عمر أن يؤخر أجله لأخره فقيل له إن ربه يقول (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) فقال هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ قوله تعالى (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب).
ثم قد علمنا من أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم سيما الصالحين منهم أنهم يدعون الله فيستجيب لهم ويحصل لهم ما طلبوه من المطالب المختلفة بعد أن كانوا فاقدين لها، ومنهم من يدعو لمريض قد أشرف على الموت بأن يشفيه الله فيعافى في الحال، ومنهم من يدعو على فاجر بأن يهلكه الله فيهلك في الحال.
ومن شك في شيء من هذا فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين كحلية أبي نعيم وصفوة الصفوة لابن الجوزي، ورسالة القشيري فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره ويثلج به قلبه، بل لكل إنسان إذا حقق حال نفسه ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد وإجابته له وتفريجه عنه ما يغنيه عن البحث عن حال غيره إذا كان من المعتبرين المفكرين.
وهذا نبي الله المسيح عيسى بن مريم ﵇ كان يحيي الموتى بإذن الله ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم عنه حسبما أخبرنا الله سبحانه في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى منه وشفاء المرضى بدعائه ما يعرفه من اطلع عليه.
وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا إنه لا يقع من الله إلا ما قد سبق به القلم وأن ذلك لا يتحول ولا يتبدل ولا يؤثر فيه دعاء ولا عمل صالح، قد خالفوا ما قدمنا من آيات الكتاب العزيز ومن الأحاديث النبوية الصحيحة من غير ملجئ إلى ذلك، فقد أمكن الجمع بما قدمناه وهو متعين،
стр. 2417
وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحق.
وقد قابل هؤلاء بضد قولهم القدرية وهم معبد الجهني وأصحابه فإنهم قالوا: إن الأمر أنف أي مستأنف وقالوا: إن الله لا يعلم بالجزئيات إلا عند وقوعها تعالى الله عن ذلك، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين.
وقد تبرأ من مقالة معبد هذه وأصحابه من أدركهم من الصحابة منهم ابن عمر كما ثبت ذلك في الصحيح وقد غلط من ينسب مقالتهم هذه إلى المعتزلة فإنه لم يقل بها أحد منهم قط وكتبهم مصرحة بهذا ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنة والجمع بينهما ما يكفي المنصف ويريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسألة، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين الله سبحانه بين المفرط والغالي وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق.
стр. 2418
(يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي) " إن " هي الشرطية وما زائدة للتوكيد، والقصص قد تقدم معناه والمعنى إن أتاكم رسل كائنون منكم ومن جنسكم يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم، وقيل المراد بالرسل النبي ﷺ ، وذكره بلفظ الجمع للتعظيم، والخطاب لأهل مكة ومن يلحق بهم، وقيل أراد جميع الرسل، والخطاب عام في كل بني آدم وهو ظاهر الآية.
(فمن اتقى) الشرك ومعاصي الله (وأصلح) حال نفسه باتباع الرسل وإجابتهم (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يوم القيامة وقد تقدم تفسيره مراراً.
(والذين كذبوا بآياتنا) التي يقصها عليهم رسلنا (واستكبروا عنها) أي عن إجابتها والعمل بما فيها في (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا يخرجون منها أبداً بسبب كفرهم بتكذيب الآيات والرسل.
стр. 2421
(فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً) أي من أعظم ظلماً ممن يقول على الله ما لم يقله أو يجعل له شريكاً من خلقه وهو منزه عنه (أو كذب بآياته) أي بالقرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ .
(أولئك) الإشارة إلى المكذبين المستكبرين (ينالهم نصيبهم من الكتاب) أي مما كتب الله لهم من خير وشر، وقيل ينالهم من العذاب بقدر كفرهم، وقيل نصيبهم من الشقاوة والسعادة.
وقال مجاهد: ما سبق من الكتاب،، وقال محمد بن كعب: رزقه وأجله وعمله وصححه الطبري، وقال الرازي: وإنما حصل الاختلاف لأن لفظ النصيب محتمل لكل الوجوه، وقيل: الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه، وقيل هو اللوح المحفوظ (١).
стр. 2422
(حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم) أي إلى غاية هي هذه، والمراد بالرسل هنا ملك الموت وأعوانه أو الملائكة والموكلون بإدخالهم النار، ففي المقام قولان ذكرهما الخازن وقيل حتى هنا هي التي للابتداء ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما قبلها.
والاستفهام في قوله (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) للتقريع والتوبيخ لا سؤال استعلام أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها ليدفعوا عنكم ما نزل بكم؟ وقيل: إن هذا يكون في الآخرة.
(قالوا) استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جواباً عنه كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا (ضلوا عنا) أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أين هم.
قال الكرخي: وهو جواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ. وذلك أن السؤال إنما وقع عن المكان، ولو جاء الجواب على نسق السؤال لقيل هم في المكان الفلاني، وإنما المعنى ما فعل معبودكم ومن كنتم تدعونه فأجابوا بأنهم ضلوا عنا وغابوا فلم نرهم مع شدة احتياجنا إليهم في هذا الوقت فلم ينفعونا وقت الاحتياج إليهم (وشهدوا على أنفسهم) عند الموت (أنهم كانوا كافرين) أي أقروا على أنفسهم بالكفر.
стр. 2423
قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)
(قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم) القائل هو الله ، و " في " بمعنى مع أي مع أمم وقيل هي على بابها والمعنى ادخلوا في جملتهم وغمارهم وعدادهم، وقيل هو قول مالك خازن النار، والظاهر أن هذه الحال منتظرة إذ مصيرهم في غمار الأمم إنما هو بعد تمام الدخول، وذلك لأن الأمم المذكورة قد سبقتهم في الدخول فلا يصيرون في غمارها إلا بعد الدخول.
والمراد بالأمم الخالية (من الجن والإنس) هم الكفار من الطائفتين من الأمم الماضية وأهل الملل (في النار) أي التي هي مستقركم ومأواكم (كلما دخلت أمة) من الأمم الماضية النار (لعنت أختها) أي الأمة الأخرى التي سبقتها إلى النار، وجعلت أختاً لها باعتبار الدين أو الضلالة أو الكون في النار.
ْقال السدي: يلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى.
(حتى إذا اداركوا فيها جميعاً) التدارك التلاحق والتتابع والاجتماع في النار (قالت أخراهم) دخولاً (لأولاهم) أي لأجلهم يعني قال آخر كل أمة لأولها واللام للتعليل ولا يجوز أن تكون للتبليغ. قال الزمخشري: لأن خطابهم مع الله لا معهم، وقد بسط القول قبله في ذلك الزجاج وقيل هي للتبليغ وخطابهم معهم بدليل قوله (فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون).
стр. 2424
قال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم في ذلك الدين، وقيل أخراهم أي سفلتهم وأتباعهم لأولاهم لرؤسائهم وكبارهم قاله مقاتل وهذا أولى كما يدل عليه.
(ربنا هؤلاء أضلونا) عن الهدى فإن المضلين هم الرؤساء، ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم اتبعوهم واقتدوا هم بدينهم من بعدهم فيصح الوجه الأول لأن أخراهم تبعت دين أولاهم.
(فآتهم عذاباً ضعفاً من النار) الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات، ومثله قوله تعالى (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً) وقيل الضعف هنا الأفاعي والحيات، وقال أبو عبيدة الضعف مثل الشيء مرة واحدة.
قال الزهري: والذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاري كلامهم وأما كتاب الله فهو عربي مبين فيرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب، والضعف في كلامهم ما زاد، وليس بمقصور على مثلين بل أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور، وقال الزجاج: ضعفاً أي مضاعفاً يعني تضعيف الشيء وزيادته إلى ما لا ينتهي.
(قال لكل) أي لكل طائفة منكم (ضعف) من العذاب أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الإتباع فبكفرهم وتقليدهم قاله الكرخي
(ولكن لا تعلمون) بما لكل فريق من نوع العذاب (١).
(وقالت أولاهم لآخراهم) أي قال السابقون للاحقين أو المتبوعين للتابعين مشافهة ومخاطبة لها (فما كان لكم علينا) في الدنيا (من فضل) بل نحن وأنتم سواء في الكفر بالله واستحقاق عذابه وقد ضللتم كما ضللنا فهذا رد لقول الطائفة الأخرى (هؤلاء أضلونا) قال مجاهد (من فضل) تخفيف من العذاب.
(فذوقوا العذاب) النار كما ذقناه (بما كنتم تكسبون) من معاصي الله والكفر به والقائل لهذا القول القادة للأتباع أو الأمة الأولى للأخرى أو الله سبحانه.
стр. 2427
(إن الذين كذبوا بآياتنا) ولم يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا (واستكبروا عنها) أي عن الإيمان والتصديق بها (لا تفتح لهم أبواب السماء) يعني أنها لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا وهي تفتح لأرواح المؤمنين ويصعد بروحهم إلى السماء السابعة، وقد دل على هذا المعنى وأنه المراد من الآية ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة إذا انتهوا بروح الكفار إلى السماء الدنيا يستفتحون فلا تفتح لهم أبواب السماء، وقيل لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم إذا دعوا قاله مجاهد والنخعي، وقيل لأعمالهم أي لا تقبل بل ترد عليهم فيضرب بها في وجوههم.
وقيل المعنى أنها لا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها لأن الجنة في السماء وعلى هذا العطف بجملة ولا يدخلون الجنة الآتية يكون من عطف التفسير، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على
стр. 2428
عدم فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية.
(ولا يدخلون الجنة) أي هؤلاء الكفار المكذبون المستكبرون لا يدخلونها بحال من الأحوال ولهذا علقه بالمستحيل وقال (حتى يلج الجمل في سم الخياط) الولوج الدخول بشدة وخص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لكونه يضرب به المثل في كبر الذات وعظم الجرم عند العرب، فجسمه من أعظم الأجسام، وخص سم الخياط وهو ثقب الإبرة بالذكر لكونه غاية في الضيق وأضيق المنافذ، وهو لا يحل فيه أبداً فثبت أن الموقوف على المحال محال، فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعاً، والجمل الذكر من الإبل، والجمع جمال وأجمال وجمالات، وإنما يسمى جملاً إذا أربع.
وقرأ ابن عباس الجمل بضم الجيم وفتح الميم مشددة وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس وهو حبال مجموعة قاله ثعلب، وقيل الحبل الغليظ من القنب، وقيل الحبل الذي يصعد به في النخل.
وقرأ ابن مسعود حتى يلج الجمل الأصغر، وقرئ سم بالحركات الثلاث لكن السبعة على الفتح والضم لغة لأهل العالية والكسر لغة لبني تميم وجمعه سمام، وكل ثقب ضيق فهو سم، وقيل كل ثقب في البدن أو أنف أو أذن فهو سم وجمعه سموم، والسم القاتل سمي بذلك للطفه وتأثيره في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، وهو في الأصل مصدر ثم أريد به معنى الفاعل لدخوله باطن البدن والسم ثقب لطيف ومنه ثقب الإبرة.
والخياط ما يخاط به يقال خياط ومخيط قاله الفراء، والمراد به الإبرة في هذه الآية، قال بعض أهل المعاني: لما علق الله دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط وهو خرق الإبرة كان ذلك نفياً لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز، وهذا كقولك لا آتيك حتى يشيب الغراب ويبيض القار.
(وكذلك نجزي المجرمين) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي جنس من أجرم وقد تقدم تحقيقه.
(لهم) أي للذين كذبوا واستكبروا فهذا بيان لجزاء آخر لهم غير الجزاء السابق (من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) المهاد الفراش والغواش جمع غاشية أي نيران تحيط بهم من تحتهم وتغشاهم من فوقهم كالأغطية قاله ابن عباس: الغواش اللحف، وبه قال القرظي والضحاك والسدي.
(وكذلك نجزي الظالمين) أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من اتصف بصفة الظلم وذكر الجرم في حرمان الجنة والظلم في دخول النار تنبيهاً على أن الظلم أعظم الإجرام.
стр. 2431
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم من وحي الله وتنزيله عليه من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه.
(لا نكلف نفساً إلا وسعها) أي لا نكلف العباد إلا بما يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم، وهذه الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ومثله (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها) قال الزجاج: الوسع ما يقدر عليه ولا يعجز عنه، وغلط من قال أن الوسع بذلك المجهود.
(أولئك) إشارة إلى الموصول مبتدأ وخبره (أصحاب الجنة هم فيها خالدون)
стр. 2432
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
(ونزعنا ما في صدورهم من غل) هذا من جملة ما ينعم الله به على أهل الجنة أن ينزع ما في قلوبهم من غل بعضهم على بعض حتى تصفو قلوبهم ويود بعضهم بعضاًَ، فإن الغل لو بقي في صدورهم كما كان في الدنيا لكان في ذلك تنغيص لنعم الجنة لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهما عيش مع وجود الآخر.
والمعنى خلقناهم في الجنة على هذه الحالة وليس المراد إنهم دخلوا الجنة بما ذكر ثم نزع منهم فيها بل المراد أنهم دخلوها مطهرين منه، قاله أبو حيان والغل الحقد الكامن في الصدور، وقيل نزع الغل في الجنة أن لا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل المنازل قال علي بن أبي طالب: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية.
(تجري من تحتهم الأنهار) أي من تحت قصورهم قد تقدم تفسيره مراراً (وقالوا) عند الاستقرار في منازلهم (الحمد لله الذي هدانا لهذا) الجزاء العظيم وهو الخلود في الجنة ونزع الغل من صدورهم والهداية هذه لهذا هي الهداية المسببة من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا (وما كنا لنهتدي) نطيق لهذا الأمر جملة موضحة واللام لتوكيد النفي (لولا أن هدانا الله) جملة مستأنفة أو حالية.
أخرج النسائي وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : كل أهل النار يرى منزله من الجنة يقول لو هدانا الله
стр. 2433
فتكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول لولا أن هدانا الله فهذا شكرهم (١).
(لقد جاءت رسل ربنا بالحق) اللام لام القسم قالوا هذا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الجزاء العظيم اغتباطاً بما صاروا فيه بسبب ما تقدم منهم من تصديق الرسل وظهور صدق ما أخبروهم به في الدنيا من أن جزاء الإيمان والعمل الصالح هو هذا الذي صاروا فيه.
(ونودوا أن تلكم الجنة) أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقيل لهم ذلك، والمنادي هو الله وقيل الملائكة وقيل هذا النداء يكون في الجنة.
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا ولا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وان لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً فذلك قوله يعني هذه الآية أخرجه مسلم (٢).
(اورثتموها) أعطيتموها بدلاً من أهل النار، وهو حال من الجنة، وسماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة حصلت لكم بلا تعب (بما كنتم تعملون) أي أورثتم منازلها بعملكم قال في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة انتهى.
أقول يا مسكين هذا قاله رسول الله ﷺ فيما صح عنه: سددوا وقاربوا
стр. 2434
واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته (١)، والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر، ولولا التفضل من الله على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلاً، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة.
وفي التنزيل (ذلك الفضل من الله) وفيه (فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) وفي فتح الباري المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل والقبول إنما يحصل من الله تفضلاً.
وفي القرطبي وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ودخلوها برحمته إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل منه عليهم انتهى (٢).
(ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، يقول أهل الجنة يا أهل النار، وهذه المناداة لم تكن لقصد الأخبار لهم مما نادوهم به بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم (أن قد وجدنا) هو نفس النداء أي إنا قد وصلنا إلى (ما وعدنا ربنا حقاً) أي ما وعدنا الله به من النعيم على ألسنة رسله (فهل وجدتم) أي وصلتم إلى (ما وعد) به (ربكم حقاً) أي من العذاب الأليم، والاستفهام هو للتقريع والتوبيخ.
(قالوا نعم) وجدنا ذلك حقاً، وظاهر الآية يفيد العموم، والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا (فأذن مؤذن) أي فنادى مناد (بينهم) أي بين الفريقين قيل المنادي هو من الملائكة، وقيل إنه إسرافيل ذكره الواحدي، وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي ﷺ لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية (أن لعنة الله على الظالمين) أي يقول المؤذن هذا القول.
ثم فسر الظالمين من هم فقال
стр. 2437
(الذين يصدون عن سبيل الله) الصد المنع أي يمنعون الناس عن سلوك سبيل الحق (ويبغونها عوجاً) أي يطلبون إعوجاجها أي ينفرون الناس عنها ويقدحون في استقامتها بقولهم إنها غير حق وإن الحق ما هم فيه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن منتصباً بالفتح ما كان في المنتصب كالرمح والحائط (وهم بالآخرة كافرون) أي جاحدون منكرون لها.
стр. 2438
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)
(وبينهما حجاب) أي حاجز بين الفريقين أو بين الجنة والنار والحجاب هو السور المذكور في قوله تعالى (فضرب بينهم بسور) (وعلى الأعراف) جمع عرف وهو كل مرتفع من الأرض وهي هنا شرفات السور المضروب بينهم، ومنه عرف الفرس، وعرف الديك لارتفاعه على ما سواه من الجسد، سمي بذلك لأنه بسبب ارتفاعه صار أعرف وأبين مما انخفض، والأعراف في اللغة المكان المرتفع.
وهذا الكلام خارج مخرج المدح كما في قوله (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار وبه قال مجاهد، وقال ابن عباس: هو الشيء المشرف، وقال سعيد بن جبير: الأعراف جبال بين الجنة والنار فهم على إعرافها أي على ذراها.
وقيل: إنها تلّ بينهما حبس عليه ناس من أهل الذنوب، وعن ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط، وقال ابن عباس أيضاً: سور له عرف كعرف الديك وقيل الأعراف هو نفس الحجاب عبر عنه تارة بالحجاب وتارة بالأعراف قاله الواحدي، ولم يذكر غيره ولذلك عرف الأعراف لأنه عنى به الحجاب.
وقال القرطبي: الأعراف جبل أحد يوضع هناك، وذكر الزهراوي حديثاً فيه ما ذكر (رجال) من أفاضل المسلمين أو من آخرهم دخولاً في الجنة أو من لم يرض عنه أحد أبويه.
وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم، على ثلاثة عشر قولاً
стр. 2439
ذكر الخازن منها ثمانية وزاد عليه القرطبي خمسة فقيل هم الشهداء ذكره القشيري وشرحبيل بن سعد، وقيل هم فضلاء المؤمنين فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره مجاهد وقيل هم قوم أنبياء ذكره الزجاج وحكاه ابن الأنباري.
وقيل هم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل هم العباس وحمزة وعلي وجعفر الطيار يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها، حكى ذلك عن ابن عباس وقيل هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة، واختار هذا القول النحاس، وقال هو من أحسن ما قيل فيهم وقيل هم أولاد الزنا روى ذلك القشيري عن ابن عباس.
وقيل هم أطفال المشركين وقال مجاهد هم قوم صالحون فقهاء علماء، وقيل هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين عن المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، ذكره أبو مجلز وضعفه الطبري وقال: إن لفظ الرجال في لسان العرب لا يطلق إلا على المذكور من بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق.
وفي هذه الأقوال ما يدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله تعالى، وفيها ما يدل على أنهم أفضل من أهل الجنة وأعلى منهم منزلة، وليس في الباب ما يقطع به من نص جلي وبرهان نير.
وقال حذيفة: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار، وقيل هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم.
стр. 2440
وذكر ابن الجوزي أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم، ورواه عن إبراهيم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم، قال ابن كثير وهذا مرسل حسن (١).
وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله ﵌: يجمع الناس يوم القيامة فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، ويؤمر بأهل النار إلى النار ثم يقال لأصحاب الأعراف ما تنتظرون؟ قالوا ننتظر أمرك فيقال لهم إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوا بمغفرتي ورحمتي.
وعن عبد الرحمن المزني قال سئل رسول الله ﵌ عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصيتهم آباءهم (٢) أخرجه البيهقي والطبراني وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم، وروي بطرق عن جماعة من الصحابة نحوه مرفوعاً فإن ثبت الرفع فالمصير إليه متعين ولا قول لأحد بعده والله أعلم.
(يعرفون كلاًّ بسيماهم) السيما العلامة أي يعرفون كلاًّ من أهل الجنة والنار بعلاماتهم كبياض الوجوه وسوادها أو مواضع الوضوء من المؤمنين أو علامة
стр. 2441
يجعلها الله لكل فريق في ذلك الموقف يعرف رجال الأعراف بها السعداء من الأشقياء، قال السدي: إنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس أي زيادة على معرفتهم بكونهم في الجنة وكونهم في النار (١).
(ونادوا) أي نادى رجال الأعراف (أصحاب الجنة) حين رأوهم (أن سلام عليكم) أي نادوهم بقولهم هذا تحية لهم وإكراماً وتبشيراً أو أخبروهم بسلامتهم من العذاب والآفات (لم يدخلوها) أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف ولا محل له لأنه استئناف (وهم يطمعون) أي والحال يطمعون في دخولها، وأنهم قيل معنى يطمعون يعلمون أنهم يدخلونها وذلك معروف عند أهل اللغة أي طمع بمعنى علم ذكره النحاس، وهذا القول أعني كونهم أهل الأعراف مروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن مسعود، وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة أي إن أهل الأعراف قالوا لهم سلام عليكم حال كون أهل الجنة لم يدخلوها، والحال أنهم يطمعون في دخولها، قال الحسن ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة
يريدها بهم.
(وإذا صرفت أبصارهم) أي أبصار أهل الأعراف لا عن قصد لأن المكروه لا ينظر إليه الإنسان قصداً في العادة (تلقاء أصحاب النار) أي وجاههم وحيالهم، وأصل معنى تلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة ولم يأت مصدر على تفعال بكسر أوله غير مصدرين أحدهما هذا والآخر تبيان، وما عداهما بالفتح وزاد بعضهم الزلزال.
(قالوا) أي أهل الأعراف إذا نظروا إليهم وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) سألوا الله أن لا يجعلهم منهم.
стр. 2444
(ونادى أصحاب الأعراف رجالاً) من الكفار كانوا عظماء في الدنيا (يعرفونهم بسيماهم) أي بعلاماتهم (قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) الذي كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا للصد عن سبيل الله، والاستفهام للتقريع والتوبيخ (و) ما أغنى عنكم (ما كنتم تستكبرون) أي استكباركم عن الإيمان شيئاً.
стр. 2445
(أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) هذا من كلام أصحاب الأعراف أي قالوا للكفار مشيرين إلى المسلمين الذين صاروا إلى الجنة هذه المقالة، وقد كان الكفار يقسمون في الدنيا عند رؤيتهم لضعفاء المسلمين بهذا القسم، وهذا تبكيت للكفار وتحسير لهم (أدخلوا الجنة) بفضلي ورحمتي (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) هذا تمام كلام أصحاب الأعراف أي قالوا للمسلمين أدخلوا الجنة فقد انتفى عنكم الخوف والحزن بعد الدخول.
стр. 2446
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)
(ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) من الطعام قاله السدي والإفاضة التوسعة، يقال أفاض عليه نعمة ويتضمن أفيضوا معنى القوا وأو بمعنى الواو لقوله حرمهما أو هي على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين إما تخييراً أو إباحة أو غير ذلك مما يليق بهما. وعلى هذا تقديره حرم كلاً منهما أو كليهما كما سيأتي، والمعنى طلبوا منهم أن يواسوهم بشيء من الماء أو بشيء مما رزقهم الله من غيره من الأشربة والأطعمة.
(قالوا) أي فأجابوا بقولهم (إن الله حرمهما) أي حرم الماء وما رزقنا (على الكافرين) ومنعهما فلا نواسيكم بشيء مما حرمه عليكم، والتحريم مستعمل في لازمه لانقطاع التكليف حينئذ، قيل إن هذا النداء كان من أهل النار بعد دخول أهل الأعراف الجنة.
قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه فيقول يا أخي اغثني فإني قد احترقت فأفض علي من الماء فيقال أجبه فيقول إن الله حرمهما على الكافرين، وقال ابن زيد: يستسقونهم ويستطعمونهم وإن الله حرمهما أي طعام الجنة وشرابها وهو تحريم منع (١).
стр. 2447
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)
(الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا) قد تقدم تفسير اللهو واللعب والغرر، وقال ابن عباس: هم المستهزئون وذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزئوا به استهزاء بالله ، وقيل هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب والماء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية، وقيل معنى دينهم عيدهم اتخذوه لهواً ولعباً لا يذكرون الله فيه.
(فاليوم ننساهم) أي نتركهم في النار، وقال مجاهد: نؤخرهم جياعاً عطاشاً والمعنى نفعل بهم فعل الناسي بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركاً كلياً، والفاء فصيحة وكثر مثل هذه الاستعارة في القرآن لأن تعليم المعاني التي في عالم الغيب لا يمكن أن يعبر عنها إلا بما يماثلها من عالم الشهادة.
(كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وقال ابن عباس أيضاً: نسيهم من الخير ولم ينسهم من الشر، وسمى جزاء نسيانهم بالنسيان مجازاً لأن الله لا ينسى شيئاً.
(وما كانوا بآياتنا يجحدون) أي ينكرونهما.
(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم) أي عالمين بتفصيله حال كونه (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) المراد بالكتاب الجنس إن كان الضمير للكفار جميعاً، وإن كان للمعاصرين للنبي صلى لله عليه وآله وسلم فالمراد به القرآن، والتفصيل التبيين أي ما بيناه بالأخبار والوعد والوعيد، وكذا بقية الأنواع التسعة التي نظمها بعضهم في قوله:
حلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصة عظة مثل
وقال السمين المراد بتفصيله إيضاح الحق من الباطل أو تنزيله في فصول مختلفة كقوله (وقرآناً فرقناه) وقرئ فضلناه من التفضيل أي على غيره من الكتب السماوية.
стр. 2450
(هل ينظرون) النظر الانتظار أي ما ينتظرون أهل مكة (إلا تأويله) أي ما وعدوا به في الكتاب من العقاب الذي يؤل الأمر إليه، وقيل تأويله جزاؤه، وقيل عاقبة ما فيه والمعنى متقارب.
(يوم يأتي تأويله) وهو يوم القيامة (يقول الذين نسوه) أي التأويل وتركوا العمل بالقرآن (من قبل) أي قبل أن يأتي تأويله (قد جاءت رسل ربنا بالحق) الذي أرسلهم الله به إلينا (فهل لنا من شفعاء) استفهام ومعناه التمني، ومن زائدة (فيشفعوا لنا) جواب الاستفهام والمعنى هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب.
стр. 2451
(أو) هل (نرد) إلى الدنيا (فنعمل) صالحاً (غير الذي كنا نعمل) من المعاصي فبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة فيقال لهم في جواب الاستفهامين (قد خسروا أنفسهم) أي صاروا إلى الهلاك ولم ينتفعوا بها فكانت بلاء عليهم ومحنة لهم فكأنهم خسروها كما يخسر التاجر رأس ماله وقيل خسروا النعيم وحظ الأنفس.
(وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي افتراءهم أو الذي كانوا يفترونه من دعوى الشريك والمعنى أنه بطل كذبهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكاً لله فلم ينفعهم ولا حضر معهم وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين.
стр. 2452
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)
(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض) هذا نوع من بديع صنع الله وجليل قدرته وتفرده بالإيجاد الذي يوجب على العباد توحيده وعبادته وأصل الخلق في اللغة التقدير، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل سبق ولا ابتداء تقدم، فمعنى الآية أنشأ خلقهما وقدر أحوالهما (في ستة أيام) اليوم عبارة عن مقدار من الزمان وهو من طلوع الشمس إلى غروبها.
قيل هذه الأيام من أيام الدنيا وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: كل يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وهذه الأيام الستة أولها الأحد وآخرها الجمعة، وبه قال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير والطبري وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور.
وقال سعيد بن جبير تعليماً لخلقه التثبت كما في الحديث التأني من الله والعجلة من الشيطان أو خلقها لكون كل شيء له عنده أجل، وفي آية أخرى (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) وحديث: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء الخ رواه مسلم والحاكم عن ابن عباس (١).
لكن يشكل على هذا التوزيع أنه لم يكن ثم أيام لعدم الشمس والقمر حينئذ ولا يتعين الأحد ولا غيره من الأيام إلا بوجودها بالفعل، ذكره سليمان
стр. 2453
الجمل. وقال والجواب بقوله (أي في قدرها) لا يدفع هذا الإشكال كما لا يخفى.
(ثم استوى على العرش) قد اختلف العلماء في معنى هذا على أربعة عشر قولاً وأحقها وأولاها بالصواب مذهب السلف الصالح أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف بل على الوجه الذي يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه.
والاستواء في لغة العرب هو العلو والاستقرار، قال الجوهري: استوى على ظهر دابته أي استقر واستوى إلى السماء أي صعد، واستوى أي استولى وظهر وبه قال المعتزلة وجماعة من المتكلمين: واستوى الرجل أي انتهى شبابه واستوى أي: اتسق واعتدل.
وحكي عن أبي عبيدة أن معنى استوى هنا علا وارتفع، وللشوكاني رسالة مستقلة في إثبات إجراء الصفات على ظواهرها منها صفة الاستواء، ولشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني والحافظ الإمام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزي إلمام تام بمسألة الاستواء هذه وإثبات الفوقية والعلو له تعالى على خلقه ولهما في ذلك رسائل مستقلة ما بين مطولة منها ومختصرة، وكتاب العلو للحافظ الذهبي فيه جميع ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث وغيرها، وقد أوضحت هذا المقام في كتابي الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح.
وعن أم سلمة قالت: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود له كفر، أخرجه ابن مردويه وعن مالك بن أنس نحوه وزاد والسؤال عنه بدعة، قال النسفي وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار كما تقوله المشبهة باطل انتهى.
وأقول يا مسكين أما شعرت أن العرش في اللغة هو السرير، والاستواء هو الاستقرار وبه فسره حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس كما في البخاري
стр. 2454
وليس في ذلك تشبيه أصلاً إنما التشبيه في بيان الكيفية بل الإنكار عن ذلك تعطيل يخالف مذهب سلف الأمة وأئمتها، وهو إمرار الصفات كما جاءت وإجراؤها على ظواهرها بلا تكييف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، ويعالج التشبيه بكلمة إجمالية ليس كمثله شيء.
والعرش قال الجوهري هو سرير الملك، وقيل هو ما علا فأظل، وسمي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً لعلوه ويكنى عن العز والسلطان والمملكة بالعرش على الاستعارة والمجاز.
ويطلق على معان أخر منها عرش البيت سقفه وعرش البئر طيها بالخشب وعرش السماك أربعة كواكب صغار.
وعبارة الخفاجي العرش هو فلك الأفلاك إما حقيقة لأنه بمعنى المرتفع أو استعارة من عرش الملك وهو سريره ومنه ورفع أبويه على العرش، أو بمعنى الملك بضم الميم وسكون اللام، ومنه ثل عرشه إذا انتقض ملكه واختل انتهى.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما وهو المراد هنا، قال الراغب: وعرش الله مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له، تعالى الله عن ذلك وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب.
قيل والمراد به هنا هو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيطة بكلها.
(يغشي الليل النهار) أي يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطي بظلمته ضياءه قرئ يغشي بالتشديد والتخفيف وهما لغتان، يقال أغشى يغشي غشي يغشي والتغشية في الأصل إلباس الشيء الشيء، ولم يذكر في هذه الآية يغشي
стр. 2455
الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله (سرابيل تقيكم الحر) أو لدلالة الحال عليه أو لأن اللفظ يحتملهما بجعل الليل مفعولاً أولاً والنهار مفعولاً ثانياً أو بالعكس.
وذكر في آية أخرى يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ذكره الكرخي، والتقدير استوى على العرش مغشياً الليل النهار.
والآية الكريمة من باب أعطيت زيداً عمراً لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشياً ومغشياً فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي، والنهار هو الفعول من غير عكس.
(يطلبه حثيثاً) أي حال كون الليل طالباً للنهار طلباً لا يفتر عنه بحال، والحث الحمل على فعل الشيء كالحض عليه والاستعجال والسرعة، يقال ولى حثيثاً أي مسرعاً، والحث والحض أخوان يقال حثثت فلاناً فاحتث فهو حثيث ومحثوث وفعله من باب رد.
قال الرازي: إنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة الشديدة وذلك أن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة، فإن الإنسان إذ كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل وهي ألف فرسخ. ولهذا قال يطلبه حثيثاً لسرعته وحركته أي يعقبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما بشيء، والجملة حال من الليل لأنه هو المحدث عنه أي يغشي النهار طالباً له أو من النهار أي مطلوباً أو من كل منهما وعليه الجلال.
(والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي خلقها حال كونها