(فلولا كان) هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهي عن الفساد ويأمر بالرشاد فقال (فلولا) أي فهلا كان (من القرون) الماضية المهلكة بالعذاب الكائنة (من قبلكم أولوا بقية) من الرأي والعقل والدين، والبقية في الأصل اسم لما يستبقيه الرجل مما يخرجه وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله فصار لفظ البقية مثلاً في الجودة يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير، والمراد بها حينئذ جيد الشيء وخياره، من قولهم فلان بقية الناس وبقية الكرام وإنها صفة على فعيلة للمبالغة بمعنى فاعلة ولذلك دخلت التاء فيها.
وقيل معناه أولو بقية من خير يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا؛ وقيل أنها مصدر بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذووا بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه، وقرئ بتخفيف الياء وهي اسم فاعل من بقي، والتقدير أولو طائفة بقية أي باقية.
стр. 3747
وقرئ بضم الباء وسكون القاف، أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله ﵌ أولو بقية وأحلام.
(ينهون) قومهم (عن الفساد في الأرض) ويمنعونهم من ذلك لكونهم ممن جمع الله له بين جودة العقل وقوة الدين، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى والاستثناء في قوله (إلا قليلاً) منقطع أي لكن قليلاً (ممن أنجبنا منهم) أي من الأمم الماضية وهم أتباع الأنبياء نهوا عن الفساد في الأرض وسائرهم تركوا النهي، وقيل هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي فكأنه قال ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم إلا أنه يؤدي إلى النصب في غير الموجب وإن كان غير النصب أولى.
قال الزمخشري: إن جعلته متصلاً كان المعنى فاسداً لأن الكلام يؤول إلى أن الناجين لا يحضون على النهي ومن في ممن بيانية لأنه لم ينج إلا الناهون قيل هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر إلا قوم يونس، وقيل هم أتباع الأنبياء أهل الحق من الأمم على العموم.
(واتبع الذين ظلموا) أنفسهم بسبب مباشرتهم للفساد وتركهم للنهي عنه (ما أترفوا فيه) أي أنعموا من الشهوات فاهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك والمترف الذي أبطرته النعمة يقال صبي مترف منعم البدن.
وفي القاموس الترفة بالضم النعمة والطعام والشيء الظريف تخص به صاحبك وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أطغته وأترف فلان أصر على المكر والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية الحال
стр. 3748
وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا بأعمارهم في الشهوات النفسانية.
وقبل المراد بالذين ظلموا، تاركوا النهي ورد بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلماً ممن لم يباشر وكان ذنبه ترك النهي وقرئ واتبع على البناء للمفعول ومعناه اتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، قال مجاهد: واتبع الذين ظلموا أي في ملكهم وتجبرهم وتركهم للحق، وقال ابن عباس: أترفوا وأبطروا.
وجملة (وكانوا مجرمين) متضمنة لبيان سبب إهلاكهم أي وكان هؤلاء الذين اتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين كافرين والإجرام الآثام والمعنى أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم للشهوات واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها ويجوز أن تكون معطوفة على واتبع الذين أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بسبب ذلك الاتباع مجرمين.
стр. 3749
(وما كان ربك ليهلك القرى) أي ما صح ولا استقام بل استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك انباؤها ويعلم من ذلك حال باقيها من القرى الظالمة واللام لتأكيد النفي (بظلم) أي متلبساً به قيل هو حال من الفاعل أي ظالماً لها والتنكير للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم والمراد تنزيه الله تعالى عن ذلك بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى وإلا فلا ظلم فيما فعله الله تعالى بعباده كائناً ما كان لما تقرر من قاعدة أهل السنة.
قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وما كان ربك ليهلك أحداً وهو يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح لأن تصرفه في ملكه دليله قوله تعالى (إن الله لا يظلم الناس شيئاً) وقوله: وإن الله ليس بظلام للعبيد (وأهلها
стр. 3750
مصلحون) حال من المفعول والعامل عامله ولكن لا باعتبار تقييده بما وقع حالاً من فاعله أعني بظلم لدلالته على تقييد نفي الإهلاك ظلماً بحال كون أهلها مصلحين ولا ريب في فساده بل مطلقاً عن ذلك.
وقيل المراد بالظلم الشرك والباء للسببية أي لا يهلك القرى بسبب إشراك أهلها أي بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض ومتابعة الهوى كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم وأهلك قوم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم لا يظلمون الناس شيئاً وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه تعالى.
ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد الفقراء على حقوق الله الغني الحميد وقيل الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم وأنت تدري أن مقام النهي عن المنكرات التي أقبحها الإشراك بالله لا يلائمه فإن الشرك داخل في الفساد في الأرض دخولاً أولياً ولذلك ينهى كل من الرسل الذين قصت أنباؤهم أمته أولاً عن الإشراك ثم عن سائر المعاصي التي كانوا يتعاطونها فالوجه حمل الظلم على مطلق الفساد الشامل للشرك وغيره من أصناف المعاصي وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع عنه يكون بعضهم متصدين للنهي عنه وبصنعهم متوجهين إلى الاتعاظ غير مصرين على ما هم عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد.
وقيل المعنى وما كان يهلكهم بذنوبهم وهم مخلصون في الإيمان فالظلم المعاصي على هذا، أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير قال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن تفسير هذه الآية فقال: وأهلها ينصف بعضهم بعضاً، وروي موقوفاً على جرير، قيل والمراد بالهلاك عذاب الاستئصال في الدنيا وأما عذاب الآخرة فهو لازم لهم.
стр. 3751
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)
(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) أي أهل دين واحد إما أهل ضلالة أو أهل هدى، وقيل معناه جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه أو مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن ولهذا قال:
(ولا يزالون مختلفين) في ذات بينهم على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم فكل هؤلاء قد اختلفوا في أديانهم اختلافاً كثيراً لا ينضبط، وقيل مختلفين في الحق أو دين الإسلام وقيل مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير، وعن ابن عباس في الآية قال: أهل الحق وأهل الباطل. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى كذلك وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " (١).
أخرجه أبو داود والترمذي بنحوه عن معاوية قال: قام فينا رسول الله ( ﷺ ) فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثتتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة " (٢)، أخرجه أبو داود.
قال الخطابي: فيه دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة عن الملة والدين إذ جعلهم من أمته، وقال غيره: المراد بها أهل البدع والأهواء الذين تفرقوا واختلفوا وظهروا بعده كالخوارج والقدرية والمعتزلة والرافضة وغيرهم والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول في قوله وفعله ولم يقلدوا أحداً في خلافه.
стр. 3752
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)
(إلا من رحم ربك) أي إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون وعن عطاء ابن أبي رباح قال: لا يزالون مختلفين أي اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية وهم الذين رحم ربك. وقال الحسن: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك فمن رحم ربك غير مختلف.
وعن مجاهد قال: من اختلف أهل الباطل ومن رحم أهل الحق فمن الله عليهم بالتوفيق والهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا أو إلا من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين الإسلام بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله وهو الحق الذي لا حق غيره أو إلا من رحم ربك بالقناعة والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى الاستثناء في إلا من رحم واضحاً غير محتاج إلى تكلف.
(ولذلك) أي ولما ذكر من الاختلاف أو ولرحمته وصح تذكير الإشارة إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقي، والضمير في (خلقهم) إن كان راجعاً إلى الناس فالإشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة، وإن كان إلى من فإلى الرحمة، وقيل الإشارة بذلك إلى مجموع الاختلاف والرحمة ولا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله (عوان بين ذلك) وقوله (وابتغ بين ذلك سبيلاً) وقوله (فبذلك فليفرحوا) قال مجاهد: خلقهم للرحمة وعن عكرمة نحوه وقال ابن عباس: خلقهم فريقين، فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم فيختلف فذلك قوله فمنهم شقي وسعيد.
وقال الحسن وعطاء: خلقهم للاختلاف، وقال أشهب: سألت مالك بن أنس عن هذه الآية فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف.
стр. 3753
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقين: أن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب المنزلة كان أعظم في تفرقهم واختلافهم فإنهم يكونوا أضل، وقد أمر الله بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وقال تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) وقال (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات).
وقد أخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) ولذلك يوجد أتبع الناس للرسول أقلهم اختلافاً كأهل الحديث والسنة فإنهم أقل اختلافاً من جميع الطوائف، ثم من كان إليهم أقرب كان من الاختلاف أبعد، فأما من بعد عن السنة كالمعتزلة والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف اختلافاً، وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد.
وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات مقالات غير الإسلاميين عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي وابن سينا وأمثالهما، وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان.
وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة ذكروا أنواعاً من المقالات وردوها ولكن مذهب الفلاسفة الذي نصره الفارابي وابن سينا وأمثالهما كالسهروردي المقتول على الزندقة وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب المشائين أتباع ارسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب مقاصد الفلاسفة، وعليه رد في التهافت، وهو الذي يذكره الرازي في الملخص والمباحث المشرقية ويذكره الآمدي في دقائق الحقائق ورموز الكنوز وغير ذلك.
وعلى طريقتهم مشى أبو البركات صاحب المعتبر لكن لم يقلدهم تقليد غيره بل اعتبر ما ذكروه بحسب نظره وعقله، وكذلك الرازي والآمدي
стр. 3754
يعترضان عليهم في كثير مما يذكرونه بحسب ما يسنح لهم، وابن سينا أيضاً قد يخالف الأولين في بعض ما ذكروه.
والفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضاً وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره، وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب أهل الكلام.
والفلاسفة ليسو أمة واحدة لها مقالة في العلم الآلهي والطبيعي وغيرهما بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة.
والمقصود أن نظار المسلمين ما زالوا يصنفون في الرد عليهم في المنطق وغير المنطق ويثبتون خطأهم فيما ذكروه جميعاً إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ولهذا قال تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) انتهى المقصود بتصرف في العبارة.
وحاصل الآية إن الله خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين وحكم على بعضهم بالاختلاف ومصيرهم إلى النار وحكم على بعضهم بالرحمة ومصيرهم إلى الجنة وهم أهل الاتفاق.
ويدل لصحة هذا قوله (وتمت كلمة ربك) أي ثبتت كما قدره في أزله وإذا تمت وحقت ووجبت وامتنعت من التغيير والتبديل وقيل الكلمة هي قوله للملائكة (لأملأن جهنم من الجنة) أي الجن والتاء للمبالغة (والناس أجمعين) أي ممن يستحقها من الطائفتين.
(وكُلاًّ) أي وكل نبأ فالتنوين عوض عن المضاف إليه (نقص عليك) أي نخبرك به مما يحتاج إليه وقوله (من أنباء الرسل) بيان لكُلاًّ، وقوله (ما نثبت به فؤادك) بدل منه والأظهر أن يكون المضاف إليه المحذوف في (كُلاًّ) المفعول المطلق لنقص أي كل اقتصاص أي كل أسلوب من أساليبه نقص عليك من أنباء الرسل، وقوله (ما نثبت) مفعول نقص وفائدته التنبيه على أن المقصود بالاقتصاص زيادة يقينه ﵇ وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذية الكفار بالوقوف على تفاصيل أحوال الأمم السالفة في تماديهم في الضلال وما لقي الرسل من جهتهم من مكابدة المشاق لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ في النفس وأقوى للعلم.
(وجاءك في هذه) أي السورة قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري وسعيد بن جبير والحسن وعليه الأكثر: أو في هذه الدنيا قاله قتادة وفيه بعد لأنه لم يجر للدنيا ذكر، وقيل في هذه الآية أو في هذه الأنباء (الحق) أي البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد.
وقيل النبوة وعلى الأول يكون تخصيص هذه السورة بمجيء الحق فيها مع كونه قد جاء في غيرها من السور لقصد بيان اشتمالها على ذلك لا بيان كونه موجوداً فيها دون غيرها.
وقيل لأنها جمعت من إهلاك الأمم وشرح حالهم ما لم يجمع غيرها، وقيل خصها بالذكر تشريفاً لها والتعريف في الحق اما للجنس أو للعهد وإنما عرفه
стр. 3757
ونكر تالييه تفخيماً له لكونه يطلق على الله بخلاف تالييه.
(وموعظة) يتعظ بها الواقف عليها إذا تذكر أحوال الأمم الماضية (وذكرى للمؤمنين) أي يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخص المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكر.
стр. 3758
(وقُل للذين لا يؤمنون) بهذا الحق ولا يتعظون ولا يتذكرون (اعملوا) حال كونكم قارين وثابتين (على مكانتكم) على تمكنكم وحالكم وجهتكم من الكفر وقد تقدم تحقيقه.
وقال قتادة: على منازلكم (إنا عاملون) على مكانتنا وحالنا وجهتنا من الإيمان بالحق والاتعاظ والتذكر وفي هذا تشديد للوعيد وتهديد لهم.
стр. 3759
(وانتظروا) عاقبة أمرنا، وقال ابن جريج: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم (إنا منتظرون) عاقبة أمركم وما يحل بكم من عذاب الله وعقوبته وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى.
стр. 3760
(ولله غيب السماوات والأرض) أي علم جميع ما هو غائب عن العباد فيهما وخص الغيب مع كونه يعلم، بما هو مشهود كما يعلم بما هو مغيب لكونه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره.
وقيل أن غيب السماوات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض، والأول أولى؛ وبه قال أبو علي الفارسي وغيره وأضاف الغيب إلى المفعول توسعاً.
(وإليه يرجع) بالبناء للفاعل يعود وللمفعول يرد (الأمر كله) أي أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة فيجازي كُلاًّ بعمله فينتقم ممن عصى ويثيب من أطاع.
وقال ابن جريج: فيقضي بينهم بحكم العدل (فاعبده وتوكل عليه) فإنه كافيك كل ما تكره ومعطيك كل ما تحب والفاء لترتيب الأمر بالعبادة
стр. 3761
والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى الله سبحانه قيل هذا الخطاب له ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم وفي تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعار بأنه لا ينفع دونها.
(وما ربك بغافل عما تعملون) بل عالم بجميع ذلك ومجاز عليه إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالفوقية على الخطاب وهي سبعية والباقون بالتحتية وهم الجمهور:
وأخرج عبد الله بن أحمد وابن الدريس وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب الأحبار قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام وخاتمة التوراة خاتمة هود (ولله غيب السماوات والأرض) إلى آخر الآية.
стр. 3762
استدراك
فاتنا أن نعلق على الآيات التي مرت في سورة هود الواردة في بيان وظيفة الرسل بأوسع مما كتبه المؤلف فرأينا أن نستدركه هنا:
وظيفة الرسل الأساسية هي ما بعثهم الله لأجله من تبليغ رسالته بإنذار من تولى عن الإيمان وعمى، وتبشير من أجاب الدعوة فآمن واهتدى، والشواهد عليها من هذه السورة قوله تعالى في دعوة رسوله خاتم النبيين (إنني لكم منه نذير مبين) وقوله حكاية عن رسوله هود ﷺ فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.
وموضوع التبليغ هو الدعوة إلى أركان الدين، وعليها مدار سعادة المكلفين في الدنيا والآخرة، وكلها مبطلة لما كان عليه أقوامهم المشركون من أن بينهم وبين الله تعالى وسائط منهم أو من غيرهم من خلقه يقربونهم إليه بجاههم الشخصي ويقضون حوائجهم من جلب نفع أو دفع ضر بشفاعتهم لهم عنده، أو بتصرفهم في خلقه بما خصهم به من خوارق العادات، إلا ما جعله من آياته دليلاً على صدقهم في دعوى الرسالة.
والرسل بشر بمعنى أنهم لا يملكون من أمور العالم شيئاً مما هو فوق كسب البشر، غير ما خصهم الله به من الرسالة دون شؤون ربوبيته، حتى أنهم لا يملكون هداية أحد إلى الدين بالفعل لأن هدايتهم خاصة بالتبليغ والتعليم، وحكاية نوح مع ابنه الكافر حجة في هذا الموضوع واضحة.
والشواهد على هذا في القرآن كثيرة، ومنها في هذه السورة ما علمت من آيات توحيد الربوبية، والرد على مشركي مكه في اقتراحهم مجيء الملك بقوله تعالى (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل)
стр. 3763
وقوله حكاية عن نوح (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) وفي معناه آيات كثيرة في السور الأخرى.
ومنها في احتجاج المشركين على رسلهم بأنهم بشر في قصة نوح (فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما نراك إلا بشراً مثلنا) وقد قال مثل هذا سائر أقوام الرسل بعده إلى خاتمهم محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
ولو كان أولئك الرسل في عصرهم على غير ما يعهد أقوامهم من البشر بأن كانوا يتصرفون في الكون بالضر والنفع وعلم الغيب لما احتجوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما يدير الذين ضلوا من أقوامهم من بعدهم عما جاءوا به مع دعوى اتباعهم فزعموا أنهم وبعض من وصفوا بالصلاح والولاية من أتباعهم يضرون وينفعون: أحياؤهم وأمواتهم في هذا سواء.
بل يزعمون أنهم أحياء في قبورهم حياة مادية بدنية، يأكلون فيها ويشربون ويسمعون كلام من يدعوهم ويستغيث بهم، ويستجيبون دعاءهم فيها: يخالفون بهذه الدعاوي مئات من آيات القرآن المحكمات في صفات الأنبياء، وكونهم بشراً لا يقدرون على شيء مما لا يقدر عليه البشر.
وقد يحتجون بما ورد فيه من بعض أنباء الغيب في حياة الشهداء البرزخية فيقيسون عليها بأهوائهم حياة أوليائهم رجماً بالغيب وافتراء على الله.
стр. 3764
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة يوسف علية السلام
قيل هي مائة وإحدى عشرة آية وهي مكية كلها وقيل نزلت ما بين مكة والمدنية وقت الهجرة وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات قال القرطبي: قال العلماء: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة بألفاظ متباينة على درجات البلاغة وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها فلم يقدر فخالف على معارضة ما تكرر ولا على معارضة ما لم يتكرر.
(آلر) قد تقدم الكلام فيه في فاتحة سورة يونس (تلك آيات الكتاب المبين) أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، والمبين من أبان بمعنى بأن أي الظاهر أمره في كونه من عند الله، وفي إعجازه بنوعيه لا سيما الإخبار عن الغيب، أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا يلتبس على قارئه وسامعه لنزوله على لغتهم، أو بمعنى بين أي المبين لما فيه من الأحكام والشرائع وخفاء الملك والملكوت وأسرار النشأتين في الدارين، أو المبين فيه قصص الأولين وشرح أحوال المتقدمين، أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف.
قال قتادة: مبين بينه الله ببركته ورشده فهذا من بأن أي ظهر، وقال الزجاج: مبين للحق من الباطل والحلال من الحرام فهذا من أبان بمعنى أظهر، قال مجاهد: بين الله حلاله وحرامه، وعن معاذ قال: بين الله الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف.
стр. 3768
(إنا أنزلناه) أي الكتاب المبين حال كونه (قرآنا) فعلى تقدير أن الكتاب السورة يكون تسميتها قرآنا باعتبار أن القرآن اسم جنس يقع على الكل وعلى البعض وعلى تقدير أن المراد به كل القرآن فتكون تسميته قرآنا واضحة و (عربياً) صفة لقرآن أي لغة العرب وفيه من غير لسان العرب مثل سجيل ومشكاة وأليم واستبرق ونحو ذلك، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وهذا هو الصحيح وأنكرها أبو عبيدة محتجاً بهذه الآية والجمع أنها لما تكلمت بها العرب نسبت إليهم وصارت لهم لغة (لعلكم تعقلون) أي لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه لأنه نازل بلغتكم.
стр. 3769
أخرج الحاكم عن جابر أن رسول الله ﷺ تلا (قرآناً عربياً) ثم قال: ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً (١)، وعن مجاهد قال: نزل القرآن بلسان قريش وهو كلامهم.
стр. 3770
(نحن نقص عليك أحسن القصص) هو تتبع الشيء ومنه قوله تعالى (وقالت لأخته قصيه) أي تتبعي أثره وهو مصدر وسميت الحكاية قصة لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئاً فشيئاً، والتقدير نقص عليك قصصاً أحسن القصص فيكون بمعنى الاقتصاص، أو هو بمعنى المفعول أي المقصوص، والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت هذه الآية.
وعن ابن مسعود مثله وقال قتادة: نقص عليك من الكتب الماضية والقرون الخالية وأمور الله السابقة في الأمم أحسن البيان، واختلف في وجه كون هذه السورة أو القرآن هو أحسن القصص فقيل لأن ما في هذه السورة من القصص يتضمن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها وقيل لما فيها من حسن المحاورة وما كان من يوسف ﵇ من الصبر على أذاهم وعفوه عنهم، وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجن والإنس والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار العلماء والجهال والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن.
وقيل لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وما دار بينهما وقيل أن أحسن هنا بمعنى أعجب، وقيل أن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، قال خالد بن معد: أن سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة، وقال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها.
(بما أوحينا) بإيحائنا (إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله) أي من قبل إيحائنا إليك (لمن الغافلين) عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك،
(إذ) أي اذكر وقت أن (قال يوسف لأبيه) قرأ الجمهور يوسف بضم السين وقرئ بكسرها مع الهمز مكان الواو وحكي الهمز وفتح السين وهو اسم عبراني غير منصرف للعلمية والعجمة وقيل هو عربي والأول أولى بدليل عدم صرفه وأبوه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وعاش يوسف من العمر مائة وعشرين سنة ذكره السيوطي في التحبير.
(يا أبت) بكسر تاء التأنيث اللفظي التي هي عوض عن ياء المتكلم المحذوفة وأصله يا أبي وهذا التعويض مختص بلفظين يا أبت ويا أمت ولا يجوز في غيرهما من الأسماء وممن نص على كونها للتأنيث سيبويه والخليل ويدل عليه كتبهم إياها هاء وقياس من وقف بالتاء أن يكتبها تاء كبنت وأخت وجاز إلحاقها المذكر كما جاز حمامة ذكر وشاة ذكر ورجل ربعة وغلام يفعة
(إني رأيت) من الرؤيا النومية لا من الرؤية البصرية كما يدل عليه لا تقصص رؤياك على إخوتك قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء حق وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر فرأى أن أحد عشر كوكباً نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر فسجدوا له وكان يوسف إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة وقيل سبع عشرة وقيل سبع سنين.
(أحد عشر كوكباً) وهي جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفلق والمصبح والصروخ والفرع ووثاب وذو الكتفين قاله البيضاوي وهذه نجوم غير مرصودة خصت بالرؤيا لغيبتهم عنه قاله الشهاب وورد في حديث أسماؤها هكذا ساقه السيوطي في الدر المنثور وفيه الضعفاء والمتروكون وقال ابن
стр. 3773
الجوزي: هو موضوع، قال ابن عباس: أحد عشر كوكباً إخوته والشمس أمه والقمر أبوه وعن قتادة والسدي وابن زيد نحوه.
(والشمس والقمر) أخرهما عن الكواكب لإظهار مزيتهما وشرفهما كما في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة وقيل أن الواو بمعنى مع (رأيتهم لي ساجدين) مستأنفة لبيان الحالة التي رآهم عليها كأن سائلاً سأل فقال كيف رأيتهم فأجاب بذلك.
وإنما أجريت مجرى العقلاء في الضمير المختص بهم لوصفها بوصف العقلاء وهو كونها ساجدة كذا قال الخليل وسيبويه والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا نزلوا منزلته وقيل كررت للتأكيد لما طال الفصل بالمفاعيل والأول أولى وإليه نحا الزمخشري لأنه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد والتأسيس فحمله على الثاني أولى، والمراد حقيقة السجود لأنه كان التحية فيما بينهم السجود، وقيل المراد بالسجود تواضعهم له ودخولهم تحت أمره والأول أولى.
ولم تظهر رؤية يوسف إلا بعد أربعين سنة وهو قول أكثر المفسرين وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة حين اجتمع عليه أبواه وإخوته وخروا له ساجدين.
стр. 3774
(قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك) الرؤيا مصدر رأي في المنام رؤيا على وزن فعلى كالسقيا والبشرى وألفه للتأنيث ولذلك لم يصرف نهى يعقوب ابنه يوسف عن أن يقص رؤياه على أخوته لأنه قد علم تأويلها وخاف أن يقصها عليهم فيفهمون تأويلها ويحصل منهم الحسد له ولهذا قال.
(فيكيدوا لك كيداً) وهذا جواب النهي أي فيفعلوا لأجلك كيداً مثبتاً
стр. 3775
راسخاً لا تقدر على الخلوص منه أو كيداً خفياً عن فهمك وهذا المعنى الحاصل بزيادة اللام آكد من أن يقال فيكيدوا كيداً وقيل إنما جيء باللام لتضمنه معنى الاحتيال المتعدي باللام فيفيد هذا التضمن معنى الفعلين جميعاً الكيد والاحتيال كما هو القاعدة في التضمين أن يقدر أحدهما أصلاً والآخر حالاً.
(إن الشيطان للإنسان عدو مبين) مستأنفة كأن يوسف قال: كيف يقع ذلك منهم فنبه بأن الشيطان يحملهم على ذلك لأنه عدو للإنسان مظهر للعداوة مجاهر بها وقد وردت أحاديث صحيحة في بيان الرؤيا الصالحة وأنها من الله والسوء وأنها من الشيطان وفي أن رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة وليس لها تعلق بهذه الآية بل هي تعم.
(وكذلك) أي ومثل ذلك الاجتباء البديع الذي رأيته في المنام وشاهدت آثاره في عالم المثال من سجود تلك الأجرام العلوية النيرة لك الدال على شرف وعز وكمال نفس وبحسبه وعلى وفقه (يجتبيك ربك) ويحقق فيك تأويل تلك الرؤيا فيجعلك نبياً ويصطفيك على سائر العباد ويسخرهم لك كما تسخرت لك تلك الأجرام التي رأيتها في منامك فصارت ساجدة لك.
قال النحاس: الاجتباء أصله من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك ومنه جبيت الماء في الحوض جمعته ومعنى الاجتباء الاصطفاء واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء وببعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين وهذا يتضمن الثناء على يوسف وتعديد نعم الله عليه ومنها.
(ويعلمك من تأويل الأحاديث) أي تأويل الرؤيا قال مجاهد: عبارة الرؤيا، وقال ابن زيد: تأويل العلم والحلم وكان يوسف من أعبر الناس وسمى الرؤيا أحاديث لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة وأحاديث الشيطان إن كانت كاذبة، قال القرطبي: وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا وقد كان يوسف أعلم الناس بتأويلها.
وقيل المراد تأويل أحاديث الأمم السالفة والكتب المنزلة قاله الزجاج وقيل المراد به إحواج أخوته إليه وقيل إنجاؤه من كل مكروه وقيل إنجاؤه من القتل خاصة والأحاديث جمع تكسير فقيل لواحد ملفوظ به وهو حديث ولكنه شذ جمعه
стр. 3778
على أحاديث وله نظائر في الشذوذ كأباطيل وأفاظيع وأعاريض في باطل وفظيع وعريض وزعم أبو زيد أن لها واحداً مقدراً وهو أحدوثة ونحوه وليس باسم جمع لأن هذه الصيغة مختصة بالتكسير وإذا كانوا قد التزموا ذلك فيما لو يصرح له بمفرد من لفظه نحو عباديد وشماطيط وأبابيل، ففي أحاديث أولى قاله السمين.
(ويتم نعمته عليك) فيجمع لك بين النبوة والملك كما تدل عليه هذه الرؤيا التي أراك الله أو يجمع لك بين خيري الدنيا والآخرة (وعلى آل يعقوب) وهم قرابته من إخوته وأولاده ومن بعدهم وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من المفسرين ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم مع كونهم أنبياء وبه قال أكثر المفسرين.
(كما أتمها على أبويك) أي إتماما مثل إتمامها عليهما وهي نعمة النبوة عليهما مع كون إبراهيم اتخذه الله خليلاً ومع كون اسحق نجاه الله سبحانه من الذبح قاله عكرمة وصار لهما الذرية الطيبة وهم يعقوب ويوسف وسائر الأسباط (من قبل) أي من قبل هذا الوقت الذي أنت فيه أو من قبلك (إبراهيم وإسحاق) عطف بيان لأبويك أو بدل منه أو على إضمار أعني وعبر عنهما بالأبوين مع كونهما أبا جده وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء الكرام (إن ربك عليم) بمصالح خلقه (حكيم) في أفعاله والجملة مستأتفة مقررة لمضمون ما قبلها تعليلاً له أي فعل ذلك لأنه عليم حكيم إشارة إلى قوله تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالته وأنه لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية.
وكان هذا الكلام من يعقوب مع ولده يوسف تعبيراً لرؤياه على طريق الإجمال أو علم ذلك من طريق الوحي، أو عرفه بطريق الفراسة وما تقتضيه المخايل اليوسفية.
стр. 3779
(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) أي لقد كان في قصتهم
стр. 3780
علامات دالة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه للسائلين من الناس عنها وغيرهم ففيه اكتفاء، وقرأ أهل مكة أية على التوحيد، قال النحاس: وآية هاهنا قراءة حسنة، وقيل المعنى لقد كان في يوسف وأخوته آيات دالة على نبوة محمد ﷺ للسائلين له من اليهود فإنه روي أنه قال جماعة منهم وهو بمكة أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمي، ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ولا من يعرف خبر الأنبياء، وإنما وجهوا إليه من أهل المدينة من يسأله عن هذا فأنزل الله سورة يوسف جملة واحدة كما في التوراة.
وقيل معنى آيات للسائلين عجب لهم، وقيل بصيرة وقيل عبرة للمعتبرين، فإن هذه القصة تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم منها رؤيا يوسف وما حقق الله فيها، ومنها حسد أخوته له وما آل إليه أمرهم، ومنها صبر يوسف على ما فعلوا به وما آل إليه أمره من الملك، ومنها حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد وغير ذلك من الآيات.
قال القرطبي: وأسماؤهم يعني أخوة يوسف وهم أحد عشر: روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوي ويهوذا وزبولون ويشجر وأمهم ليا بنت ليان وهي بنت خال يعقوب وولد له من سريتين زلفة وبلهة أربعة وهم دان وتفتونا وجاد وأوشير، ثم ماتت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، فهؤلاء بنو يعقوب وهم الأسباط وعددهم اثنا عشر نفراً ...
وقال السهيلي: أن أم يوسف اسمها وفقا وراحيل ماتت من نفاس بنيامين وهو أكبر من يوسف وعن قتادة في الآية يقول: من سأل عن ذلك فهو هكذا ما قص الله عليكم وأنبأكم به وعن الضحاك نحوه وعن ابن إسحاق قال: إنما قص الله على محمد ﵌ خبر يوسف وبغي أخوته عليه وحسدهم إياه حين ذكر رؤياه لما رأى رسول الله ﵌ من بغي قومه عليه وحسدهم إياه حين أكرمه الله بنبوته ليأتسي به.
стр. 3781
إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)
(إذ) أي وقت أن (قالوا ليوسف وأخوه) هو بنيامين بكسر الباء وصحح بعضهم فتحها ففيه الوجهان وهو أصغر من يوسف وخصوه بكونه أخاه مع أنهم جميعاً أخوته لأنه أخوه لأبويه كما تقدم واللام لام القسم أي والله ليوسف ووجد الخبر فقال (أحب إلى أبينا منا) مع تعدد المبتدأ لأن أفعل التفضيل يستوي فيه الواحد وما فوقه إذا لم يعرف وهو مبني من حب المبني للمفعول وهو شاذ قياساً فصيح استعمالاً لوروده في أفصح الفصيح وإذا بنيت أفعل التفضيل من مادة الحب والبغض تعدى إلى الفاعل المعنوي بإلى وإلى المفعول المعنوي باللام أو بفي وعلى هذا جاءت الآية الكريمة.
وإنما قالوا هذا لأنه بلغهم خبر الرؤيا فأجمع رأيهم على كيده.
(ونحن عصبة) الواو للحال والعصبة الجماعة قيل وهي ما بين الواحد إلى العشرة وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل هي العشرة فما زاد وقيل من العشرة إلى خمسة عشر وقيل ستة وقيل تسعة وقيل من العشرة إلى الأربعين قاله قتادة. والمادة تدل على الإحاطة من العصابة لإحاطتها بالرأس وقيل الأصل فيه إن كل جماعة يتعصب بعضهم لبعض يسمون عصبة والعصبة لا واحد لها من لفظها بل هي كالنفر والرهط وقد كانوا عشرة.
(إن أبانا لفي ضلال مبين) أي لفي ذهاب عن وجه التدبير بالترجيح لهما علينا وإيثارهما دوننا مع استوائنا في الإنتساب إليه ولا يصح أن يكون مرادهم أنه في دينه في ضلال إذ لو أرادوا ذلك لكفروا به قال ابن زيد: أي لفي خطأ من رأيه.
(اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً) أي في أرض وإليه ذهب الحوفي وابن عطية وقال الزمخشري: أي أرضاً منكورة مجهولة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس ولأنها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة وقيل أنها مفعول ثان والمعنى أنزلوه أرضاً والطرح الرمي ويعبر به عن الاقتحام في المخاوف يعني قالوا: افعلوا به أحد الأمرين إما القتل أو الطرح في أرض أو المشير بالقتل بعضهم، والمشير بالطرح البعض الآخر أو كان المتكلم بذلك واحداً منهم فوافقه الباقون، فكانوا كالقاتل في نسبة هذا المقول إليهم وجواب الأمر.
(يخل لكم وجه أبيكم) أي يصف ويخلص فيقبل عليكم ويحبكم حباً كاملاً لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه (وتكونوا من بعده) أي بعد يوسف والمراد بعد الفراغ من قتله أو طرحه وقيل من بعد الذنب الذي اقترفتموه في يوسف (قوماً صالحين) في أمور دينكم وطاعة أبيكم أو صالحين في أمور دنياكم بذهاب ما كان يشغلكم عن ذلك وهو الحسد ليوسف وتكدر خواطركم بتأثيره عليكم هو وأخوه، أو صالحين مع أبيكم بعذر تمهدونه أو المراد بالصالحين التائبون من الذنب في المستقبل.
стр. 3784
(قال قائل منهم) أي من الإخوة قيل هو يهوذا وقيل روبيل وقيل شمعون والأول أولى قيل وجه الإظهار في (لا تقتلوا يوسف) استجلاب شفقتهم عليه فلم ير هذا القائل القتل ولا طرحه في أرض خالية قفراء بل قال (وألقوه في
стр. 3785
غيابة الجب) أي في بئر يشرب منها الماء فإنه أقرب لخلاصه، فمحصل ذلك أنه أختار خصلة ثالثة هي أرفق بيوسف من تينك الخصلتين.
قرأ جماعة غيابة بالإفراد وغيرهم بالجمع، وأنكر أبو عبيد الجمع لأن الموضع الذي ألقوه فيه واحد، قال النحاس: وهذا تضييق في اللغة والجمع يجوز والغيابة كل شيء غيب عنك شيئاً وقيل للقبر غيابة والمراد بها هنا غور البئر الذي لا يقع عليه البصر أو طاقة فيه.
قال الهروي: الغيابة سد أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه من العيون وقال الكلبي: الغيابة تكون في قعر الجب لأن أسفله واسع ورأسه ضيق فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه وقال الزمخشري: هي غورة وما غاب منه من عين الناظر وأظلم من أسفله والمعاني متقاربة والجب البئر التي لم تطو ويقال لها قبل الطي ركية فإذا طويت قيل لها بئر وسميت جباً لأنها قطعت في الأرض قطعاً أو لكونه محفوراً في جبوب الأرض أي ما غلظ منها.
وجمع الجب جبب وجباب وأجباب وجمع بين الغيابة والجب مبالغة في أن يلقوه في مكان أسفل من الجب شديد الظلمة حتى لا يدركه نظر الناظرين قيل وهذه البئر ببيت المقدس قاله قتادة وقيل ببعض نواحي إيلياء، وقيل بالأردن، قاله وهب وقيل بالشام، وعن ابن زيد قال: بحذاء طبرية بينه وبينها أميال وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وجواب الأمر.
(يلتقطه بعض السيارة) قرئ بالتحيتة والفوقية ووجهه أن بعض السيارة سيارة وهي الجمع الذي يسير في الطريق جمع سيار أي المبالغ في السير والالتقاط هو أخذ شيء مشرف على الضياع من الطريق أهـ من حيث لا يحتسب ومنه اللقطة كأنهم أرادوا أن بعض السيارة إذا التقطه حمله إلى مكان بعيد بحيث يخفى عن أبيه ومن يعرفه ولا يحتاجون إلى الحركة بأنفسهم إلى المكان البعيد فربما أن