سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين والإذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة.
ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحداً فجعلت أبواب الجنان ثمانية، انتهى.
أقول: الحكمة في تخصيص هذا العدد لا تنحصر فيما ذكر، بل الأولى تفويضها إلى جاعلها وهو الله سبحانه، إلا أن يرد خبر صحيح عن رسول الله ﷺ فيجب المصير إليه.
وعن عليّ ﵁ قال: أطباق جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها.
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي واستغربه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " لجهنم سبعة أبواب؛ باب منها لمن سل السيف على أمتي " (١) وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " في الآية جزء أشركوا بالله وجزء شكوا في الله وجزء غفلوا عن الله " وقد وردت في صفة النار وأهوالها أحاديث وآثار كثيرة ليس هذا موضع استقرائها (٢)
стр. 4307
(إن المتقين) أي الذين اتقوا الشرك بالله سبحانه كما قاله جمهور الصحابة والتابعين وهو الصحيح، وقيل هم الذين اتقوا جميع المعاصي، وبه قال الجبائي وجمهور المعتزلة والأول أولى، وأجمعت الأمة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول الحكم بدخول الجنة، وليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً أن يكون آتياً بجميع أنواع التقوى لأن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى كما أن الضارب هو الآتي بالضرب ولو مرة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل ولو مرة واحدة وكل فرد من أفراد الماهية يجب أن يكون مشتملاً على تلك الماهية، وبهذا التحقيق استدلوا على أن الأمر لا يفيد التكرار.
стр. 4308
(في جنات) هي البساتين (وعيون) هي الأنهار الجارية أي مستغرقون فيهما والتركيب يحتمل أن يكون لجميعهم جنات وعيون أو لكل واحد منهم جنات وعيون أي عدة منهما كقوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) أو لكل واحد منهم جنة وعين تجري في قصوره ودوره فينتفع بها هو ومن يختص به من حوره وولدانه، قال الرازي: يحتمل أن يكون منها ما ذكره الله تعالى في قوله (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن) الآية ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار.
стр. 4309
(ادخلوها) أي قيل لهم ادخلوها وقرئ على أنه فعل مبني للمفعول أي أدخلهم الله إياها، وقد قيل إنهم إذا كانوا في جنات وعيون فكيف يقال لهم بعد ذلك ادخلوها على قراءة الجمهور فإن الأمر لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا فيها، وأجيب بأن المعنى إنهم لما صاروا في الجنات فإذا انتقلوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الانتقال إليها ادخلوها، والقائل هو الله تعالى أو بعض ملائكته.
(بسلام آمنين) أي بسلامة من جميع الآفات وأمن من المخافات أو من زوال هذا النعيم أو مسلمين على بعضهم بعضاً أو مسلماً عليهم من الملائكة أو من الله .
وقال الضحاك: أمنوا الموت فلا يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون.
стр. 4310
(ونزعنا ما في صدورهم من غل) هو الحقد والعداوة والشحناء والبغضاء والحسد وكل ذلك مذموم داخل في الغل لأنها كامنة في القلب، وقد مر تفسيره في الأعراف، وعن الحسن البصري عن عليّ: فينا والله أهل الجنة نزلت وعنه قال نزلت في ثلاثة أحياء من العرب بني هاشم وبني تميم وبني عدي، وفي أبي بكر وعمر، وعنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة فيمن قال الله (ونزعنا ما في صدورهم من غل) وعن ابن
стр. 4311
عباس قال: نزلت في عشرة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود، وفي الباب روايات.
(إخواناً) حال مقدرة قاله أبو البقاء يعني من فاعل ادخلوها ولا حاجة إليه بل هي حال مقارنة من ضمير صدورهم، والمعنى حال كونهم إخوة في الدين بالتعاطف والمحبة والمودة والمخالطة، وليس المراد منه إخوة النسب، يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد وصاروا إخواناً حال كونهم (على سرر) من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدر والياقوت.
قال أبو البقاء: يجوز أن يتعلق بنفس إخواناً لأنه بمعنى متصافين أي متصافين على سرر، وفيه نظر من حيث تأويل جامد بمشتق بعيد منه والسرر جمع سرير، وهو مثل ما بين صنعاء إلى الجابية، وقيل هو المجلس العالي الرفيع المهيأ للسرور ومنه قولهم سر الوادي لأفضل موضع منه.
(متقابلين) أي ينظر بعضهم إلى وجه بعض. قال مجاهد: لا يرى بعضهم قفا بعض، وعن ابن عباس نحوه فإذا اجتمعوا وتلاقوا ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلاً بوجهه لمن كان عنده، وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير، وهذا أبلغ في الإنس والإكرام.
وأخرج الطبراني والبغوي وابن أبي حاتم وغيرهم عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية قال: " المتحابون في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض ".
стр. 4312
(لا يمسهم فيها) أي في الجنة مستأنفة أو حالية (نصب) أي تعب
стр. 4313
وإعياء لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة لأنها نعيم خالص، ولذة محضة تحصل لهم بسهولة وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشيء بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفواً عفواً قال السدي النصب المشقة والأذى (وما هم منها) أي من الجنة (بمخرجين) أبداً، وهذا نص من الله الكريم في كتابه العزيز على خلود أهل الجنة في الجنة والمراد منه خلود بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمال بلا نقصان وفوز بلا حرمان، وفي هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم، فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعيمه وتكدر لذته.
ثم قال سبحانه بعد أن قص علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل
стр. 4314
(نبئ عبادي أني) بفتح الياء فيهما وسكونهما فيهما سبعيتان أي أخبر يا محمد كل من كان معترفاً بعبوديتي وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي (أنا الغفور الرحيم) أي أنا الكثير المغفرة لذنوبهم الكثير الرحمة لهم كما حكمت به على نفسي إن رحمتي سبقت غضبي (١) اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة وأدخلتهم تحت أوسع الرحمة.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال: مرّ النبي ﷺ على ناس من أصحابه يضحكون فقال: " اذكروا الجنة واذكروا النار " فنزلت هذه الآية.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل
стр. 4315
الذي عند الله من رحمته لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار (١).
ثم إن الله سبحانه لما أمر رسوله أن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة أمره بأن يذكر لهم شيئاً مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال
стр. 4316
(وأن عذابي هو العذاب الأليم) أي الكثير الإيلام.
وعند أن جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير، صاروا في حالة وسطاً بين اليأس والرجاء وخير الأمور أوسطها، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف، وبين حالتي الإنس والهيبة، وقيل لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لما أقدم على ذنب.
وفي هذه الآية لطائف منها أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله (نبئ عبادي) وهذا تشريف لهم وتعظيم كما أضاف في قوله (أسرى بعبده ليلاً) ولم يزد عليه ومنها أنه أكد ذكر الرحمة والمغفرة بمؤكدات ثلاثة:
أولها: قوله (أني).
وثانيها: (أنا).
وثالثها: التعريف في (الغفور الرحيم). وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة والمغفرة، ولم يقل في ذكر العذاب أني أنا المعذب ولم يصف نفسه بذلك بل قال على سبيل الإخبار (أن عذابي هو العذاب الأليم).
ومنها أنه أمر رسوله أن يبلغ عباده هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة.
ثم أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليكون سماعها
стр. 4317
مرغباً في العبادة الموجبة للفوز بدرجات السعداء، ومحذراً عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وذكر هنا أربع قصص: قصة إبراهيم ثم قصة لوط ثم قصة شعيب ثم قصة صالح، وسيأتي تفصيلها. وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم ﵊ فقال:
стр. 4318
(ونبئهم عن ضيف إبراهيم) أي أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله في عباده؛ وأيضاً لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين كان في ذلك تقرير لكونه الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم.
وأصل الضيف الميل، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه، والضيف من مال إليك نزولاً بك، وصارت الضيافة متعارفة في القرى، وهو في الأصل مصدر ولذلك وحد، وإن كانوا جماعة ملائكة اثني عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل على صورة غلمان حسان أرسلهم الله إليه ليبشروه بالولد ويهلكوا قوم لوط ﵇، وقد مر تفسير القصة مفصلاً في سورة هود ﵇، وسمي الضيف ضيفاً لإضافته إلى المضيف، وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان
стр. 4319
(إذ دخلوا) أي أذكر لهم وقت دخولهم (عليه فقالوا سلاماً) أي هذا اللفظ قالوه تحية لإبراهيم.
وفي الشهاب يجوز أن يكون سلاماً منصوباً بفعل مقدر أي سلمنا أو نسلم سلاماً، ويجوز نصبه بقالوا، ولم تذكر هنا تحية إبراهيم لهم، وقد ذكرت في سورة هود فالقصة هنا مختصرة.
(قال إنا منكم وجلون) أي خائفون فزعون، وإنما قال هذا بعد أن قرب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه كما تقدم في سورة هود، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة. وقيل أنكر السلام منهم لأنه لم يكن في بلادهم، وقيل أنكر دخولهم عليه بغير استئذان.
(قالوا) أي الملائكة (لا توجل) أي لا تخف، قاله عكرمة، وقرئ
لا تأجل وتوجل من أوجله أي أخافه (إنا نبشرك بغلام عليم) مستأنفة لتعليل النهي عن الوجل لأن المبشر لا يخاف منه، والعليم كثير العلم، وقيل هو الحليم كما وقع في موضع آخر من القرآن. وهذا الغلام هو إسحاق كما تقدم في هود، ولم يسمه هنا ولا ذكر التبشير بيعقوب اكتفاء بما سلف.
стр. 4322
(قال أبشرتموني) قرئ بألف الاستفهام وبغيرها (على أن مسني الكبر) أي مع حالة الكبر والهرم (فبم تبشرون) استفهام إنكار أو تعجب كأنه عجب من حصول الولد له مع ما قد صار إليه من الهرم الذي جرت العادة بأنه لا يولد لمن بلغ إليه، والمعنى فبأى شيء تبشرون، فإن البشارة بما لا يكون عادة لا تصح
стр. 4323
(قالوا بشرناك بالحق) أي بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لبس فيه ولا خلف فيه فإن ذلك وعد الله وهو لا يخلف الميعاد ولا يستحيل عليه شيء، فإنه القادر على كل شيء.
(فلا تكن من القانطين) أي الآيسين من ذلك الذي بشرناك به فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين فكيف من شيخ فإن وعجوز عاقر، وكان تعجب إبراهيم باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:
стр. 4324
(قال ومن يقنط من رحمة ربه) قرئ بفتح النون من يقنط وبكسرها
стр. 4325
وهما لغتان سبعيتان، وحكى فيه ضم النون شاذاً، والقنوط اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قانط وقنوط.
(إلا الضالون) أي المكذبون أو المخطئون الذاهبون عن طريق الصواب والمعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته، كما قال الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، أي إني إنما استبعدت الولد لكبر سني لا لقنوطي من رحمة ربي.
ثم سألهم عما لأجله أرسلهم الله سبحانه
стр. 4326
(قال فما خطبكم أيها المرسلون) الخطب الأمر الخطير والشأن العظيم، أي فما أمركم وشأنكم وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، وكان قد فهم أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا لأنهم كانوا عدداً والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم ﵉، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لازالة الوجل، ولو كانت البشارة تمام المقصود لابتدأوه بها.
стр. 4327
(قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي إلى قوم لهم إجرام، فيدخل تحت ذلك الشرك وما هو دونه، وهؤلاء القوم هم قوم لوط ﵇، ثم استثنوا منهم من ليسوا بمجرمين فقالوا:
стр. 4328
(إلا آل لوط) وهو استثناء متصل لأنه من الضمير المستكن في مجرمين بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا، ولو كان من قوم لكان منقطعاً لكونهم قد وصفوا بكونهم مجرمين، وليس آل لوط مجرمين البتة، ويجب فيه على هذا النصب.
ثم ذكروا ما سيختص به آل لوط من الكرامة لعدم دخولهم مع القوم في إجرامهم فقالوا (إنا لمنجوهم) أي آل لوط (أجمعين) وهم أتباعه وأهل بيته ودينه لايمانهم، قرئ من التنجية والإنجاء ومعناهما التخليص مما وقع فيه غيرهم وهذا الكلام استئناف إخبار بنجاتهم بكونهم لم يجرموا ويكون الإرسال
стр. 4329
حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وإنجاء هؤلاء على تقدير الاتصال، وعلى أنه منقطع، جرى هذا الكلام مجرى خبر، لكن في اتصاله بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط ننجيهم.
стр. 4330
(إلا امرأته) فليست ممن ننجيه بل ممن نهلكه لكفرها، وهذا الاستثناء من الضمير في لمنجوهم إخراجاً لها من التنجية، وقيل من آل لوط باعتبار ما حكم لهم به من التنجية، والمعنى أنها من الهالكين لأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، ومنعه الزمخشري وقال: كيف يكون استثناء من استثناء، وقد اختلف الحكمان.
(قدرنا أنها لمن الغابرين) أي قضينا وحكمنا أنها من الباقين في العذاب مع الكفرة، والغابر الباقي والماضي، وهو من الاضداد وبابه دخل.
قال الزجاج: معنى قدرنا دبرنا وهو قريب من معنى قضينا، وأصل التقدير جعل الشيء على مقدار الكفاية، وقرئ قدرنا بالتخفيف وبالتشديد.
قال الهروي: هما بمعنى وقيل ضمن قدرنا معنى العلم فلذلك علق باللام مع كون التعليق من خصائص أفعال القلوب فكسرت إن.
وقيل هذا لا يصلح علة لكسرها إنما يصلح علة لتعليقها الفعل قبلها فقط، والعلة في كسرها وجود اللام ولولاها لفتحت، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة مع كونه من فعل الله سبحانه مجازاً لما لهم من القرب عند الله، أو أنهم رسل الله وواسطة بينه وبين خلقه.
стр. 4331
(فلما جاء آل لوط المرسلون) مستأنفة لبيان إهلاك من يستحق الهلاك وتنجية من يستحق النجاة، وفي الكلام حذف، أي فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط، وكان بينهما أربعة فراسخ، ولفظة آل زائدة بدليل ولقد جاءت رسلنا لوطاً.
(قال) لوط مخاطباً لهم (إنكم قوم منكرون) لا أعرفكم بل أنكركم وأخاف أن تصيبوني بمكروه ولا أعرف غرضكم ولا من أي القبائل أنتم.
стр. 4334
(قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) أي بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره، كأنهم قالوا ما جئناك بما خطر ببالك من المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم يكذبونك فيه قبل مجيئه.
стр. 4335
(وأتيناك) متلبسين (بالحق) أي باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد أو متلبساً أنت به لإبصارك له، وهو العذاب النازل بهم لا محالة (وإنا لصادقون) في ذلك الخبر الذي أخبرناك.
وقد تقدم تفسير قوله
стр. 4336
(فأسر بأهلك بقطع من الليل) في سورة هود أي سر في جزء من الليل بهم، وهم بنتاه، فلم يخرج من قريته إلا هو وبنتاه، وفي القرطبي في سورة هود: فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم (واتبع أدبارهم) أي كن من ورائهم وامش خلفهم تذودهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب، أو لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون.
(ولا يلتفت منكم أحد) أي أنت ولا أحد منهم فيرى ما نزل بهم من
стр. 4337
العذاب فيشتغل بالنظر في ذلك ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار الظالمين وقيل معنى لا يلتفت لا يتخلف (وأمضوا حيث تؤمرون) أي إلى الجهة التي أمركم الله سبحانه بالمضي إليها وهي جهة الشام وقيل مصر، وقيل قرية من قرى لوط، وقيل أرض الخليل ﵊ وقيل الأردن، وزعم بعضهم إن حيث هنا ظرف زمان مستدلاً بقوله (بقطع من الليل) ثم قال (وامضوا حيث تؤمرون) أي في ذلك الزمان، وهو ضعيف، ولو كان كما قال لكان التركيب وامضوا حيث أمرتم، على أنه لو جاء التركيب هكذا لم يكن فيه دلالة
стр. 4338
(وقضينا إليه) أي أوحينا إلى لوط ﵇ (ذلك الأمر) هو إهلاك قومه ثم فسره بقوله:
(أن دابر هؤلاء مقطوع) الدابر هو الآخر، أي أن آخر من يبقى منهم يهلك (مصبحين) أي حال كونهم داخلين في وقت الصبح، ومثله (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) وقدره الفراء وأبو عبيدة إذا كانوا مصبحين، قال الكرخي: فإن كان تفسير معنى فصحيح، وأما الإعراب فلا ضرورة تدعو إليه، قال ابن عباس: يعني استئصال هلاكهم.
ثم ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول الملائكة إلى قريتهم فقال
стр. 4339
(وجاء أهل المدينة) أي أهل مدينة قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة فذال معجمة على وزن فعول، وأخطأ من قال بمهملة مدينة من مدائن قوم لوط كما سبق وتقدم أن هذا المجيء قبل قول الملائكة (فأسر بأهلك) فما في سورة هود على الترتيب الواقعي، وما هنا على خلافه، والواو لا تفيد ترتيباً.
قال الكرخي: ذكر القصة في هود بترتيب الوقوع، وهنا أخر ذكر مجيئهم عن قول الرسل، بل جئناك مع تقدمه ليستقل الأول ببيان كيفية نصرة الصابرين، والثاني بتساوي الأمم (يستبشرون) أي مستبشرين بأضياف لوط طمعاً في ارتكاب الفاحشة منهم، والاستبشار إظهار الفرح والسرور.
стр. 4340
(قال) لهم لوط (إن هؤلاء ضيفي) وحد الضيف لأنه مصدر كما تقدم، والمراد أضيافي، وسماهم ضيفاً لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مرداً حسان الوجوه في غاية الحسن ونهاية الجمال، فلذلك طمعوا فيهم (فلا تفضحون) يقال فضحه يفضحه فضيحة وفضحاً إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بإظهاره.
وفي المختار فضحه فافتضح، أي كشف مساويه وبابه قطع، والاسم الفضيحة والفضوح أيضًا بضمتين، والمعنى لا تفضحوني عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فيعلمون إني عاجز عن حماية من نزل بي، أو لا تفضحوني بفضيحة ضيفي، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل مايفضح المضيف.
стр. 4341
(واتقوا الله) في أمرهم من ركوب الفاحشة (ولا تخزون) يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان، أي لا تذلوني، ويجوز أن يكون من الخزاية وهي الحياء والخجل، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة هود.
стр. 4342
(قالوا) أي قوم لوط مجيبين له (أوَ لم ننهك عن العالمين) الاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر، أي ألم نتقدم إليك وننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، وقيل نهوه عن ضيافة غرباء الناس قال قتادة: يقولون أو لم ننهك إن تضيف أحداً أو تؤويه في قريتنا، ويجوز حمل مما في الآية على مما هو أعم من ذلك.
стр. 4343
(قال هؤلاء بناتي) فتزوجوهن حلالاً إن أسلمتم ولا تركبوا الحرام، وقيل أراد ببناته نساء قومه لكون النبي بمنزلة الأب لقومه أو إنه كان في شريعته يحل تزوج الكافر بالمسلمة، والأول أولى وقد تقدم تفسير هذا في هود (إن كنتم فاعلين) ما عزمتم عليه من فعل الفاحشة بضيفي أو ما أمركم به.
(لعمرك) العمر والعمر بالفتح والضم واحد لكنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فإنه كثير الدور على ألسنتهم؛ ذكر ذلك الزجاج وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح وعيشه والبقاء مدة حياته في الدنيا، والمعنى لعمرك قسمي أو يميني فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه.
قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله ﷻ بمدة حياة محمد ﷺ . وكذا حكى إجماع المفسرين على هذا المعنى أبو بكر بن العربي فقال: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى هاهنا بحياة محمد ﷺ تشريفاً له، قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله سبحانه بحياة أحد غير محمد ﷺ لأنه أكرم البرية عنده.
وعن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره قال (لعمرك) الآية يقول وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا وعيشك بها.
وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ قال (لعمرك) الآية " أخرجه ابن مردويه، كذا في الدر المنثور للسيوطي.