وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)
(ولولا فضل الله عليك ورحمته) خطاب لرسول الله ﷺ والمراد بهذا الفضل والرحمة لرسول الله ﷺ أنه نبهه على الحق في قصة بني أبيرق وقيل المراد بهما العصمة والنبوة (لهمّت طائفة منهم) أي من الجماعة الذين عضدوا بني أبيرق يعني من بني ظفر، وهم قوم طعمة (أن يضلّوك) عن القضاء الحق وتوخّي طريق العدل أو يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمر.
(وما يضلّون إلا أنفسهم) لأن وبال ذلك عائد عليهم بسبب تعاونهم على الإثم (وما يضرّونك من شيء) لأن الله سبحانه هو عاصمك من الناس، ولأنك عملت بالظاهر فلا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، ومن زائدة.
(وأنزل الله عليك الكتاب) قيل هذا ابتداء كلام وقيل الواو للحال أي وما يضرونك من شيء حال إنزال الله عليك القرآن أو مع إنزال الله ذلك عليك، فالجملة في معنى العلة لما قبله (والحكمة) أي القضاء بها (وعلّمك) أي بالوحي من أحكام الشرع وأمور الدين أو علم الغيب وخفيات الأمور أو من أحوال المنافقين وكيدهم أو من ضمائر القلوب (ما لم تكن تعلم) من الوحي، وقال قتادة: علمه الله بيان الدنيا والآخرة وبين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه وقال الضحاك: علمه الخير والشر.
(وكان فضل الله عليك عظيماً) فيما علمك وأنعم عليك لأنه لا فضل أعظم من النبوة التامة، والرسالة العامة، وفيه تنبيه منه سبحانه لرسوله على ما حباه من ألطافه، وما شمله من فضله وإحسانه ليقوم بواجب حقه،
стр. 1542
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)
(لا خير في كثير من نجواهم) النجوى السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلاناً مناجاة ونجاء وهم يتنجون ويتناجون ونجوت فلاناً أنجوه نجوى أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه أي خلصته وأفردته والنجوة من الإرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، فالنجوى المسارة مصدر، وقد يسمى به الجماعة كما يقال قوم عدل قال الله تعالى (وإذ هم نجوى) وقيل النجوى جمع نجيّ، نقله الكرماني.
وقد قال جماعة من المفسرين: إن النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الإثنين سواء كان ذلك سراً أو جهراً، وبه قال الزجاج، والآية عامة في حق جميع الناس كما اختاره البغوي والكواشي كالواحدي وقيل عائد إلى قوم طعمة، والأول أولى.
(إلا من أمر بصدقة) أي حث عليها، والظاهر أنها صدقة التطوع وقيل إنها صدقة الفرض والأول أولى، والاستثناء متصل كما اختاره القاضي كالكشاف وقيل منقطع لأن (من) للأشخاص وليست من جنس التناجي فيكون بمعنى لكن في لغة الحجاز.
(أو معروف) لفظ عام يشمل جميع أنواع الجميل وفنون أعمال البر، وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، والأول أولى، ومنه الحديث كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وقيل المعروف إغاثة الملهوف والقرض وإعانة المحتاج وأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها.
стр. 1543
(أو إصلاح بين الناس) عطف خاص على عام قاله أبو حيان، وفيه أنه لا يكون بأو، وهو عام في الدماء والأعراض والأموال وفي كل شيء يقع التداعي فيه.
وقد أخرج عبد الله بن حميد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﵌: " كلام ابن آدم كلّه عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر أو ذكر الله (١) ".
قال سفيان الثوري هذا في كتاب الله يعني هذه الآية وقوله تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) وقوله (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت والتحذير عن آفات اللسان والترغيب في حفظه وفي الحث على الإصلاح بين الناس، ولعل وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، أن عمل الخير المتعدي للناس إما إيصال منفعة أو دفع مضرة، والمنفعة إما جسمانية وإليه الإشارة بقوله إلا من أمر بصدقة وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، ودفع الضرر أشير إليه بقوله أو إصلاح بين الناس قاله أبو السعود.
(ومن يفعل ذلك) إشارة إلى الأمور المذكورة، جعل مجرد الأمر بها خيرًا ثم رغب في فعلها بقوله هذا لأن فعلها أقرب إلى الله من مجرد الأمر بها إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها أو أراد ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل أيضاً فعل من الأفعال.
стр. 1544
(إبتغاء مرضات الله) علة للفعل لأن من فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء بل قد يكون غير ناج من الوزر، وإنما الأعمال بالنيات (فسوف نؤتيه) في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء لمرضات الله (أجراً عظيماً) لا حد له ولا يعلم قدره إلا الله.
وأخرج أبو نصر السجزي في الإنابة عن أنس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﵌ فقال له رسول الله ﷺ : " إن الله أنزل على القرآن يا أعرابي (لا خير في كثير من نجواهم) إلى قوله (عظيماً) يا أعرابي الأجر العظيم الجنة "، قال الأعرابي: الحمد لله الذي هدانا للإسلام.
стр. 1545
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
(ومن يشاقق الرسول) المشاقة المعاداة والمخالفة (من بعد ما تبيّن) أي وضح وظهر (له الهدى) بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاقة (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي غير طريقهم وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه في الاعتقاد والعمل والقول (نوّله ما تولّى) أي نجعله والياً لما تولاه واختاره من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ونتركه وما اختاره لنفسه.
(ونصله) أي نلزمه وندخله في الآخرة، وأصله من الصلّى وهو لزوم النار وقت الاستدفاء (جهنم وساءت مصيراً) مرجعاً هي، وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله (ويتبع غير سبيل المؤمين).
ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا يصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل الدين فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم.
وقد أخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: " لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة فمن شذَّ شذ في النار "، (١) وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً.
(إن الله لا يغفر أن يشرك به) هذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه لقوله (قل للذين كفروا) الآية (ويغفر ما دون ذلك) أي ما دون الشرك (لمن يشاء) من أهل التوحيد وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبه من الموحدين فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
(ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً) أي ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال وأبعدها من الصواب والاستقامة، كما أنه افتراء وإثم عظيم ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية (فقد ضل) وفيما سبق (فقد افترى إثماً عظيماً) حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم وسياقه.
وفي السمين ختمت الآية المتقدمة بقوله فقد افترى وهذه بقوله فقد ضل لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على الله، وهذه في شأن قوم مشركين. ليس لهم كتاب ولا عندهم علم، فناسب وصفهم بالضلال.
وأيضاً قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال اهـ.
وقد تقدم تفسير هذه الآية وتكريرها بلفظها في موضعين من هذه السورة للتأكيد وقيل كررت هنا لأجل قصة بني أبيرق، وقيل: إنها نزلت هنا بسبب غير قصة بني أبيرق وهو ما رواه الثعلبي والقرطبي في تفسيريهما عن الضحاك أن
стр. 1548
شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته وآمنت به، ولم اتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له وإني لنادم وتائب ومستغفر فما حالي عند الله فأنزل الله تعالى هذه الآية أخرجه الترمذي، عن علي أنه قال ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية قال الترمذي حسن غريب.
стр. 1549
(إن يدعون من دونه إلا إناثاً) تعليل لما قبلها أي ما يدعون من دون الله إلا أصناماً لها أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة قاله أبي بن كعب، وقيل المراد بالإناث الأموات التي لا روح لها كالخشبة والحجر، قاله ابن عباس، قال الزجاج: الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث تقول هذه الحجر تعجبني، وهذه الدرهم تنفعني وقد يطلق الأنثى على الجمادات.
وقيل المراد بالإناث الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله قال الضحاك: اتخذوهن أرباباً وصوروهن صور الجواري فحلوا وقلدوا وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده يعنون الملائكة، وقرىء إلا وثناً بضم الواو والثاء جمع وثن، رويت هذه عن عائشة، وقرأ ابن عباس: إلا أثناً جمع وثن أيضاً وقرأ الحسن إلا أنثاً جمع أنيث كغدير وغدر، وحكى الطبري أنه جمع أناث كثمار وثمر.
وعلى جميع هذه القراآت فهذا الكلام خارج مخرج التوبيخ للمشركين والإزراء عليهم، والتضعيف لعقولهم لكونهم عبدوا من دون الله نوعاً ضعيفاً، وقال الحسن: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان فأنزل الله هذه الآية.
стр. 1550
(وإن) ما (يدعون) من دون الله (إلا شيطاناً مريداً) وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه، وتقدم اشتقاق لفظ الشيطان والمريد المتمرد العاتي من مرد إذا عتا، قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة وقد مرد الرجل مروداً إذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرد.
وقال ابن عرفة: هو الذي ظهر شره يقال شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها، ومنه قيل للرجل أمرد أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه، وقال ابن عباس: لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم والأول أولى.
(لعنه الله) قيل مستأنفة وقيل دعاء عليه، أصل اللعن الطرد والإبعاد، وقد تقدم تفسيره وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط (وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً) معطوف على قوله لعنه الله والجملتان صفة لشيطان أي شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله له وبين هذا القول الشنيع، أو حال على إضمار قد أي وقد قال، أو استئناف، ولأتخذن جواب قسم محذوف، والنصيب المفروض هو المقطوع المقدر أي لأجعلن قطعة مقدرة من عباد الله تحت غوايتي وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة الله إلى الكفر به.
عن مقاتل بن حيان قال هذا إبليس يقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، وعن الربيع بن أنس مثله.
قلت: وهذا صحيح معنى ويعضد، قوله تعالى لآدم يوم القيامة أخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار؟ فيقول الله تعالى أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعند ذلك تشيب الأطفال من شدة الهول، أخرجه مسلم.
فنصيب الشيطان هو بعث النار، والمعنى لأتخذن منهم حظاً مقدراً معلوماً فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضه، وأصل الفرض القطع، وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه.
стр. 1553
(ولأضلّنّهم) اللام جواب قسم محذوف، والإضلال الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية والمراد به التزيين والوسوسة وإلا فليس إليه من الإضلال شيء، قال بعضهم لو كان الإضلال إلى إبليس لأضلّ جميع الخلق وهكذا اللام في قوله (ولأمنينهم) والمراد بالأماني التي يمنيهم بها الشيطان هي الأماني الباطلة الناشئة عن تسويله ووسوسته قال ابن عباس يريد تسويف التوبة وتأخيره.
قال الكلبي: أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث، وقيل إدراك الجنة مع المعاصي وقيل أُزيّن لهم ركوب الأهواء والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل طول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة، ولا مانع من حمل اللفظ على الجميع.
(ولآمرنَّهم فليبتكنّ آذان الأنعام) أي ولآمرنهم بتبتيك آذانها أي تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري والبتك القطع ومنه سيف باتك يقال بتكة وبتكة مخففاً ومشدداً، وقد فعل الكفار ذلك امتثالاً لأمر الشيطان واتباعاً لرسمه فشقوا آذان البحائر والسوائب (١) كما ذلك معروف، قال قتادة: التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم (ولآمرنّهم فليغيرنَّ خلق الله) بموجب أمري لهم.
واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو فقالت طائفة: هو الخصي وفقء العين وقطع الأذن، وقال آخرون: إن المراد هو أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة وبه قال الزجاج، وقيل المراد تغيير الفطرة التي فطر الله
стр. 1554
الناس عليها وقيل نفي الأنساب واستلحاقها أو بتغير الشيب بالسواد أو بالتحريم والتحليل أو بالتخنث أو بتغيير دين الإسلام، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملاً شمولياً أو بدلياً.
وقد رخص طائفة من العلماء في خصي البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون وأما خصي بني آدم فحرام، وقد كره قوم شراء الخصي، قال القرطبي: لم يختلفوا أن خصي بني آدم لا يحل ولا يجوز وأنه مثلة، وتغيير لخلق الله، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود قاله أبو عمرو بن عبد البر.
أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﵌ عن خصي البهائم والخيل، وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال نهى ﷺ عن صبر الروح وإخصاء البهائم.
وعن ابن عباس فليغيرنّ خلق الله قال دين الله، وعن الضحاك وسعيد ابن جبير مثله، وعن الحسن قال الوشم ووصل الشعر، وهذه الجمل الخمسة المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالاً أو حالاً، وما فيها من اللامات الخمس للقسم كما تقدم.
(ومن يتخذ الشيطان وليّاً من دون الله) باتباعه وامتثال ما يأمر به وإيثار ما يدعو إليه من دون اتباع لا أمر الله به ولا امتثال له، وقيل الولي من الموالاة وهو الناصر (فقد خسر) بتضييع رأس ماله الفطري (خسراناً مبيناً) أي واضحاً ظاهراً لأن طاعة الشيطان توصله إلى نار جهنم المؤبدة عليه وهي غاية الخسران.
(يعدهم) المواعيد الباطلة كطول العمر (ويمنّيهم) الأماني العاطلة في الدنيا، عطف خاص للاهتمام، (وما يعدهم الشيطان) أي بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة (إلا غروراً) يغرهم به ويظهر لهم فيه النفع وهو ضرر محض، قال ابن عرفه: الغرور ما رأيت له ظاهراً تحبه وله باطن مكروه وهذه الجملة اعتراضية.
стр. 1557
(أولئك) إشارة إلى أولياء الشيطان بمراعاة معنى (من) وهذا مبتدأ وقوله (مأواهم) مبتدأ ثان وقوله (جهنم) خبر للثاني والجملة خبر للأول (ولا يجدون عنها محيصاً) أي معدلاً من حاص يحييص، وقيل منجًى ومخلصاً ومحيداً ومهرباً وقيل الحيص هو الروغان بنفور والمحيص اسم مكان أو مصدر.
стр. 1558
(الذين آمنوا وعملوا الصالحات) بيان لوعد الله المؤمنين عقب بيان وعد الشيطان للكافرين (سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي من تحت المساكن والغرف (خالدين فيها أبداً) بلا انتهاء ولا غاية، والأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له.
(وعد الله حقاً) قال في الكشاف مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره، ووجهه أن الأول مؤكد لمضمون الجملة الاسمية ومضمونها وعد، والثاني مؤكد لغيره أي حق ذلك حقاً (ومن أصدق من الله قيلاً) هذه الجملة مؤكده لما قبلها، والقيل مصدر قال كالقول والقال والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق قولاً من الله ، وقيل إن قيلاً اسم لا مصدر، وإنه منتصب على التمييز قاله ابن السكيت.
(ليس) دخول الجنة أو الفضل أو القرب من الله أو الأمر منوطاً (بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب) بل بالعمل الصالح والإيمان كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وقيل الضمير يعود إلى ما وعد الله وهو بعيد، ومن أماني أهل الكتاب قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقولهم (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة).
وعن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم، فنزلت، وقد ورد معنى هذه الرواية من طرق كثيرة مختصرة ومطولة، والأماني جمع أمنية أفعولة من التمنية، والتمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها والأمنية هي الصورة الحاصلة في النفس، وقيل الخطاب للمسلمين ولليهود والنصارى وقيل لمشركي مكة في قولهم لا نبعث ولا نحاسب.
(من يعمل سوءاً يجز به) قال الحسن: هذا في حق الكفار، ولا وجه له، وقال ابن عباس: هي عامة في كل من عمل سوءاً.
وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال لما نزلت (من يعمل سوءاً يجز به) بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً فقال رسول الله ﷺ : قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم
стр. 1561
كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها (١).
أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ قال له لما نزلت هذه الآية: أما أنت وأصحابك يا أبا بكر فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة (٢).
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله ﵌ يقول: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفّر الله به من سيآته (٣) وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة (ولا يجد له من دون الله) أي غيره (ولياً) يحفظه (ولا نصيراً) يمنعه منه.
стр. 1562
(ومن يعمل مِنَ) من للتبعيض أي بعض (الصالحات) وهي الفرائض قاله ابن عباس، وقال الطبري من زائدة عند قوم وهو ضعيف لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات، حال كونه (من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) أي حال كونه مؤمناً، والحال الأولى لبيان من يعمل، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان.
(فأولئك) إشارة إلى العامل المتصف بالإيمان، قرىء (يدخلون الجنة) على البناء للمجهول وللمعلوم والجمع باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها (ولا يظلمون نقيراً) أي قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان، كيف والمجازي أرحم الراحمين.
(ومن) أي لا أحد فهو استفهام إنكاري (أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) أي أخلص نفسه له حال كونه محسناً أي عاملاً للحسنات، وقيل معنى أسلم فوض أمره إلى الله، وقال ابن عباس: هو محسن يريد هو موحد لله لا يشرك به شيئاً، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد لله فقد انقاد له جميع الأعضاء لأنها تابعة له.
(واتبع ملة إبراهيم حنيفاً) أي اتبع دين إبراهيم حال كون المتبع مائلاً عن الأديان الباطلة إلى دين الحق وهو الإسلام، وخص إبراهيم للاتفاق على مدحه حتى من اليهود والنصارى (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) أي جعله صفوة له وخصه بكراماته، وفيه إظهار في مقام الإضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه.
وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن يتبع ملته، قال ثعلب إنما سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلا ملأته، وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وقد كان إبراهيم ﵇ محبوباً لله ومحباً له، وقيل الخليل من الاختصاص، فالله سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك الوقت واختاره لها، واختار هذا النحاس.
قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، أخرج الحاكم
стр. 1565
وصححه عن جندب أنه سمِع النبي ﵌ يقول قبل أن يتوفى: " إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً (١) " وأخرج الحاكم أيضاً وصححه عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﵌ (٢)، وفي تعريف الخلة والسبب الذي من أجله اتخذ الله إبراهيم خليلاً أقوال ذكرها أهل التفسير (٣).
стр. 1566
(ولله ما في السموات وما في الأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلاً لطاعته لا لحاجته ولا للتكثر به والاعتضاد بمخاللته، وإنما قال (ما) ولم يقل (من) لأنه ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظ (ما) قيل مستأنفة لتقرير وجوب طاعة الله وقيل لبيان أن الخلة لا تخرج إبراهيم عن رتبة العبودية.
(وكان الله بكل شيء محيطاً) هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها أي أحاط بكل شيء علماً وقدرة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
стр. 1567
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)
(ويستفتونك) يطلبون منك الفتوى وهي بالواو فتفتح الفاء، وبالياء فتضم وهي اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم واستفتيته سألته أن يفتي، والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل، وقيل يجوز الفتح للتخفيف.
(في) شأن (النساء) وميراثهن (قل) لهم (الله يفتيكم فيهن) سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغيره فأمر الله نبيه ﵌ أن يقول لهم إن الله يبين لكم حكم ما سألتم عنه.
وهذه الآية رجوع إلا ما افتتحت به السورة من أمر النساء وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم (الله يفتيكم) قال مجاهد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون لا يغزون ولا يغنمون خيراً ففرض الله لهن الميراث حقاً واجباً.
وعن إبراهيم قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثونها فأنزل الله هذا.
(وما يتلى عليكم في الكتاب) أي القرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى (وإن خفتم ألا تقسطوا
стр. 1568
في اليتامى) وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليكم، وأنها في اللوح المحفوظ وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من أعظم الأمور عند الله التي تجب مراعاتها وأن الخل بها ظالم.
(في يتامى النساء) فيه خمسة أوجه (أحدها) أنه بدل من (في الكتاب) وهو بدل اشتمال ولا بد من حذف مضاف أي في حكم يتامى (الثاني) أن يتعلق بيتلى قاله أبو البقاء (الثالث) أنه بدل من فيهن بإعادة العامل (الرابع) أن يتعلق بنفس الكتاب أي فيما كتب في حكم اليتامى (الخامس) أنه حال أي كائناً في حكم يتامى والإضافة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف إذ الأصل في النساء اليتامى.
(اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب) أي فرض (لهن) من الميراث وقيل من الصداق وغيره وذلك لأنهم كانوا يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار (وترغبون أن تنكحوهن) بجمالهن ومالهن بتقدير (في) أو لعدم جمالهن ودمامتهن بتقدير عن، والآية محتملة للوجهين (والمستضعفين من الولدان) عطف على قوله (يتامى النساء) وما يتلى في حقهن هو قوله (يوصيكم الله في أولادكم) الآية.
وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا من كان مستضعفاً من الولدان كما سلف، وإنما يورثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور.
(و) يأمركم (أن تقوموا لليتامى بالقسط) أي العدل في مهورهن ومواريثهن (وما تفعلوا من خير) في حقوق المذكورين أو من شر ففيه اكتفاء (فإن الله كان به عليماً) يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر.
стр. 1569
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)
(وإن امرأة) مرفوع بفعل يفسره (خافت) أي توقعت ما يخاف من زوجها وقيل معناه تيقنت، وهو خطأ (من بعلها) أي زوجها، والبعل هو السيد (نشوزاً) دوام النشوز قاله الزجاج يعني ترفعاً عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها (أو إعراضاً) عنها بوجهه، قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها.
(فلا جناح عليهما) أي لا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة قال أبو السعود: الجناح عن الزوج ظاهر لأنه يأخذ شيئاً من قبلها، والأخذ مظنة الجناح، ومظنة أن يكون من قبيل الرشوة الحرمة، وأما نفي الجناح عنها مع أن الذي هو من قبلها هو الدفع لا الأخذ فلبيان أن الصلح ليس من قبيل الرشوة الحرمة للمعطى والآخذ اهـ.
(أن يصلحا) من المصالحة على قراءة الجمهور وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أي نشوز أو أي إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه إما بإسقاط التوبة أو بعضها أو بعض النفقة أو بعض المهر.
وقرأ الكوفيون (أن يصلحا) من الإصلاح والأول أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعداً قيل تصالح الرجلان أو القوم لا أصلح.
стр. 1570
(بينهما صلحا) أي في القسمة والنفقة، قال ابن عباس: فإن صالحته على بعض حقها جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح كان ذلك لها، ولها حقها (والصلح) لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف (خير) على الإطلاق أو خير من الفرقة أو من الخصومة أو من النشوز والإعراض، وهذه الجملة اعتراضية قاله الزمخشري، واللام في الصلح للجنس أو للعهد.
قد أخرج الترمذي وحسّنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﵌ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية (١)، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة، وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت: الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني في حلّ فنزلت هذه الآية، وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو هذا.
وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله ﵌ يقسم لها بيوم سودة.
(وأحضرت الأنفس الشحّ) أي شدة البخل، وهذا إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجِبلّة والطبيعة فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن النفقة ونحو
стр. 1571
ذلك، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك له شيئاً منها، وشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله لوجه من الوجوه، ومنه (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) عن ابن عباس: هواه في الشيء يحرص عليه والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير.
(وإن تحسنوا) أيها الأزواج الصحبة والعشرة (وتتقوا) ما لا يجوز من النشوز والإعراض في حق المرأة فإنها أمانة عندكم، وقيل المعنى إن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها والجور (فإن الله كان بما تعملون خبيراً) فيجازيكم الله يا معشر الأزواج بما تستحقّونه.
стр. 1572
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)
(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء (١)) أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه البتّة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان يقول الصادق المصدوق ﵌ اللهم: هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (٢)، رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة وإسناده صحيح.
قال ابن مسعود: العدل بين النساء الجماع، وقال الحسن: الحب وكذا المحادثة والمجالسة والنظر إليهن والتمتّع (ولو حرصتم) يعني على العدل والتسوية بينهن في الحب وميل القلب.
стр. 1573
(فلا تميلوا كلّ الميل) إلى التي تحبونها في القسم والنفقة، ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه نهاهم عن أن يميلوا كل الميل، لأن ترك ذلك وتجنّب الجور كل الجور في وسعهم وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل الميل.
(فتذروها) أي الأخرى الممال عنها (كالمعلّقة) التي ليست ذات زوج ولا مطلقة تشبيهاً بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء لا في السماء ولا في الأرض، أي لا أيِّماً ولا ذات زوج، وقرأ أبي بن كعب فتذروها كالمسجونة لا هي مخلصة فتتزوج، ولا هي ذات بعل فيحسن إليها.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأهل السنن عن أُبَيّ هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط (١).
(وإن تصلحوا) ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم فيها من عشرة النساء والعدل بينهن في القسم والحب (وتتقوا) الجور في القسم وكل الميل الذي نهيتم عنه (فإن الله كان غفوراً رحيماً) بكم لا يؤاخذكم بما فرط منكم من الميل إلى بعضهن دون بعض.
(وإن يتفرّقا) أي لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه بالطلاق (يغن الله كلاً) منهما أي يجعله مستغنياً عن الآخر بأن يهيء للرجل امرأة توافقه وتقر بها عينه، والمرأة رجلاً تغتبط بصحبته ويرزقهما (من سعته) رزقاً يغنيهما به عن الحاجة، وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد الطلاق (وكان الله واسعاً حكيماً) واسع الفضل والرحمة، وقيل القدرة والعلم والرزق صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان.
стр. 1576
(ولله ما في السموات وما في الأرض) هذه جملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته لأن من ملكهما لا تفنى خزائنه (ولقد وصيّنا الذين أوتوا الكتاب) أي أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب، واللام في الكتاب للجنس (من قبلكم) من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب القديمة (وإيّاكم) يا أهل القرآن في كتابكم (أن اتقوا الله) أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقال الأخفش بأن اتقوا الله.
ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول وهو أن توحدوه وتطيعوه وتحذروه وتخافوه ولا تخالفوا أمره، والمعنى أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة أوصى الله بها جميع الأمم السالفة في كتبهم على ألسن رسلهم.
стр. 1577
(وإن تكفروا) أي وقلنا لهم ولكم إن تكفروا وتجاحدوا ما أوصاكم به (فإنّ لله ما في السموات وما في الأرض) خلقاً وملكاً وعبيداً فلا يضره كفركم، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك ويعلموا أنه غني عن خلقه (وكان الله غنياً) عن جميع خلقه (حميداً) مستحمداً إليهم قاله ابن عباس، وعن علي مثله.
стр. 1578
(ولله ما في السموات وما في الأرض) أي عبيداً وملكاً قيل تكريرها تعديد لا هو موجب تقواه لأن التقوى والخشية أصل كل خير، وقيل كلام مبتدأ سيق للمخاطبين توطئة لا بعده من الشرطية غير داخل تحت القول المحكي (وكفى بالله وكيلاً) أي حفيظاً قاله قتادة، وقال ابن عباس شهيداً على أن له فيهن عبيداً وقيل دافعاً ومجيراً.
стр. 1579
(إن يشأ يذهبكم) أي يفنكم (أيها الناس) ويستأصلكم بالمرة، قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين (ويأت) أي يوجد دفعة مكانكم (بآخرين) أي بقوم آخرين من البشر، أو خلقاً مكان الإنس غيركم هم خير منكم، وهو كقوله تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (وكان الله على ذلك) أي على أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم (قديراً) لا يمتنع عليه شيء أراده ولم يزل ولا يزال موصوفاً بالقدرة على جميع الأشياء (١).