← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قرىء على أنه فعل ماض أي واتخذوه مصلى، وقرىء على صيغة الأمر، ويجوز أن يكون تقديره وقلنا اتخذوا والمقام في اللغة موضع القيام قال النحاس هو من قام يقوم يكون مصدراً واسماً للموضع، ومقام من أقام، ومن للتبعيض وهذا هو الظاهر، وقيل بمعنى في وقيل زائدة على قول الأخفش وليسا بشيء، اختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف، وقيل المقام الحرم كله روي ذلك عن عطاء ومجاهد وقيل عرفة والمزدلفة، وقال الشعبي: الحرم كله مقام، والمعنى اتخذوا مصلى كائناً عند مقام إبراهيم، والعندية تصدق بجهاته الأربع والتخصيص يكون المصلى خلفه إنما استفيد من فعل النبي ﵌. والصحابة بعده. أخرج البخاري وغيره من حديث أنس عن عمر بن الخطاب قال: " وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت هذه الآية وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول الله صلى الله ﷺ وآله وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك " وأخرجه مسلم وغيره مختصراً من حديث ابن عمر عنه (١). وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﵌ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وفي مقام إبراهيم ﵇ أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها، والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع

стр. 387

الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه كما في البخاري من حديث ابن عباس، وهو الذي كان ملصقاً بجدار الكعبة وأول من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بإسناد صحيح، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي ﷺ قال لما طاف النبي ﷺ قال له عمر هذا مقام إبراهيم، قال نعم، وأخرج نحوه ابن مردويه قيل: كان أثر أصابع رجلي إبراهيم فيه فاندرست بكثرة المسح بالأيدي، وإنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله. وقد روى البخاري في بدء قصة المقام أثراً طويلاً عن ابن عباس وقد ورد في حديث الترمذي أن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما (١). واختلفوا في قوله (مصلى) فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال مصلى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسر المقام بالحجر قال معناه واتخذوا من مقامه قبلة أمروا بالصلاة عنده، وهذا هو الصحيح لأن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود ولأن مصلى الرجل هو الوضع الذي يصلي فيه. (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) معنى عهدنا هنا أمرنا أو أوحينا، وقيل ألزمنا وأوجبنا، ومن أغرب ما نقل في تسمية إسماعيل أن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ويقول في دعائه اسمع يا إيل، وإيل بلسان السريانية هو الله، فلما رزق الولد سماه به وقيل هو اسم أعجمي، وفيه لغتان اللام والنون ويجمع على سماعله وسماعيل وأساميع، والمراد بالتطهير قيل من الأوثان قاله ابن عباس، وقيل من الآفات

стр. 388

والريب وقول الزور والرجس، قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وقيل من الكفار، وقيل من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث، والظاهر أنه لا يختض بنوع من هذه الأنواع وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله إما تناولاً شمولياً أو بدلياً. والإضافة في قوله " بيتي " للتشريف والتكريم، والمراد بالبيت الكعبة، والطائف الذي يطوف به أي الدائر حوله، وقيل الغريب الطاريء على مكة والعاكف المقيم، وأصل العكوف في اللغة اللزوم واللبث والإقبال على الشيء، وقيل هو المجاور دون المقيم من أهلها، والمراد بقوله (الركع السجود) المصلون، وخص هذين الركنين بالذكر لأنهما أشرف أركان الصلاة، عن ابن عباس قال: إذا كان قائماً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود، وعن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال: هم العاكفون. وفي الآية مشروعية طهارة المكان للطواف والصلاة، قال الرازي والكيا الهراسي وفيها دلالة على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيم أمثل (قلت): ولم يظهر لي وجه ذلك، قالا وفيها دلالة على جواز الصلاة في نفس الكعبة حيث قال (بيتي) خلافاً لمالك (قلت): وفيه أن الطواف لا يكون في نفس الكعبة، قال الرازي: وفيها دلالة على أن الطواف قبل الصلاة (قلت) وقد سبقه بذلك ابن عباس، وفيها دلالة على جواز المجاورة بمكة لأن قوله (والعاكفين) يحتمله، والسجود جمع ساجد نحو قاعد وقعود، وهو مناسب لما قبله، وقيل أنه مصدر نحو الدخول والقعود، والمعنى ذوي السجود، ذكره أبو البقاء والأول أولى، ولتقارب الأخيرين ذاتاً وزماناً ترك العاطف بينهما وجمع صفتين جمع سلامة وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة وهو نوع من الفصاحة.

стр. 389

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)

стр. 390

(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا) أي مكة وقيل الحرم (بلداً آمنا) والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم كقوله عيشة راضية أي راض صاحبها أو الإسناد إلى المكان مجاز كما في ليل نائم أي نائم فيه، قاله السعد التفتازاني، وعلى هذا المراد أمن الملتجىء إليه فأسند إليه مبالغة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها (١) " كما أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم من حديث جابر وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من طريق جماعة من الصحابة، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وهي حرام إلى يوم القيامة (٢) " أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث أبي هريرة تعليقاً، وابن ماجة من حديث صفية بنت شيبة، وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا. ولا تعارض بين هذه الأحاديث فإن إبراهيم ﵇ لما بلغ الناس أن الله حرمها وأنها لم تزل حرماً آمناً نسب إليه أنه حرمها أي أظهر للناس حكم الله فيها، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية وابن كثير، وقال ابن جرير: أنها كانت حراماً ولم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها وتعبدهم بذلك انتهى وكلا الجمعين حسن.

стр. 391

(وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) إنما سأل إبراهيم ذلك لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمرة فاستجاب الله له وجعل مكة حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء، عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم نقل الله الطائف من فلسطين (ومن) للتبعيض أي بعض الثمرات، ولم يقل من الحبوب لما في تحصيله من الذل الحاصل بالحرث وغيره، فاقتصاره على الثمرات لتشريفهم، وقيل " من " للبيان وليس بشيء إذ لم يتقدم مبهم يبين بها، والمراد بالأمن المذكور في قوله (مثابة للناس وآمنا) هو الأمن من الأعداء والخسف والمسخ والمراد هنا من الأمن هو الأمن من القحط، ولهذا قال (وارزق أهله من الثمرات) ذكره الكرخي. والمعنى وارزق من آمن من أهله دون من كفر، وسبب هذا التخصيص أن إبراهيم لما سأل ربه أن يجعل النبوة والإمامة في ذريته: فأجابه الله بقوله: (لا ينال عهدي الظالمين) وصار ذلك تأديباً له في المسئلة فلا جرم خص هنا بدعائه المؤمنين دون الكافرين، ثم أعلمه أن الرزق في الدنيا يستوي فيه المؤمن والكافر بقوله: (قال ومن كفر فأمتعه) أي سأرزق الكافر أيضاً (قليلاً) أي في الدنيا مدة حياته، وعن محمد بن كعب القرظي قال: دعا إبراهيم للمؤمنين وترك الكفار، ولم يدع لهم بشيء فقال تعالى (ومن كفر فأمتعه) الآية. وعن ابن عباس قال: كان إبراهيم احتجزها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر فأنا أرزقهم أيضاً كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقاً لا أرزقهم، ثم قرأ ابن عباس (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء) الآية، فالظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه رداً على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم، ويحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً بياناً لحال من كفر ويكون في حكم الإخبار عن حال الكافرين بهذه الجملة الشرطية، أي من كفر فإني أمتعه في هذه الدنيا بما يحتاجه من الرزق إلى منتهى أجله وذلك قليل لأنه ينقطع.

стр. 392

(ثم أضطره) أي ألزه لز المضطر لكفره بعد هذا التمتع (إلى عذاب النار)، أخبر سبحانه أنه لا ينال الكفرة من الخير إلا تمتعهم في هذه الدنيا، وليس لهم بعد ذلك إلا ما هو شر محض، وأما على قراءة من قرأ فأمتعه وأضطره بصيغة الأمر فهي مبنية على أن ذلك من جملة كلام إبراهيم، وأنه لما فرغ من الدعاء للمؤمنين دعا للكافرين بالإمتاع قليلاً، ثم دعا عليهم بأن يضطرهم الله إلى عذاب النار، وحاصل معنى أضطره ألزمه حتى أصيره مضطراً لذلك لا يجد عنه مخلصاً ولا منه متحولاً (وبئس المصير) أي المرجع هي، والواو فيه ليست للعطف والإلزم عطف الإنشاء على الإخبار بل للإستئناف كما قال في المغنى في قوله (واتقوا الله ويعلمكم الله).

стр. 393

(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) حكاية حال ماضية استحضاراً لصورته العجيبة، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس، قاله أبو عبيدة والفراء وهي صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام ومنه قعدك الله، وقال الكسائي: هي الجدر والمراد برفعها رفع ما هو مبنى فوقها لا رفعها في نفسها فإنها لم ترفع، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع فوقها صارت كأنها مرتفعة بارتفاعه أو المراد بها سافات البناء، فإن كل ساف قاعدة لما يبنى عليه وبرفعها بناؤها أو المراد رفع مكانته ودعاء الناس إلى حجه، وفي إبهام القواعد وتبيينها ثانياً بقوله من البيت تفخيم لشأنها. (ربنا) أي قائلين ربنا، وقرأ أبيّ وابن مسعود يقولان ربنا (تقبل منا) أي طاعتنا إياك وعبادتنا لك (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) بنياتنا. وقد أكثر المفسرون في تفسير هذه الآية من نقل أقوال السلف في كيفية بناء البيت، ومن أي أحجار الأرض بني، وفي أي زمان عرف، ومن حجه، وما ورد فيه من الأدلة الدالة على فضله أو فضل بعضه كالحجر الأسود، وفي الدر المنثور من ذلك ما لم يكن في غيره فليرجع إليه، وفي تفسير ابن كثير بعض من ذلك.

стр. 394

ولما لم يكن ما ذكروه متعلقاً بالتفسير لم نذكره وفي القسطلاني على البخاري بنيت الكعبة عشر مرات: الأول: بناء الملائكة. الثاني: بناء آدم. الثالث: بناء ابنه شيث بالطين والحجارة وغرق بالطوفان. الرابع: بناء إبراهيم (١) الخامس: بناء العمالقة. السادس: بناء جرهم والذي بناه منهم هو الحرث بن مضاض الأصغر. السابع: بناء قصي خامس جد النبي ﵌. الثامن: بناء قريش. التاسع: بناء عبد الله بن الزبير في أوائل سنة أربع وستين. العاشر: بناء الحجاج انتهى حاصله، قال سليمان الجمل وهذا بحسب ما اطلع عليه وإلا فقد بناه بعد ذلك بعض الملوك سنة ألف وتسع وثلاثين كما نقله بعض المؤرخين، قال الرازي فيه: أن بناء المسجد قربة وفيه استحباب الدعاء بقبول الأعمال.

стр. 395

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) (ربنا واجعلنا مسلمين لك) أي ثابتين عليه أو زدنا منه، قيل المراد بالإسلام هنا مجموع الإيمان والأعمال (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) من للتبعيض أو للتبيين، قال ابن جرير: إنه أراد بالذرية العرب خاصة، وكذا قال السهيلي، قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأن دعوته ظهرت في العرب وغيرهم من الذين آمنوا به، والأمة الجماعة في هذا الموضع وقد تطلق على الواحد ومنه قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله) وتطلق على الدين ومنه (إنا وجدنا آباءنا على أمة) وتطلق على الزمان ومنه (وادَّكر بعد أمةٍ) قيل أراد بالأمة أمة محمد ﷺ بدليل قوله (وابعث فيهم رسولاً منهم). (وأرنا مناسكنا) هي من الرؤية البصرية، والمناسك جمع نسك وأصله في اللغة الغسل يقال نسك ثوبه إذا غسله، وهو في الشرع اسم للعبادة، وقيل واحدها منسك والمراد هنا مناسك الحج، وقيل مواضع الذبح، وقيل جمع التعبدات، قال علي: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلت أي رب فأرنا مناسكنا أبرزها لنا وعلمناها، فبعث الله جبريل فحج به (١)، وفي الباب آثار كثيرة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم يتضمن أن جبريل أرى إبراهيم الناسك، وفي أكثرها أن الشيطان تعرض له.

стр. 396

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) (وتب علينا) أي تجاوز عنا والمراد بالتوبة التثبيت، لأنهما معصومان لا ذنب لهما وقيل المراد وتب على الظلمة منا (إنك أنت التواب) أي المتجاوز عن عباده (الرحيم) بهم.

стр. 397

(ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) ضمير فيهم راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقاً وقرأ أبىّ في آخرهم، ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى الذرية وهم العرب من ولد إسماعيل، وقد أجاب الله لإبراهيم ﵇ هذه الدعوة فبعث في ذريته رسولاً منهم وهو محمد ﵌، وقد أخبر عن نفسه أنه دعوة إبراهيم كما أخرجه أحمد من حديث العرباض بن سارية (١) وغيره (٢) ومراده هذه الدعوة، وقد أجمع على ذلك المفسرون، لأن إبراهيم إنما دعا لذريته وهو بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد ﵌، فدل على أن المراد به محمد ﵌، والرسول هو المرسل، قال ابن الإنباري: يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال ومرسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق، ويقال جاء القوم أرسالاً أي بعضهم في إثر بعض. (يتلو عليهم آياتك) وهو القرآن (ويعلمهم الكتاب) أي معاني

стр. 398

الكتاب من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام الشرعية، والكتاب هو القرآن (والحكمه) أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل، ووضع كل شيء موضعه، والمراد بالحكمة هنا المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم للشريعه، وقال قتادة: هي السنة وقيل هي الفصل بين الحق والباطل، وقال ابن قتيبه: هي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيماً حتى يجمعهما، وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمه، وقيل أن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، والكتاب معانيها، والحكمة الحكم وهو مراد الله بالخطاب وقيل غير ذلك (ويزكيهم) التزكية التطهير من الشرك وسائر المعاصى (إنك أنت العزيز الحكيم) أي الذي لا يعجزه شيء قاله ابن كيسان، وقال الكسائي: العزيز الغالب والحكيم العالم.

стр. 399

(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) الاستفهام للإنكار، قال الزجاج وابن جني: سفه بمعنى جهل أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها ْأنها مخلوقه لله فيجب عليه عبادته، وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك نفسه، وقال الأخفش: أي فعل بها من السفه ما صار به سفيهاً، وقال الزمخشري: امتهنها واستخف بها، عن أبي العالية قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملته واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمداً الرسول الذي هو دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم، فيه إشارة إلى لزوم اتباع ملته فيما لم يثبت نسخه. (ولقد اصطفيناه في الدنيا) تعليل للحصر قبله، واللام جواب قسم محذوف، والغرض منه الحجة والبيان لقوله (ومن يرغب) والاصطفاء الاختيار أي اخترناه في الدنيا بالرسالة والخلة كما شاهدوه ونقله جيل بعد جيل (وأنه في الآخرة لمن الصالحين) أمر مغيب فاحتاج الإخبار به إلى فضل تأكيد قيل مع الأنبياء في الجنة أو الذين لهم الدرجات العلى، فكيف يرغب عن ملته راغب.

стр. 400

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)

стр. 401

(إذ قال له ربه أسلم) يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله (اصطفيناه) أي اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف هو اذكر، قال في الكشاف كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، وزاد أبو السعود وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة للإذعان والإنقياد لما أمره به وإخلاص سره، قالى ابن عباس: قال الله له ذلك حين خرج من السرب، وذلك عند استدلاله بالكوكب واطلاعه على أمارات الحدوث فيها وافتقارها إلى محدث مدبر، ومعنى (أسلم) انقد لله وأخلص دينك وعبادتك له أو استقم أو فوض أمورك إلى الله أو اذعن واطلع أو اثبت على ما أنت عليه من الإسلام (قال أسلمت لرب العالمين) أي فوضت أمري إليه، قال ابن عباس: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار.

стр. 402

(ووصى بها إبراهيم بنيه) الضمير في " بها " راجع إلى الملة الحنيفية أو إلى الكلمة أي أسلمت لرب العالمين، قال القرطبي: وهو أصوب لأنه أقرب مذكور أي قولوا أسلمنا انتهى، والأول أرجح لأن المطلوب ممن بعده هو اتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم وأولى بهم، قيل كانوا ثمانية منهم إسمعيل وهو أول أولاده وقيل أربعة عشر (ويعقوب) معطوف على إبراهيم أي وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه، وكانوا اثني عشر، وقرىء بنصب يعقوب فيكون داخلاً فيما أوصاه إبراهيم، قال القشيري: وهو بعيد، لأن يعقوب لم يدرك جده إبراهيم وإنما ولد بعد موته. (يا بني) قيل أنه من مقول إبراهيم وقيل من مقول يعقوب

стр. 403

(إن الله اصطفى لكم الدين) المراد بالدين ملته التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه وهي الملة التي جاء بها محمد ﷺ ، وفي قوله: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) إيجاز بليغ، والمراد إلزموا الإسلام ولا تفارقوه حتى تموتوا، وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تموتوا على حالة غير حالة الإسلام، وليس فيه نهي عن الموت الذي هو قهري، ولهذا قال السيوطي نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت، انتهى، والمعني أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وإن حق هذا الموت أن لا يحصل فيهم، عن فضيل بن عياض قال: (مسلمون) أي محسنون بربكم الظن، ويدل عليه ما روي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﵌ قبل موته بثلاثة أيام يقول: " لا يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن بربه " أخرجاه في الصحيحين (١).

стр. 404

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب وقرب من الموت، (وأم) هذه قيل هي المنقطعة وقيل هي المتصلة وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ، والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم وإلى بنيه أنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله ذلك عليهم وقال لهم: أشهدتم يعقوب وعلمتم ما أوصى به بنيه فتدعون ذلك عن علم أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون، والشهداء جمع شاهد ولم ينصرف لأن فيه ألف التأنيث التي لتأنيث الجماعة، والمراد بحضور الموت حضور مقدماته، وسمى يعقوب لأنه هو وأخوه العيص كانا توأمين في بطن واحد فتقدم العيص وقت الولادة في الخروج مسابقة ليعقوب، فتأخر يعقوب عنه ونزل على إثره وعقبه في الخروج. (إذ قال لبنيه) يعني لأولاده الإثني عشر (ما تعبدون) أي أيُّ شيء تعبدون، وإنما جاء بما دون من لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان والنار والشمس والكواكب (من بعدي) أي من بعد موتي (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق) وإسمعيل وان كان عماً ليعقوب فإن العرب تسمي العم أباً والخالة أماً، وعم الرجل صنو أبيه، وقرىء أبيك فقيل أراد إبراهيم وحده ويكون إسمعيل وإسحق عطفاً على أبيك وإن كان هو أباه حقيقة وإبراهيم جده، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل أبيك جمع كما روي عن سيبويه أن أبين جمع سلامة ومثله أبون، وقدم إسمعيل على إسحق لأنه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة وأنه جد نبينا ﵌ (إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) أي مخلصون التوحيد والعبودية.

стр. 405

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)

стр. 406

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) تلك إشارة إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه، وما بعده بيان لحال تلك الأمة وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه لا ينفعه كسب غيره ولا يناله منه بشيء، ولا يضره ذنب غيره، وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه ويروح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث [من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبة (١)] والمراد أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيئآتهم، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين تبعاً لآبائهم، قال ابن فارس: وفيه إثبات الكسب للعبد (ولا تسئلون عما كانوا يعملون) أي عن أعمالهم كما لا يسئلون عن أعمالكم، ومثله (ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى).

стр. 407

(وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا) وهذا فن آخر من فنون كفرهم وإضلالهم لغيرهم إثر بيان ضلالتهم في نفسهم، قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا، وفي نصارى نجران السيد والعاقب وأصحابهما خاصموا المؤمنين في الدين فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين الله (قل بل ملة إبراهيم حنيفاً) أي قل يا محمد في الرد عليهم هذه المقالة بل الهدى ملة إبراهيم، والحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في أصل اللغة الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها أي تتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفاً، وقال قوم: الحنف الإستقامة

стр. 408

فسمي دين إبراهيم حنيفاً لإستقامته، ويسمى معوج الرجلين أحنف تفاؤلاً بالإستقامة كما قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة، وقال مجاهد: حنيفاً متبعاً، وقال ابن عباس: حاجاً، وعن خصيف قال: الحنيف المخلص، وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وأخرج أحمد (١) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵌، " بعثت بالحنيفية السمحة " وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله قال " الحنيفية السمحة " ونصب ملة على الإغراء، قاله أبو عبيدة أي ألزموها (وما كان) أي إبراهيم (من المشركين) وفي نفي كونه من المشركين تعريض باليهود لقولهم عزير ابن الله وبالنصارى لقولهم المسيح ابن الله أي أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من الشرك بالله، فكيف تدعون عليه إنه كان على اليهودية أو النصرانية وتدعون أنكم على ملته.

стр. 409

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) أي القرآن (وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط) أي الصحف، وهذا خطاب للمسلمين وأمر لهم بأن يقولوا لهم هذه المقالة وقيل إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك حتى يكونوا على الحق، والأول أولى، وأعاد الموصول لئلا يتوهم من إسقاطه اتحاد المنزل مع أنه ليس كذلك، وذكر إسمعيل وما بعده لكونهم مزوجين لها متعبدين بتفاصيلها، داخلين تحت أحكامها، ومقررين لما أنزل على إبراهيم فكأنه منزل عليهم أيضاً وإلا فليسوا منزلاً عليهم في الحقيقة. والأسباط أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولداً ولكل واحد من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون، وقيل أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، وقيل الأسباط حفدة يعقوب أي أولاد أولاده لا أولاده لأن الكثرة إنما كانت فيهم دون أولاد يعقوب في نفسه فهم أفراد لا أسباط. (وما أوتي موسى) من التوراة، وعبر بالإيتاء دون الإنزال فراراً من التكرار الصوري الموجب للثقل في العبارة (وعيسى) من الإنجيل، ولم يقل وما أوتي عيسى إشارة إلى اتحاد المنزل عليه مع المنزل على موسى، فإن الإنجيل مقرر للتوراة ولم يخالفها إلا في قدر يسير فيه تسهيل كما قال: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (وما أوتي النبيون) المذكورون وغيرهم (من ربهم) يعني والكتب التي أوتي جميع الأنبياء، وذلك كله حق وهدى ونور، وإن الجميع من عند الله، وإن جميع ما ذكر الله من أنبيائه كانوا على هدى وحق (لا نفرق) في الإيمان (بين أحد منهم) بل نؤمن بكل الأنبياء قال الفراء

стр. 410

معناه لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. قال في الكشاف (أحد) في معنى الجماعة ولذلك صح دخول (بين) عليه، وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي كما سبق إلى كثير من الأذهان، وقال القرافي: إن " أحداً " الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة، وأحداً الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد إذا كان مسمى أحد اللفظين غير مسمى الآخر في اللغة، وضابط الاشتقاق أن تجد بين اللفظين مناسبة في اللفظ والمعنى، ولا يكفي أحدهما تغايراً في الاشتقاق، فإن وجدت المقصود به إنسان فألفه ليست منقلبة عن واو، وإن وجدت المقصود به نصف الاثنين من العدد فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو، انتهى، وقد حقق المقام الخفاجي في العناية فليرجع إليه. (ونحن له مسلمون) أي ونحن لله تعالى خاضعون بالطاعة مذعنون له بالعبودية، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: " كان رسول الله ﵌ يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة (قولوا آمنا بالله) كلها وفي الأخرة (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة " كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال: رسول الله ﵌ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله " الآية (١).

стр. 411

فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) هذا خطاب للمسلمين أيضاً أي فان آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به من جميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم فقد اهتدوا، وعلى هذا فمثل زائدة كقوله (ليس كمثله شيء) وقيل أن المماثلة وقعت بين الإيمانين أي فإن آمنوا بمثل إيمانكم، وقال في الكشاف إنه من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا، وقيل إن الباء زائدة مؤكدة وقيل إنها للإستعانة. (وإن تولوا فإنما هم في شقاق) أصله من الشق وهو الجانب، كأن كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه الآخر، وقيل إنه مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكل واحد من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين، قال أبو العالية: في شقاق أي فراق، وقيل في خلاف ومنازعة، وقيل في عداوة ومحاربة، وقيل في ضلال. (فسيكفيكهم الله) أي من شر اليهود والنصارى، والكفاية وعد وضمان من الله لنبيه ﷺ أنه سيكفيه من عانده وخالفه من المتولين، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة والنضير وبني قينقاع (١)، وفيه معجزة للنبي ﷺ وهو إخبار بغيب (وهو السميع) لأقوالهم (العليم) بأحوالهم يسمع جميع ما ينطقون به ويعلم جميع ما يضمرون من الحسد والغل، وهو مجازيهم ومعاقبهم.

стр. 412

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) (صبغة الله) الخطاب للمسلمين أي قولوا للنصارى المقالة، والمعنى صبغنا الله بالإيمان، قال الأخفش وغيره: أي دين الله وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله، لأن الإيمان يطهر النفوس، انتهى وقال ابن عباس: دين الله، وقال مجاهد: فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال " إن بني إسرائيل قالوا يا موسى هل يصبغ ربك فقال اتقوا الله فناداه ربه يا موسى سألوك هل يصبغ ربك فقل نعم أنا أصبغ الألوان الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي " وأنزل الله على نبيه (صبغة الله) الآية، وعنه صبغة الله البياض. وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويجعلون ذلك تطهيراً لهم، فإذا فعلوا ذلك قالوا الآن صار نصرانياً، حقاً، فرد الله عليهم بقوله (صبغة الله) أي الإسلام ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام ولا أطهر وهو دين الله الذي بعث به نوحاً ومن كان بعده من الأنبياء، وسماه صبغة استعارة، قال البغوي: إطلاق مادة لفظ الصبغ على التطهير مجاز تشبيهي، وتقرير المشاكلة هنا مبسوط في التلخيص وشرحه للسعد، وقيل الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلاً من معمودية النصارى (١)، ذكره الماوردي، وقيل الصبغة الختان لأنه يصبغ المختتن بالدم، وقيل الصبغة سنة الله. (ومن أحسن من الله صبغة) أي ديناً وقيل تطهيراً لأنه يطهر من أوساخ الكفر (ونحن له عابدون) أي مطيعون.

стр. 413

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) (قل أتحاجوننا في الله) أي قل يا محمد لليهود والنصارى الذين قالوا إن دينهم خير من دينكم: أتجادلوننا وتخاصموننا في دين الله الذي أمرنا أن نتدين به والقرب منه والحظوة عنده، وذلك كقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، والمحاجة المجادلة لإظهار الحجة (وهو ربنا وربكم) أي نشرك نحن وأنتم في ربوبيته لنا وعبوديتنا له فكيف تدعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك، وله أن يصطفي من عباده من يشاء (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) فلستم بأولى بالله منا وهو مثل قوله تعالى (فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) (ونحن له مخلصون) أي نحن أهل الإخلاص للعبادة دونكم، وهو المعيار الذي يكون به التفاضل، والخصلة التي يكون صاحبها أولى بالله من غيره، فكيف تدعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم وأحق، والجمل الثلاث أحوال، وفي الآية توبيخ لهم وقطع لما جاؤا به من المجادلة والمناظرة، قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف.

стр. 414

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) (أم تقولون) أم هنا معادلة للهمزة في قوله (أتحاجوننا) أي أم تقولون إن هؤلاء الأنبياء على دينكم، وعلى قراءة يقولون بالياء تكون أم منقطعة أي بل يقولون وفيه تقريع وتوبيخ (إن إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى) يعني أتزعمون أن إبراهيم وبنيه كانوا على دينكم وملتكم، وإنما حدثت اليهودية والنصرانية بعدهم فثبت كذبكم عليهم (قل أأنتم أعلم أم الله) أي الله أعلم بذلك، وقد أخبرنا بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، وأنتم تدعون أنهم كانوا كذلك فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه، والتفضيل على سبيل الإستهزاء أو على تقدير أن يظن بهم علم في الجملة وإلا فلا مشاركة. (ومن أظلم ممن كتم) أي أخفى (شهادة عنده من الله) استفهام إنكار أي لا أحد أظلم يحتمل أن يراد بذلك الذم لأهل الكتاب بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هوداً ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامية فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة، بل بادعائهم لما هو مخالف لها وهو أشد في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منهم، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب، وقيل المراد هنا ما كتموه من صفة محمد ﷺ . (وما الله بغافل عما تعملون) فيه وعيد شديد وتهديد ليس عليه مزيد، وإعلام بأن الله سبحانه لا يترك أمرهم سدى ولا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح والذنب الفظيع، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة، وقال الكسائي أرض غفل لم تمطر.

стр. 415

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وكرر قوله سبحانه

стр. 416

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) لتضمنها معنى التهديد والتخويف الذي هو المقصود في هذا القام، وتلك إشارة إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط، وقيل لأنه إذا اختلف مواطن الحجاج والمجادلة حسن تكريره للتذكير به وتأكيده، وقيل إنما كرره تنبيهاً لليهود ولن يتكل على فضل الآباء وشرفهم أي لا تتكلوا على فضل الآباء فكل يؤخذ بعمله، وكل إنسان يسئل يوم القيامة عن كسبه لا عن كسب غيره، وفيه وعظ وزجر وهذا كالأول.

стр. 417

(سيقول السفهاء من الناس) هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه ﷺ وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمشركين والمنافقين سيقولون هذه المقالة قيل إن سيقول بمعنى قال وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته والاستمرار عليه، وقيل إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وإن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهويناً لصدمته وتخفيفاً لروعته، وكسراً لسورته، والسفهاء جمع سفيه وهو الكذاب البهات المتعمد خلاف ما يعلم، كذا قال بعض أهل اللغة، وقال في الكشاف هم خفاف الأحلام، ومثله في القاموس، وقد تقدم في تفسير قوله (إلا من سفه نفسه) ما ينبغي الرجوع إليه. قيل نزلت هذه الآية في اليهود وذلك أنهم طعنوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لأنهم لا يرون النسخ، وقيل نزلت في مشركي مكة وذلك أنهم قالوا قد تردد على محمد ﷺ أمره واشتاق مولده، وقد توجه نحو

стр. 418

بلدكم، فلعله يرجع إلى دينكم، وقيل نزلت في المنافقين وإنما قالوا ذلك استهزاء بالإسلام، وقيل يحتمل أن لفظ السفهاء للعموم فيدخل فيه جميع الكفار والمنافقين واليهود، ويحتمل وقوع هذا الكلام من كلهم إذ لا فائدة في التخصيص، ولأن الأعداء يبالغون في الطعن والقدح فإذا وجدوا مقالاً قالوا، ومجالاً جالوا، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب وعليه أكثر المفسرين وحكمته أنهم كما قالوا ذلك في الماضي منهم أيضاً من يقوله في المستقبل كما قال البيضاوي تبعاً للكشاف. (ما ولاّهم) أي ما صرفهم (عن قبلتهم) وهي بيت المقدس (التي كانوا عليها) أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيتها، والقبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وإنما سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، ولما قال السفهاء ذلك رد الله عليهم بقوله (قل لله المشرق والمغرب) فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا يختص به مكان دون مكان لخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره أي امتثاله لا بخصوص المكان، وتخصيص هاتين الجهتين بالذكر لمزيد ظهورهما حيث كان أحدهما مطالع الأنوار والإصباح، والآخر مغربها، ولكثرة توجه الناس إليهما لتحقيق الأوقات لتحصيل المقاصد والمهمات ذكره الكرخي (يهدي من يشاء) من عباده إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي ﷺ ولأهل مِلَّتِهِ (إلى صراط مستقيم) يعني إلى جهة الكعبة وهي قبلة إبراهيم ﵇. وقد أخرج البخاري ومسلم (١) وغيرهما عن البراء أن النبي ﷺ " كان أول ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأن أول صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على

стр. 419

أهل المسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل الكعبة فداروا قبل البيت كما هم، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصّلي قِبَلَ بيت القدس وأهل الكتاب فلما ولّى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) الآية " وله طرق أخر وألفاظ متقاربة. وعن ابن عباس قال أن أول ما نسخ في القرآن القبلة وعنه أن النبي ﷺ كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعدما تحول إلى المدينة ستة عشر شهراً ثم صرفه الله إلى الكعبة (١)، وفي الباب أحاديث كثيرة بمضمون ما تقدم، وكذلك وردت أحاديث في الوقت الذي نزل فيه استقبال القبلة وفي كيفية استدارة المصلين لما بلغهم ذلك، وقد كانوا في الصلاة فلا نطول بذكرها، فيه الرد على من أنكر النسخ ودلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن لأن استقبال بيت المقدس كان ثابتاً بالسنة الفعلية لا بالقرآن.

стр. 420

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)

стр. 421

(وكذلك) أي كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك (جعلناكم أمة وسطاً) أي عدولاً خياراً، والوسط الخيار والعدل، والآية محتملة للأمرين، وقد ثبت عن النبي ﷺ تفسير الوسط هنا بالعدل، رواه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد مرفوعاً فوجب الرجوع إلى ذلك، ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في عيسى، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، ويقال فلان أوسط قومه وواسطتهم ووسطهم أي خيارهم، والآية دلت على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم أي اختلت قاله الكرخي، وفيه دلالة على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم. (لتكونوا) اللام لام كي فتفيد العلية أو هي لام الصيرورة (شهداء على الناس) يعني يوم القيامة أي تشهدون للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، وقالت طائفة معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، وقيل المراد لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول (ويكون الرسول عليكم شهيداً) أى على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم، ومثله قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) وقيل عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان، وقيل معناه يشهد عليكم بالتبلغ لكم، قال في الكشاف: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى (والله على كل

стр. 422

شيء شهيد) (وكنت أنت الرقيب عليهم) (وأنت على كل شيء شهيد)، انتهى. وإنما أخر لفظ (على) في شهادة الأمم على الناس وقدمها في شهادة الرسول عليهم لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم، وقيل أن شهيداً أشبه بالفواصل والمقاطع من عليكم فكان قوله (شهيداً) تمام الجملة ومقطعها دون عليكم، وهذا الوجه يرد على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص. وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم (١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ " يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته، فذلك قوله يعني هذه الآية فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر عن النبي ﷺ قال " أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ود أنه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه " وأخرج البخاري ومسلم (٢) وغيرهما عن أنس قال مروا بجنازة فأثنى عليها خيراً فقال النبي ﷺ " وجبت " ثلاثاً، ومروا بجنازة فأثنى عليها شراً فقال النبي ﷺ " وجبت " ثلاثاً فسأله عمر فقال من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " ثلاثاً. زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية. وفي الباب أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة عند أهل الصحاح

стр. 423

والسنن وغيرهم. (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) المراد بهذه القبلة هي بيت المقدس، ويؤيد هذا قوله (كنت عليها) إذ كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة، وقيل المراد الكعبة أي القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس ويكون كنت بمعنى الحال، وقيل المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس، فإنه كان يستقبل في مكة الكعبة ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تالفاً لليهود ثم صرف إلى الكعبة، وفيه أعاريب خمسة أحسنها ما ذكرناه. (إلا لنعلم) استثناء مفرغ من أعم العلل (من يتبع الرسول) في التوجه إلى ما أمر به من القبلة أو الدين، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده ﵌ بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباع (ممن ينقلب على عقبيه) أي يرجع إلى الكفر، وقد ارتد لذلك جماعة، والمعنى ما جعلناها إلا لنبتليهم يعني من يسلم لأمره ممن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر فيرتد، قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشك قيل المراد العلم هنا الرؤية، وقيل ليعلم النبي وقيل المراد لنعلم ذلك موجوداً حاصلاً، وهكذا ما ورد معللاً بعلم الله سبحانه لا بد أن يؤول بمثل هذا كقوله (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء). (وإن كانت لكبيرة) أي ما كانت إلا كبيرة كما قاله الفراء، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) من التحويلة والتولية أو الجعلة أو الردة ذكر معنى ذلك الأخفش، ولا مانع من أن يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة أي وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها لكبيرة أي تحويلها على أهل الشرك والريب، قاله ابن عباس.

стр. 424

(إلا على الذين هدى الله) أي هداهم للإيمان فانشرحت صدورهم لتصديقك وقبلت ما جئت به عقولهم، وهذا الاستثناء مفرغ لأن ما قبله في قوة النفي أي أنها لا تخف ولا تسهل إلا على أهل الهدى، وقيل استثناء من مستثنى منه محذوف أي وإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الذين، وقيل يحتمل كلا الوجهين والأول أولى، وعن ابن جريج قال: بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا فقالوا مرة ههنا ومرة ههنا. (وما كان الله ليضيع إيمانكم) وهذه اللام تسمى لام الجحود عند البصريين وخبر كان محذوف أي ما كان الله مريداً لإضاعة إيمانكم، والكوفيون لا يقدرون شيئاً وأن اللام عندهم للتأكيد وهكذا القول فيما أشبه هذا التركيب مما ورد في القرآن وغيره نحو (وما كان الله ليطلعكم، وما كان الله ليذر) قال القرطبي: اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس ثم قال: فسمى الصلاة إيماناً لاجتماعها على نية وقول وعمل، وقيل المراد ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم، والأول يتعين القول به والمصير إليه لما أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحكم وصححه ابن عباس قال: لما وجه رسول الله ﷺ إلى القبلة قالوا يا رسول الله فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل. (وما كان الله) الآية وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار عن السلف. (إن الله بالناس) تعليل لما قبله (لرؤوف رحيم) الرؤوف كثير الرأفة وهي أشد من الرحمة وأكثر منها والمعنى متقارب وقدم الأبلغ للفاصلة.

стр. 425

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) (قد نرى تقلب وجهك) تصرفه (في) جهة (السماء) قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء هذه الآية متقدمة في النزول على قوله: (سيقول السفهاء) ومعنى (قد) تكثير الرؤية كما قاله صاحب الكشاف، وقيل للتحقيق، والمعنى تحول وجهك إلى السماء قاله قطرب، وقال الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء والمعنى متقارب، والمعنى مطلعاً إلى الوحي ومتشوقاً للأمر باستقبال الكعبة، وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب. (فلنولينك) هو إما من الولاية أي فلنعطينك ذلك أو من التولي أي فلنجعلنك متولياً إلى جهتها، وهذه بشارة من الله له ﵌ بما يحب، والفاء هنا للتسبب وقيل المعنى نحولنك (قبلة ترضاها) قاله ابن عمر: أي قبلة إبراهيم نحو الميزاب، وهذا أولى لقوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام) المراد بالشطر هنا الناحية والجهة ويرد بمعنى البعض مطلقاً، ويكون بمعنى النصف في الشيء، وبمعنى الجهة والنحو، ويقال شطر أي بعد ومنه الشطر وهو الشاب البعيد من الجيران الغائب عن منزله والشطير البعيد، ومنه منزل شطير وشطر إليه أي أقبل، قال الراغب: والشاطر أيضاً من يتباعد من الحق. ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا الكعبة، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به، وعن البراء شطر المسجد قبله، وعن ابن عباس قال: نحوه وقال أبو العالية: تلقاءه، وقال ابن عباس: البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب، وأخرج البيهقي عنه مرفوعاً قال:
следующие страницы →