← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

(أن لا تعبدوا إلا الله) أن مصدرية أو مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير أو بمبين ولا ناهية (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) تعليلية والمعنى نهيتكم عن عبادة غير الله لأني أخاف عليكم، وفيها تحقيق لمعنى الإنذار، واليوم هو يوم القيامة أو يوم الطوفان، ووصفه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغة. ثم ذكر ما أجاب به قومه عليه، وهذا الجواب يتضمن الطعن منهم في نبوته من ثلاث جهات

стр. 3572

(فقال الملأ الذين كفروا من قومه) الملأ الأشراف كما تقدم غير مرة، ووصفهم بالكفر ذماً لهم وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة (ما نراك إلا بشراً مثلنا) هذه الجهة الأولى من جهات طعنهم في نبوته، أي نحن وأنت مشتركون في البشرية فلم تكن لك علينا مزية تستحق بها النبوة دوننا.

стр. 3573

والجهة الثانية (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) أي ولم يتبعك أحد من الأشراف فليس لك مزية علينا باتباع هؤلاء الأراذل لك، والأراذل جمع أرذل بضم الذال وأرذل جمع رذل بسكونها مثل أكالب واكلب وكلب فهو جمع الجمع، وقيل الأراذل جمع أرذل كالأساود جمع أسود، وهم السفلة كالحاكة والأساكفة، والأرذل الأدون من كل شيء فقال النحاس الأراذل الفقراء والذين لا حسب لهم والحسب الصناعات. وقال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة لأن الرفعة في الدين ومتابعة الرسل لا تكون بالشرف والمال والمناصب العلية بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل ولا تضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين، وهذه عادة الله في الأنبياء والأولياء أن أول من يتبعهم ضعفاء الناس لذلهم فلا يتكبرون عن الاتباع بمال ولا جاه. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة هو الذي يصلح الدنيا بدينه قيل له فمن سفلة السفله، قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. والظاهر من كلام أهل اللغة أن السفلة هو الذي يدخل في الحرف الدنية، والرؤية في الموضعين أن كانت القلبية فبشراً في الأول واتبعك في الثاني هما المفعول الثاني، وإن كانت البصرية فهما منتصبان على الحال. (بادي الرأي) أي في ظاهر الرأي من غير تعمق، يقال بدا يبدو إذا ظهر قال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي، وقيل أول الرأي قرئ بالهمز وتركه وهما سبعيتان ونصبه على الظرف أي وقت حدوث أول رأيهم. والوجه الثالث من جهات قدحهم في نبوته (وما نرى لكم علينا من فضل) بالمال والشرف والجاه والرأي خاطبوه في الوجهين الأولين منفرداً، وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه، ثم أضربوا عن الثلاثة المطاعن وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان الذي لا مستند له إلا مجرد العصبية والحسد واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية فقالوا (بل نظنكم كاذبين) فيما تدعونه، ويجوز

стр. 3574

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) أن يكون هذا خطاباً للأراذل وحدهم، والأول أولى لأن الكلام مع نوح لا معهم إلا بطريق التبعية له. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به نوح ﵇ عليهم إجمالاً فقال

стр. 3575

(قال يا قوم أرأيتم) أي أخبروني (إن كنت على بينة) برهان (من ربي) في النبوة يدل على صحتها ويوجب عليكم قبولها مع كون ما جعلتموه قادحاً ليس بقادح في الحقيقة فإن المساواة في صفة البشرية لا تمنع المفارقة في صفة النبوة واتباع الأراذل كما تزعمون ليس مما يمنع من النبوة فإنهم مثلكم في البشرية والعقل والفهم فاتباعهم لي حجة عليكم لا لكم، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة، وفي هذا الخطاب غاية التلطف بهم. (وآتاني رحمة من عنده) وهي النبوة وقيل الرحمة المعجزة والبينة النبوة قيل ويجوز أن يكون الرحمة هي البينة نفسها والأولى تفسير الرحمة بغير ما فسرت به البينة وقيل الرحمة هي على الحق، وقيل هي الهداية إلى معرفة البرهان، وقيل الإيمان والإفراد في (فعميت) على إرادة كل واحدة منهما أو على إرادة البينة لأنها هي التي تظهر لمن تفكر وتخفى على من لم يتفكر، ومعنى عميت خفيت يقال عميت عن كذا وعمي عليّ كذا إذا لم أفهمه. قيل وهو من باب القلب لأن البينة أو الرحمة لا تعمي، وإنما يعمى عنها

стр. 3576

فهو كقولهم أدخلت القلنسوة رأسي، وقيل أن عمى الدليل بمعنى خفائه مجازاً فيقال حجة عمياء كما يقال مبصرة للواضحة وهو استعارة تبعية، شبه خفاء الدليل بالعمى في إن كُلاًّ يمنع الوصول إلى المقاصد وقرئ فعميت بضم العين وتشديد الميم على البناء للمفعول أي فعماها الله. (عليكم) فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها وفي قراءة أُبيّ فعماها عليكم. والاستفهام في (أنلزمكموها) للإنكار أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها أي بالرحمة والمراد إلزام الجبر بالقتل ونحوه لا إلزام الإيجاب إذ هو حاصل ولذا فسره السيوطي بقوله أنجبركم على قبولها (وأنتم) أي والحال أنكم (لها كارهون) أي منكرون ونافون لها، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة النبوة إلا أنها خافية عليكم أيمكننا أن نضطركم إلى العلم بها والحال أنكم لها كارهون غير متدبرين فيها فإن ذلك لا يقدر عليه إلا الله . وعن قتادة قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه.

стр. 3577

(ويا قوم لا أسالكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله) فيه التصريح منه ﵇ بأنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يكون بذلك محلاً للتهمة، ويكون لقول الكافرين مجال بأنه ادعى طلباً للدنيا، والضمير في عليه راجع إلى ما قاله لهم فيما قبل هذا. (و) قوله (ما أنا بطارد الذين آمنوا) كالجواب عما يفهم من قولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) من التلميح منهم إلى إبعاد الأراذل

стр. 3578

عنه وقيل إنهم سألوه طردهم تصريحاً لا تلميحاً، وهذا كما قالت قريش لمحمد ( ﷺ ) كما تقدم في سورة الأنعام (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية ثم علل ذلك بقوله (إنهم ملاقوا ربهم) أي لا أطردهم فإنهم ملاقون يوم القيامة ربهم فهو يجازيهم على إيمانهم لأنهم طلبوا بإيمانهم ما عنده سبحانه، وكأنه قال هذا على وجه الإعظام لهم، ويحتمل أنه قاله خوفاً من مخاصمتهم له عند ربهم بسبب طرده لهم. ثم بين لهم ما هم عليه في هذه المطالب التي طلبوها منه والعلل التي اعتلوا بها عن إجابته فقال (ولكني أراكم قوماً تجهلون) كل ما ينبغي أن يعلم، ومن ذلك استرذالهم للذين اتبعوه وسؤالهم له أن يطردهم.

стр. 3579

وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) ثم أكد عدم جواز طردهم بقوله

стр. 3580

(ويا قوم من ينصرني من الله) أي من يمنعني من عذاب الله وانتقامه (إن طردتهم) فإن طردهم بسبب سبقهم إلى الإيمان والإجابة إلى الدعوة التي أرسل الله رسوله لأجلها ظلم عظيم لا يقع من الأنبياء المؤيدين بالعصمة، ولو وقع ذلك منهم فرضاً وتقديراً لكان فيه من الظلم ما لا يكون لو فعله غيرهم من سائر الناس. (أفلا تذكرون) معطوف على مقدر كأنه قيل أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل بما ذكر فلا تذكرون من أحوالهم ما ينبغي تذكره وتتفكرون فيه حتى تعرفوا ما أنتم عليه من الخطأ، وماءهم عليه الصواب، وقيل تقديره أتأمروني بطردهم فلا تذكرون، وقيل الأصل فلا تذكرون، وقيل أفلا بمعنى هلا التحضيضية كما ذكره الكرخي.

стр. 3581

(ولا أقول لكم عندي خزائن الله) أعطيكم منها، بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئاً من أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى تستدلوا بعدمها على كذبه كما قالوا (وما نرى لكم علينا من فضل) والمراد بخزائن الله خزائن رزقه، وقال ابن الأنباري: الخزائن هنا بمعنى غيوب الله وما هو منطو عن الخلق والأول أولى لقوله (ولا أعلم الغيب) أي ولا أدعي أني أعلم بغيب الله بل لم أقل لكم إلا إني نذير مبين إني أخاف

стр. 3582

عليكم عذاب يوم أليم وهذا رد لقولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) أي في ظاهر حالهم وأول فكرهم، وفي الباطن لم يتبعوك، فقال لهم إني إنما أعوّل على الظاهر لأني لا أعلم الغيب فأحكم به. (ولا أقول) لكم (إني ملك) حتى تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا، فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها، وقد استدل بهذا من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء، والأدلة نفي هذه المسألة مختلفة وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة، فليست هي مما كلفنا الله بعلمه (ولا أقول للذين) أي في شأن الذين (تزدري أعينكم) أي تحتقر وتستصغر، والإزدراء مأخوذ من أزرى عليه إذا عابه وزرى عليه إذا احتقره، والمعنى أني لا أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم وتحتقرونهم (لن يؤتيهم الله خيراً) أي توفيقاً وهداية وإيماناً وأجراً بل قد آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرهم احتقاركم لهم شيئاً. (الله أعلم بما في أنفسهم) من الإيمان به والإخلاص له فمجازيهم على ذلك ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء (إني إذاً لمن الظالمين) لهم أن فعلت ما تريدونه بهم أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك بهم ثم جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه

стр. 3583

(قالوا) عجزاً عن القيام بالحجة وقصوراً عن رتبة المناظرة وانقطاعاً عن المباراة بقولهم (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) أي خاصمتنا بأنواع الخصام ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال فقد ضاقت علينا المسالك وانسدت أبواب الحيل (فائتنا بما تعدنا) من العذاب الذي تخوفنا منه وتخافه علينا (إن كنت من الصادقين) فيما تقوله لنا.

стр. 3584

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو بمشيئة الله وإرادته و

стр. 3585

(قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم، وإن قضت مشيئته وحكمته بتأخيره أخره (وما أنتم بمعجزين) بفائتين عما أراده الله بكم بهرب أو مدافعة

стр. 3586

(ولا ينفعكم نصحي) الذي أبذله لكم وأستكثر منه قياماً مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته لكم بإيضاح الحق؛ وبيان بطلان ما أنتم عليه (إن أردت أن أنصح لكم) وجواب هذا الشرط محذوف والتقدير لا ينفعكم نصحي كما يدل عليه ما قبله (إن كان الله يريد أن يغويكم) أي إغواءكم فلا ينفعكم النصح مني، وكان جواب هذا الشرط محذوفاً كالأول وتقديره ما ذكرنا، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من تقدم الجزاء على الشرط، وأما على مذهب من يجيزه فجزاء الشرط الأول ولا ينفعكم نصحي، والجملة جزاء للشرط الثاني. قال ابن جرير: معنى يغويكم يهلككم بعذابه؛ وظاهر لغة العرب أن الإغواء الإضلال، فمعنى الآية لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق. وحكى عن طي أصبح فلان غاوياً أي مريضاً وليس هذا العنى هو المراد في الآية، وقد ورد الأغواء بمعنى الإهلاك، ومنه فسوف يلقون غياً، وهو غير ما في الآية هذه. (هو ربكم) فإليه الإغواء وإليه الهداية (وإليه ترجعون) فيجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وأن شراً فشر

стр. 3587

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)

стр. 3588

(أم يقولون افتراه) أنكر سبحانه عليهم قولهم إن ما أوحى إلى نوح مفترى ثم أمره أن يجيب بكلام منصف فقال (قل إن افتريته فعليَّ إجرامي) بكسر الهمزة مصدر أجرم أي فعل ما يوجب الإثم وجرم وأجرم بمعنى، قاله النحاس أي اكتسب الذنب وافتعله، والمعنى فعلّي إثمي أو جزاء كسبي، ومن قرأ بفتح الهمزة قال هو جمع جرم ذكره النحاس أيضاً. قال قتادة: إجرامي أي عملي، والإجرام اكتساب السيئة واقترافها، يقال جرم جرماً أذنب والاسم منه الجرم بالضم والجريمة مثله، وأجرم هو الفاشي في الاستعمال، ويجوز جرم ثلاثياً، والمعنى إن كنت افتريته فعليّ عقاب جرمي، وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب إلا أنه حذفت هذه البقية لدلالة الكلام عليها، ولا يدل ذلك على أنه كان شاكاً لأنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول (وأنا بريء مما تجرمون) أي من إجرامكم بسبب ما تنسبون إلى من الافتراء، قيل وفي الكلام حذف والتقدير لكن ما افتريته فالإجرام وعقابه ليس إلا عليكم وأنا بريء منه. وقد اختلف المفسرون في هذه الآية فقيل أنها حكاية عن نوح وما قاله لقومه، وقيل هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد ﷺ وكفار مكة قاله مقاتل، فعلى هذا تكون الآية معترضة في قصة نوح والأول أولى، لأن الكلام قبلها وبعدها مع نوح ﵇.

стр. 3589

(وأوحي إلى نوح أنه) في محل رفع على أنه نائب الفاعل الذي لم يسم، ويجوز أن يكون في محل نصب بتقدير الباء أي بأنة (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وفي الكلام تأييس له من إيمانهم وإنهم مستمرون على كفرهم مصممون عليه لا يؤمن أحد منهم إلا من قد سبق إيمانه، أو المراد إلا من استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره، وإلا كان المعنى إلا من آمن فإنه يؤمن وقيل أن الاستثناء منقطع وهو على طريقة قوله (إلا ما قد سلف) قال قتادة: وذلك حين دعا عليهم نوح قال (لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وعن الحسن قال: إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت الآية هذه فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم فدعا عليهم (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) البؤس الحزن أي فلا تحزن عليهم، قاله ابن عباس والبائس المستكين، فنهاه الله سبحانه عن أن يحزن حزن مستكين لأن الابتئاس حزن في استكانة، يقال ابتأس فلان إذا بلغه ما يكره والمبتئس الكاره الحزين. ثم إن الله سبحانه لما أخبره أنهم لا يؤمنون البتة عرفه الله هلاكهم وألهمه الأمر الذي يكون به خلاصة وخلاص من آمن معه فقال

стр. 3590

(واصنع الفلك) الظاهر أنه أمر إيجاب لأنه لا سبيل إلى صون روح نفسه وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي اعمل السفينة متلبساً (بأعيننا) أي بمرأى منا وبأبصارنا لك وهو مجاز عن كلاء الله له بالحفظ وعبر بالأعين عن ذلك لأنها آلة الرؤية وهي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب. وقيل بعلمنا لك وجمع الأعين للمبالغة والتعظيم لا للتكثير، وقيل معناها بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حفظك، وقيل بأمرنا، والحق أن العين صفة من صفاته لا ندري كيفيتها فيجب إمرارها على ظاهرها من دون

стр. 3591

تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تقدير. ومعنى (ووحينا) بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها، وقال ابن عباس: بعين الله ووجهه ولم يعلم نوح كيف يصنع الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) قيل هم امرأته وابنه أي لا تطلب إمهالهم وترك إهلاكهم أي لا تراجعني ولا تدني باستدفاع العذاب عنهم فقد حان وقت الانتقام منهم (إنهم مغرقون) تعليل لما قبله أي فإنهم محكوم منا عليهم بالغرق وقد مضى به القضاء فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره، وقيل العنى ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم مغرقون في الوقت الضروب لذلك لا يتأخر إغراقهم عنه.

стр. 3592

(و) طفق (يصنع الفلك) أو أخذ أو أقبل يصنعها فاقتصر على يصنع وقيل هو حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة، وأياً ما كان ففيه ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الآتية الواقعة حالاً من ضميره، ومكث في صنع السفينة مائتي سنة ذكره الصاوي وقيل أربعمائة سنة ذكره أبو السعود، وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وقيل ثلاثين سنة. وكان طولها ثلثمائة ذراع وسمكها في السماء ثلاثين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً والذراع إلى المنكب، وكانت من خشب الساج لها ثلاثة بطون وأطباق سفلى ووسطى وعليا، وكان بابها في عرضها فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي أوسطها الإنس وفي أعلاها الطير، وقيل السفلى للوحش والوسطى للطعام والعليا له ولمن آمن، قال الخفاجي: والساج شجر عظيم يكثر بالهند، وقيل إنه ورد في التوراة أنها من الصنوبر وقيل غير ذلك (١). (وكلما مر عليه ملأ) أي جماعة (من قومه سخروا منه) كل ظرفية وما

стр. 3593

مصدرية ظرفية أي كل وقت مرور قوم استهزؤوا به لعمله السفينة، والجملة في محل نصب على الحال، قال الأخفش والكسائي: يقال سخرت به ومنه. وفي وجه سخريتهم منه قولان (أحدهما) أنهم كانوا يرونه يعمل السفينة فيقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً، وكان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء وفي وقت عزته عزة شديدة (والثاني) أنهم لما شاهدوه يعمل السفينة وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فتعجبوا من ذلك وقالوا: يا نوح ما تصنع بها. (قال) أمشي بها على الماء فعجبوا من قوله وسخروا به ثم أجاب عليهم بقوله (إن تسخروا منا) وهذا الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال والمعنى أن تسخروا منا بسبب عملنا السفينة اليوم. (فإنا نسخر منكم) غداً عند الغرق، ومعنى السخرية هنا الاستجهال أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم، وهذا على سبيل المشاكلة إذ السخرية لا تليق بمقام الأنبياء، وقيل أنه لجزائهم من جنس صنيعهم فلا يقبح (كما تسخرون) أي تستجهلون واستجهاله لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده والتشبيه لمجرد التحقيق والوقوع أو التجدد والتكرر. والمعنى إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا كذلك أو متجددة متكررة كما تسخرون منا كذلك، وقيل معناه نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق وفيه نظر فإن حالهم إذ ذاك لا تناسبه السخرية إذ هم في شغل شاغل عنها ثم هددهم بقوله.

стр. 3594

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) (فسوف تعلمون من) موصولة في محل نصب أو استفهامية في محل رفع أي أينا (يأتيه عذاب يخزيه) أي يهينه وهو عذاب الغرق في الدنيا، قاله ابن عباس: والمراد بعذاب الخزي العذاب الذي يخزي صاحبه ويحل عليه العار (ويحل) التلاوة بكسر الحاء ويجوز لغة ضمها كما في المصباح أي ينزل (عليه عذاب مقيم) في الآخرة وهو عذاب النار الدائم والخلود فيها. وقيل معنى يحل يجعل المؤجل حالاً مأخوذ من حلول الدين المؤجل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها ثم جعل يعمل منها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري، قال سوف تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب الماء بها، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي (١)، وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على مستدرك الحاكم، وقد روي في صفة السفينة وقدرها أحاديث وآثار ليس في ذكرها هنا كثير فائدة.

стр. 3595

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)

стр. 3596

(حتى إذا جاء أمرنا) حتى هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وجعلت غاية لقوله (واصنع الفلك بأعيننا) وما بينهما اعتراض والمراد بالأمر العذاب أو وقته وهو واحد الأمور لا الأوامر ويصح أن يراد الثاني على معنى جاء أمرنا بركوب السفينة. (وفار التنور) أي غلى، واختلف في تفسير التنور على أقوال (الأول) أنه وجه الأرض والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً أو اشرف موضع فيها؛ روى ذلك عن ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة. (الثاني) أنه تنور الخبز الذي يخبزون فيه ابتدئ منه النبع على خلاف العادة وبه قال مجاهد وعطية والحسن وهو قول أكثر المفسرين، قيل وهذا أولى لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى، ولفظ التنور حقيقة في اسم الموضع الذي يخبز فيه (الثالث) أنه موضع اجتماع الماء في السفينة وروى هذا عن الحسن. (الرابع) أنه طلوع الفجر من قولهم تنور الفجر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب (الخامس) أنه مسجد الكوفة، روي ذلك عن علي أيضاً ومجاهد، وقال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان الشعبي يحلف بالله أنه ما فار إلا من ناحية الكوفة. (السادس) أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة قاله قتادة (السابع) أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة وهي بالشام، روي ذلك عن عكرمة، وبه قال مقاتل (الثامن) أنه موضع بالهند، قال ابن عباس: كان تنور آدم

стр. 3597

بالهند وكانت حواء تخبز فيه وصار إلى نوح. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء من السماء والأرض قال (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً) فهذه الأقوال تجتمع في إن ذلك كان علامة هكذا، قال: وفيه نظر فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع ولا يستقيم عليه التفسير بنبع الماء إلا إذا كان المراد مجرد العلامة كما ذكره آخراً. وقد ذكر أهل اللغة أن الفوز الغليان، يقال فار الماء يفور فوراً نبع وجرى وفارت القدر فوراً من باب قال وفوراناً غلت، وعلى هذا لا تجوز في الآية إلا من حيث نسبة الفوران إلى التنور، وهو اسم أعجمي عربته العرب، وعلى هذا فلا اشتقاق له. وقيل فارسي لا تعرف له العرب اسماً غير هذا فلذلك جاء في القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون، وقيل جاء هكذا بكل لفظ عربي وعجمي، وأنه مما اتفق عليه لغة العرب والعجم كالصابون ووزنه تفعول ويعزى هذا لثعلب، وقيل فعول ويعزى لأبي على الفارسي، وقيل معنى فار التنور التمثيل بحضور العذاب كقولهم حمي الوطيس إذا اشتد الحرب، وعلى هذا فهو كناية عن اشتداد الأمر. وقيل كان من حجر لحواء فصار إلى نوح، وقد روى في تفسير التنور غير هذا. ذكر ابن جرير وغيره إن الطوفان كان في ثالث عشر من أبيب رجب في شدة القيظ وكان الفوران علامة لنوح على مجيئه وركوب السفينة. (قلنا) يا نوح (احمل فيها) أي في السفينة (من كل زوجين) مما في الأرض من الحيوانات (اثنين) ذكراً وأنثى، وقرئ من كل بالتنوين أي من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر،

стр. 3598

ويطلق على كل واحد منهما زوج كما تقول للرجل زوجٍ وللمرأة زوجٍ؛ وهو المراد هنا أي من كل فردين متزاوجين اثنين بأن تحمل من الطير ذكراً وأنثى ومن الغنم ذكراً وأنثى، وهكذا وتترك الباقي، والمراد من الحيوانات التي تنفع والتي تلد أو تبيض ليخرج المضرات، والتي تتوالد من العفونة والتراب كالدود والقمل والبق والبعوض فلم يحمل منه شيئاً. ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف ومنه قوله تعالى (وأنبتت من كل زوج بهيج). قال الرازي: وأما ما يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن، وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق، وأيضاً فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح، فالأولى ترك الخوض فيه اهـ. (و) احمل (أهلك) والمراد امرأته المؤمنة وبنوه ونساؤهم (إلا من سبق عليه القول) أي من تقدم الحكم عليه بأنه من المغرقين في علمه أو في قوله (ولا تخاطبنى في الذين ظلموا أنهم مغرقون) على الاختلاف الشائع فيهم، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة احمل فيها وأهلك ومن قال المراد بهم ولده كنعان وامرأته الكافرة واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك ويكون متصلاً إن أريد بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم، ومنقطعاً إن أريد بالأهل المسلمون منهم فقط. (و) احمل (من آمن) من قومك في السفينة، وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية بهم أو للاستثناء منهم على القول الآخر. ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به فقال (وما آمن معه إلا قليل) واعتبار المعية في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة، قيل كانوا ثمانية: نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم، وبه قال

стр. 3599

قتادة وابن جرير ومحمد بن كعب القرظي، وقيل كانوا ثمانين رجلاً أحدهم جرهم، قاله ابن عباس. قال الخفاجي: وهي الرواية الصحيحة. اهـ. ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين وهي موجودة بناحية الموصل، وقيل سبعة نوح وبنوه وثلاث كنائن له، قاله الأعمش، قال الخفاجي: ويرده عطف من آمن إلا أن يكون الأهل بمعنى الزوجة فإنه ثبت بهذا المعنى، وهو خلاف الظاهر، وقيل كانوا تسعة وسبعين: زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. وعن ابن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وقيل غير ذلك، قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال (وما آمن معه إلا قليل) ولم يحد عدداً بمقدار، فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله إذ لم يرد ذلك في كتاب ولا خبر صحيح عن رسول الله ﷺ .

стр. 3600

(وقال اركبوا فيها) القائل نوح، وقيل الله سبحانه، والأول أولى لقوله: (إن ربي لغفور رحيم) والركوب العلو على ظهر الشيء المتحرك حقيقة نحو ركب الدابة أو مجازاً نحو ركبه الدين؛ وفي الكلام حذف أي اركبوا الماء في السفينة فلا يرد إن ركب يتعدى بنفسه. وقيل أن الفائدة في زيادة " في " أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها، وقيل بل أنها زيدت لرعاية جانب المحلية والمكانية في السفينة كما في قوله (فإذا ركبوا في الفلك) وقوله (حتى إذا ركبا في السفينة). قيل ولعل نوحاً قال هذه المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك وقال للمؤمنين اركبوا فيها، ويمكن أن يقال أنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل

стр. 3601

والمؤمنين، ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات، أو يكون هذا على طريقة التغليب، وقد روى صفة القصة وما حمله نوح في السفينة وكيف كان الغرق. وكم بقيت السفينة على ظهر الماء روايات كثيرة لا مدخل لها في تفسير كلام الله سبحانه (بسم الله) متعلق باركبوا أو حال من فاعله أي اركبوا مسمين الله أو قائلين بسم الله (مجريها ومرساها) بضم الميم فيهما من أجريت وأرسيت على إنهما اسماً زمان وهما في موضع نصب على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها أو مصدران كالإجراء والإرساء بحذف الوقت كقولك آتيك خفوق النجم أو اسما مكان انتصبا بما في بسم الله من معنى الفعل أو إرادة القول. وقرئ الأول بفتح الميم والثاني بضمها وهاتان القراءتان سبعيتان، وقرئ بفتحها فيهما من جرى ورسى، وهذه شاذة، وقرئ مجريها ومرسيها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل على أنهما وصفان لله، ويجوز أن يكونا في موضع رفع بإضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها، والرسو الثبات والاستقرار. قال مجاهد في الآية: أي حين تركبون وتجرون وترسون. وعن الضحاك قال: كان إذا أراد أن ترسى قال: بسم الله فرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت. (إن ربي لغفور) للذنوب (رحيم) بعباده ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلاً منه لبقاء هذا الجنس الحيواني وعدم استئصاله بالغرق. أخرج أبو يعلى والطبراني وابن السني وغيرهم عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن بسم الله مجراها الآية (وما قدروا الله حق قدره) الآية (١).

стр. 3602

وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)

стр. 3603

(وهي تجري بهم) أي فركبوا مسمين والسفينة تجري، والجملة مستأنفة أو حالية ولذلك فسره الزمخشري بقوله أي تجرى وهم فيها (في موج) جمع موجة وهي ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح واضطرابه في خلاله (كالجبال) شبهها بالجبال المرتفعة على الأرض، أي كل موجة منه كالجبل في تراكمها وارتفاعها وعظمها. قال أهل السير: ارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعاً، وقيل خمسة عشر ذراعاً حتى أغرق كل شيء وعم العباد وشمل كل البلاد، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كالحوت فغير ثابت. (ونادى نوح ابنه) هو كنعان وقيل يام وكان كافراً؛ واستبعد كون نوح ينادي من كان كافراً مع قوله (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وأجيب بأنه كان منافقاً فظن نوح أنه مؤمن، وقيل حملته شفقة الأبوه على ذلك وكان من صلبه على المعتمد. وقال ابن عباس: هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل، وقيل أنه كان ابن امرأته ولم يكن ابنه. ويؤيده ما روي أن علياً قرأ (ونادى نوح ابنها) وقيل أنه كان لغير رشدة وولد على فراش نوح، ورد بأن قوله هذا وقوله (إن ابني من أهلي) يدفع ذلك مع ما فيه من عدم صيانة منصب النبوة فإن جناب الأنبياء أرفع من أن يشار إليه بأصبع الطعن.

стр. 3604

(وكان في معزل) أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح (اركبوا فيها) وقيل في معزل من دين الله وقيل من السفينة. قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق، بل كان في أول فور التنور قبل سير السفينة. (يا بني) أصله بثلاث ياءات ياء التصغير ولام الكلمة وياء المتكلم (اركب معنا) في السفينة أي أسلم واركب، قال ملا عليّ الجيلاني: الظاهر أن معنى الآية أسلم لتستحق الركوب معنا. (ولا تكن مع الكافرين) في البعد عنا فتهلك معهم، نهاه عن الكون معهم خارج السفينة، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم في الكفر، والأول أولى لأنه ﵇ بصدد التحذير عن الهلكة فلا يلائمه النهي عن الكفر. ثم حكى الله سبحانه ما أجاب به ابن نوح على أبيه فقال

стр. 3605

(قال سآوي) أي سألتجئ وأصير (إلى جبل يعصمني) أي يمنعني بارتفاعه وعلوه (من) وصول (الماء) إليّ زعماً منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول المعتادة التي ربما يتقي منها بالصعود إلى الربى، وأنى له ذلك وقد بلغ السيل الزبى، وجهلاً بأن ذلك إنما كان لإهلاك الكفرة، وأن لا محيص من ذلك سوى الالتجاء إلى ملجأ المؤمنين، فلذلك أراد ﵇ أن يبين له حقيقة الحال، وأن يصرفه عن ذلك الفكر المحال. (قال) أي فأجاب عنه نوح بقوله (لا عاصم) من الجبال أي لا مانع (اليوم من أمر الله) فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن، فيه نفي جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجاً أولياً، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيماً لشأنه وتهويلاً لأمره (إلا من رحم) وقرئ على البناء للمفعول والاستثناء منقطع قاله الزجاج أي لكن من رحمه فهو يعصمه واستظهره السفاقسي أو متصل على أن يكون عاصم

стр. 3606

بمعنى معصوم أي لا معصوم اليوم من أمر الله إلا من ﵀ مثل ماء دافق وعيشة راضية، واختار هذا الوجه ابن جرير والزمخشري وتبعه القاضي. وقيل العاصم بمعنى ذي العصمة كلابن وتامر، والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله وهو السفينة وحينئذ فلا يرد ما يقال أن معنى من رحم من ﵀ ومن ﵀ فهو معصوم، فكيف يصح استثناؤه عن العاصم لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعاً للإشكال. وذكر صاحب الانتصاف إن الاحتمالات الممكنة هنا أربعة لا عاصم إلا راحم، لا معصوم إلا مرحوم، لا عاصم إلا مرحوم، لا معصوم إلا راحم، فالأولان استثناء من الجنس، والآخران استثناء من غير الجنس فيكون منقطعاً أي لكن المرحوم يعصم على الأول؛ ولكن الراحم يعصم من أراد على الثاني قال عكرمة: لا ناج إلا أهل السفينة. (وحال بينهما الموج) أي حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق وقيل بين ابن نوح وبين الجبل والأول أولى لأن تفرع (فكان من المغرقين) عليه يدل على الأول لا على الثاني لأن الجبل ليس بعاصم والمعنى فصار أو فكان كنعان من المغرقين في علم الله بالفعل والمهلكين بالماء. (وقيل) أي بعد ما تناهى الطوفان وأغرق الله قوم نوح والقيل كما قيل في هذين الموضعين عبارة عن تعلق القدرة التنجيزي بزوال الماء وبهلاكهم كما قيل في قوله تعالى (أن يقول له كن فيكون) وعلى هذا فالآية على الاستعارة المكنية والتخييلية وقيل تمثيلية، كما فصل ذلك الخفاجي في العناية تفصيلاً بسيطاً مع ما يصحبه من لطائف البلاغة. ولكن الحق الذي لا تردد فيه عند أولي البصيرة أن الآية على حقيقتها من النداء والأمر وهو المختار في قوله سبحانه (كن فيكون) وأمثاله أيضاً.

стр. 3607

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)

стр. 3608

(يا أرض ابلعي) يقال بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء: والبلع الشرب وتغوير الماء ومنه البالوعة وهي الموضع الذي يشرب الماء والازدراد يقال بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج. قال الخفاجي: النشف من نشف الثوب العرق كسمع وبصر إذا شربه، قال المدقق: هذا أولى من جعل السكاكي البلع مستعاراً لغور الماء في الأرض لدلالته على جذب الأرض ما عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان ولأن النشف فعل الأرض والغور فعل الماء. فالله دره ما أكثر اطلاعه على حقائق المعاني اهـ. وقال عكرمة: ابلعي هو بالحبشية ازدرديه وعن ابن منبه نحوه وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: معناه اشربي بلغة الهند وعن ابن عباس مثله. أقول وثبوت لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب ظاهر مكشوف فمالنا وللحبشة والهند والمعنى انشفي وتشربي (ماءك) أي ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والأنهار. وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه بأمر الله، لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل. (ويا سماء أقلعي) الإقلاع الإمساك يقال اقلع المطر إذا انقطع وأقلع عن

стр. 3609

الشي إذا تركه وهو قريب من الأول، والمعنى أمر السماء بإمساك الماء عن الإرسال، ولفظ أحمد المهايمي في تفسيره: أي اجذبي إلى جهة الفوق ما نزل منك اهـ. وقيل ميز الله بين الماءين فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته وصار ماء السماء بحاراً، وخوطبت الأرض أولاً بالبلع لأن الماء نبع منها أولاً قبل إن تمطر السماء. (وغيض الماء) أي نقص ونضب ما بين السماء والأرض من الماء يقال غاض الماء وغضته أنا وهو لازم ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى (وما تغيض الأرحام) أي تنقص، وقيل بل هو هنا متعد أيضاً وسيأتي، ومن المتعدي هذه الآية لأنه لا يبنى للمفعول من غير واسطة حرف الجر إلا المتعدي بنفسه وهو إخبار عن حصور المأمورية من السماء والأرض معاً أي فامتثلا ما أمرا به ونقص الماء، ولا يخص غيض الماء بطوفان السماء كما توهم، وفيه كلام طويل في الكشف، قال الصاوي: أي ولم يذهب بالكلية لما علمت من بقاء ماء السماء. (وقضي الأمر) أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام وأنجز ما كان وعده، قاله القرطبي (واستوت على الجودي) أي استقرت السفينة على الجبل المعروف بالجودي، روى أنه ﵇ ركب في الفلك في عاشر رجب ونزل عنها في عاشر المحرم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سنة، والجودي جبل بقرب الموصل. وقيل أن الجودي اسم لكل جبل وقيل هو بالشام، وقيل بآمل وفي الحديث لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ويقال أنه من جبال الجنة فلذا استوت عليه بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر. (وقيل بعداً للقوم الظالمين) القائل هو الله سبحانه ليناسب صدر الآية، وقيل هو نوح وأصحابه والمعنى وقيل هلاكاً لهم وهو من الكلمات التي تختص

стр. 3610

بدعاء السوء، ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك وللإيماء إلى قوله (ولا تخاطبني في الذين ظلموا). قال عبد الرحمن بن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع وبما كان من خراب المعمور وهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله وعاد أباً ثانيا للخليقة انتهى. وقال ابن الأثير في الكامل: وأما المجوس فلا يعرفون الطوفان وكان بعضهم يقر به ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد خومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم، وكذلك جميع الأمم المشرقية من الهند والفرس والصين لا يعترفون بالطوفان، وبعض الفرس يعترف به ويقول لم يكن عاماً ولم يتعد عقبة حلون. والصحيح أن جميع أهل الأرض من ولد نوح ﵇ لقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث أولاد نوح انتهى. وقال المقريزي في الخطط: أن جميع أهل الشرائع أتباع الأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحاً هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم ﵇ انحصر فيه ومنه ذرأ الله جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك فأنكروا الطوفان. وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأول كانوا بالبلاد الشرقية من بابل فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين.
следующие страницы →