← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

(هو الذي أنزل من) جهة (السماء) وهي السحاب (ماءً) أي نوعاً من أنواع الماء وهو المطر (لكم منه شراب) هو اسم لما يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى أن الماء النازل من السماء قسمان، قسم يشربه الناس ومن جملته ماء الآبار والعيون فإنه من المطر لقوله فسلكه ينابيع في الأرض (و) قسم يحصل (منه شجر) ترعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما نبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد من الشجر في الآية الكلأ، وقيل الشجر كل ما له ساق لقوله تعالى (والنجم والشجر يسجدان) والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز. (فيه تسيمون) أي في الشجر ترعون مواشيكم، يقال سامت السائمة تسوم سوماً رعت فهي سائمة، واسمتها أي أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم الإبعاد في المرعى، قال الزجاج: أخذ من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها. وهذه الآية مبنية على مكارم الأخلاق، وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بنفسه. وأما الآية الأخرى (كلوا وارعَوا أنعامكم) فمبنية على قوله ﷺ " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "

стр. 4412

(ينبت) الله (لكم به) أي بذلك الماء الذي أنزله من السماء؛ وهذا استئناف أخبار عن منافع الماء وقدم (الزرع) لأنه أصل الأغذية التي يعيش بها الناس، وهو الحب الذي يقتات به كالحنطة والشعير وما أشبههما.

стр. 4413

(و) ذكر (الزيتون) بعد الزرع لكونه فاكهة من وجه وإداماً من وجه لكثرة ما فيه من الدهن والبركة وهو جمع زيتونة ويقال للشجرة نفسها زيتونة (١) (و) ذكر (النخيل) لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف الفواكه (و) جمع (الأعناب) لاشتمالها على الأصناف المختلفة، وهي شبه النخلة في المنفعة من التفكه والتغذية. ثم أشار إلى سائر الثمرات إجمالاً فقال (ومن كل الثمرات) كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله ويخلق ما لا تعلمون ومن تبعيضية إذ كلها إنما يوجد في الجنة وما أنبتت الأرض بعض من كلها للتذكرة. (إن في ذلك) الإنزال والإنبات (لآية) عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرد بالربوبية (لقوم يتفكرون) في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته، وقد ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات خمس بالإفراد واثنتان بالجمع قال الكرماني: ما جاء الإفراد فلوحدة المدلول وهو الله تعالى، وما جاء منها بلفظ الجمع فلمناسبة مسخرات انتهى. وختم هذه الفاصلة بالتفكر لأن النظر في ذلك يعني إنبات النبات بالماء يحتاج إلى مزيد تأمل واستعمال فكر، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان مع رطوبة الأرض فإنها تنتفخ وينشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع. ومن تفكر في ذلك علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلاً عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ذكره الخازن وأبو السعود.

стр. 4414

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)

стр. 4415

(وسخر لكم الليل والنهار) معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم يتعاقبان دائما كالعبد الطائع لسيده لا يخالف ما يأمر به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه (و) كذا الكلام في تسخيره (الشمس والقمر و) قوله: (النجوم) قرأ حفص عن عاصم برفعه على أنه مبتدأ وخبره (مسخرات) أي مذللات مقهورات (بأمره) تعالى تجري على نمط متحد يستدل بها العباد على مقادير الأوقات ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان ولا تصرف لها في نفسها فضلاً عن غيرها، وفيه رد على الفلاسفة والمنجمين لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم هي الفعالة المتصرفة في العالم السفلي فأخبر سبحانه أنها مذللات تحت قهره وإرادته. (إن في ذلك) التسخير وما بعده (لآيات لقوم يعقلون) أي يعملون عقولهم في هذه الآيات الدالة على وجود الصانع وتفرده وعدم وجود شريك له وختم الفاصلة الثانية بالعقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، وجمع الآيات ليطابق قوله مسخرات، وقيل أن

стр. 4416

وجه الجمع هو إن كُلاًّ من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها بخلاف ما تقدم من الإنبات فإنه آية واحدة، ولا يخلو كل هذا عن تكلف والأولى أن يقال أن هذه المواضع التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار وللإفراد باعتبار فلم يجرها على طريقة واحدة افتناناً وتنبيهاً على جواز الأمرين وحسن كل واحد منهما.

стр. 4417

(وما ذرأ) أي خلق (لكم في الأرض) يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرأً فهو ذارئ ومنه الذرية، وهي نسل الثقلين، وقد تقدم تحقيق هذا أي وسخر لكم ما ذرأ في الأرض من الدواب والأنعام والأشجار والثمار فالمعنى أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية (مختلفاً ألوانه) أي هيئاته ومناظره فإن ذرء هذه الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرده، قال قتادة: مختلفاً في الدواب والشجر والثمار نعم من الله متظاهرة فاشكروها لله. (إن في ذلك) التسخير لهذه الأمور مع اختلاف طبائعها وأشكالها مع اتحاد موادها (لآية) واضحة (لقوم يذكرون) فإن من تذكر اعتبر ومن اعتبر استدل على المطلوب، قيل وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة، وخص الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالواحدانية فلا عقل له، وخص الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له، وفي هذا من التكلف ما لا يخفى. والأولى أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدم في أفراد الآية في البعض وجمعها في البعض الآخر، وبيانه أن كُلاًّ من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر ولذكر التعقل ولذكر التذكر لاعتبارات ظاهرة غير خفية فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن لا يوجد في التعبير بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة.

стр. 4418

(وهو الذي سخر البحر) امتن الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان

стр. 4419

الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيد وجواهر لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه من الدلالة على وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه لعباده في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية والبحرية فأرشدهم إلى النظر، والاستدلال بالآيات المتنوعة المختلفة الأمكنة إتماماً للحجة وتكميلاً للإنذار وتوضيحاً لمنازع الاستدلال ومناطات البرهان، ومواضع النظر والاعتبار. ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال (لتأكلوا منه لحماً طرياً) المراد به السمك ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة، قال قتادة: يعني حيتان البحر، وقال السدي: وما فيه من الدواب وبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم المقصود وبه قوام البدن. وتسميته لحماً هو مذهب المالكية بخلاف الشافعية والحنفية وعلى هذا فلو حلف لا يأكل لحماً لا يحنث بأكل السمك ولإظهار قدرته في خلقه عذباً طرياً في ماء ملح؛ والطراوة ضد اليبوسة أي غضا جدداً؛ ويقال طريت كذا أي جددته وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه ويقال بالغت في مدحه وجاوزته. (وتستخرجوا منه) أي من البحر وهو الملح فقط (حلية) أي لؤلؤاً ومرجاناً كما في قوله سبحانه (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) والحلية اسم لما يتحلى به واصلها الدلالة على الهيئة كالعمة وفي المصباح حلى الشيء بعيني وبصدري من باب تعب حلا وحسن عندي وأعجبني، وحليت المرأة حلياً ساكن اللام لبست الحلي وجمعه حلي، والأصل على فعول مثل فلس وفلوس والحلية بالكسر الصفة والجمع حلى مقصور وتضم الحاء وتكسر وحلية السيف زينته. قال ابن فارس: ولا تجمع وتحلت المرأة لبست الحلي أو اتخذته وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي أو اتخذته لها لتلبسه وحليت السويق جعلت فيه شيئاً حلواً حتى حلا.

стр. 4420

وظاهر قوله (تلبسونها) أنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان أي يجعلونهما حلية لهم كما يجوز للنساء ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله تلبسونها بقولهم تلبسها نساؤهم لأنهن من جملتهم أو لكونهن يلبسنها لأجلهم. وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة فإن ذلك ممنوع قد ورد الشرع بمنعه من جهة كونه تشبهاً بهن لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان؛ وعن أبي جعفر قال: ليس في الحلي زكاة ثم قرأ هذه الآية أخرجه أبي شيبة. أقول وفي هذا الاستدلال نظر والذي ينبغي التعويل عليه إن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدل على وجوب الزكاة فيها. (وترى الفلك مواخر فيه) أي ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدورها، قال عكرمة ومخر السفينة شقها الماء بصدرها، قال الجوهري: مخر السابح إذا شق الماء بصدره ومخر الأرض شقها للزراعة، وقيل مواخر جواري قاله ابن عباس وأصل المخر الجري. في المختار مخرت السفينة من باب قطع ودخل إذا جرت تشق الماء مع صوت وقيل معترضة، وقيل تذهب وتجيء، قال الضحاك: السفينتان تجريان بريح واحدة مقبلة ومدبرة وقيل مواقر أي مملوءة متاعاً وقال أبو عبيدة: صوائح وقيل ملججة (١) قال ابن جرير: الماخر في اللغة صوت هبوب الريح عند شدتها ولم يقيد بكونه في الماء. (ولتبتغوا من فضله) أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا أو فعل ذلك لتبتغوا

стр. 4421

أي لتتجروا فيه فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه، قال السدي: هي التجارة (ولعلكم تشكرون) أي إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم اعترفتم بنعمته عليكم فشكرتم ذلك باللسان والأركان، قيل ولعل وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير مزاولة أسباب السفر بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالك. ويمكن أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من كونه فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له. ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد المفيدة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى وآية كبرى فقال

стр. 4422

(وألقى في الأرض رواسي) أي جبالاً ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت وأقام (أن تميد بكم) أي كراهة أن تميد بكم على ما قاله البصريون أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون والميد الاضطراب يميناً وشمالاً يقال ماد الشيء يميد ميداً تحرك ومادت الأغصان تمايلت وماد الرجل تبختر قال قتادة: حتى لا تميد بكم كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقر فأصبحوا صبحاً وقد جعل الله سبحانه الجبال وهي الرواسي أوتاداً في الأرض. (و) جعل فيها (أنهاراً) لأن الإلقاء هنا بمعنى الجعل والخلق كقوله (وألقيت عليك محبة مني) وذكر الأنهار عقب الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال قال السيوطي كالنيل ولم يذكر في المثال غير هذا لأنه من أهل مصر. (و) جعل فيها (سبلاً) وأظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان وهي الطرق، وقال السدي: هي الطرق في الجبال (لعلكم تهتدون) بتلك السبل إلى ما تريدون فلا تضلون أو إلى توحيد ربكم.

стр. 4423

وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)

стр. 4424

(و) جعل فيها (علامات) هي معالم الطرق جمع علامة وفي المصباح أعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة وأعلمت الثوب جعلت له علماً من طراز وغيره وهو العلامة وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرف بها، والمعنى أنه سبحانه جعل للطرق علامات يهتدون بها. (وبالنجم) المراد به الجنس (هم يهتدون) به في سفرهم ليلاً؛ وقرأ ابن وثاب وبالنجم بضمتين والمراد النجوم فقصره أو هو جمع نجم كسقف وسقف وقيل المراد بالنجم هنا الجدي والفرقدان، قاله الفراء. وقيل الثريا وبنات نعش وقيل العلامات الجبال، وقيل هي النجوم لأن من النجوم ما يهتدى به ومنها علامة لا يهتدى بها. وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار، وقيل هو الاهتداء إلى القبلة، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك. قال الأخفش: تم الكلام عند قوله (وعلامات) وقوله (وبالنجم) الخ كلام منفصل عن الأول. قال السدي: علامات النهار الجبال وعلامات الليل النجوم. وقال ابن عباس: معالم الطرق بالنهار الجبال ويهتدون بالنجم بالليل، قال قتادة: إنما

стр. 4425

خلق الله النجوم لثلاثة أشياء. لتكون زينة للسماء ومعالم الطرق ورجوماً للشياطين، فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم له به. ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال

стр. 4426

(أفمن يخلق) هذه المخلوقات العجيبة العظيمة والمصنوعات الغريبة الجليلة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة المرئية بالعيان (كمن لا يخلق) شيئاً منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها، وهي هذه الأصنام التي يعبدونها ويجعلونها شركاء لله سبحانه. وأطلق عليها لفظ (من) إجراء لها مجرى أولي العلم جرياً على زعمهم بأنها آلهة أو مشاكلة لقوله (أفمن يخلق) لوقوعها في صحبته أو هو من عكس التشبيه. وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى، وما أحقهم بذلك فإنهم جعلوا بعض المخلوقات شريكاً لخالقه، تعالى الله عما يشركون. (أفلا تذكرون) مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرده بالربوبية وبديع صنعته فتستدلون بها على ذلك، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرد التذكر لها لا يحتاج إلى دقيق الفكر والنظر، قال قتادة في الآية: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تملك لأهلها ضراً ولا نفعاً. ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال

стр. 4427

(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ولو اجتهدتم في ذلك وأتعبتم نفوسكم لا تقدرون عليه فضلاً عن أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر وهذا تذكير إجمالي بنعمه تعالى، وقد مر تفسير هذا في سورة إبراهيم. قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل

стр. 4428

وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدبر بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها أو يتمكن من شكر أدناها. يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظم نعمك معترفة بالعجز عن تأدية الشكر لشيء منها لا تحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير بالشكر لك، فتجاوز عنا واغفر لنا واسبل ذيول سترك على عوراتنا فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك فكيف بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك، وما أحسن ما قال من قال: العفو يرجى من بني آدم ... فكيف لا يرجى من الرب وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيراً إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال (إن الله لغفور رحيم) أي كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه والقصور عن إحصائها والعجز عن القيام بأدناها. ومن رحمته إدامتها عليكم وإدرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تتحركون بها اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك وسيشكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان، فلقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك من إنسان وحيوان وإن رأيت منها شيئاً على بعض خلقك لم أر عليه بقيتها فإني أطيق شكرك وكيف أستطيع تأدية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها، فكيف أستطيع شكر نوع من أنواعها. ثم بين لعباده أنه عالم بجميع ما يصدر منهم لا يخفى عليه خافية فقال

стр. 4429

(والله يعلم ما تسرون) أي ما تضمرونه من العقائد والأعمال (وما تعلنون)

стр. 4430

أي وما تظهرونه منها، وحذف العائد لمراعاة الفواصل، أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ وتنبيه على أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية لا كالأصنام التي تعبدونها فإنها جمادات لا شعور لها بشيء من الظواهر فضلاً عن الضمائر والسرائر فكيف تعبدونها، وقراءة التحتية شاذة فيهما كما نبه عليه السمين. ثم شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله كمن لا يخلق عاجزة عن أن يصدر منها خلق شيء فلا تستحق عبادة فقال

стр. 4431

(والذين يدعون) بالياء والتاء سبعيتان، أي الآلهة الذين يدعوهم الكفار (من دون الله) سبحانه صفتهم هذه الصفات الثلاثة المذكورة المنافية للألوهية، وهي أنهم (لا يخلقون شيئاً) من المخلوقات أصلاً لا كبيراً ولا صغيراً ولا جليلاً ولا حقيراً. (وهم يُخلقون) أي وصفهم أنهم يخلقون فكيف يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره؛ ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه أثبت لهم صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال بخلاف قوله (أفمن يخلق كمن لا يخلق) فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال. ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهمٍ فقال

стр. 4432

(أموات) يعني أن هذه الأصنام أجسادها جمادات ميتة لا حياة بها أصلاً، فزيادة قوله (غير أحياء) لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها بل لا حياة لهذه أصلاً فكيف يعبدونها وهم أفضل منها لأنهم أحياء (وما يشعرون) أي الآلهة (أيان يبعثون) أي الكفار الذين يعبدون الأصنام؛ والمعنى ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم لهم لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلاً عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله سبحانه.

стр. 4433

وقيل معناه ما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث ومتى يبعثها الله، وبه بدأ القاضي تبعاً للكشاف، ويؤيد ذلك ما روي أن الله يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحاً معها شياطينها فيؤمر بكلها إلى النار، ويدل على هذا قوله (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم). وقيل قد تم الكلام عند قوله (وهم يخلقون) ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، فيكون الضميران على هذا للكفار وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جرياً على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل، وأيان بفتح الهمزة وكسرها لغتان. وفي الآية قول آخر وهو أن أيان ظرف لقوله

стр. 4434

(إلهكم إله واحد) يعني أن الإله يوم القيامة واحد ولم يدع أحد تعدد الآلهة في ذلك اليوم بخلاف أيام الدنيا فإنه قد وجد فيها من ادعى ذلك، وعلى هذا فقد تم الكلام على قوله يشعرون، إلا أن هذا القول مخرج لأيان عن موضوعها، وهو إما الشرط وإما الاستفهام إلى محض الظرفية بمعنى وقت مضاف للجملة بعده، والظاهر تفسيره بمتى يبعثون كما في الكشاف وغيره. ولما زيف سبحانه طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر وهو وحدانيته سبحانه وهو نتيجة ما قبله، ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) جاحدة للوحدانية لا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير (وهم مستكبرون) عن قبول الحق متعظمون عن الإذعان للصواب مستمرون على الجحد.

стр. 4435

لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)

стр. 4436

(لا جرم) قال الخليل: هي كلمة تحقيق ولا يكون إلا جواباً أي حقاً، قلت لا نافية وجرم بمعنى بد، وهذا بحسب الأصل، وأما الآن فقد ركبت لا مع جرم تركيب خمسة عشر وجعلا بمعنى كلمة واحدة، وتلك الكلمة مصدر أو فعل معناه حق وثبت. وقوله (إن الله) فاعل لا جرم وقد مر تحقيق الكلام في لا جرم بأبسط من هذا قال أبو مالك لا جرم، يعني الحق، وقال الضحاك لا كذب (يعلم ما يسرون) من أقوالهم وأفعالهم (وما يعلنون) من ذلك (إنه لا يحب المستكبرين) أي لا يحب هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد الله والاستجابة لأنبيائه، والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدم. أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، فقال رجل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؛ فقال: " إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر من بطر الحق وغمطُ الناس " (١).

стр. 4437

وفي ذم الكبر ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن المنعل ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة، فقد روي عن الحسين بن علي أنه مرّ بمساكين قد قدموا كسراً لهم وهم يأكلون فقالوا الغذاء يا أبا عبد الله فنزل وجلس معهم وقال إنه لا يحب المستكبرين ثم أكل فلما فرغوا قال: قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم فانصرفوا. قال العلماء؛ كل ذنب يمكن ستره وإخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان وهو أصل العصيان كله، وفي الحديث الصحيح " أن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة تطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم " (١) أو كما قال ﷺ " تصغر لهم أجسامهم في المحشر حين يضرهم تصغيرها وتعظم لهم في النار حين يضرهم عظمها " ذكره القرطبي. والحاصل أن النبي ﷺ قد بينَّ ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس، فهذا هو الكبر المذموم، وقد ساق صاحب الدر المنثور عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز. ثم شرع في ذكر شيء من قبائح المشركين فقال

стр. 4438

(وإذا قيل لهم) أي وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل (ماذا) أي أيّ شيء أو ما الذي (أنزل ربكم) قيل القائل النضر بن الحرث وكانت عنده كتب التواريخ ويزعم أن حديثه أجمل وأتم مما أنزل على محمد ﷺ ، والآية نزلت فيه فيكون هذا القول منه على طريق التهكم. وقيل القائل هو من يفد عليهم أو بعضهم لبعض، وقيل القائل

стр. 4439

المسلمون. فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون (قالوا أساطير الأولين) بالرفع أي ما تدعون أيها المسلمون أساطير الأوائل وأحاديثهم وأباطيلهم، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا المنزل عليكم أساطيرهم، وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جواباً من المشركين وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأولين والكفار لا يقرون بالإنزال، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه. وقيل هو كلام مستأنف أي ليس ما تدعون إنزاله أيها المسلمون منزلاً بل هو أساطير الأولين، والأساطير الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى وليس من كلام الله في شيء ولا مما أنزله أصلاً في زعمهم، وهي جمع أسطورة كأحاديث وأضاحيك وأعاجيب جمع أحدوثة وأضحوكة وأعجوبة.

стр. 4440

(ليحملوا) أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا (أوزارهم كاملة يوم القيامة) لم يكفر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب، وقيل أن اللام هي لام العاقبة لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل أن يحملوا الأوزار ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعلل به كقوله ليكون لهم عدواً وحزناً، وقيل هي لام الأمر. قال الرازي في الآية: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة. (ومن أوزار الذين يضلونهم) أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم لأن " من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها " (١) كما ورد في

стр. 4441

الحديث وقيل من للجنس لا للتبعيض أي يحملون كل أوزار الذين يضلونهم قاله الواحدي. (بغير علم) حال من الفاعل والمعنى أن الرؤساء يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام، وقيل إنه حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال قاله الزمخشري وعليه جرى القاضي وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين الحق والباطل ولا يقنعوا بالتقليد البحت العمى. ورجح الأول بأنه من المحدث عنه والمسند إليه الإضلال على جهة الفاعلية والمعنى أنهم يقدمون على الإضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلته ومثل هذه الآية قوله (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) وقوله (ولنحمل خطاياكم). وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فمعناه وزراً لا مدخل لها فيه ولا تعلق له بها بتسبب ولا غيره، قال ابن عباس: يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم، وعن مجاهد نحوه وزاد لا يخفف ذلك عمن أطاعكم من العذاب شيئاً. (ألا ساء ما يزرون) أي بئس شيئاً يزرونه ويحملونه، وفي ذلك وعيد وتهديد لهم، ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدمين فقال:

стр. 4442

(قد مكر الذين من قبلهم) ذهب أكثر المفسرين إلى إن المراد به نمروذ ابن كنعان حيث بنى بناء عظيماً ببابل طوله في السماء خمسة آلاف ذراع؛ وقيل فرسخان ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخرَّ ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا، وكان أعظم أهل الأرض تجبراً في زمن إبراهيم

стр. 4443

عليه السلام ونمروذ بضم النون والذال المعجمة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين الماكرين الذين يحاولون إلحاق الضر بالمحقين المؤمنين، ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق، وفي هذا وعيد للكفار المعاصرين له ﷺ بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم. (فأتى الله) أي أتى أمر الله وهو الريح التي أخربت (بنيانهم) قال المفسرون أرسل الله ريحاً فألقت رأس الصرح في البحر وخر عليهم الباقي بالزلزلة من أسفله فأهلكهم وهم تحته (من القواعد). قال الزجاج: أي من الأساطين، وقيل من أصوله وأساسه بكسر الهمزة جمع أس وأما بالفتح فجمعه أسس بضمتين قيل لما سقط تبلبلت ألسن الناس بالفزع فتكلموا يومئذ بثلاث وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل. وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية هكذا ذكره البغوي وفي هذا نظر لأن صالحاً كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عرباً منهم جرهم الذي نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية وكان قبائل من العرب قديمة قبل إبراهيم كل هؤلاء عرب، والمعنى أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها. (فخرَّ عليهم السقف) بفتح السين وضمها مع سكون القاف وبضمها وضم القاف أي أنه سقط عليهم السقف لأنه بعد سقوط قواعد البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها قال ابن الأعرابي وإنما قال (من فوقهم) ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان

стр. 4444

يملكه وإن لم يكن وقع عليه فجاء بقوله (من فوقهم) ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال من فوقهم أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما افلتوا وقيل هو للتأكيد لأن السقف لا يخر إلا من فوق، وقيل أن المراد بالسقف السماء أي أتاهم العذاب من السماء التي فوقهم. وقد اختلف في هؤلاء الذين خرَّ عليهم السقف فقيل هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح، قاله ابن عباس، وعن مجاهد نحوه، وقيل أنه بختنصر وأصحابه، وقيل هم المقتسمون الذين تقدم ذكرهم في سورة الحجر. وقيل المعنى على العموم يعني أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها على أنبياء الله وأهل الحق من عباده أهلكهم الله وجعل هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنياناً وثيقاً شديداً ودعموه بالأساطين فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم، فهو مثل ضربه لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره ومنه المثل السائر على ألسنة الناس من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه، وهذا ما اختاره القاضي كالكشاف، والأول أولى، ومع ذلك العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال قتادة: أتاها أمر الله من أصلها فخرَّ عليهم السقف من فوقهم والسقف أعالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم. (وأتاهم العذاب) أي الهلاك (من حيث لا يشعرون) به بل من حيث أنهم في أمان لا يخطر العذاب ببالهم.

стр. 4445

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) ثم بينَ سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا فقال

стр. 4446

(ثم يوم القيامة يخزيهم) أي الكفار بإدخالهم النار ويفضحهم بذلك ويذلهم ويهينهم عطف على مقدر، أي هذا عذابهم في الدنيا ثم يوم القيامة يخزيهم (ويقول) الله لهم مع ذلك توبيخاً وتقريعاً (أين شركائي) كما تزعمون وتدعون. ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله (الذين كنتم تشاقون) قرأ نافع بكسر النون على الإضافة والباقون بفتحها أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين (فيهم) والمعنى على قراءة الكسر تخاصمونني وتعادونني وتخالفونني، وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة والمشاقة عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه والمعنى ما لهم لا يحضرون معكم ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم. (قال الذين أوتوا العلم) وهم في الموقف قيل هم العلماء قالوا لأممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إلى وعظهم وكان هذا القول منهم على طريق الشماتة وقيل هم الأنبياء، وقيل الملائكة والظاهر الأول لأن ذكرهم بوصف العلم يفيد وصف يذكرون به هو أشرف من هذا الوصف وهو كونهم أنبياء أو كونهم ملائكة ولا يقدح في هذا جواز الإطلاق لأن المراد الاستدلال على الظهور فقط.

стр. 4447

(إن الخزي اليوم) أي الذل والهوان والفضيحة يوم القيامة (والسوء) أي العذاب (على الكافرين) مختص بهم يقولونه شماتة بهم.

стр. 4448

(الذين تتوفاهم) بالتاء والياء وهما سبعيتان لكنه مع الياء يقرأ بالإمالة في الموضعين والتذكير على أن الملائكة ذكور والتأنيث لأن لفظ الجمع مؤنث (الملائكة) وهم ملك الموت عزرائيل وأعوانه (ظالمي أنفسهم) بالكفر وقد تقدم تفسيره. (فألقوا السلم) أي أقروا بالربوبية وانقادوا عند الموت ومعناه الاستسلام قاله قطرب، وقيل معناه المسالمة أي سالموا وتركوا المشاقة قاله الأخفش، وقيل معناه الإسلام أي أقروا بالإسلام وتركوا ما كانوا فيه من الكفر (ما كنا نعمل من سوء) تفسير للسَّلم على أن يكون المراد بالسلم الكلام الدال عليه. ويجوز أن يكون المراد بالسوء هنا الشرك ويكون هذا القول منهم على وجه الجحود والكذب أو من شدة الخوف ومن لم يجوّز الكذب على أهل القيامة حمله على أنهم أرادوا أنهم لم يعملوا سوءاً في اعتقادهم وعلى حسب ظنونهم، ومثله قوله (والله ربنا ما كنا مشركين). فلما قالوا هذا أجاب عليهم أهل العلم بقولهم (بلى) كنتم تعملون السوء (إن الله عليم بما) أي بالذي (كنتم تعملون) فيجازيكم عليه ولا ينفعكم هذا الكذب شيئاً. وقال عكرمة عنى بذلك ما حصل من الكفار يوم بدر.

стр. 4449

(فادخلوا أبواب جهنم) يقال لهم ذلك عند الموت وقد تقدم ذكر الأبواب وإن جهنم درجات بعضها فوق بعض، أي ليدخل كل صنف إلى الطبقة التي هو موعود بها، وإنما قيل لهم ذلك لأنه أعظم في الخزي والغم، وفيه دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذاباً من بعض. (خالدين فيها) حال مقدرة لأن خلودهم مستقبل (فلبئس مثوى

стр. 4450

المتكبرين) هي فالمخصوص بالذم محذوف، والمراد بتكبرهم هنا هو تكبرهم عن الإيمان والعبادة كما في قوله: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ثم اتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء فقال
следующие страницы →