(ربنا إني أسكنت من ذريتي) قال الفراء: من للتبعيض أي
стр. 4202
بعض ذريتي، وقال ابن الأنباري: أنها زائدة أي أسكنت ذريتي والأول أولى لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده وأمه هاجر (بواد) هو المنخفض بين الجبلين (غير ذي زرع) أي لا زرع فيه قط وهو وادي مكة أو لا يصلح للإنبات لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئاً نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة (عند بيتك المحرم) أي الذي كان قبل الطوفان، وأما وقت دعائه فلم يكن، وإنما كان تلاًّ من الرمل، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحاً أيضاً يعني أنه سيعمره أو بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان.
وسمي محرماً لأن الله حرَّم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه، وقيل أنه محرَّم على الجبابرة، وقد تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة.
أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة تحت إبراهيم فمكثت تحته دهراً لا ترزق منا ولداً فلما رأت ذلك وهبت له هاجر، أَمَة لها قبطية فولدت له إسماعيل فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن يقطع منها ثلاثة أطراف فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبري يمينك قالت: كيف أصنع قال: اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسناً فقالت سارة: أراني إنما زدتها جمالاً فلم تضارُّه على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجداً شديداً فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها.
ثم قال (ربنا ليقيموا الصلاة) اللام لام كي أي ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة فيه متوجهين إليه متبركين به، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعل تكرير النداء
стр. 4203
وتوسيطه لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة وللإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثَمَّ (١) والمقصود من الدعاء توفيقهم لها، وقيل اللام لام الأمر والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله أن يوفقهم لها أثبت أن الإقامة عنده للعبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر.
(فاجعل أفئدة) الأفئدة جمع فؤاد وهو القلب عبر به عن جميع البدن لأنه أشرف عضو فيه، وقيل هو جمع وفد والأصل أوفده فكأنه قال واجعل وفوداً (من الناس تهوي إليهم) من للتبعيض، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى لدخولهم تحت لفظ الناس، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مراداً لقال تهوي إليه، وقيل من للابتداء كقوله القلب مني سقيم تريد قلبي، ومعنى تهوي إليهم تنزع إليهم؛ وقيل تسرع وتميل وتحن إليهم لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم.
وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم، يقال هوى نحوه إذا مال وهوت الناقة تهوي هوياً فهي هاوية إذا عدت عدواً شديداً كأنها تهوي في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى تجيء إليهم أو تسرع إليهم وقيل تحن وتطير وتشتاق إليهم، وأصله أن يتعدى باللام وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل.
قال السدي: أي أمل قلوبهم إلى هذا الموضع، وقيل تريدهم، قاله الفراء وقيل تنحط إليهم وتنحدر وتنزل، وهذا قول أهل اللغة والمعاني
стр. 4204
متقاربة، قال ابن عباس: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والترك والروم والهند، ولحج اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال (أفئدة من الناس) فخص به المؤمنين أخرجه البيهقي بسند حسن وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته.
(وارزقهم) أي ذريتي الذين أسكنتهم هنالك أو إياهم ومن يساكنهم من الناس (من) أنواع (الثمرات) التي تنبت فيه كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزرع فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار أو المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة لقوله تعالى (تجبى إليه ثمرات كل شيء) وهذا أولى (لعلهم يشكرون) نعمتك التي أنعمت بها عليهم.
قال محمد بن مسلم: إن إبراهيم لما دعا للمحرم نقل الله الطائف من فلسطين، وعن الزهري قال: إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم، وأما إجابة قوله فاجعل أفئدة ... الخ فقد حصلت بجرهم، وقد استمر قصد الحجاج والعمار لهذا البيت كل عام إلى آخر الزمان.
(ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) أي ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان لا تفاوت فيهما، قيل والمراد هنا بما نخفي ما يقابل ما نعلن فالمعنى ما نظهره وما لا نظهره، وقدم الإخفاء على الإعلان للدلالة على أنهما مستويان في علم الله سبحانه، وظاهر النظم القرآني عموم كل ما يظهره وما لا يظهره من غير تقييد بشيء معين من ذلك.
وقيل المراد ما يخفيه إبراهيم من وجده بإسماعيل وأمه حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك، وقيل ما يخفيه إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء والمجيء بضمير الجماعة يشعر بأن إبراهيم لم يرد نفسه فقط بل أراد جميع العباد، فكان المعنى أن الله سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه.
(وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء) قال جمهور المفسرين هو من كلام الله سبحانه تصديقاً لما قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم بما يخفيه العباد وما يعلنونه، فقال سبحانه ما يخفى عليه شيء من الأشياء الموجودة كائناً ما كان، وإنما ذكر السماوات والأرض لأنهما المشاهدتان للعباد، وإلا فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه خافية قيل ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقاً لقوله
стр. 4207
الأول وتعميماً بعد التخصيص، فإن قيل بالأول فهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وإن قيل بالثاني ففيه وضع الظاهر موضع المضمر.
ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال
стр. 4208
(الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) أي على كبر سني وسن امرأتي (إسماعيل وإسحاق) قيل ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتا عشرة سنة وقيل على هنا بمعنى مع أي مع كبري ويأسي عن الولد.
عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة وهبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن اليأس فلهذا شكر الله على هذه المنة، وهذا قاله إبراهيم في وقت آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء، لأن الظاهر أنه دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه ووضعها عند البيت؛ وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال الكرخي: وزمان الدعاء والحمد مختلف، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ.
(إن ربي لسميع الدعاء) أي لمجيب الدعاء من قولهم سمع كلامه إذا إجابه واعتد به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول، والمعنى إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك وكان إبراهيم قد دعا ربه فسأله الولد بقوله (رب هب لي من الصالحين) فلما استجاب الله دعاءه قال الحمد لله الخ.
ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظاً عليها غير مهمل لشيء منها فقال
стр. 4209
(رب اجعلني مقيم الصلاة) أي ممن يقيمها بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها، ثم قال (ومن ذريتي) أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة وإنما خص البعض من ذريته لأنه علم أن منهم من لا يقيمها
стр. 4210
كما ينبغي؛ ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم فقال (ربنا وتقبل دعاء) ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولاً أولياً قيل والمراد بالدعاء هنا العبادة، فيكون المعنى وتقبل عبادتي التي أعبدك بها.
ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله وإن لم يكن كبيراً لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. فقال التجاء إلى الله وقطعاً للطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، واعترافاً بالعبودية لله والاتكال على رحمته.
стр. 4211
(ربنا اغفر لي ولوالديّ) قيل إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أنهما عدوان لله سبحانه وقيل بشرط الإسلام، وقيل كانت أمه مسلمة والأول أولى، وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وفيه بعد؛ وقرئ شاذّاً ولولديّ -يعني إسماعيل وإسحاق- وأنكرها الجحدري بأن في مصحف ولأبوي، فهي مفسرة لقراءة العامة.
(وللمؤمنين) ظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم.
وقيل أراد المؤمنين من ذريته فقط والأول أولى. والله تعالى لا يرد دعاء خليله، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة اللهم اغفر لي مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً، وإني من ذرية خليلك إبراهيم فاغفر لي ولمن أخلفه من المؤمنين.
(يوم يقوم الحساب) أي يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ يقوم الذي هو حقيقة في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة. وقيل إن المعنى يوم يقوم الناس للحساب، وقيل يبدو ويظهر فيه الحساب والأول أولى.
стр. 4212
(ولا تحسبن) بفتح السين وكسرها قراءتان سبعيتان، أي لا تظنن
стр. 4213
(الله غافلاً عما يعمل الظالمون) خطاب للنبي ﷺ وهو تعريض لأمته فكأنه قال ولا تحسب أمتك يا محمد، ويجوز أن يكون خطاباً لكل من يصلح له من المكلفين وإن كان الخطاب للنبي ﷺ من غير تعريض لأمته، فمعناه التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله (ولا تكونن من المشركين) ونحوه، وقيل المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم؛ أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية.
قال ميمون بن مهران في الآية: هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم، وعن سفيان بن عيينة نحوه، والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، وقيل حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ؛ وفيه تسلية لرسول الله ﷺ وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم بل سنة الله سبحانه في إمهال العصاة.
(إنما يؤخرهم) أي يؤخر جزاءهم وعذابهم ولا يؤاخذهم بظلمهم، وهذه الجملة استئناف وقع تعليلاً للنهي السابق (ليوم) أي لأجل يوم فاللام للعلة وقيل بمعنى إلى التي للغاية (تشخص فيه الأبصار) أي أبصارهم فلا تقر في أماكنها، قال الفراء: المعنى ترفع فيه أبصار أهل الموقف ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم.
شخوص البصر حدة النظر وعدم استقراره في مكانه، يقال شخص سمعه وبصره وأشخصهما صاحبهما وشخص بصره أي لم يطرف جفنه، ويقال شخص من بلده أي بعد، والشخص سواد الإنسان المرئي من بعيد، والمراد أن الأبصار بقيت مفتوحة لا تتحرك من شدة الحيرة والدهشة. قال قتادة: شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد إليهم، قيل أل للعهد وقيل لو حمل على العموم كان أبلغ في التهويل وأسلم من التكرير.
(مهطعين) أي مسرعين قاله قتادة وزاد في الجمل إلى الداعي وهو إسرافيل وقيل هو جبريل والنافخ إسرافيل. قال الشهاب: وهو الأصح كما دلت عليه الآثار وقيل المهطع الذي يديم النظر. قاله مجاهد.
قال أبو عبيدة: قد يكون الوجهان جميعاً، يعني الإسراع مع إدامة النظر، وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع وقيل هو الساكت، قال النحاس: والمعروف في اللغة أهطع إذا أسرع، وبه قال أبو عبيدة، قال ابن عباس: يعني بالإهطاع النظر من غير أن يطرف.
(مقنعي رؤوسهم) اقناع الرأس رفعه، واقنع صوته إذا رفعه، وقال ابن عباس: الإقناع رفع الرأس، والمعنى أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل أن إقناع الرأس نكسة، وقيل يقال أقنع إذا رفع رأسه وأقنع رأسه إذا طأطأه ذلة وخضوعاً، والآية محتملة للوجهين، قال المبرد: والقول الأول أعرف في اللغة.
стр. 4216
(لا يرتد إليهم طرفهم) أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف، وأصل الطرف تحريك الأجفان، وسميت العين طرفاً لأنه يكون لها، وقال ابن عباس: يعني شاخصة أبصارهم قد شغلهم ما بين أيديهم (وأفئدتهم هواء) الهواء في اللغة الجوف الخالي الذي لم تشغله الإجرام، والمعنى أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحيرة والدهش وجعلها نفس الهواء مبالغة ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة.
وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها، وقيل هواء بمعنى مترددة تهوي في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه، وقيل المعنى أن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير. قال ابن عباس: ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة، قال قتادة: ليس فيها شيء خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، وعن مرة قال: منخرقة لا تعي شيئاً، وقيل المعنى وأفئدتهم ذات هواء.
ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) أي خالياً من كل شيء إلا من همّ موسى ﵇، والحاصل أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته.
стр. 4217
(وأنذر الناس) هذا رجوع إلى خطاب رسول الله ﷺ أمره الله سبحانه بأن ينذرهم، والمراد الناس على العموم، وقيل المراد كفار مكة وقيل الكفار على العموم والأول أولى لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضاً للمسلم، ومنه قوله تعالى (إنما تنذر من اتبع الذكر).
(يوم يأتيهم العذاب) أي يوم القيامة، قاله مجاهد، أي خوفهم يوم إتيان العذاب، وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان
стр. 4218
الثواب أيضاً لأن المقام مقام تهديد، وقيل المراد به يوم موتهم فإنه أول أوقات إتيان العذاب، وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل.
(فيقول الذين ظلموا) المراد بهم هنا هم الناس، أي فيقولون، والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم. هذا إذا كان المراد بالناس هم الكفار، وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين فالمعنى فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار (ربنا أخرنا) أي أمهلنا (إلى أجل قريب) أي أمد من الزمان معلوم غير بعيد (نجب دعوتك) لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك.
(ونتبع الرسل) المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك ونتدارك ما فرط منا من الإهمال، وإنما جمع الرسل لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه).
ثم حكى الله سبحانه ما يجاب به عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة فقال (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) أي فيقال لهم هذا القول توبيخاً وتقريعاً من قبل الله أو الملائكة والاستفهام تقريري.
قال ابن عباس: من زوال عما أنتم فيه إلى ما تقولون، وقال السدي: بعث بعد الموت، أي ألم تكونوا أقسمتم من قبل هذا اليوم ما لكم من زوال من دار الدنيا، وقيل أنه لا قسم منهم حقيقة وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات وإخلادهم إلى الحياة الدنيا.
وقيل قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) وجواب القسم (ما لكم من زوال) وإنما جاء بلفظ الخطاب في ما لكم لمراعاة أقسمتم، ولولا ذلك لقال ما لنا من زوال.
стр. 4219
(وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) أي استقررتم، يقال سكن الدار وسكن فيها، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله والعصيان له.
وقال الحسن: عملتم بمثل أعمالهم (وتبين لكم) بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار (كيف فعلنا بهم) من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوا من الذنوب وكيف منصوب بما بعده من الفعل، وليس الجملة فاعلاً لتبين كما قاله بعض الكوفيين بل فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة، أي فعلنا العجيب بهم، وقيل فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم (وضربنا لكم الأمثال) في كتب الله وعلى ألسن رسله ايضاحاً لكم وتقريراً وتكميلاً للحجة عليكم
стр. 4220
(وقد مكروا) أي فعلنا بهم ما فعلنا، والحال أنهم قد مكروا في رد الحق وإثبات الباطل.
(مكرهم) العظيم الذي استفرغوا فيه وسعهم، وقيل المراد كفار قريش الذين مكروا برسول الله ﷺ حين هموا بقتله ونفيه كما ذكر في سورة الأنفال والأول أولى.
(وعند الله مكرهم) أي علمه أو جزاؤه أو مكتوب مكرهم فهو مجازيهم أو عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، على أن يكون المكر مضافاً إلى المفعول.
وقيل المراد ما وقع من النمرود حيث حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه بأربعة نسور، وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بأطول من هنا، وروي نحو هذه القصة لبختنصر وللنمرود من طرق ذكرها في الدر المنثور، واستبعدها بعض أهل العلم، وقال إن الخطر فيه عظيم، ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر العظيم الذي ذكروه وليس فيه خبر صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه القصة بتأويل الآية البتة.
(وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) وقرئ كاد موضع كان وقرئ
стр. 4221
لتزول بفتح اللام على أنها لام الابتداء، وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود، قال ابن جرير: والمختارة هي الأخيرة وإن هي الخفيفة من الثقيلة واللام هي الفارقة وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وأن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.
قال الزجاج: وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه، وعلى قراءة الجمهور يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة والمعنى كما مر.
والثاني: أن تكون نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهور المشبهة بها في القرار والبقاء، وقال ابن عباس: مكرهم شركهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها، وقيل المراد بالمكر كفرهم، ويناسبه (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً).
стр. 4222
(فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) المعنى مخلف رسله وعده، قال القتيبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وسواء في ذلك مخلف وعده رسله ومخلف رسله وعده، وقال الزمخشري: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله (إن الله لا يخلف الميعاد) ثم قال (رسله) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته، والمراد بالوعد هنا هو ما وعدهم سبحانه بقوله (إنا لننصر رسلنا) وكتب الله لأغلبن أنا ورسلي.
(إن الله عزيز) غالب لا يغالبه أحد (ذو انتقام) ينتقم من أعدائه لأوليائه والجملة تعليل للنهي، وقد مر تفسيره في أول آل عمران، قال قتادة: عزيز والله في أمره يملي وكيده متين ثم إذا انتقم انتقم بقدرة.
(تبدل الأرض) المشاهدة (غير الأرض) والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم بالدنانير وقد يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتماً، والآية تحتمل الأمرين وبالثاني قال الأكثر (والسماوات) أي وتبدل السماوات غير السماوات لدلالة ما قبله عليه على الاختلاف الذي مر، وتقديم تبديل الأرض لقربانها ولكون تبديلها أعظم أثراً بالنسبة إلينا.
أخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ " في الظلمة دون الجسر " (١).
وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة قالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية، قلت: أين الناس يومئذ قال: " على الصراط " (٢) والصحيح على هذا إزالة عين هذه الأرض.
وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني في الأوسط، والبيهقي وابن عساكر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال: " أرض بيضاء كأنها فضة لم
стр. 4225
يسفك فيها دم حرام ولم يعمل بها خطيئة " قال البيهقي: والموقوف أصح، وفي الباب روايات، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة.
وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقى " (١) وفيهما أيضاً عن حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده " (٢) الحديث.
وقد أطال القرطبي في بيان ذلك في تفسيره وفي تذكرته، وحاصله أن هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسماوات تبدل وتزال ويخلق الله أرضاً أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها.
ثم قال وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأنهما تبدلان كرتين: أحداهما هذه الأولى قبل نفخة الصعق، والثانية إذا وقفوا في المحشر، وهي أرض عفراء من فضة لم يسفك عليها دم حرام ولا جرى عليها ظلم ويقوم الناس على الصراط على متن جهنم، ثم ذكر في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي إن الخلائق وقت تبديل الأرض تكون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها.
قال في الجمل: فتحصل من مجموع كلامه إن تبديل هذه الأرض بأرض
стр. 4226
أخرى من فضة يكون قبل الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة وأن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة.
(وبرزوا) أي العباد أو الظالمون كما يفيده السياق أي ظهروا من قبورهم ليستوفوا جزاء أعمالهم وهذه هي علة الخروج أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه، والتعبير عن المستقبل بالماضي للتنبيه على تحقق وقوعه كما في قوله ونفخ في الصور (لله الواحد القهار) المنفرد بالألوهية الكثير القهر لمن عانده.
стр. 4227
(وترى) التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة (المجرمين) أي المشركين (يومئذ) أي يوم القيامة (مقرنين) أي مشدودين (في الأصفاد) إما بجعل بعضهم مقروناً مع بعض، قاله ابن قتيبة أي بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله (وإذا النفوس زوجت) أو قرنوا مع الشياطين كما في قوله نقيض له شيطاناً فهو له قرين أو مع ما اكتسبوا كن العقائد الزائغة والملكات الباطلة أو جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم، قاله ابن زيد.
والمقرن من جمع في القرن وهو الحبل الذي يربط به والأصفاد الأغلال والقيود قاله قتادة، يقال صفدته صفداً أي قيدته، والاسم الصفد بفتحتين فإذا أردت التكثير قلت صفدته، ويقال صفدته وأصفدته إذا أعطيته، قال ابن عباس: الكبول، وعنه يقول في وثاق، قال سعيد بن جبير: السلاسل.
стр. 4228
(سرابيلهم) هي القمص، قاله السدي. وعن ابن زيد مثله واحِدُها سربال يقال سربلته أي ألبسته السربال (من قطران) هو قطران الإبل الذي تهنأ به قاله الحسن، أي قمصناهم من قطران تطلى به جلودهم حتى يعود ذلك الطلاء كالسرابيل، وخص القطران لسرعة اشتعال النار فيه ولذعه مع نتن
стр. 4229
رائحته ووحشة لونه، وقال جماعة هو النحاس المذاب، وبه قال عمر وابن عباس.
قال عكرمة: هذا القطران يطلى به حتى يشتعل ناراً، وقال سعيد بن جبير: القطر الصفر، والآن الحار وعن عكرمة نحوه، والقطران فيه لغات بفتح القاف وكسر الطاء وهي قراءة العامة وبزنة سكران وبزنة سرحان وهو ما يستخرج من شجر فيطبخ ويطلى به الإبل ليذهب جربها لحدته.
وقيل هو دهن ينحلب من شجر الأبهل والعرعر والتوت كالزفت تدهن به الإبل إذا جربت وهو الهناء، ولو أراد الله المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم بما يعرفون.
وأخرج مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " (١).
(وتغشى) أي تعلو (وجوههم النار) وتضربها وتخللها وقلوبهم أيضاً، وخص الوجوه لأنها أشرف ما في البدن وفيها الحواس المدركة.
стр. 4230
(ليجزي) أي يفعل ذلك بهم ليجزي (الله) متعلق ببرزوا والجمل التي بينهما اعتراض كما في السمين (كل نفس ما كسبت) من المعاصي أي جزاء موافقاً لما كسبت من خير أو شر (إن الله سريع الحساب) لا يشغله عنه شيء ولا حساب عن حساب، بل يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك وقد تقدم تفسيره.
стр. 4231
(هذا بلاغ) أي هذا الذي أنزل إليك تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير ومبلغ وموصل للناس إلى مراتب السعادة، قيل أن الإشارة إلى ما ذكره سبحانه هنا من قوله (ولا تحسبن الله غافلاً) إلى (سريع الحساب) أي هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة، وقيل الإشارة إلى جميع السورة، وقيل إلى القرآن وبه قال ابن زيد، وفيه من المحسنات رد العجز على الصدر فقد افتتحت هذه السورة بقوله (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور).
(للناس) أي للكفار أو لجميع الناس على ما قيل في قوله وأنذر الناس، أي أنزل لتبليغهم إلى ما فيه رشدهم ونفعهم أي لإيصالهم إلى الخير (ولينذروا به) أي بالقرآن، قاله ابن زيد، وقرئ بفتح التحتية والذال المعجمة، يقال نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به واستعددت له.
(وليعلموا) بالأدلة التكوينية المذكورة سابقاً أو بالقرآن بما فيه من الحجج (إنما هو إله واحد) لا شريك له (وليذكر أولوا الألباب) أي وليتعظ أصحاب العقول السليمة والأفهام الصحيحة.
وهذه اللامات متعلقة بمحذوف، والتقدير وكذلك أنزلنا أو متعلقة بالبلاغ المذكور أي كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحجج والبراهين وحدانيته سبحانه، وأنه لا شريك له، وليتعظ بذلك أرباب العقول التي تعقل وتدرك.
стр. 4232
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الحجر
مكيّة بالاتفاق والإجماع كما قال القرطبي، وعن ابن عباس وابن الزبير مثله، وهي تسع وتسعون آية، والحجر واد بين المدينة والشام.
(الر) قد تقدم الكلام عليه في محله مستوفى مراراً (تلك) أي ما تضمنته السورة من الآيات (آيات الكتاب) التعريف للتفخيم وقيل هو للجنس، والمراد جنس الكتب المنزلة المتقدمة. قال مجاهد: يعني التوراة والإنجيل، وقيل المراد به هذه السورة والإضافة بمعنى من وقيل المراد القرآن، ولا يقدح في هذا ذكر القرآن بعد الكتاب فقد قيل إنه جمع له بين الاسمين عطفاً للتغاير اللفظي لأجل التعدد في الاسم بزيادة صفة.
(وقرآن مبين) أي الكامل الظاهر رشده وهداه وخيره وتنكير القرآن للتفخيم
стр. 4235
(ربما يود الذين كفروا) قرئ ربما بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون وتميم وربيعة يثقلون، وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير.
قال الكوفيون: أي يود الكفار في أوقات كثيرة، وقيل هي هنا للتقليل لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب، وقيل إن هذا التقليل أبلغ في التهديد فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. وقيل معناه يكفيك قليل الندم في كونه زاجراً لك عن الفعل؛ فكيف بكثيره.
стр. 4236
قيل وما هنا لحقت رب لتهيأ للدخول على الفعل وقيل نكرة بمعنى شيء وإنما دخلت رب هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلا على الماضي لأن المترقب في أخباره سبحانه كالواقع المتحقق، فكأنه قيل ربما ود الذين كفروا بهذا الكتاب والقرآن، فهذا مرتبط بما قبله.
(لو كانوا مسلمين) أي منقادين لحكمه مذعنين له من جملة أهله، وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة، والمراد أنه لما انكشف لهم الأمر واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر، وأن الدين عند الله سبحانه هو الإسلام لا دين غيره، حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغني من جوع بل هي لمجرد التحسر والتندم ولوم النفس على ما فرطت في جنب الله.
وقيل كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال المسلمين، وقيل عند خروج عصاة الموحدين من النار، والظاهر أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم، ولو مصدرية أو امتناعية وجوابها محذوف أي لسروا بذلك أو تخلصوا مما هم فيه والأول أولى.
والتعبير عن متمناهم بالغيبة نظراً للإخبار عنهم، ولو نظر لصدوره منهم لقيل لو كنا.
عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي ﷺ قالوا: ود المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ . وعن ابن مسعود قال: هذا في الجهنمين إذا رأوهم يخرجون من النار.
وعن ابن عباس قال: لا يزال الله يشفع ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول: من كان مسلماً فليدخل الجنة، فذلك قوله ربما يود الذين كفروا.
стр. 4237
وعن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا: حيث يجمع الله من أهل الخطايا من المشركين والمسلمين في النار، فيقول المشركون ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب الله لهم فيخرجهم بفضله ورحمته، أخرجه البيهقي في البعث وابن المبارك في الزهد.
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند قال السيوطي صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌ " إن ناساً من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم، فلا يبقى أحد إلا أخرجه الله من النار. ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية " وفي الباب أحاديث مرفوعة عن جمع من الصحابة في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية.
стр. 4238
(ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) هذا تهديد لهم أي خل هؤلاء الكفرة ودعهم عما أنت بصدده من الأمر لهم والنهي فهم لا يرعوون أبداً ولا يخرجون من باطل: ولا يدخلون في حق بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الحياة الدنيا من إلهاء العمل لهم عن اتباعك فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك ولا تشتغل بغيره وهذا الأمر لا يستعمل له ماض إلا قليلا استغناء عنه بترك بل يستعمل منه المضارع نحو ونذرهم في طغيانهم، ومن مجيء الماضي قوله ﷺ : " ذروا الحبشة ما وذرتكم " وترك ووذر يكونان بمعنى صير أي ذرهم مهملين أي أترك كفار مكة والعموم أولى.
(ويلههم الأمل) أي يشغلهم طول الأمل والعمر وبلوغ الوطر واستقامة الحال عن الإيمان والأخذ بطاعة الله تعالى، يقال ألهاه كذا أي شغله ولهى هو
стр. 4239
عن الشيء يلهي والمعنى يشغلهم الأمل عن اتباع الحق، وما زالوا في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذى عينين وانكشف الأمر، ورأوا العذاب يوم القيامة فعند ذلك يذوقون ما صنعوا وأكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
(فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم، وفيه من التهديد والزجر ما لا يقادر قدره وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين، قال بعض أهل العلم ذرهم تهديد، وفسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين.
قال عليّ بن أبي طالب: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى فإن الأول ينسي الآخرة والثاني يصد عن الحق.
стр. 4240
(وما أهلكنا من قرية) من القرى بنوع من أنواع العذاب في حال من الأحوال (إلا ولها) أي ولتلك القرية (كتاب معلوم) أي أجل مؤقت مقدر لهلاكها لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه معلوم غير مجهول ولا منسي، فلا يتصور التخلف عنه بوجه من الوجوه والواو فيها أوجه:
أحدها: وهو الظاهر أنها واو الحال.
والثاني: أنها مزيدة.
الثالث: أنها داخلة على الجملة الواقعة صفية تأكيداً، وبه قال الزمخشري.