كما سلم عليكم واقتصروا على مثل اللفظ الذي جاء به المبتديء فظاهر الآية أنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به أنه لا
стр. 1484
يكفي، وظاهر كلام الفقهاء أنه يكفي، وحملوا الآية على أنه الأكمل.
واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أوْلاً؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويرد عليهم حديث علي عن النبي ﷺ قال: يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم (١) أخرجه أبو داود وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم، وقد حسّن الحديث ابن عبد البر.
وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتديء بالسلام ومن يستحقّ التحية ومن لا يستحقها وفي فضل السلام والحث عليه وكيفية السلام وما له من الأحكام ما يغني عن البسط ههنا.
(إن الله كان على كل شيء حسيباً) يحاسبكم على كل شيء وقيل معناه مجازياً وقيل كافياً من قولهم أحسبني كذا أي كفاني ومثله حسبك.
стр. 1485
(الله لا إله إلا هو ليجمعنّكم) بالحشر (إلى) حساب (يوم القيامة) أي يوم القيام من القبور، وقيل إلى بمعنى في واختاره القاضي كالكشاف وقيل إنها زائدة (لا ريب فيه) أي في يوم القيامة أو في الجمع أي جمعاً لا ريب فيه، وهذه الآية نزلت في منكري البعث (ومن أصدق من الله حديثاً) إنكار لأن يكون أحد أصدق منه سبحانه، والصاد الأصل وقد تبدل زاياً لقرب مخرجها منها، ولهذا قرأ حمزة والكسائي ومن أزدق بالزاي.
(فما لكم) الاستفهام للإنكار والمعنى أي شيء كائن لكم (في المنافقين) أي في أمرهم وشأنهم، قال القرطبي: والمراد بهم هنا عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﵌ يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما تقدم في آل عمران، حال كونكم (فئتين) في ذلك وحاصله الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين.
وسبب نزول الآية به يتضح المعنى فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا فأنزل الله (فما لكم في المنافقين) الآية فقال رسول الله ﷺ : إنها طيبة وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة (١)، هذا أصح ما روى في سبب نزول الآية وقد رويت أسباب غير ذلك.
(والله أركسهم) حكى الفراء والنضر بن شميل والكسائي أركسهم وركسهم أي ردهم إلى الكفر ونكسهم، فالركس والنكس قلب الشيء على رأسه أو رد أوله إلى آخره والمنكوس المركوس (بما كسبوا) الباء للسببية أي أركسهم بسبب كسبهم وهو لحوقهم بدار الكفر.
стр. 1488
والاستفهام في قوله (أتريدون) للتقريع والتوبيخ (أن تهدوا من أضل الله) وهذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين، وفيه دليل على أن من أضله الله لا ينجح فيه هداية البشر (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (ومن يضلل الله) عن الهدى (فلن تجد له سبيلاً) أي طريقاً إلى الهداية.
стр. 1489
(ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين، وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنون ذلك عناداً وغلواً في الكفر وتمادياً في الضلال، وقيل ودوا كفركم ككفرهم وودوا مساواتكم لهم (فلا تتخذوا منهم أولياء) أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم فلا تتخذوهم أولياء وجمع الأولياء لمراعاة جمعية المخاطبين، فالمراد النهي عن أن يُتخذ منهم وليّ ولو واحداً.
(حتى يهاجروا في سبيل الله) هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، والمراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول الله ﷺ للقتال في سبيله مخلصين صابرين محتسبين، قال عكرمة: هي هجرة أخرى (١).
(فان تولّوا) عن الهجرة للقتال في سبيل الله (فخذوهم) إذا قدرتم عليهم (واقتلوهم حيث وجدتموهم) في الحل والحرم، فإن حكمهم حكم سائر المشركين قتلاً وأسراً (ولا تتخذوا منهم ولياً) توالونه (ولا نصيراً) تستنصرون به.
стр. 1490
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
(إلا الذين) هذا مستثنى من الأخذ والقتل فقط، وأما الموالاة فحرام مطلقاً لا تجوز بحال (يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) بالجوار والحلف فلا تقتلوهم لما بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم، هذا أصح ما قيل في معنى الآية، وقيل الاتصال هنا هو اتصال النسب: والمعنى إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة (١).
وقد أنكر ذلك عليه أهل العلم لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين السلمين وبين المشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال.
وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله ﵌ ميثاق، فقيل هم قريش كان بينهم وبين النبي ﵌ ميثاق، والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج وقيل نزلت في هلال ابن عويم وسراقة بن جعثم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي ﵌ عهد، وقيل خزاعة، وقيل بنو بكر بن زيد.
(أو جاؤوكم حصرت صدورهم) والحصر الضيق والإنقباض، وقال محمد بن يزيد المبرد: هو دعاء عليهم كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل أو بمعنى الواو (أن يقاتلوكم) مع قومهم (أو يقاتلوا قومهم) معكم فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك.
стр. 1491
(ولو شاء الله لسلّطهم عليكم) ابتلاء منه لكم واختباراً كما قال سبحانه: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) أو تمحيصاً لكم أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب (فلقاتلوكم) يذكر الله منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين (١).
(فإن اعتزلوكم) عن قتالكم (فلم يقاتلوكم) أي لم يعترضوا لقتالكم (وألقوا إليكم السلم) أي استسلموا لكم وانقادوا (فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) أي طريقاً فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه، قيل هذا منسوخ بآية القتال، وقيل محكمة محمولة على المعاهدين وهذا هو الظاهر (٢).
стр. 1492
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)
(ستجدون آخرين) والسين للاستمرار لا للاستقبال كقوله تعالى سيقول السفهاء قال السفاقسي: والحق أنها للاستقبال في الاستمرار للفعل لا في ابتدائه (يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) فيظهرون لكم الإسلام ويظهرون لقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله ﵌ ليأمنوا عنده وعند قومهم، وقيل هم قوم من أهل مكة.
وقيل نزلت في نعيم بن مسعود فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين، وقيل في قوم من المنافقين، وقيل في أسد وغطفان.
(كلما ردّوا إلى الفتنة) أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين (أركسوا فيها) أي قلبوا فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين ومعنى الارتكاس الانتكاس.
(فإن لم يعتزلوكم) يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، لم يكفوا عن قتالكم حتى يسيروا إلى مكة (ويلقوا إليكم السلم) أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم (ويكفّوا أيديهم) عن قتالكم (فخذوهم) يعني أسرى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم.
(وأولئكم) الموصوفون بتلك الصفات (جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً) أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي.
стр. 1493
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)
(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً) هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبراً وهو يستلزم صدقه فلا يوجد مؤمن قتل مؤمناً قط، وقيل المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل ما كان له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن ذلك بوجه.
ثم استثنى منه استثناء منقطعاً فقال (إلا خطأً) أي ما كان له أن يقتله ألبتّة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج، وقيل هو استثناء متصل، والمعنى وما ثبت ولا وجد ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطاً إذ هو مغلوب حينئذ، وقيل المعنى ولا خطأً.
قال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في العنى لأن الخطأ لا يحظر، وقيل المعنى لا ينبغي أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده فيكون قوله (خطأ) منتصباً بأنه مفعول له.
ووجوه الخطأ كثيرة ويضبطها عدم القصد، والخطأ اسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد، أخرج ابن جرير عن عكرمة قال كان الحرث بن يزيد من بني
стр. 1494
عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل ثم خرج مهاجراً إلى النبي ﵌ يعني الحرث فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي ﵌ فأخبره فنزلت (وما كان لمؤمن) الآية فقرأها النبي ﵌ ثم قال له: قم فحرر، أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن السدي بأطول من هذا، وقد روي من طرق غير هذه، وقال ابن زيد نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سريّة فحمل عليه بالسيف فقال لا إله إلا الله فضربه.
(ومن قتل مؤمناً خطئاً) بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالباً (فتحرير) أي فعليه تحرير (رقبة) أي نسمة (مؤمنة) يعتقها كفارة عن قتل الخطأ، وعبّر بالرقبة عن جميع الذات.
واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة فقيل هي التي صلت وعقلت الإيمان فلا تجزىء الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم، وقال عطاء بن أبي رباح إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين المسلمين.
وقال جماعة منهم مالك والشافعي يجزيء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزيء في قول جمهور العلماء أعمى ولا مقعد ولا أشل، ويجزىء عند الأكثر الأعرج والأعور، قال مالك: إلا أن يكون عرجاً شديداً، ولا يجزىء عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله، فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال: فمن أنا
стр. 1495
فأشارت إلى رسول الله ﵌ وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة (١)، وقد روى من طرق وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(ودية) هي ما يعطى عوضاً عن دم المقتول إلى ورثته (مسلّمة) أي مدفوعة مؤداة (إلى أهله) المراد بهم الورثة، وأجناس الدية وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة، وقد وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد، ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضوع.
(إلا أن يصدّقوا) أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية بأن يعفوا عنها، فسمى العفو عنها صدقة ترغيباً فيه، وهذه الجملة المستثناة متعلقة بقوله (ودية مسلّمة) أي فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة عنها.
(فإن كان) المقتول (من قوم عدو لكم) وهم الكفار الحربيون (وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) هذه مسئلة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم ثم أسلم ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة.
واختلفوا في وجه سقوط الدية فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله تعالى (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) وقال بعض أهل العلم: إن ديته واجبة لبيت المال.
(وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي عهد مؤقت أو مؤبد كأهل
стр. 1496
الذمّة، وقرأ الحسن وهو مؤمن (فدية) أي فعلى قاتله دية (مسلّمة) مؤداة (إلى أهله) من أهل الإسلام وهم ورثته وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهودياً أو نصرانياً، وثلثا عشرها إن كان مجوسياً (وتحرير رقبة مؤمنة) على قاتله كما تقدم (١).
(فمن لم يجد) أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها (فصيام) أي فعليه صيام (شهرين متتابعين) لم يفصل بين يومين من أيام صومها إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف، واختلف في الإفطار لعروض المرض، ولم يذكر الله سبحانه الإنتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي.
(توبة) أي شرع ذلك لكم قبولاً لتوبتكم أو تاب عليكمٍ توبة أو حال كونه ذا توبة كائنة من الله، قال سعيد بن جبير: يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة (وكان الله عليماً) بمن قتل خطأً (حكيماً) فيما حكم به عليه من الدية والكفارة، وأحكام الديات محلها كتب الفروع فلا نطول بذكرها.
стр. 1497
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)
(ومن يقتل مؤمناً متعمداً) أى قاصداً لقتله، لما بين سبحانه حكم القاتل خطأ بين حكم القاتل عمداً، وقد اختلف العلماء في معنى العمد فقال عطاء والنخعي وغيرهما: هو القتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المحدود، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها (١).
وقال الجمهور: إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون بما يقتل مثله في العادة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ، واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها.
وذهب آخرون إلى أنه ينقسم إلى قسمين عمد وخطأ، ولا ثالث لهما، واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان، ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة وقد ثبت ذلك بالسنة.
(فجزاؤه جهنم خالداً فيها) أي فجُعل جزاؤه ذلك بكفره وارتداده أو حكم عليه بها، وهو الذي استثناه النبي ﷺ يوم فتح مكة عمّن أمّنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة (وغضب الله عليه) لأجل كفره وقتله المؤمن متعمداً (ولعنه) طرده عن رحمته (وأعد له عذاباً عظيماً) في النار.
وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمداً فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له أي يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالداً فيها،
стр. 1498
وبين غضب الله ولعنته له وإعداده له عذاباً عظيماً، وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا الوعيد وعيد.
وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها علماء أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء، وقد روى النسائي عنه وعن زيد بن ثابت نحوه.
وممّن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم عنه.
وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة واستدلوا بمثل قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئآت) وقوله (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) وقوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقوله (وإني لغفار لمن تاب).
قالوا أيضاً: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل والموجب وهو التوعّد بالعقاب.
واستدلوا أيضاً بالحديث المذكور في الصحيحين عن عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: " تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " ثم قال: فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه (١)، وبحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه وغيره في الذي قتل مائة نفس.
стр. 1499
وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن القاتل عمداً داخل تحت المشيئة تاب أو لم يتب، وقد أوضح الشوكاني في شرحه على المنتقى متمسك كل فريق، والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص بل هو مفتوح لكل من قصده ورام للدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً.
لكن لا بد في توبة قاتل العمد من الاعتراف بالقتل وتسليم نفسه للقصاص أن كان واجباً أو تسليم الدية إن لم يكن القصاص واجباً وكان القاتل غنياً متمكناً من تسليمها أو بعضها، وأما مجرد التوبة من القاتل عمداً وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد من دون اعتراف ولا تسليم نفس فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
وقد تعلقت المعتزلة وغيرهم بهذه الآية على أن الفاسق يخلد في النار، والجواب أن الآية نزلت في كافر قتل مسلماً، وهو مقيس بن ضبابة، وهي على هذا مخصوصة، وقيل المعنى من قتل مسلماً مستحلاً لقتله وهو كفر، وعن أبي مجلز قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، أخرجه أبو داود.
وقيل الخلود لا يقتضي التأبيد بل معناه طول المكث. قاله البيضاوي.
وقد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحيحة إخراج جميع الموحدين من النار، قال الكرخي: الظاهر أنه أراد التشديد والتخويف والزجر العظيم عن قتل المؤمن لا أنه أراد بعدم قبول توبته عدمه حقيقة، وظاهره أن الآية من المحكم لأنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله نسخ ومنه الوعد والوعيد قاله الجلال في الإتقان.
стр. 1500
قال أبو السعود: في الآية الكريمة من التهديد الشديد والوعيد الأكيد وفنون الإبراق والإرعاد ما تراه، وقد تأيّدت بما روى من الأخبار الشداد، كقوله ﷺ " والذي نفسي بيده لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مؤمن " (١) وقوله: " لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه " وقوله: " من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله " (٢) ونحو ذلك من القوارع.
ولا متمسك للمعتزلة فيها لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام، وقد روي مرفوعاً عن النبي ﵌ أنه قال " هو جزاؤه إن جازاه ".
قال الواحدي: والأصل في ذلك أن الله يجوز أن يخلف الوعيد، وإن امتنع أن يحلف الوعد، وبهذا وردت السنة عن رسول الله ﷺ في حديث أنس أنه ﷺ قال " من وعده الله على عمله ثواباً فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار ".
والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور، لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك، كيف لا وقد قال الله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارضة قوله تعالى (ويعفو عن كثير) انتهى كلام أبي السعود ملخصاً.
стр. 1501
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)
(يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا) هذا متصل بذكر الجهاد والقتال، والضرب السير في الأرض، تقول العرب ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون في، إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ومنه قوله ﷺ " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ".
والتبيّن هو التأمل وهي قراءة الجماعة، إلا حمزة فإنه قرأ (فتثبتوا) من التثبت، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم قالا: لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن التبيُنّ والتثبت في أمر القتل واجبان حضراً وسفراً بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سب نزول الآية كانت في السفر (١).
(ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام) وقريء السلم ومعناهما واحد، واختار أبو عبيد (السلام) وخالفه أهل النظر فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، والمراد هنا لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم (لست مؤمناً) فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام وقيل هما بمعنى الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام أي كلمته وهي الشهادة لست مؤمناً.
стр. 1502
وقيل هما بمعنى التسليم وهو تحية أهل الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم لست مؤمناً، وإنما قلت هذا تقيّة لنفسك ومالك، والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقيّة.
ومؤمناً من أمّنته إذا أجرته فهو مؤمّن، وقيل المعنى لست من أهل الإيمان.
وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافراً بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما أسقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي ﷺ لأنهم تأولوا فظنوا أن من قالها خوفاً من السلاح لا يكون مسلماً ولا يصير بها دمه معصوماً، وأنه لا بد أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف.
وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الإنقياد بأن يقول أنا مسلم أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو عمل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآية داخلان تحت القول الأول.
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت هذه الآية، وفي سبب النزول روايات كثيرة وهذا الذي ذكرناه أحسنها.
(تبتغون عرض الحياة الدنيا) أي لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعاً إلى القيد والقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضاً لأنه عارض زائل غير ثابت.
стр. 1503
قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، وأما العرض بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرضاً بالسكون، وفي كتاب العين: العرض ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى (تريدون عرض الدنيا) وجمعه عروض.
وفي المجمل لإبن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد.
(فعند الله) هو تعليل للنهي أي عند الله مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور (مغانم كثيرة) تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد وإغنام ماله، وقيل فعنده ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن، والمغانم جمع مغنم وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان، ثم يطلق على ما يؤخذ من مال العدو، إطلاقاً للمصدر على اسم المفعول نحو ضرب الأمير.
(كذلك كنتم من قبل) أي كنتم مثل الرجل المذكور في مبادئ الإسلام كفاراً فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة أو كذلك كنتم من قبل تخفون إيمانكم عن قومكم خوفاً على أنفسكم حتى منّ الله عليكم بإعزاز دينه فأظهرتم الإيمان وأعلنتم به.
(فمنّ الله عليكم) يعني بالإسلام والهداية فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله أو منّ عليكم بإعلان الإسلام بعد الإختفاء، وقيل بالتوبة (فتبيّنوا) ولا تعجلوا بقتل مؤمن، وكرر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجباً لا فسحة فيه ولا رخصة (إن الله كان بما تعملون خبيراً) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
стр. 1504
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)
(لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في
سبيل الله بأموالهم وأنفسهم).
التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه وإن كان معلوماً لكن أراد سبحانه بهذا الإخبار تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا، ونحوه قوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فهو تحريك لطالب العلم، وتوبيخ على الرضا بالجهل.
وغير أولي الضرر بالرفع على أنه صفة للقاعدين كما قال الأخفش لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير وبكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين وبفتحها على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين.
ويجوز أن يكون منتصباً على الحال من القاعدين أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة.
قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار من مرض أو عاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد، وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة.
стр. 1505
قال القرطبي: والأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك " إن بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر (١) " قال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي.
وقد أخرج البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﵌ أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﵌ وفخذه على فخذي (غير أولي الضرر) وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه من حديث خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه.
وعن ابن عباس قال (غير أولي الضرر) المتخلفون عن بدر، والخارجون إلى بدر، وعنه قال: نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع فأنزل الله عذرهم من السماء، وعن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم، ولقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء.
(وفضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالاً، والمراد هنا غير أولي الضرر حملاً للمطلق على المقيد.
وقال هنا (درجة) وقال فيما بعد (درجات) فقال قوم التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد، وقال آخرون: فضّل الله
стр. 1506
المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضّل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما، وقيل إن معنى درجة علواً أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح (١).
(وكلًّا) مفعول أول لقوله (وعد الله) قدم عليه لإفادة القصر أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين وعده الله (الحسنى) أي المثوبة وهي الجنة، قاله قتادة (وفضّل الله المجاهدين على القاعدين) الذين لا عذر لهم ولا ضرر (أجراً عظيماً) أي ثواباً جزيلاً.
(درجات منه) أي من الأجر أو من الله يعني منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، قال ابن زيد الدرجات هن سبع ذكرها الله في سورة براءة يعني قوله (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة إلى قوله إلا كتب لهم).
وعن ابن جريج قال: كان يقال الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الهجرة درجة.
وعن ابن محيريز قال: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة (١).
(ومغفرة) لذنوبهم يسترها ويصفح عنها (ورحمة) رأفة بهم، والمعنى غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة (وكان الله غفوراً) لذنوبهم بتكفير العذر (رحيماً) بهم بتوفير الأجر، وعن ابن عمر عن النبي ﵌
стр. 1509
فيما يحكي عن ربه قال: أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته غفرت له ورحمته (١)، أخرجه النسائي.
стр. 1510
(إنّ الذين توفّاهم الملائكة) يحتمل أن يكون ماضياً وحذفت منه علامة التأنيث لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون مستقبلاً، والأصل تتوفاهم، عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار وقيل تقبض أرواحهم، وهو الأظهر.
والمراد بالملائكة ملك الموت وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم لقوله تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) وقيل ملك الموت وأعوانه، وعلى الأول يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار.
(ظالمي أنفسهم) بالمقام مع الكفار وترك الهجرة، نزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتداً فقتل كافراً (قالوا فيم كنتم) سؤال توبيخ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم قيل المعنى أكنتم في أصحاب النبي ﵌ أو كنتم مشركين، قاله القرطبي.
وقيل: إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، قال أبو حيان: أي في أي حالة كنتم بدليل الجواب أي في حالة قوة أو ضعف.
(قالوا) على وجه الكذب معتذرين (كنّا مستضعفين) عاجزين عن