(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار، والمعنى لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله فيتسبي عن ذلك سبهم لله عدواناً وتجاوزاً عن الحق وجهلاً منهم.
وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبي عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق ووقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به بل كان واجباً عليه.
وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات عناداً للحق وبغضاً لاتباع المحقين، وجرأة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجني على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك
стр. 2207
في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة.
فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع وهم أشر من الزنادقة لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادراً على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه، وقرئ عدوا بالضم وعدوا بالفتح ومعناهما واحد أي ظلماً وعدواناً، وعن ابن عباس قال: قالوا يا محمد- ﷺ لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدواً بغير علم.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " ملعون من سب والديه، قالوا يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه " (١).
(كذلك) أي مثل ذلك التزيين (زينا لكل أمة) من أمر الكفار (عملهم) من الخير والشر والطاعة والمعصية بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقاً وتخذيلاً، وفي هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه.
(ثم إلى ربهم مرجعهم) أي مصيرهم (فينبئهم بما كانوا يعملون) في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها ولا قبلوا من الأنبياء ما أرسلهم الله به إليهم وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم.
(وأقسموا بالله) أي الكفار مطلقاً أو كفار قريش (جهد أيمانهم) أشدها أي أقسموا أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، فلهذا أقسموا به والجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة ومن أهل اللغة من يجعلهما بمعنى واحد.
والمعنى أنهم اقترحوا على النبي ﷺ آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وأقسموا (لئن جاءتهم آية) أي هذه الآية التي اقترحوها كما جاءت من قبلهم وهذا إخبار عنهم من الله لا حكاية لقولهم وإلا لقيل لئن جاءتنا قاله أبو حيان (ليؤمنن بها) وليس غرضهم بذلك الإيمان بل معظم قصدهم التهكم على رسول الله ﷺ والتلاعب بآيات الله وعدم الاعتداد بما شاهدوا منها فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله:
(قل إنما الآيات) أي هذه الآية التي يقترحونها وغيرها (عند الله) وليس عندي من ذلك لشيء، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله تعالى.
(وما يشعركم) أي وما يدريكم يعني أنتم لا تدرون ذلك، قال مجاهد وابن زيد: المخاطب بهذا المشركون، وقال الفراء وغيره: الخطاب للمؤمنين لأن المؤمنين قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون فقال الله: وما يشعركم (أنها) قرئ بفتح الهمزة قال الخليل: أنها بمعنى لعلها وفي التنزيل (وما يدريك لعله يزكى) أي أنه يزكى، وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، وقد وردت أن في كلام العرب كثيراً
стр. 2210
بمعنى لعل.
(إذا جاءت لا يؤمنون) قال الكسائي والفراء: أن لا زائدة والمعنى وما يشعركم أنها أي الآيات إذا جاءت يؤمنون فزيدت لا كما زيدت في قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) وفي قوله: (ما منعك أن لا تسجد) وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة لا وقالوا هو خطأ وغلط، وذكر النحاس وغيره أن في الكلام حذفاً والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع.
стр. 2211
(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) قيل يعني يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر، والتقلب هو تحويل الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم.
(كما لم يؤمنوا به) في الدنيا (أول مرة) يعني الآيات التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء أو جاء بها رسول الله ﵌ من المعجزات الباهرات.
وقال ابن عباس: يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان فلا يؤمنون به كما لم يؤمنوا به أول مرة قبل مماتهم (ونذرهم) أي نمهلهم ولا نعاقبهم في الدنيا، فعلى هذا بعض الآيات في الآخرة وبعضها في الدنيا وقيل المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور المعجزة.
(في طغيانهم يعمهون) أي يتحيرون يقال عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيراً مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة فهو عمه وأعمه، قال ابن عباس: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم يثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر.
(ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة) أي لو آتيناهم ما طلبوه لا يؤمنون كما اقترحوه بقولهم لولا أنزل عليه ملك (وكلمهم الموتى) الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم (وحشرنا عليهم كل شيء) مما سألوه من الآيات وأصناف المخلوقات كالسباع والطيور، والحشر الجمع (قبلاً) أي كفلاء وضمناء بما جئناهم به من الآيات البينات أو حال كون الكفار معاينين رائين للآيات والأصناف.
قرئ قبلاً بضم القاف وقبلاً بكسرها أي مقابلة، قال المبرد: قبلاً بمعنى ناحية كما تقول لي قبل فلان مال، وبه قال أبو زيد وجماعة من أهل اللغة وعلى الأول ورد قوله تعالى: (أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً) أي يضمنون كذا قال الفراء وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل قبيل أي جماعة جماعة.
وحكى أبو زيد: لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً كلها واحد بمعنى المواجهة فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان، وهو قول أبي عبيدة والفراء والزجاج، ونقله الواحدي أيضاً عن جميع أهل اللغة، قال ابن عباس: قبلاً معاينة، وقال قتادة: فعاينوا ذلك معاينة، وقال مجاهد: قبلاً أفواجاً، وقيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول.
(ما كانوا ليؤمنوا) أي أهل الشقاء لما سبق في علم الله، واللام لام الجحود (إلا أن يشاء الله) أيمانهم أي إيمان أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن،
стр. 2214
والاستثناء مفرغ، وبه قال ابن عباس وصححه الطبري، وقال أبو البقاء والحوفي الاستثناء منقطع وتبعه السيوطي لأن المشيئة ليست من جنس إرادتهم.
واستبعده أبو حيان وجرى على أنه متصل وكذلك البيضاوي وكثير من المعربين كالسفاقسي قالوا: والمعنى ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال إلا في حال مشيئته أو في سائر الأزمان إلا في زمن مشيئته، وقيل هو استثناء من علة عامة أي ما كانوا ليؤمنوا لشيء من الأشياء إلا لمشيئة الله الإيمان وهو الأولى كما تقدم، وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة في قولهم إن الله أراد الإيمان من جميع الكفار.
(ولكن أكثرهم يجهلون) جهلاً يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب، وقال البيضاوي: أي يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعاً في إيمانهم انتهى.
стр. 2215
(وكذلك) أي مثل هذا الجعل (جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن) هذا الكلام استئناف مسوق لتسلية رسول الله ﷺ ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم، والمعنى كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار فجعلنا لكل واحد منهم عدواً من كفار زمنهم وأن ذلك ليس مختصاً بك، والمراد بالشياطين المردة من الفريقين، والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس، وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قالوا وشياطين الإنس أشد تمرداً من شياطين الجن، وبه قال مالك بن دينار والإضافة بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل الإنس والجن الشياطين، قال ابن عباس: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا أضلله بكذا وأضلله بكذا، وعنه قال الجن هم الجان وليسوا شياطين، والشياطين ولد
стр. 2216
إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر.
وقال ابن مسعود: الكهنة هم شياطين الإنس، وقيل الكل من ولد إبليس وأضيف الشياطين إلى الإنس على معنى أنهم يغوونهم ويضلونهم، وبهذا قال عكرمة والضحاك والكلبي والسدي.
(يوحي بعضهم إلى بعض) أي حال كونهم يوسوس بعضهم لبعض، وقيل: إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدو، وسمي وحياً لأنه إنما يكون خفية بينهم وجعل تمويههم (زخرف القول) لتزيينهم إياه والمزخرف المزين وزخارف الماء طرائقه، والزخرف هو الباطل من الكلام الذي قد زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف يغرونهم بذلك (غروراً) هو الباطل.
قال ابن عباس: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ويحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم.
وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال يا نبي الله وهل للإنس شياطين قال نعم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً " (١).
(ولو شاء ربك ما فعلوه) الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقاً من الأمور التي جرت من الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ما فعلوه وأوقعوه، وقيل ما فعلوا الإيحاء المدلول عليه بالفعل (فذرهم) أي دع الكفار واتركهم، وهذا الأمر للتهديد كقوله ذرني ومن خلقت وحيداً.
(وما يفترون) إن كانت " ما " مصدرية فالتقدير اتركهم وإفتراءهم وإن كانت موصولة فالتقدير اتركهم والذي يفترونه، وهذا قبل الأمر بالقتال.
(ولتصغى) اللام لام كي وقيل اللام للأمر وهو غلط فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل، والإصغاء الميل يقال صغوت أصغو وصغيت أصغي ويقال أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض، ويقال صغت النجوم إذا مالت للغروب وأصغت الناقة إذا مالت برأسها.
والضمير في (إليه) لزخرف القول أو لما ذكر سابقاً من زخرف القول وغيره أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم ولتصغي إليه (أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) من الكفار والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به، وهو قوله (وليرضوه) لأنفسهم بعد الإصغاء إليه (وليقترفوا ما هم مقترفون) من الآثام والإقتراف والاكتساب، يقال خرج ليقترف لأهله أي ليكتسب لهم، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه، وقرفه إذا رماه بالرمية واقترف كذب، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء أي ليكتسبوا من الأعمال الخبيثة ما هم مكتسبون.
وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولاً يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضا فيكون الفعل أي الإقتراف، فكل واحد مسبي عما قبله قاله أبو حيان.
стр. 2219
(أفغير الله) كلام مستأنف وارد على إرادة القول والاستفهام للإنكار أي قل لهم يا محمد كيف أضل وأميل إلى زخارف الشياطين و (ابتغي) غير الله حكماً هو أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة، أمره الله أن ينكر عليهم ما طلبوه منه من أن يجعل بينهم وبينه حكماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى فيما اختلفوا فيه وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم.
(وهو الذي أنزل إليكم الكتاب) أي القرآن (مفصلاً) مبيناً واضحاً مستوفياً لكل قضية على التفصيل (والذين آتيناهم الكتاب) أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور، أخبر الله نبيه ﷺ بأن أهل الكتاب وإن أظهروا الجحود والمكابرة فإنهم (يعلمون أنه) أي القرآن (منزل من ربك) أي من عند الله مما دلتهم عليه كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء (بالحق) حال أي متلبساً بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة (فلا تكونن من الممترين) الشاكين فيه.
نهاه الله عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق، وبه قال الزمخشري: أو نهاه عن مطلق الإمتراء ويكون ذلك تعريضاً لأمته عن أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من يصلح له أي فلا يكونن أحد من الناس من الممترين، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب لرسول الله ﷺ فإن خطابه خطاب لأمته.
стр. 2220
(وتمت كلمة ربك) قرأ أهل الكوفة كلمة بالتوحيد والباقون بالجمع والمراد العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد، والمعنى أن الله قد أتم وعده ووعيده فظهر الحق وانطمس الباطل، وقيل المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن أي لا أحد يقدر على تحريفه كما فعل بالتوراة فيكون هذا ضماناً له من الله بالحفظ أو لا نبي ولا كتاب بعده ينسخه، ومعنى تمت بلغت الغاية، وعن أنس
стр. 2221
مرفوعاً قال: [لا إله إلا الله] أخرجه ابن مردويه وابن النجار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ولكل قوم صنم يعبدونه فجعل يأتيها صنماً صنماً ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره فكلما طعن صنماً اتبعه ضرباً بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجاً من المسجد والنبي ﷺ يقول: وتمت كلمات ربك الآية.
(صدقاً وعدلاً) أي تمام صدق وعدل، قال أبو البقاء والطبري النصب على التمييز وتبعهما السيوطي، وقال ابن عطية: هو غير صواب وليس في ذلك إبهام وأعربه الكواشي حالاً من ربك أو مفعولاً له، قال قتادة: صدقاً فيما وعد وعدلاً فيما حكم، وقيل صدقاً فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية، وعما هو كائن إلى قيام الساعة وعدلاً فيما حكم من الأمر والنهي والحلال والحرام وسائر الأحكام.
(لا مبدل لكلماته) لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به لما وصفها بالتمام وهو في كلامه تعالى يقتضي عدم قبول النقص والتغير، قال محمد بن كعب القرظي: لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والأخرة كقوله: (ما يبدل القول لدي) وفيه دليل على أن السعيد لا ينقلب شقياً ولا الشقي ينقلب سعيداً فالسعيد من سعد من الأزل والشقي من شقي في الأزل (وهو السميع) لكل مسموع (العليم) بكل معلوم ومنه قول المتحاكمين.
(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من فيها أضلوه لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين وهم الطائفة التي لا تزال على الحق ولا يضرها خلاف من خالفها كما ثبت ذلك عن رسول الله ﵌، وقيل المراد بالأكثر الكفار وبالأرض مكة أي أكثر أهل مكة.
(إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون إلا الظن الذي لا أصل له وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى الله (وإن هم إلا يخرصون) أي يحدسون ويقدرون، وأصل الخرص القطع ومنه خرص النخل يخرص إذا حرزه ليأخذ منه الزكاة فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به إذ لا يقين منه أي إذا كان هذا حال أكثر من في الأرض فالعلم الحقيقي هو عند الله فاتبع ما أمرك به ودع عنك طاعة غيره.
стр. 2224
(إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أي بمن يهتدي إليه، قال بعض أهل العلم: إن أعلم في الموضعين بمعنى يعلم والوجه في هذا التأويل إن أفعل التفضيل لا ينصب الإسم الظاهر فتكون من منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائباً عنه، وقيل إن أفعل على بابه، والنصب بفعل مقدَّر، وقيل: إنها منصوبة بأفعل، أي إن ربك أعلم أيَّ الناس يضلُّ عن سبيله.
стр. 2225
(فكلوا) في هذه الفاء وجهان (أحدهما) أنها جواب شرط مقدر قاله
стр. 2226
الزمخشري (والثاني) أنها عاطفة على محذوف، قاله الواحدي وهو الظاهر (مما ذكر اسم الله عليه) عند ذبحه، لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار في الأنعام من تلك السنن الجاهلية أمر الله المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر الاسم الشريف عليه.
وقيل إنها نزلت في سبب خاص كما أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ﵌ فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: (إنكم لمشركون) ولكن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله حل إن كان مما أباح الله أكله وقال عطاء في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح وكل مطعوم.
والشرط في (إن كنتم) للتهييج والإلهاب (بآياته مؤمنين) أي بأحكامه من الأوامر والنواهي التي من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتف أنفه، وهذا يدل على أن الخطاب للمسلمين وقيل كانوا يحرمون أصنافاً من النعم ويحلون الميتة فقيل أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، وعلى هذا الخطاب للمشركين والأول أولى.
стр. 2227
(وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) الاستفهام للإنكار أي ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن لكم بذلك، وفيه تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم الله دون غيره (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) أي والحال أنه قد بين لكم بياناً مفصلاً يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً) الآية وقال السيوطي يعني آية (حرمت عليكم الميتة) أي آية المائدة.
وحينئذ في المقام إشكال أورده الرازي وحاصله أن سورة الأنعام مكية
стр. 2228
وسورة المائدة مدنية من آخر القرآن نزولاً بالمدينة، وقوله: (وقد فصل لكم) يقتضي أن ذلك التفصيل قد تقدم على هذا المحل، والمدني متأخر عن المكي، فيمتنع كونها متقدمة ثم قال: بل الأولى أن يقال هو قوله بعد هذه الآية: (قل لا أجد) وهذه وإن كانت مذكورة بعدها بقليل إلا أن هذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد انتهى.
قلت وذكر المفسرون وجهاً آخر وهو أن الله علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة على ما في المائدة بقوله: (وقد فصل لكم) باعتبار تقدمه في الترتيب وإن كان متأخراً في النزول والله أعلم.
ثم استثنى فقال: (إلا ما اضطررتم إليه) من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام وقد تقدم تحقيقه في البقرة قال قتادة: ما اضطررتم إليه من الميتة والدم ولحم الخنزير والاستثناء كما قال الحوفي منقطع، وبه قال التفتازاني، وقال أبو البقاء: متصل من طريق المعنى لأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه، وذلك يتضمن إباحة الأكل مطلقاً، وحاصله أن الاستثناء من الجنس فهو متصل، وقال زكريا فيه: إنه لا يكون حينئذ استثناء متصلاً بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر.
(وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم) هم الكفار الذين كانوا يحرمون البحيرة السائبة ونحوهما فإنهم بهذه الأفعال المبنية على الجهل كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك جهل وضلالة لا يرجع إلى شيء من العلم، قال سعيد بن جبير: يعني من مشركي العرب ليضلون في أمر الذبائح (إن ربك هو أعلم بالمعتدين) أي بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل الله فيجازيهم على سوء صنيعهم.
(وذروا ظاهر الإثم وباطنه) الظاهر ما كان يظهر كأفعال الجوارح، والباطن ما كان لا يظهر كأفعال القلب، وقيل ما أعلنتم وما أسررتم، وقيل الزنا الظاهر والزنا المكتوم، وقال ابن عباس: الظاهر نكاح الأمهات والبنات، والباطن هو الزنا، وقال سعيد بن جبير: الظاهر منه لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وحرمت عليكم أمهاتكم الآية، والباطن الزنا، وقال قتادة: علانيته وسره.
وقال السدي: الظاهر الزواني في الحوانيت، وهن صواحب الرايات، والباطن المرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سراً، وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف، والباطن الزنا، وقيل هذا النهي عام في جميع المحرمات التي نهى الله عنها وهو الأولى، فإن الاعتبار بعموم اللفظ دون خصوص السبب، وبه قال ابن الإنباري، وإنما أضاف الظاهر والباطن إلى الإثم لأنه يتسبب عنهما.
(إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبي افترائهم على الله سبحانه.
стр. 2231
(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسمه الشريف عليه بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب ابن عمر ونافع مولاه والشعبي وابن سيرين وهو رواية عن مالك وأحمد
стр. 2232
ابن حنبل وبه قال أبو ثور وداود الظاهري أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية، ولقوله تعالى في آية الصيد: (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) ويزيد هذا الاستدلال تأكيداً قوله سبحانه في هذه الآية (وإنه لفسق).
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره، وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك وعن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رياح، وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله، وهو تخصيص للآية بغير مخصص، وقد روى أبو داود في المراسيل أن النبي ﷺ قال: " ذبيحة المسلم حلال ذكر الله أو لم يذكر " (١) وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية.
نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي ﵌ أن قوماً يأتوننا بلحمان لا ندري ذكر اسم الله عليه أم لا فقال: " سموا أنتم وكلوا " (٢)، يفيد أن التسمية عند الأكل يجزى مع التباس وقوعها عند الذبح، وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما وأبو حنيفة وأصحابه وإسحق بن راهويه أن التسمية إن تركت نسياناً لم يضر، وإن تركت عمداً لم يحل أكل الذبيحة، وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن البصري وأبى مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة.
واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي ﵌: " المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله " (٣)، وهذا الحديث رفعه خطأ، وإنما هو من قول ابن عباس.
стр. 2233
نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا) كما سبق تقريره بقوله ﵌: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ".
أما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي أن رجلاً أتى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله ﷺ أرأيت الرجل هنا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ﷺ : " اسم الله على كل مسلم " (١)، فهو حديث ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره.
وقال ابن عباس الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء إنها في تحريم الذبائح كانوا يذبحونها على اسم الأصنام.
(و) الضمير في (إنه لفسق) يرجع إلى " ما " بتقدير مضاف ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، وقد تقدم تحقيق الفسق، والواو للاستئناف أو للحال، وقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله: (وإنه لفسق) ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقاً بل الفسق الذبح لغير الله، ويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعاً.
(وإن الشياطين) أي إبليس وجنوده (ليوحون إلى أوليائهم) أي يوسوسون لهم بالوساوس المخالفة للحق المباينة للصواب (ليجادلوكم) أي قاصدين بذلك أن يجادلكم هؤلاء الأولياء بما يوسوسون لهم (وإن أطعتموهم) فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه (إنكم لمشركون) مثلهم، قال الزجاج: فيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت. حاكماً غير الله.
(أو) الهمزة للإنكار والواو للعطف (من كان ميتاً فأحييناه) المراد بالميت هنا الكافر أحياه الله بالإسلام والهدى، وقيل معناه كان ميتاً حين كان نطفة فأحياه بنفخ الروح فيه، والأول أولى لأن السياق يشعر بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع المشركين، وكثيراً ما تستعار الحياة للهداية وللعلم، والموت للكفر والجهل.
(وجعلنا له نوراً) النور عبارة عن الهداية والإيمان، وقيل هو القرآن وقيل الحكمة، وقيل هو النور المذكور في قوله تعالى: (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) وقيل المراد به اليقين (يمشي) أي يستضيء (به في الناس) ويهتدي إلى قصد السبيل، والضمير في به راجع إلى النور (كمن مثله) أي صفته (في الظلمات) أي لا يستويان.
وقيل مثل زائدة، والمعنى كمن في الظلمات كما تقول أنا أكرم من مثلك أي منك، ومثله فجزاء مثل ما قتل من النعم وليس كمثله شيء وقيل المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات، والمعنى كمن هو خابط في ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى البصيرة.
و (ليس بخارج منها) في محل نصب على الحال أي حال كونه ليس بخارج من تلك الظلمات بحال من الأحوال، وقيل المراد بهما حمزة وأبو جهل قاله ابن عباس، وعن زيد بن أسلم في الآية قال: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام كانا ميتين في ضلالتهما فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزه وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله ﵌ دعا
стр. 2236
فقال: " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر " (١).
قال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل، وقال مقاتل: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل، والحق أن الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر، وبه قال الحسن.
(كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) المزين هو الله سبحانه ويدل عليه قوله: (زينا لهم أعمالهم) ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصولها لا يكون إلا بخلق الله، فدل ذلك على أن المزين هو الله سبحانه، وقالت المعتزلة: المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم.
стр. 2237
(وكذلك) أي مثل ذلك الجعل بمكة (جعلنا في كل قرية أكابر) الأكابر جمع أكبر قيل هم الرؤساء والعظماء وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد والغدر وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم، وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءها وجعل فساقها أكابر (مجرميها) قال الواحدي في الآية تقديم وتأخير أي مجرميها أكابر، وإنما جعل المجرمين أكابر لأن ما فيهم من السعة أدعى لهم إلى المكر والكفر.
(ليمكروا فيها) بالصد عن الإيمان، واللام على ظاهرها أو للعاقبة أو للعلة مجازاً، قال أبو عبيدة: المكر الخديعة والغدر والحيلة والفجور، وزاد بعضهم الغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل، قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب، عن عكرمة قال: نزلت في المستهزئين، وقيل المعنى ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي، دليله (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض).
(وما يمكرون إلا بأنفسهم) المكر الحيلة في مخالفة الاستقامة وأصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها أي ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم عائد عليهم (وما يشعرون) بذلك لفرط جهلهم.
(وإذا جاءتهم آية) من الآيات أي حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد- ﷺ والمعنى إذا جاءت الأكابر آية (قالوا) هذه المقالة (لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله) وإنما قالوها حسداً منهم للنبي ﷺ ، وقيل المعنى إذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد ﷺ قالوا لن نصدقك حتى يأتينا جبريل ويخبرنا بصدقك يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء متبوعين لا تابعين.
وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة ونظيره (يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة) قال بعضهم يسن الوقف هنا ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين (قلت) لعل هذا من التجارب دون المأثورات.
فأجاب الله عنهم بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) أي أن الله أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولاً ويكون موضعاً لها وأميناً عليها، وقد اختار أن يجعلها في محمد ﷺ صفيه وحبيبه، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم، عن ابن جريج قال: قالوا لمحمد ﷺ حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق: لو كان هذا حقاً لكان فينا من هو أحق أن يؤتى به من محمد، [وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم].
ثم توعدهم بقوله: (سيصيب الذين أجرموا صغار) أي ذل وهوان،
стр. 2240
وأصله من الصغر كان الذل يصغر إلى المرء نفسه، وقيل الصغار هو الرضاء بالذل، روي ذلك عن ابن السكيت.
(عند الله) أي في الآخرة يوم القيامة وقيل في الدنيا (وعذاب شديد) في الآخرة أو في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار (بما كانوا يمكرون) أي بسبب مكرهم وحسدهم.
стр. 2241
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) الشرح الشق وأصله التوسعة وشرحت الأمر بينته وأوضحته، والمعنى من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح.
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر المدايني رجل من بني هاشم، وليس هو محمد بن علي، قال: سئل النبي ﷺ عن هذه الآية وقالوا كيف شرح صدره يا رسول الله قال: نور يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له، قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " (١)، وقد روي بطرق يقوي بعضها بعضاً والمتصل يقوي المرسل، فالمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين.
(ومن يرد أن يضله) يصرف اختياره إليه (يجعل صدره ضيقاً) بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يكاد يدخله الإيمان، جعل بمعنى صير أو خلق أو سمى، وهذا الثالث ذهب إليه الفارسي وغيره من معتزلة النحاة، وضيقاً بالتشديد وقرئ بالتخفيف مثل هين ولين، وهما لغتان.
(حرجاً) بالفتح جمع حرجة وهي شدة الضيق والحرجة الفيضة والجمع حريج وحرجات، ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه، وبالكسر معناه الضيق، كرر المعنى تأكيداً وحسن ذلك اختلاف اللفظ، وقال الجوهري: مكان
стр. 2242
حرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، والحرج الإثم وقال الزجاج: الحرج أضيق الضيق فالمعنى يجعل صدره ضيقاً حتى لا يدخله الإيمان.
وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ذلك، وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر.
(كأنما يصعد في السماء) قرئ بالتخفيف من الصعود شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء، وقرئ يصاعد، وأصله يتصاعد وقرئ يصعد بالتشديد وأصله يتصعد ومعناه يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء المظلة أو إلى مكان مرتفع وعر كالعقبة، وقيل المعنى على جميع القراآت كاد قلبه يصعد إلى السماء نبواً عن الإسلام وتكبراً، وقيل ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى السماء، وليس يقدر على ذلك.
وقيل هو المشقة وصعوبة الأمر، وقال ابن عباس: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله الله في قلبه، ومن أراد أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عنه ضيقاً والإسلام واسع، وذلك حيث يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق.
(كذلك) أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقاً حرجاً (يجعل الله الرجس) هو في اللغة النتن وقيل هو العذاب، وقيل هو الشيطان يسلطه الله (على الذين لا يؤمنون) قاله ابن عباس: وقيل هو ما لا خير فيه، قاله مجاهد، والمعنى الأول هو المشهور في لغة العرب وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة، ويصدق على جميع المعاني المذكورة، وقال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب.
(وهذا) أي ما أنت عليه يا محمد ومن معك من المؤمنين (صراط ربك) أي دينه (مستقيماً) لا اعوجاج فيه، وقال ابن مسعود: يعني القرآن لأنه يؤدي من تبعه وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد، وقيل الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على التوفيق والخذلان، أي هذا هو عادة الله في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
(قد فصلنا الآيات) أي بيناها وأوضحناها (لقوم يذكرون) أي لمن يذكر ما فيها ويتفهم معانيها وهم أصحاب محمد ﵌ ومن تبعهم بإحسان.
стр. 2245
(لهم دار السلام) أي لهؤلاء المتذكرين الجنة لأنها دار السلام من كل مكروه، وبه قال جمهور المفسرين، أو دار الرب السلام مدخرة لهم (عند ربهم) يوصلهم إليها، قال قتادة: دار السلام الجنة، وقال جابر بن زيد: السلام هو الله وقال السدي والحسن: الله هو السلام وداره الجنة، وقيل المراد بالسلام التحية أي دارها وهي الجنة والمعنى متقارب.
(وهو وليهم) أي ناصرهم ومتولي إيصال الخير إليهم (بما كانوا يعملون) أي بسبب أعمالهم الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا.