(والذين كذبوا بآياتنا) أي القرآن (صم وبكم) أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون بألسنتهم، نزلهم بمنزلة من لا يسمع ولا ينطق لعدم قبولهم لما ينبغي قبوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة، وقال أبو علي: يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة.
(في الظلمات) أي في ظلمات الكفر والجهل والحيرة والعناد والتقليد لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم، والمعنى كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات فضموا إلى الصمم والبكم عدم الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ينتفع بها بحال، وقد تقدم في البقرة تحقيق المقام بما يغني عن الإعادة.
ثم بين الله سبحانه أن الأمر بيده ما شاء فعل فقال: (من يشاءِ الله يضلله) أي أضله عن الإيمان (ومن يشاء) أن يهديه (يجعله على صراط مستقيم) أي على دين الإسلام لا يذهب به إلى غير الحق ولا يمشي فيه إلا إلى صوب الاستقامة، وفيه دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، وهذا عدل منه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.
стр. 2068
(قل أرءيتكم) التاء هي الفاعل والكاف والميم عند البصريين للخطاب ولا حظَّ لهما في الإعراب وهو اختيار الزجاج وقال الكسائي: إن الفاعل هو التاء وإن أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول، وقال الفراء في موضع الفاعل والجملة استفهامية، والمعنى عند الكسائي أرأيتم أنفسكم، ورجح
стр. 2069
صاحب الكشاف المذهب الأول، والمعنى أخبروني عن حالتكم العجيبة.
واستعمال أرأيت في الأخبار مجاز، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سبباً للإخبار عنه أو الإبصار به طريقاً إلى الإحاطة به علماً وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب ففيه مجازان. استعمال رأى التي بمعنى علم أو أبصر في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار، قاله الشهاب.
وقد أطال السمين في بيان تركيب هذه الكلمة ومذاهب النحاة فيها إطالة كثيرة لا فائدة من ذكره ههنا.
(إن أتاكم) كما أتى غيركم من الأمم (عذاب الله) من الغرق والخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب قبل الموت (أو أتتكم الساعة) أي القيامة وقد ذكر سليمان الجمل في جواب هذا الشرط خمسة أوجه منها أنه محذوف تقديره فمن تدعون أو فأخبروني عنه أو فادعوه أو دعوتم الله، ودل عليه قوله: (أغير الله تدعون) هذا على طريقة التبكيت والتوبيخ أي أتدعون غير الله في هذه الحالة من الأصنام التي تعبدونها أم تدعون الله سبحانه لكشف ما حل بكم، قاله أبو حيان (إن كنتم صادقين) في دعواكم أن الأصنام تضر وتنفع وأنها آلهة كما تزعمون، وهذا تأكيد لذلك التوبيخ.
(بل إياه تدعون) أي لا تدعون غيره بل إياه تخصون بالدعاء في كشف ما نزل بكم (فيكشف) عنكم (ما تدعون إليه) أي إلى كشفه من الضر ونحوه (إن شاء) أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك (وتنسون) عند أن يأتيكم العذاب (ما تشركون) به تعالى أي ما تجعلونه شريكاً له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها ولا ترجون كشف ما بكم منها بل تعرضون عنها إعراض الناسي، قاله الحسن وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وتتركون ما تشركون.
стр. 2072
(ولقد أرسلنا) كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي ﷺ (إلى أمم) كائنة (من قبلك) رسلاً فكذبوهم.
(فأخذناهم) أي عاقبناهم (بالبأساء والضراء) أي البؤس والضرر قال سعيد بن جبير: خوف السلطان وغلاء السعر، وقيل شدة الجوع، وقيل المكروه، وقيل الفقر الشديد، وأصله من البؤس وهو الشدة وقيل البأساء المصائب في الأموال، والضراء المصائب في الأبدان من الأمراض والأوجاع والزمانة، وبه قال الأكثر وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كما هو القياس، فإنه لم يقل أضرر ولا أبأس صفة بل للتفضيل قاله الشهاب (لعلهم يتضرعون) أي يدعون الله بضراعة وهي الذل يقال ضرع فهو ضارع، وهذا الترجي بحسب عقول البشر.
стр. 2073
(فلولا) أي فهلا (إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) لكنهم لم يتضرعوا مع قيام المقتضى له وهو الباساء والضراء، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر، ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب وذلك تضرع ضروري لم يصدر عن إخلاص فهو غير نافع لصاحبه، والأول أولى كما يدل عليه.
(ولكن قست) أي صلبت وغلظت فلم تضرع ولم تخشع (قلوبهم) واستمرت على ما هي عليه من القساوة ولم تلن للإيمان، وهذا استدراك وقع بين الضدين قال أبو السعود: فهذا من أحسن مواقع الاستدراك.
(وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي، والجملة استئنافية أخبر تعالى عنهم بذلك أو داخلة في حيز الاستدراك وهو الظاهر، وهذا رأي الزمخشري فإنه قال: لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم.
стр. 2074
(فلما نسوا ما ذكروا به) أي تركوا ما وعظوا به وأعرضوا عنه لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به إذ ليس هو من فعلهم، وبه قال ابن عباس وأبو علي الفارسي، قال ابن جريج: ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم، والمعنى أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك (فتحنا) بالتخفيف والتشديد سبعيتان (عليهم أبواب كل شيء) أي استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم، وبدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في الرزق والعيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، قال مجاهد: يعني رخاء الدنيا وشرها، ونحوه عن قتادة.
(حتى إذا فرحوا بما أوتوا) من الخير والرزق على أنواعه والسعة والرخاء
стр. 2075
والمعيشة والصحة وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقاً وصواباً. وهذا فرح بطر وأشر كما فرح قارون لما أوتي من الدنيا (أخذناهم بغتة) وهم غير مترقبين لذلك والبغتة الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه غيره عند سيبويه.
قال محمد بن النصر الحارثي: أمهلوا عشرين سنة ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع، وإلا فهو كلام لا طائل تحته، قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال أهل المعاني: إنما أخذوا في حال الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال العافية والتصرف في ضروب اللذة فأخذناهم في آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم.
(فإذا) هي الفجائية قال سيبويه إنها ظرف مكان، وقال جماعة منهم الراسي إنها ظرف زمان ومذهب الكوفيين أنها حرف (هم مبلسون) أي مهلكون في مكان إقامتهم أو في زمانها قاله السدي، والمبلس الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال ومن ذلك اشتق اسم إبليس يقال أبلس الرجل إذا سكت وأبلست الناقة إذا لم ترع.
والمعنى فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح، قال ابن زيد: المبلس المجهود الكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه، والمبلس أشد من المستكين وقال الفراء: هو اليائس المنقطع رجاؤه، وقال أبو عبيدة: هو النادم الحزين، والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم.
وعن عقب: بن عامر أن النبي ﷺ قال: " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج " (١) ثم تلا يعني هذه الآية ذكره البغوي بلا سند، وأسنده الطبري وغيره.
(فقطع) بالبناء للمفعول وللفاعل وهو الله سبحانه وفيه التفات إلى غيبة (دابر القوم الذين ظلموا) الدابر الآخر يقال دبر القوم يدبرهم دابراً إذا كان آخرهم في المجيء قاله أبو عبيد، ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور، والمعنى أنه قطع آخرهم أي استؤصلوا جميعاً حتى آخرهم فلم يبق منهم باقية قال قطرب يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا، وقيل الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أصله، قاله الأصمعي.
(والحمد لله رب العالمين) على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قال الزجاج: حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم، وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه عند نزول المنعم التي من أجلها إهلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد، اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين واقطع دابرهم وأبدلهم بالعدل الشامل لهم آمين.
стр. 2078
(قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) هذا تكرير للتوبيخ لقصد تأكيد الحجة عليهم، ووحد السمع لأنه مصدر يدل على الجمع بخلاف البصر فلهذا جمعه، والختم الطبع، وقد تقدم تحقيقه في البقرة والمراد أخذ المعاني القائمة بهذه الجوارح أو أخذ الجوارح أنفسها.
(من إله غير الله يأتيكم به) الاستفهام للتوبيخ ووحد الضمير في (به)
стр. 2079
مع أن المرجع متعدد على معنى فمن يأتيكم بذلك المأخوذ، وقيل الضمير راجع إلى أخذ هذه المذكورة وقيل إن الضمير بمنزلة اسم الإشارة أي من يأتيكم بذلك المذكور.
(انظر كيف نصرف الآيات) أمر رسول الله ﵌ بالنظر في تصريف الآيات الباهرات وعدم قبولهم لها تعجيباً له من ذلك، ويدخل معه غيره، والتصريف المجيء بها على جهات مختلفة من أسلوب إلى أسلوب، تارة إنذار، وتارة إعذار، وتارة ترغيب، وتارة ترهيب (ثم هم يصدفون) أي يعرضون قاله مجاهد، يقال صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفاً وصدوفاً. وقال ابن عباس: يعدلون عنها مكذبين لها، وهو محط التعجيب والعمدة فيه.
стр. 2080
(قل أرأيتكم) أي أخبروني (إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) تنازع أرأيت وأتاكم في عذاب الله فاعملنا الثاني وأضمرنا في الأول والمفعول الثاني جملة الاستفهام، وقد تقدم تفسير البغتة قريباً أنها الفجاءة قال الكسائي: بغتهم يبغتهم بغتاً وبغتة إذا أتاهم فجأة أي من دون تقديم مقدمات تدل على العذاب، والجهرة أن يأتي العذاب بعد ظهور مقدمات تدل عليه، هذا ما جرى عليه القاضي، وقيل البغتة إتيان العذاب ليلاً، والجهرة إتيان العذاب نهاراً كما في قوله تعالى (بياتاً أو نهاراً) وبه قال الحسن والأول أولى.
(هل يهلك إلا القوم الظالمون) الاستفهام للنفي أي ما يهلك هلاك تعذيب وغضب وسخط إلا المشركون، وقال الزجاج: معناه هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم والاستثناء مفرغ.
(وما نرسل المرسلين) كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل (إلا مبشرين) لمن أطاعهم بما أعد الله له من الجزاء العظيم (ومنذرين) لمن عصاهم بما له عند الله من العذاب الوبيل، وقيل مبشرين في الدنيا بسعة الرزق، وفي الآخرة بالثواب، ومنذرين مخوفين بالعقاب، وهما حالان مقدرتان أي ما نرسلهم إلا مقدرين تبشيرهم وإنذارهم.
(فمن آمن) بما جاءت به الرسل (وأصلح) حال نفسه بفعل ما يدعونه إليه (فلا خوف عليهم) بوجه من الوجوه بلحوق العذاب (ولا هم يحزنون) بحال من الأحوال بفوات الثواب، وهذا حال من آمن وأصلح وأما حال المكذبين فبينه بقوله:
стр. 2083
(والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب) أي يصيبهم (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم وخروجهم عن التصديق والطاعة، وقال ابن زيد: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب.
стр. 2084
(قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) أمره الله سبحانه بأن يخبرهم لما كثر اقتراحهم عليه وتعنتهم بإنزال الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان أنه لم يكن عنده خزائن الله حتى يأتيهم بما اقترحوه من الآيات، والمراد خزائن قدرته التي تشتمل على كل شيء من الأشياء، والخزائن جمع خزانة وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء أحرزه بحيث لا تناله الأيدي.
(و) أمره أن يقول لهم أيضاً (لا) أدعي أني (أعلم الغيب) من
стр. 2085
أفعاله حتى أخبركم به وأعرفكم بما سيكون في مستقبل الدهر (ولا أقول لكم إني ملك) من الملائكة حتى تكلفوني من الأفعال الخارقة للعادة ما لا يطيقه البشر كالرقي في السماء أو حتى تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحاً في أمري.
والمعنى أني لا أدعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعاً، بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله تعالى والعمل بمقتضاه فحسب كما سيأتي.
وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
(إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملاً بما يفيده القصر في هذه الآية والمسألة مدونة في الأصول والأدلة عليها معروفة، وقد صح عنه ﵌ أنه قال: " أوتيت القرآن ومثله معه " (١).
(قل هل يستوي الأعمى والبصير) هذا الاستفهام للإنكار والمراد أنه لا يستوي الضال والمهتدي أو المسلم والكافر أو العالم والجاهل أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم يتبعه، والكلام تمثيل، قال قتادة الأعمى الكافر الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، والبصير العبد المؤمن الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده وعمل بطاعة ربه وانتفع بما آتاه الله.
(أفلا تتفكرون) في ذلك الكلام الحق حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما فإنه لا يلتبس على من له أدنى عقل وأقل تفكر.
(وأنذر) الإنذار الإعلام مع تخويف. والضمير في (به) راجع إلى ما يوحى وقيل إلى الله وقيل إلى اليوم الآخر، وخص (الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له، فإنه لا يؤثر فيه ذلك.
وقيل ومعنى يخافون يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين. وقيل معنى الخوف على حقيقته والمعنى أنه ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي ﵌ يذكره وإن لم يكن مصدقاً به في الأصل لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي ﵌ فإن من كان كذلك يكون الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع.
(ليس لهم من دونه ولي) أي حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم (ولا شفيع) يشفع لهم من دون الله وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم وهم أهل الكتاب أو أن أصنامهم تشفع لهم وهم المشركون أو أن المشايخ يشفعون لمريديهم وهم المتصوفة لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله لقوله : (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) عن ابن مسعود قال مر الملأ من قريش على النبي ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك، أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا أنحن نكون
стр. 2088
تبعاً لهؤلاء، اطردهم عنا فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله فيهم (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى قوله من الظالمين) وقد أخرج هذا السبب مطولاً ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة (لعلهم يتقون) ما نهيتهم عنه فيدخلون في زمرة أهل التقوى.
стр. 2089
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) الدعاء العبادة مطلقاً وقيل المحافظة على صلاة الجماعة، وقال ابن عباس: الصلاة المكتوبة، وقال مجاهد: هي الصبح والعصر، وقال سفيان: أي أهل الفقه، وقيل الذكر وقراءة القرآن وقيل المراد بالدعاء لله بجلب النفع ودفع الضرر، وقيل المراد بذكر الغداة والعشي الدوام على ذلك والاستمرار وقيل الصلوات الخمس وقيل هو على ظاهره أي لا تبعدهم عن مجلسك لأجل ضعفهم وفقرهم.
(يريدون وجهه) أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد.
(ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء) هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم.
هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله: (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) وطعن عندك في دينهم وحسبهم، فكيف وقد زكاهم الله بالعبادة والاخلاص وهذا هو مثل قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقوله: (وأن ليس للإنسان إلا مع سعى) وقوله (إن حسابهم إلا على ربي).
(فتطردهم) هو من تمام الاعتراض أي إذا كان الأمر كذلك فاقبل
стр. 2090
عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل (فتكون) جواب للنهي أي فإن فعلت ذلك كنت (من الظالمين) وحاشاه عن وقوع ذلك وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره ﷺ من أهل الإسلام كقوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك).
أخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة أنا وعبد الله بن مسعود وبلال ورجل من هذيل ورجلين لست اسميهما فقال المشركون للنبي ﷺ اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله هذه الآية، وقد روي في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى.
стр. 2091
(وكذلك) أي مثل تلك الفتن العظيمة (فتنا بعضهم ببعض) أي ببعض الناس وابتلينا الغني بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، فكل أحد مبتلى بضده، والفتنة الاختبار أي عاملناهم معاملة المختبرين (ليقولوا) اللام للصيرورة كقوله لدوا للموت وابنوا للخراب، وقوله [ليكون لهم عدواً وحزناً] وقيل: إنها لام كي وهو أظهر، وعليه أكثر المعربين والتقدير ومثل ذلك الفتون فتناً ليقول البعض الأول مشيراً إلى البعض الثاني.
(أهؤلاء) الذين (من الله عليهم من بيننا) أي إكرمهم بإصابة الحق دوننا قال النحاس: وهذا من المشكل لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول وهو إن كان على طريقة الإنكار فهو كفر، وأجاب بجوابين الأول أن ذلك واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الإنكار والثاني أنهم لما اختبروا بهذا كان عاقبة هذا القول منهم كقوله (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً) قال ابن عباس: قالوا ذلك استهزاء وسخرية وقال ابن جرير: لو كان لهم كرامة على الله ما أصابهم هذا الجهد.
(أليس الله بأعلم) هذا الاستفهام للتقرير والمعنى أن مرجع الاستحقاق لنعم الله سبحانه هو الشكر وهو أعلم (بالشاكرين) له فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل.
(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) هم الذين نهاه الله عن طردهم وهم المستضعفون من المؤمنين (فقل سلام عليكم) أمره الله بأن يقول لهم هذا القول تطييباً لخاطرهم وإكراماً لهم، والسلام والسلامة بمعنى واحد فالمعنى سلمكم الله وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأنه دعاء والدعاء من المسوغات، قاله السمين.
وقد كان النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقيل إن هذا السلام هو من جهة الله أي: أبلغهم منا السلام، عن ماهان قال: أتى قوم النبي ﷺ فقالوا إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما رد عليهم شيئاً فانصرفوا فأنزل الله هذه الآية فدعاهم فقرأها عليهم (١). وقيل: إن الآية على إطلاقها في كل مؤمن لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي أوجب ذلك إيجاب فضل وإحسان وقيل كتب ذلك في اللوح المحفوظ قيل هذا من جملة ما أمره الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك الذين أمره بإبلاغ السلام إليهم تبشيراً بسعة مغفرة الله
стр. 2094
وعظم رحمته لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
(أنه) أي الشأن (من عمل منكم سوءاً بجهالة) قيل المعنى أنه فعل فعل الجاهلين لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة مع علمه بذلك أو ظنه فقد فعل فِعْلَ أهل الجهل والسفه لا فعل أهل الحكمة والتدبير، وقيل المعنى أنه عمل ذلك وهو جاهل لما يتعلق به من المضرة والعقاب وما فاته من الثواب فتكون فائدة التقييد بالجهالة الإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر، قال مجاهد: كل من عمل ذنباً أو خطيئة فهو بها جاهل.
(ثم تاب من بعده) أي من بعد عمله وارتكابه ذلك السوء (وأصلح) ما أفسده بالمعصية في المستقبل فراجع بالصواب وأخلص التوبة وعمل الطاعة (فإنه) أي فأمره أو فله أن الله (غفور رحيم) واختار الأول سيبويه والثاني أبو حاتم.
стр. 2095
(وكذلك) أي مثل ذلك التفصيل (نفصل الآيات) أي أدلة حججنا وبراهيننا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل، والتفصيل بالتبيين وقيل: إن الله فصل لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين وبين لهم حكم كل طائفة (ولتستبين) الخطاب على الفوقية للنبي ﵌ أي: لتستبين يا محمد (سبيل المجرمين) وأما على التحتية فالفعل مسند إلى سبيل، وإذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين قال ابن زيد: هم الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.
(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون) أمره سبحانه أن يعود إلى مخاطبة الكفار ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه (من دون الله قل لا اتبع أهواءكم) أمره سبحانه بأن يقول لهم لا أسلك المسلك الذي سلكتموه في دينكم من اتباع الأهواء والمشي على ما توجبه المقاصد الفاسدة التي يتسبب عنها الوقوع في الضلال، كرر الأمر مع قرب العهد اعتناء بالمأمور به وإيذاناً باختلاف القولين من حيث أن الأول حكاية لما هو من جهته تعالى وهو النهي، والثاني حكاية لما هو من جهته ﵇ وهو الانتهاء عما ذكر من عبادة ما يعبدونه.
(قد ضللت إذاً) أي إن اتبعت أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم وطرد من أردتم طرده، قال الجوهري: الضلال والضلالة ضد الرشاد وقد ضللت أضل، قال الله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال فهذه يعني المفتوحة لغة نجد وهي الفصيحة وأهل العالية تقول ضللت بالكسر أضل انتهى.
(وما أنا من المهتدين) إن فعلت ذلك، وهذه الجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها والمجيء بها إسمية عقب تلك الفعلية للدلالة على الدوام والثبات.
стр. 2098
(قل إني على بينة) هي الحجة والبرهان أي: إني على برهان (من ربي) ويقين لا على هوى وشك، وقال أبو عمران الجوني: على ثقة وقيل على بيان
стр. 2099
وبصيرة، وهذا تحقيق للحق الذي هو عليه إثر إبطال الباطل الذي هم عليه، أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه هو عن حجة برهانية يقينية لا كما هم عليه من إتباع الشبه الداحضة والشكوك الفاسدة التي لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة.
(وكذبتم به) أي بالرب أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة، وتذكير الضمير باعتبار المعنى، وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد أي والحال أن قد كذبتم به أو جملة مستأنفة مبنية لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول الله ﷺ من الحجج الواضحة والبراهين البينة.
(ما عندي ما تستعجلون به) أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلون به من العذاب فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم:
(أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً) وقولهم: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) وقولهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) وقيل كانوا يستعجلون بالآيات التي اقترحوها وطلبوها وقيل كانوا يستعجلون بقيام الساعة ومنه قوله تعالى: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها).
(إن) أي ما (الحكم) في شيء (إلا لله) سبحانه وحده ليس معه حاكم، ومن ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة والمراد الحكم الفاصل بين الحق والباطل (يقص) هو من القصص أي يقص القصص (الحق) أو من قص أثره أي يتبع الحق فيما يحكم به، وقرئ يقضي بالضاد المعجمة والياء من القضاء أي يقضي القضاء الحق بين عباده (وهو خير الفاصلين) بين الحق والباطل بما يقضي به بين عباده ويفصله لهم في كتابه.
(قل لو أن عندي ما تستعجلون به) الاستعجال المطالبة بالشيء قبل وقته فلذلك كانت العجلة مذمومة، والإسراع تقديم الشيء في وقته فلذلك كانت السرعة محمودة والمعنى ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدور إليّ وفي وسعي.
(لقضي الأمر بيني وبينكم) أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه بكم بسؤالي له وطلبي ذلك أو لو كان العذاب عندي وفي قبضتي لأنزلته بكم وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم (والله أعلم بالظالمين) وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم وبما يقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجاً لهم وإعذاراً إليهم.
стр. 2102
(وعنده مفاتح الغيب) جمع مفتح بالفتح وهو المخزن أي عنده مخازن الغيب،، جعل للأمور الغيبية مخازن يخزن فيها على طريق الإستعارة أو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق الإستعارة أيضاً، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميقع (وعنده مفاتيح الغيب) فإنها جمع مفتاح والمعنى أن عنده خاصة مخازن الغيب أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن.
(لا يعلمها إلا هو) جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، وهذا بيان لاختصاص المقدورات الغيبية به تعالى من حيث العلم إثر بيان اختصاص كلها
стр. 2103
من حيث القدرة، ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق إندراجاً أولياً.
وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق ﷺ : " من أتى كاهناً أو منجماً فقد كفر بما أنزل على محمد " (١).
قال ابن مسعود: أوتي نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب. وقال ابن عباس: إنها الأقدار والأرزاق وقال الضحاك: خزائن الأرض وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وقيل هو انقضاء الآجال وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم، وقيل هو علم ما لم يكن بعد أن يكون إذ يكون كيف يكون وما لا يكون إن لو كان كيف يكون، واللفظ أوسع من ذلك ويدخل فيه ما ذكروه دخولاً أولياً.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يدري أحد متى يجيء المطر " (٢)، أخرجه البخاري وله ألفاظ وفي رواية ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله.
(ويعلم ما في البر والبحر) خصهما بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علماً مفصلاً لا يخفى عليه منه شيء أو
стр. 2104
خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما، وعلى هذا هو بيان لتعلق علمه بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات، قال مجاهد: البر المفاوز والقفار، والبحر القرى والأمصار لا يحدث فيهما شيء إلا وهو يعلمه.
وقال الجمهور: هو البر والبحر المعروفان لأن جميع الأرض إما بر، وإما بحر وفي كل واحد منهما من عجائب وغرائب ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه.
(وما تسقط من ورقة) أي من ورق الشجر وما يبقى عليه وهو تخصيص بعد التعميم (إلا يعلمها) ويعلم زمان سقوطها ومكانه وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم، قال ابن عطية: هذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه.
(ولا حبة) كائنة (في ظلمات الأرض) أي في الأمكنة المظلمة وقيل في بطن الأرض قبل أن ينبت، وقيل هي الحبة في الصخرة التي في أسفل الأرضين (ولا رطب ولا يابس) بنوع دون نوع (إلا في كتاب مبين) هو اللوح المحفوظ فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من (إلا يعلمها) وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة قاله الخطيب.
وقال الزمخشري: هو كالتكرير لقوله: (إلا يعلمها) لأن معناهما واحد، قال الشيخ ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد، وحسن كونه فاصلاً.