(فمن أظلم) استفهام فيه معنى الجحد أي لا أحد أظلم (ممن افترى على الله كذباً) زيادة كذباً مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً لبيان أن هذا مع كونه افتراء على الله هو كذب في نفسه فربما يكون الافتراء كذباً في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنب زيد إلى عمرو، وذكر معنى هذا أبو السعود في تفسيره.
قيل وهذا من جملة رده ﷺ على المشركين لما طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن أو يبدله، فبين لهم أنه لو فعل ذلك لكان من الافتراء على الله ولا ظلم يماثل ذلك، وقيل المفتري على الله الكذب هم المشركون.
(أو كذب بآياته) وهم أهل الكتاب (إنه) أي أن الشأن (لا يفلح المجرمون) تعليل لما قبله، أي لا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير، قال عكرمة: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله هذه الآية.
ثم نعى الله سبحانه عليهم عبادة الأصنام وبين أنها لا تنفع من عبدها ولا تضر من لم يعبدها فقال
стр. 3328
(ويعبدون من دون الله) أي متجاوزين الله سبحانه إلى عبادة غيره لا بمعنى ترك عبادته بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاء بها وضم عبادة الغير إليها للتقرب والشفاعة.
стр. 3329
(ما لا يضرهم ولا ينفعهم) أي ما ليس من شأنه الضرر ولا النفع، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً لمن أطاعه، معاقباً لمن عصاه، ونفي الضر والنفع هنا عن الأصنام باعتبار الذات وإثباتهما لها في الحج في قوله (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) باعتبار السبب فلا منافاة بينهما.
(ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) أي زعموا أنهم يشفعون في الآخرة فلا يعذبهم الله بذنوبهم؛ قاله ابن جريج، وهذا غاية الجهالة منهم حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال، وقيل أرادوا بهذه الشفاعة إصلاح أحوال دنياهم، قاله الحسن، أي لإنكارهم البعث وما يترتب عليه. ثم أمر الله رسوله ﷺ بأن يجيب عنهم فقال (قل) لهم تبكيتاً (اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض) والمعنى أتخبرون الله أن له شركاء في ملكه يعبدون كما يعبد، أو أتخبرونه أن لكم شفعاء بغير إذنه والله سبحانه لا يعلم لنفسه شريكاً ولا شفيعاً بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سماواته وفي أرضه، وهذا الكلام حاصله عدم وجود من هو كذلك أصلاً وفي هذا من التهكم بالكفار ما لا يخفى.
(سبحانه وتعالى عما يشركون) بالياء والتاء سبعيتان، نزه الله سبحانه نفسه عن إشراكهم، وهو يحتمل أن يكون ابتداء كلام غير داخل في الكلام الذي أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب به عليهم ويحتمل أن يكون من تمام ما أمر النبي ﷺ أن يقوله لهم جواباً عليهم.
(وما كان الناس) قد تقدم تفسيره في البقرة والمعنى أن الناس جميعاً ما كانوا (إلا أمة واحدة) موحدة لله سبحانه مؤمنة به من لدن آدم إلى نوح، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحي لأن التوحيد والإسلام ملة قديمة اجتمعت عليه الناس قاطبة فطرة وتشريعاً، وأن الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة.
(فاختلفوا) أي فصار البعض كافراً، وبقي البعض الآخر مؤمناً فخالف بعضهم بعضاً، وقال الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك وقال: كل مولود يولد على الفطرة فاختلفوا عند البلوغ والأول أظهر؛ وليس المراد أن كل طائفة أحدثت ملة من ملل الكفر مخالفة للأخرى بل المراد كفر البعض وبقي البعض على التوحيد كما قدمنا، وقال ابن مسعود: كانوا على هدى، وروي أنه قرأ هكذا.
وعن مجاهد قال: آدم وحده فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه، وعن السدي قال: أهل دين واحد على دين آدم فكفروا وقيل ليس في الآية ما يدل على أي دين كانوا من إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج، وقيل كانوا في الكفر وهو منقول عن جماعة من المفسرين والأول أولى.
(ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي أنه سبحانه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه إلا يوم القيامة (لقضي بينهم) في الدنيا بنزول العذاب وتعجيل
стр. 3332
العقوبة للمكذبين وكان ذلك فصلاً بينهم (فيما فيه يختلفون) لكنه قد امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف، وقيل المعنى لقضى بينهم بإقامة الساعة عليهم، وقيل لفرغ من هلاكهم، وقيل: الكلمة أن الله أمهل هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا قاله الكلبي.
وقيل الكلمة أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجة وهي إرسال الرسل كما قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وقيل الكلمة قوله سبقت رحمتي غضبي وعبر بالمضارع عن الماضي حكاية للحال الماضية.
стр. 3333
(ويقولون) ذكر سبحانه هاهنا نوعاً رابعاً من مخازيهم وجاء بالمضارع لاستحضار صورة ما قالوه، قيل والقائلون هم أهل مكة كأنهم لم يعتدوا بما قد نزل على رسوله ﷺ من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة التي لو لم يكن منها إلا القرآن لكفى به دليلاً بيناً ومصدقاً قاطعاً.
(لولا) أي هلا (أنزل عليه آية) من الآيات التي نقترحها عليه ونطلبها منه كإحياء الأموات وجعل الجبال ذهباً ونحو ذلك (من ربه) كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد؛ ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: (فقل إنما الغيب لله) أي أن نزول الآية غيب والله هو المحيط بعلمه المستأثر به لا علم لي ولا لكم ولا لسائر مخلوقاته وإنما علي التبليغ.
(فانتظروا) نزول ما اقترحتموه من الآيات (إني معكم من المنتظرين) لنزولها وقيل المعنى انتظروا قضاء الله بيني وبينكم بإظهار الحق على الباطل، وقال الربيع: خوفهم عذابه وعقوبته إن لم يؤمنوا.
(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا) لما بين سبحانه في الآية المتقدمة أنهم طلبوا آية عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بما ذكره هنا من أنه سبحانه إذا أذاقهم رحمة منه من بعد أن مستهم الضراء فعلوا مقابل هذه النعمة العظيمة المكر منهم في آيات الله.
والمراد بإذاقتهم رحمته سبحانه أنه وسع عليهم في الأرزاق وأدرَّ عليهم النعم بالمطر والخصب وصلاح الثمار بعد أن مسهم الضر بالجدب وضيق المعايش، فما شكروا نعمته ولا قدروها حق قدرها. بل أضافوها إلى أصنامهم التي لا تنفع ولا تضر وطعنوا في آيات الله واحتالوا في دفعها بكل حيلة وهو معنى المكر فيها وإذا الأولى شرطية وجوابها إذا لهم مكر، وهي فجائية ذكر معنى ذلك الخليل وسيبويه، ويستفاد منه السرعة لأن المعنى أنهم فاجؤوا المكر أي أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة، وقال مجاهد: في الآية استهزاء وتكذيب. وهذا تفسير مراد، وإلا فأصل المكر إخفاء الحيل والمكايد، وقال مقاتل: لا يقولون هذا رزق الله إنما يقولون سقينا بنوء كذا وكذا.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عنهم فقال: (قل الله أسرع مكراً) أي أعجل عقوبة وأشد أخذاً وأقدر على الجزاء من سرعة مكرهم، وقد دل أفعل التفضيل على أن مكرهم كان سريعاً ولكن مكر الله أسرع منه، وتسمية
стр. 3336
عقوبة الله سبحانه مكراً من باب المشاكلة كما قرر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز.
(إن رسلنا) أي الملائكة (يكتبون ما تمكرون) قرئ بالتاء والياء، والأولى سبعية والثانية عشرية أي لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة فكيف يخفى على العليم الخبير؛ وفي هذا وعيد لهم شديد وتحقيق للانتقام منهم.
وهذه الجملة تعليل للتي قبلها فإن مكرهم إذا كان ظاهراً لا يخفى فعقوبة الله كائنة لا محالة ومعنى هذه الآية قريب من معنى الآية المتقدمة وهي إذا مس الإنسان الضر، وفي هذه الآية زيادة وهي أنهم لا يقتصرون على مجرد الإعراض بل يطلبون الغوائل لآيات الله بما يدبرونه من المكر.
стр. 3337
(هو الذي يسيركم في البر والبحر) ضرب سبحانه لهؤلاء مثلاً حتى ينكشف المراد انكشافاً تاماً، وهو كلام مستأنف ومعنى تسييرهم في البر أنهم يمشون على أقدامهم التي خلقها لينتفعوا بها ويركبون على ما خلقه الله لركوبهم من الدواب ومعنى تسييرهم في البحر أنه ألهمهم لعمل السفائن التي يركبون فيها في لجج البحر، ويسر ذلك لهم ودفع عنهم أسباب الهلاك.
وقد قرأ ابن عامر وهو الذي ينشركم في البر والبحر بالنون من النشر كما في قوله تعالى: (فانتشروا في الأرض) أي ينشرهم سبحانه في البحر فينجي من يشاء ويغرق من يشاء.
(حتى) غاية للسير في البحر والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها (إذا كنتم في الفلك) يقع على الواحد والجمع ويذكر ويؤنث والحركات فيه بينها تغاير اعتباري (وجرين) أي السفن (بهم) أي بالراكبين عليها والفائدة
стр. 3338
في صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتقبيح، قاله الزمخشري.
وقيل أن مخاطبة الله لعباده على لسان نبيه ﵌ بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام المخاطب حسن منه أن يرده إلى الغائب، وقيل هذا الالتفات فيه امتنان وإظهار نعمة المخاطبين، والمسيرون في البحر مؤمنون وكفار والخطاب شامل فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح الشكر، ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة.
ولما كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نجوا بغوا في الأرض عدل عن خطابهم بذلك إلى الغيبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صدوره منهم وهو البغي بغير الحق، قاله السمين، وقيل إن الالتفات في الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس من فصيح كلام العرب.
وقال الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله إياك نعبد دليل الرضا والتقريب.
بريح طيبة أي ساكنة لينة الهبوب إلى جهة المقصد، والباء للسببية أو للحال (وفرحوا بها) أي ريح السفينة فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة أولها الكون في الفلك والثاني جريها بهم بالريح الطيبة التي ليست بعاصفة وثالثها فرحهم والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة.
الأول (جاءتها) أي جاءت الفلك وعارضته وقابلته أو جاءت الريح
الطيبة أي تلقتها (ريح عاصف) أي ذات عصف وهو من باب النسب كلابن وتامر وهو مما يستوى فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به والعصوف شدة هبوب
стр. 3339
الريح وهي الهواء بين السماء والأرض، والجمع أرواح ورياح، وقيل أرياح على لفظ الواحد، وغلطه أبو حاتم وهي مؤنثة على الأكثر، وقد تذكر على معنى الهواء نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر، وراح اليوم يروح روحاً من باب قال، وفي لغة من باب خاف إذا اشتدت ريحه فهو رائح.
والثاني (وجاءهم) أي ركبان السفينة (الموج من كل مكان) أي من جميع الجوانب للفلك، والموج ما ارتفع من غوارب الماء وعلا فوق البحر، وقيل هو شدة حركة الماء واختلاطه.
(و) الثالث (ظنوا أنهم أحيط بهم) أي غلب على ظنونهم الهلاك، وأصله من إحاطة العدو بقوم أو ببلد، فجعل هذه الإحاطة مثلاً في الهلاك وإن كان بغير العدو، كما هنا وهو استعارة تبعية، وقيل الظن هنا اليقين أي أيقنوا أنه الهلاك، وقيل بل المراد المقاربة من الهلاك والدنو منه والإشراف عليه.
وقوله (دعوا الله) بدل من ظنوا لكون هذا الدعاء الواقع منهم إنما كان عند ظن الهلاك وهو الباعث عليه فكان بدلاً منه بدل اشتمال لاشتماله عليه، وممكن أن يكون جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا فقيل دعوا الله.
(مخلصين له الدين) أي لم يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء، وليس هذا لأجل الإيمان بالله وحده بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك لعلمهم أنه لا ينجيهم إلا الله سبحانه.
وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد وإن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافراً، وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما شابهها.
стр. 3340
فيا عجباً لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا الدعاء لله كما فعله المشركون كما تواتر ذلك إلينا تواتراً يحصل به القطع.
فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية وأين وصل بها أهلها وإلى أين رمى بهم الشيطان، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم حتى انقادوا له انقياداً ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأصنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
واللام في (لئن أنجيتنا) هي الموطئة للقسم المحذوف على إرادة القول أي دعوا قائلين ذلك، ويجوز أن يجري دعوا الله مجرى قالوا لأن الدعاء بمعنى القول إذ هو نوع من أنواعه فتحكى به الجملة، وهو مذهب كوفي والأول هو الأولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائهم على ذلك فقط.
(من هذه) أي ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر من الريح العاصفة والأمواج الشديدة (لنكونن) في كل حال (من الشاكرين) أي ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا منها هذه المحنة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا وتنجينا منها، وهذا جواب القسم وفيه من المبالغة في الدلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكرن.
стр. 3341
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
(فلما أنجاهم) الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها وأجاب دعاءهم لم يفوا بما وعدوا من أنفسهم، بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل الشاكرين وجعلوا البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر (إذا هم يبغون) أي فأجاؤا البغي والفساد وسارعوا إليه، والبغي هو الفساد من قولهم بغى الجرح إذا ترامى في الفساد، وقيل هو الشرك، وزيادة (في الأرض) للدلالة على أن فسادهم هذا شامل لأقطار الأرض، والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق بل لا يكون إلا بالباطل لكن زيادة.
(بغير الحق) إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير شبهة عندهم بل تمرداً وعناداً لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع كونها باطلة.
وقيل البغي: مجاوزة الحد وهو محمود إن كان من العدل إلى الإحسان ومن الفرض إلى التطوع، ومذموم إن كان من الحق إلى الباطل أو إلى الشبهة، وقال الزمخشري: البغي قد يكون بحق وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم كما فعل رسول الله ﷺ ببني قريظة، وهذا فائدة تقييده بغير الحق.
(يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا) لما ذكر
سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق، ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته، قرئ بنصب متاع على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف، أي بغيكم وبال على أنفسكم تتمتعون متاع الحياة الدنيا؛ وقيل على أنه ظرف زمان نحو مقدم الحاج أي زمن متاع الحياة الدنيا، وقيل على أنه
стр. 3342
مفعول له، أي لأجل متاع الحياة الدنيا.
وقيل منصوب على نزع الخافض كمتاع، وقيل على الحال على أنه مصدر بمعنى المفعول أي ممتعين، وقيل على أنه مفعول لفعل دل عليه المصدر، أي تبغون متاع الحياة الدنيا.
وقد نوقش غالب هذه الأقوال في توجيه النصب، والحق الذي تقتضيه جزالة التنزيل إنما هو الوجه الأول، أما من قرأ برفع متاع فيجعله خبراً لمبتدأ، أي بغيكم متاع الحياة الدنيا ويكون على أنفسكم متعلقاً بالمصدر، والتقدير إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم متاع الحياة الدنيا ومنفعتها التي لا بقاء لها، فيكون المراد بأنفسكم على هذا الوجه أبناء جنسهم، وعبر عنهم بالأنفس استعارة لما يدركه الجنس على جنسه من الشفقة.
وقيل ارتفاع متاع على أنه خبر ثان وقيل على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو متاع كما في قوله تعالى: (إلا ساعة من نهار بلاغ) أي هذا بلاغ.
وقد نوقش أيضاً بعض هذه الوجوه في توجيه الرفع بما يطول به البحث في غير طائل، والحاصل أنه إذا جعل خبر المبتدأ على أنفسكم فالمعنى أن ما يقع من البغي على الغير هو بغي على نفس الباغي باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه مجازاة على بغيه، وأن جعل الخبر متاعاً فالمراد أن بغي هذا الجنس الإنساني على بعضه بعضاً هو سريع الزوال قريب الاضمحلال كسائر أمتعة الحياة الدنيا فإنها ذاهبة عن قريب متلاشية بسرعة ليس لذلك كثير فائدة ولا عظيم جدوى.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر والنكث والبغي، ثم تلا رسول الله ﷺ : إنما بغيكم على
стр. 3343
أنفسكم ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.
وعن مكحول: ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر والبغي والنكث.
أقول أنا: وينبغي أن يلحق بهذه الثلاث التي دل القرآن على أنها تعود على فاعلها " الخدع " فإن الله يقول: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ عليه وسلم: " لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي منهما " (١).
ثم ذكر سبحانه ما يكون على ذلك البغي من المجازاة يوم القيامة مع وعيد شديد فقال: (ثم إلينا مرجعكم) تقديم الخبر للدلالة على الثبات والقصر، والمعنى أنكم بعد هذه الحياة الدنيا ومتاعها ترجعون إلى الله سبحانه فيجازي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه.
(فننبئكم بما كنتم تعملون) في الدنيا من خير وشر، والمراد بذلك المجازاة كما تقول لمن أساء سأخبرك بما صنعت وفيه أشد وعيد وأفظع تهديد.
ثم لما ذكر سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا جاء بكلام مستأنف يتضمن بيان حالها وسرعة تقتضيها وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود به، بعد أن تملأ الأعين برونقها وتخلب النفوس ببهجتها، وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضاً ويهتكوا حرمهم، حباً لها وعشقاً لجمالها الظاهري، وتكالباً على التمتع بها وتهافتاً على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب العجيب البديع المثال المنتظم في سلك الأمثال فقال.
(إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) أي إن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه ويباينه، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه وذهاب بهجته وسرعة تقضيه، بعد أن كان غضاً مخضراً طرياً قد تعانقت أغصانه المتمايلة، وزهت أوراقه المتصافحة، وتلألأت أنواع نوره وحاكت الزهر أنواع زهره، وإنما ليست للحصر لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالاً غير هذا، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله كماء بل ما يفهم من الكلام.
(فاختلط به) أي بسببه (نبات الأرض) بأن اشتبك بعضه ببعض لكثرته حتى بلغ إلى حد الكمال، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدأ حدوثه غير مهتز، ولا مترعرع فإذا نزل الماء عليه اهتز، وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض (مما يأكل الناس والأنعام) أي كائناً من الحبوب والثمار والكلأ والتبن والعشب.
(حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) قال في الصحاح: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزور. اهـ.
وفي القاموس الزخرف بالضم الذهب وكمال حسن الشيء، ومن القول
стр. 3346
حسنه، ومن الأرض ألوان نباتها، والمعنى أن الأرض استوفت واستكملت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب وبعضه للون الفضة وبعضه للون الياقوت وبعضه للون الزمرد وحتى غاية لمحذوف، أي ما زال ينمو ويزهر حتى أخذت حسنها ونضارتها وبهجتها، وأظهرت ألوان زهرها من أبيض وأخضر وأحمر وأصفر وغير ذلك.
(وازينت) أي تزينت به، وقرئ أزينت على وزن أفعلت أي ازينت بالزينة التي عليها، شبهها بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألواناً كثيرة ففي الكلام استعارة مكنية.
(وظن أهلها) أي أهل تلك الأرض الآخذة زخرفها (إنهم قادرون عليها) أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها متمكنون على جدادها وقطافها، والضمير في عليها للأرض والمراد النبات الذي هو عليها.
(أتاها) أي جاءها (أمرنا) بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات (ليلاً أو نهاراً) أو للتنويع أي تارة يأتي قضاؤنا وعذابنا ليلاً، وتارة يأتي نهارا (فجعلناها حصيداً) أي جعلنا زرعها شبيهاً بالمحصود في قطعه من أصوله، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل وقيل المقطوع بالمناجل.
(كأن لم تغن بالأمس) أي كأن لم يكن زرعها موجوداً فيها بالأمس مخضراً طرداً، من غني بالمكان بالكسر يغني بالفتح إذا أقام، قال البيضاوي: أي لم تلبث أي لم تقم ولم تمكث.
وقيل لم تكن ولم توجد، وفي القاموس ما يقتضي أن غني يأتي بمعنى كان ووحد كقوله غنيت دارنا بتهامة أي كانت بها.
стр. 3347
والمراد بالأمس الوقت القريب والزمن الماضي لا خصوص اليوم الذي قبل يومك، قاله الكرخي، والمغاني في اللغة المنازل، وقال قتادة: كأن لم ينعم، وقرأ " لم يَغْنَ " بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف، قرأ من عده " تغن " بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الأرض.
(كذلك) أي مثل ذلك التفصيل البديع (نفصل الآيات) القرآنية التي من جملتها هذه الآية المنبهة على أحوال الدنيا، ويجوز أن يراد الآيات التكوينية (لقوم يتفكرون) فيما اشتملت عليه، عن أبي مجلز قال: كان مكتوباً في سورة يونس إلى جنب هذه الآية (ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى ثالثاً ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) فمحيت.
قال النسفي في الآية: هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطاماً بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه، والتنبيه على حكمة التشبيه أن الحياة صفوها شبيبتها وكدرها شيبتها، كما أن صفو الماء في أعلى الإناء:
ألم تر أن العمر كأس سلافة ... فأوله صفو وآخره كدر
وحقيقته تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ورياحين الروح وزهرة الزهد وكروم الكرم، وحبوب الحب، وحدائق الحقيقة وشقائق الطريقة.
والخبيثة تخرج خلاف الخلف؛ وثمام الإثم وشوك الشرك، وشيح الشح وحطب العطب ولعاع اللعب.
ثم يدعوه معاده، كما يحين للحرث حصاده، فتزايله الحياة مغتراً كما يهيج
стр. 3348
النبات مصفراً، فتغيب جثته في الرمس كأن لم تغن بالأمس، إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث.
وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله، ويهلك كثيره ولا بد من ترك ما زاد، كما لا بد من أخذ الزاد، وأخذ المال لا يخلو من زلة، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة، وجمعه وإمساكه، تلف صاحبه وإهلاكه، فما دون النصاب كضحضاح ماء؛ يجاوز بلا احتماء، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة وعمارتها بذل الصلاة، فمتى اختلت القنطرة غرقته أمواج القناطير المقنطرة. وكذا المال يساعد الأوغاد، دون الأمجاد، كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون النجاد، وكذلك المال لا يجتمع إلا بكد البخيل، كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف انتهى.
стр. 3349
(والله يدعو إلى دار السلام) لما نفر عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق، رغبهم في الدار الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه إلى دار السلام، قال الحسن وقتادة: السلام هو الله تعالى وداره الجنة، وقال الزجاج: والمعنى والله يدعو إلى دار السلامة، ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة.
وقيل أراد دار السلام الذي هو التحية لأن أهلها ينالون من الله السلام بمعنى التحية كما في قوله: (تحيتهم فيها سلام) وقيل السلام اسم لأحد الجنان السبع (أحدها) دار السلام (والثانية) دار الجلال (والثالثة) جنة عدن (والرابعة) جنة المأوى (والخامسة) جنة الخلد (والسادسة) جنة الفردوس (والسابعة) جنة النعيم.
وقيل المراد دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة،
стр. 3350
وقد اتفقوا على أن دار السلام هي الجنة، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام.
(ويهدي من يشاء) هدايته، قال أبو العالية: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات (إلى صراط مستقيم) دين الإسلام، جعل سبحانه الدعوة إلى دار السلام عامة والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه تكميلاً للحجة وإظهاراً للاستغناء عن خلقه.
أخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: حدثني جابر قال: خرج علينا رسول الله ﵌ يوما فقال: " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلاً، فقال اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك مثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بيتاً ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من ترك فالله هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها (١) " وقد روي معنى هذا من طرق.
стр. 3351
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)
ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: (للذين أحسنوا) بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الإيمان والأعمال والكف عما نهاهم عنه من المعاصي، وقيل للذين شهدوا أن لا إله إلا الله (الحسنى) أي المثوبة الحسنى وإن كان معه ذنوب، فعصاة المؤمنين داخلون في هذا، وقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، والعرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها ولذلك ترك موصوفها، وقيل المراد بالحسنى الجنة.
(وزيادة) قيل المراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) وقيل الزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وبه قال جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت، وبه قال الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي.
وقيل الزيادة هي مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، قاله علي بن أبي طالب، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان قاله مجاهد، وقيل هي ما يعطيهم سبحانه في الدنيا من فضله لا يحاسبهم عليه يوم القيامة، قاله ابن زيد، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره.
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم عن صهيب أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ثم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال
стр. 3352
فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم " (١).
وفي لفظ من حديث أبي موسى مرفوعاً: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن، أخرجه الدارقطني وابن جرير وغيرهما، وروي مثله عن جماعة من الصحابة مرفوعاً بطرق، وقد روي عن التابعين ومن بعدهم روايات في تفسير الزيادة غالبها أنها النظر إلى وجه الله سبحانه، وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله ﷺ فلم يبق حينئذ لقائل مقال ولا التفات إلى المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ينتفعون به، فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم والله المستعان.
(ولا يرهق) الرهق الغشيان، وقيل أصله المقاربة، وقيل معناه يلحق ومنه قيل غلام مراهق إذا لحق بالرجال، وقيل يعلو والمعاني متقاربة والمعنى لا يغشى (وجوههم قتر) هو غبار معه سواد، وقيل سواد الوجه واحده قترة وقيل هو الدخان ومنه غبار القدر، وقيل التقليل ومنه ولم يقتروا، ومنه على المقتر قدره، وقيل الكآبة.
(ولا ذلة) هي ما يظهر على الوجه من الخضوع والانكسار والهوان، يعني لا يعلو وجوههم غبرة ولا يظهر فيها هوان، وقال مجاهد في الآية: خزي، وعن صهيب عنه ﵌ قال: هذا بعد نظرهم إليه ، أخرجه أبو الشيخ، والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال، قاله أبو البقاء.
وهذا ليس بجائز لأن المضارع متى وقع حالاً منفياً بلا امتنع دخول واو الحال عليه كالمثبت أو في محل الرفع نسقاً على الحسنى، والتقدير وأن لا يرهق أي وعدم رهقهم.
(أولئك أي المتصفون بالصفات السابقة هم (أصحاب الجنة هم فيها خالدون) أي المتنعمون بأنواع نعمها لا يخرجون منها أبداً.
(والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) أي يجازى سيئة واحدة بسيئة واحدة لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة؛ وهذا أولى مما عداه وفيه سبعة أوجه قررها السمين لا نطول بذكرها، والمراد بالسيئة إما الشرك أو المعاصي التي ليست بشرك وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي، قال ابن كيسان: الباء زائدة والمعنى جزاء سيئة مثلها وقيل جزاء سيئة كائن بمثلها.
وقيل التقدير فلهم جزاء سيئة، وفيه التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة تفضلاً منه سبحانه وتكرماً، وأما السيئات فإنه يجازي فاعلها عليها بمثلها عدلا منه سبحانه.
(وترهقهم) أي تغشاهم (ذلة) أي هوان وخزي، وقال ابن عباس: ذلة وشدة (ما لهم من الله من عاصم) أي لا يعصمهم أحد كائناً من كان من سخط الله وعذابه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين والأول أولى.
(كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً) القطع بفتح الطاء جمع قطعة وبإسكانها جزء وهما قراءتان سبعيتان، قال ابن السكيت: القطع طائفة من الليل وقيل ظلمة آخر الليل، وقال الأخفش: سواد الليل، والجملة حالية أو مستأنفة أي أغشيت وألبست وجوههم قطعاً وسواداً من الليل في حال ظلمته.
стр. 3355
(أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات الذميمة (أصحاب النار هم فيها خالدون) إطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين.
стр. 3356
(ويوم نحشرهم جميعاً) الحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد وقال مجاهد: الحشر الموت، ويوم منصوب على المفعولية بمضمر أي أنذرهم يوم نحشرهم لموقف الحساب، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوالهم القبيحة، والمعنى أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم يوم القيامة.
(ثم نقول) في حالة الحشر ووقت الجمع (للذين أشركوا) تقريعاً لهم على رؤوس الأشهاد وتوبيخاً لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة وحضور معبوداتهم (مكانكم) أي الزموا مكانكم واثبتوا فيه وقفوا في موضعكم، ولا تنفكوا منه ولا تبرحوا عنه حتى تسألوا وتنظروا ما يفعل بكم، ونصب مكانكم على أنه في الأصل ظرف لفعل أقيم مقامه لا على أنه اسم فعل وحركته حركة بناء كما هو رأي الفارسي، قاله أبو السعود.
قال الخفاجى: وهذا كله تكلف، قال الدماميني: لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فعل إما لازماً وإما متعدياً، وهلا جعلوه ظرفاً على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي اثبت مكانك انتهى وفيه بحث.
والضمير في قوله (أنتم) تأكيد للضمير الذي في مكانكم لسده مسد الزموا (وشركاؤكم) عطف عليه وقرىء بالنصب على المفعول معه، وفي هذا وعيد وتهديد للعابدين والمعبودين، والمراد بالشركاء هنا الملائكة وقيل الشياطين وقيل الأصنام وأن الله سبحانه ينطقها في هذا الوقت وقيل المسيح وعزير، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائناً ما كان.
стр. 3357
(فزيلنا) أي فرقنا وقطعنا ما كان (بينهم) من التواصل في الدنيا يقال زيلته فتزيل أي فرقته فتفرق، والمزايلة المفارقة والتزايل التباين، قال السيوطي: ميزنا بينهم وبين المؤمنين، كما في آية (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) انتهى. وفيه مسامحة.
قال القرطبي: هذا التفسير بعيد من سابقه ولاحقه إذ هما في الكلام على المشركين ومعبوداتهم فالأولى القول الآخر الذي جرى عليه غيره كالبيضاوي والخازن ونص الخطيب: بينهم، أي بين المشركين وشركائهم، وذلك حين يتبرأ كل معبود عمن عبده، وهذا أنسب بقوله.
(وقال شركاؤهم) الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه، وإنما أضاف الشركاء إليهم مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه لكونهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم، فهم شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية، وقيل لكونهم شركاءهم في هذا الخطاب والإضافة لأدنى ملابسة.
(ما كنتم إيّانا تعبدون) في الحقيقة ونفس الأمر، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم الذين أغووكم، لأنها الآمرة لكم بالإشراك على حد قوله (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) الآية. وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفاً لما قد وقع من المشركين من عبادتهم فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة وتقديم المفعول للفاصلة.
(فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم) إن كنا أمرناكم بعبادتنا أو رضينا ذلك منكم (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) القائل لهذا الكلام هم المعبودون قالوا لمن عبدهم من المشركين، والمراد بالغفلة هنا عدم الرضاء بما فعله المشركون من العبادة لهم، أو عدم علمهم بها، أو كل من الأمرين.
وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين لأنهم يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم، قال أبو السعود: هذا من كلام الأصنام كما علمت. انتهى.
قلت: ويمكن أن يكونوا من الشياطين ويحمل هذا الجحد منهم على أنهم لم يجيروهم على عبادتهم ولا أكرهوهم عليها.
стр. 3360
(هنالك) أي في ذلك المكان الدهش أو في ذلك الموقف الدحض أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان (تبلو) أي تختبر وتذوق (كل نفس) مؤمنة كانت أو كافرة، سعيدة أو شقية جزاء (ما أسلفت) من العمل وتعاينه بكنهه متتبعة لآثاره من نفع أو ضر، وخير أو شر، فمعنى تبلو تذوق وتختبر، وقيل تعلم وقيل تتبع فهو من التلو، وهذا على القراءة بالفوقية بإسناد الفعل إلى كل نفس.
وأما على القراءة بالنون فالمعنى أن الله يبتلي كل نفس ويختبرها وأنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها، ويجوز أن يراد يصيب بالبلاء أي
стр. 3361
العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر، والبلية والبلاء والبلوى واحد، والجمع البلايا ومعنى الكل الاختبار.
أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يؤدوهم النار ثم تلا رسول الله ﷺ (هنالك تبلو) الآية.
وعن ابن زيد قال: تعاين كل نفس ما عملت، وقرئ تتلو من التلاوة، أي تقرأ كل نفس صحيفة عملها من خير أو شر.
(وردوا) أي الذين أشركوا (إلى الله) أي إلى جزائه وما أعد لهم من عقابه والرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه (مولاهم) ربهم ومالكهم (الحق) صفة له، أي الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وقرئ بالنصب على المدح كقولهم الحمد لله أهل الحمد (وضل عنهم) أي ضاع وبطل وذهب في الموقف (ما كانوا يفترون) عليه من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة تشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه.
والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق ويعترفون به ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلهاً، ولكن حين لا ينفعهم ذلك. وعن السدي قال: نسخها قوله (بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم).
ثم لما بين الله سبحانه فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة من أحوال الرزق والحواس والموت والحياة والابتداء والإعادة والإرشاد والهدى، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس فقال:
(قل) يا محمد للمشركين احتجاجاً لحقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك؛ وهذه أسئلة ثمانية، جواب الخمسة الأولى منها منهم، وجواب الاثنين بعدها منه ﷺ بتعليم الله إياه لعدم قدرتهم عليه، وجواب الأخير لم يذكر لشهرته والعلم به.
(من يرزقكم من السماء) بالمطر (والأرض) بالنبات والمعادن فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو من كل واحدة منهما توسعة عليكم، ومن لابتداء الغاية فإن اعترفوا حصل المطلوب وإن لم يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما فقل.
(أم من يملك السمع والأبصار) أم هي المنقطعة بمعنى بل وفي هذا إضراب انتقال، انتقال من سؤال إلى سؤال على القاعدة المقررة في القرآن لا إضراب إبطال، أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من أدنى شيء وحقيقة الملك معروفة ويلزمها الاستطاعة لأن المالك لشيء يستطيع التصرف فيه والحفظ له والحماية، لذلك تجوّز به عن كل منهما وخصهما بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة والخلقة الغريبة حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم ويحصلون بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين، ثم انتقل إلى حجة ثالثة فقال (ومن يخرج الحي من الميت) أي الإنسان من النطفة والطير من البيضة والنبات من الحبة أو المؤمن من الكافر، والأول أقرب إلى الحقيقة (ويخرج الميت من الحي) أي النطفة من الإنسان أو الكافر من المؤمن، أو البيضة من الطائر الحي، والمراد
стр. 3364
بهذا الاستفهام عمن يحيي ويميت، وهذه حجة رابعة ثم انتقل إلى حجة خامسة فقال:
(ومن يدبر الأمر) بين الخلائق أي يقدره ويقضيه، وهذا من عطف العام على الخاص لأنه قد عم ما تقدم وغيره (فسيقولون الله) أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات الخمس إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، والمعنى الله يفعل ذلك.
(فقل) أمره أن يقول لهم ذلك وعظاً وتذكيراً بعد أن يجيبوا بهذا الجواب (أفلا تتقون) الاستفهام للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي تعلمون ذلك أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال، وتعبدون هذه الأموات والأصنام التي لا تقدر على شيء من هذه الأمور بل ولا تعلم به، وفي البيضاوي أفلا تتقون عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.
стр. 3365
(فذللكم) الذي يفعل هذه الأفعال (الله) وهو (ربكم) المتصف بأنه (الحق) لا ما جعلتموهم شركاء له في الموتى والأصنام، والاستفهام في قوله (فماذا بعد الحق إلا الضلال) للتقريع والتوبيخ إن كانت ما استفهامية لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام، والمعنى أي شيء بعد الحق إلا الضلال فإن ثبوت ربوبية الرب سبحانه حق بإقرارهم وكان غيره باطلاً لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وصفاته.
(فأنى تصرفون) أي كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر وتقعون في الضلال إذ لا واسطة بينهما فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب.