(وكم أهلكنا من القرون) أي كثيراً ما أهلكنا منهم فكم مفعول أهلكنا أي أن من قوم كفروا (من بعد نوح) كعاد وثمود وغيرهم من الأمم الخالية فحل بهم البوار ونزل بهم سوط العذاب وفيه تخويف لكفار مكة، وإنما قال ذلك لأنه أول من كذبه قومه ومن ثم لم يقل من بعد آدم، ومن الثانية لإبتداء الغاية والأولى للبيان فلذلك اتحد متعلقهما.
وقال الحوفي الثانية بدل من الأولى وليس كذلك لاختلاف معنييهما، ثم خاطب رسوله ﷺ بما هو ردع للناس كافة فقال (وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً).
قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك كفاك به وأكرم به رجلاً وطاب بطعامك طعاماً ولا يقال قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك؛ والمراد بكونه سبحانه خبيراً أنه محيط بحقائق الأشياء ظاهراً وباطناً عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات لا تخفى عليه خافية من أحوال الخلق.
وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف شديد لأهل المعصية لأن العلم التام والخبرة الكاملة والبصيرة النافذة يقتضي إيصال الجزاء إلى مستحقه بحسب استحقاقه، ولا ينافيه مزيد التفضل على من هو أهل لذلك.
(من كان يريد العاجلة) هذا تأكيد لما سلف من جملة (كل إنسان ألزمناه طائره) وجملة (من اهتدى) والمراد بالعاجلة المنفعة العاجلة أو الدار العاجلة، والمعنى من كان يريد بأعمال البر أو بأعمال الآخرة ذلك فيدخل تحته الكفرة والفسقة والمراؤون والمنافقون.
(عجلنا له) أي لذلك المريد (فيها) أي في تلك العاجلة قيد المعجل والمعجل له بقيدين؛ الأول قوله (ما نشاء) تعجيله له منها لا ما يشاؤه ذلك المريد، ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون ويتمنون ما لا يصلون إليه، والقيد الثاني قوله (لمن نريد) التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا. وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها.
وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة كقوله سبحانه (من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) وقوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون).
وقيل قرئ ما يشاء بالتحتية والضمير على هذا لله سبحانه، وفيه بعد لمخالفته لما قبله وهو عجلنا وما بعده وهو لمن نريد.
وقيل الضمير راجع إلى (من) في قوله (من كان يريد) فيكون ذلك مقيداً بقوله لمن نريد، أي عجلنا له ما يشاؤه لكن بحسب إرادتنا، فلا
стр. 4694
يحصل لمن أراد العاجلة ما يشاؤه إلا إذا أراد الله له ذلك، ثم بعد هذا كله فمن وراء هذه الطلبة الفارغة التي لا تأثير لها إلا بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم ولهذا قال (ثم جعلنا له جهنم) أي بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب جعلنا له عذاب جهنم على اختلاف أنواعه.
(يصلاها) أي يدخل جهنم (مذموماً) ملوماً من الخلق (مدحوراً) أي مطروداً من رحمة الله مبعداً عنها، وفي المختارة دحره يدحره من باب خضع طرده، فهذه عقوبته في الآخرة أنه لا ينال من الدنيا إلا ما قدره الله سبحانه فأين حال هذا الشقي من حال المؤمن النقي، فإنه ينال من الدنيا ما قدره الله له وأراده بلا هلع منه ولا جزع مع سكون نفسه واطمئنان قلبه وثقته بربه، وهو مع ذلك عامل للآخرة منتظر للجزاء من الله سبحانه وهو الجنة ولهذا قال.
стр. 4695
(ومن أراد) بأعماله الدار (الآخرة وسعى لها) أي من أجلها، وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص لأنها للاختصاص (سعيها) أي السعي الحقيقي بها اللائق بطالبها، وهو الإتيان بما أمر به وترك ما نهى عنه خالصاً لله غير مشوب وكان الإتيان به على القانون الشرعي من دون ابتداع ولا هوى لا التقرب بما يخترعون بآرائهم.
(وهو مؤمن) بالله إيماناً صحيحاً، لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه إلا إذا كان من المؤمنين (إنما يتقبل الله من المتقين) والواو للحال (فأولئك) أي المريدون للآخرة الساعون لها سعيها؛ وفيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها وهو مبتدأ وخبره (كان سعيهم مشكوراً) عند الله أي مقبولاً غير مردود؛ وقيل مضاعفاً إلى أضعاف كثيرة.
فقد اعتبر سبحانه في كون السعي مشكوراً أموراً ثلاثة:
الأول: إرادة الآخرة.
стр. 4696
الثاني: أن يسعى لها السعي الذي يحق لها.
والثالث: أن يكون مؤمناً وفي الخطيب قال بعض السلف الصالح؛ من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب، وتلا هذه الآية.
ثم بيَّن سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته فقال
стр. 4697
(كُلاًّ) أي كل واحد من الفريقين، من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة (نمد) أي نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع (هؤلاء وهؤلاء) بدل من المفعول وهو (كُلاًّ) فكأنه قيل نمد هؤلاء وهؤلاء الأول للأول والثاني للثاني فهو لف ونشر مرتب، أي نرزق الكفار والمؤمنين وأهل المعصية وأهل الطاعة، لا نؤثر معصية العاصي في قطع رزقه، وما به الإمداد هو ما عجله لمن يريد الدنيا وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد الآخرة. وفي قوله (من عطاء ربك) إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل، وهو متعلق بنمد (وما كان عطاء ربك محظوراً) أي ممنوعاً عن أحد، قاله الضحاك.
يقال حظره يحظره حظراً منعه، وكل ما حال بينك وبين شيء فقد حظره عليك، والمراد بالعطاء العطاء في الدنيا كالرزق والجاه إذ لا حظ للكافر في الآخرة.
قال الزجاج: علم الله سبحانه أنه يعطي المسلم والكافر وأنه يرزقهم جميعاً. وقال الحسن: كل يرزقه الله في الدنيا البر والفاجر وقال ابن عباس: يرزق الله من أراد الدنيا ويرزق من أراد الآخرة.
стр. 4698
(انظر) يا محمد ﷺ ، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من له أهلية النظر والاعتبار. وهذه الجملة مقررة لما مر من الإمداد وموضحة له، والمعنى انظر (كيف فضلنا) في العطايا العاجلة (بعضهم) أي بعض العباد (على بعض) فمن غني وفقير، وقوي وضعيف، وصحيح ومريض، وعاقل وأحمق، وذلك لحكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها.
(وللآخرة) اللام لام ابتداء أو قسم (أكبر درجات وأكبر تفضيلاً) من
стр. 4699
الدنيا وذلك لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، وليس للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار، فلهذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً. وقيل المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار، فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين.
وحاصل المعنى أن التفاضل في الآخرة ودرجاتها فوق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما، وثبت في الصحيحين " أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء " (١).
ثم لما أجمل سبحانه أعمال البر في قوله وسعى لها سعيها وهو مؤمن أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال
стр. 4700
(لا تجعل) الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته تهييجاً وإلهاباً أو لكل مكلف متأهل له صالح لتوجيهه إليه.
وقيل التقدير قل لكل مكلف لا تجعل (مع الله إلهاً آخر فتقعد) النصب على جواب النهي، أي لا يكن منك جعل فقعود، ومعنى تقعد تصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة؛ وإليه ذهب الفراء والزمخشري، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام.
وقيل هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يكون قاعداً عن الطلب.
وقيل أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً مفكراً على ما فرط منه فالقعود على هذا حقيقة.
(مذموماً مخذولاً) ونصبهما على خبرية تقعد أو على الحال، أي من غير حمد وبغير ناصر فتصير جامعاً بين الأمرين: الذم لك من الله ومن ملائكته ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه، أو حال كونك جامعاً بينهما. وحاصل ما ذكر في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعاً بعضهما أصلي وبعضها
стр. 4701
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)
فرعي، وقد ابتدأ بالأصلي في قوله لا تجعل، ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون من عمل بها ساعياً في الآخرة فقال:
стр. 4702
(وقضى ربك) أي أمر أمراً جزماً وحكماً قطعاً وحتماً مبرماً وعن ابن عباس أنه قرأ ووصى ربك مكان وقضى، وقال التزقت الواو والصاد وأنتم تقرأونها وقضى ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد، وبه قرأ الضحاك أيضاً أقول إنما يلزم هذا لو كان القضاء بمعنى الفراغ من الأمر، وهو وإن كان أحد معاني مطلق القضاء كما في قوله (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) وقوله (فإذا قضيتم مناسككم) وقوله (فإذا قضيتم الصلاة) ولكنه هاهنا بمعنى الأمر وهو أحد معاني القضاء والأمر لا يستلزم ذلك، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه ومن جملة ذلك إفراده بالعبادة وتوحيده، وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين.
ومن معاني مطلق القضاء معان أخر غير هذين المعنيين كالقضاء بمعنى الخلق ومنه (فقضاهن سبع سموات) وبمعنى الإرادة كقوله (إذا قضى أمراً) وبمعنى العهد كقوله (إذ قضينا إلى موسى الأمر) وقد روى عنه أيضاً أنه قال قضى أمر، وقيل أوجب ربك؛ وعن مجاهد قال: عهد ربك.
قال الرازي: هذا القول -أي قول ابن عباس- بعيد جداً لأنه يفتح باب
стр. 4703
أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن؛ ولو جوَّزنا ذلك لارتفع الأمان على القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك أنه طعن عظيم في الدين.
(أن لا) أي بأن (لا تعبدوا إلا إياه) قاله السيوطي، وقال في الجمل قوله هذا غير سديد حيث أثبت النون بين الهمزة ولا النافية، بقلم الحمرة فيقتضي انها من رسم القرآن مع أنه ليس كذلك، وقد نص في شرح الجزرية أن ما عدا المواضع العشرة يكتب موصولاً أي لا تثبت فيه النون، وقيل أن مفسرة ولا تعبدوا نهي وفيه وجوب عبادة الله والمنع من عبادة غيره؛ وهذا هو الحق.
ثم أردفه بالأمر بين الوالدين فقال (وبالوالدين) أي وقضى بأن تحسنوا بهما أو وأحسنوا بهما (إحساناً) وتبروهما قيل وجه ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد عبادة الله سبحانه إنهما السبب الظاهر في وجود المتولد بينهما وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قريناً لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكد حقهما والعناية بشأنهما مالا يخفى؛ وهكذا جعل سبحانه في آية أخرى شكرهما مقترناً بشكره فقال (أن أشكر لي ولوالديك).
ثم خص سبحانه حالة الكبر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها فقال (إما يبلغن) إن شرطية وما زائدة والفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التأكيد الثقيلة (عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) معنى عندك أن يكونا في كنفك وكفالتك وتوحيد الضمير في عندك ولا تقل وما بعدهما للإشعار بأن كل فرد من الأفراد منهى بما فيه النهي ومأمور بما فيه الأمر.
(فلا تقل لهما أف) جواب الشرط قيل والتقييد بهذا الشرط خرج مخرج الغالب من أن الولد إنما يتهاون بوالديه عند الكبر وإلا فلا يختص بالكبيرين، والمعنى لا تقل لواحد منهما في حالتي الاجتماع والانفراد، وليس المراد حالة الاجتماع فقط.
стр. 4704
عن الحسين بن عليّ مرفوعاً: لو علم الله شيئاً من الحقوق أدنى من أف لحرمه.
وقال مجاهد: لا تقل لهما أف لما تميط عنهما من الأذى الخلاء والبول كما كانا لا يقولانه فيما كانا يميطان عنك من الخلاء والبول. وفي أف أربعون لغة قاله السمين ثم قال وقد قرئ من هذه اللغات بسبع ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ وقال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول أف أف، وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن والثف وسخ الأظفار، يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به، وعن ابن الأعرابي أن الأف للضجر وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله؛ فالصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قول القائل أف ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، وقال الزجاج معناه النتن. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأف وسخ بين الأظفار والثف قلامتها.
والحاصل أنه اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال أو صوت ينبئ عن ذلك فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما وقيل أف مصدر بمعنى تباً وقبحاً وخسراناً والأول أرجح، وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيهما بفحوى الخطاب أو بلحنه كما هو مقرر في الأصول.
(ولا تنهرهما) أي لا تضجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، والنهي والنهر والنهم أخوات بمعنى الزجر والغلظة، يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره قال الزجاج: معناه لا تكلمهما ضجراً صائحاً في وجوههما.
(وقل لهما) بدل التأفيف والنهر (قولاً كريماً) أي ليناً لطيفاً جميلاً سهلاً أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع حسن التأدب والحياء والاحتشام.
стр. 4705
قال محمد بن زبير: يعني إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما. وقيل هو أن يقول يا أماه يا أبتاه ولا يدعوهما بأسمائهما ولا يكنيهما.
стр. 4706
(واخفض لهما جناح الذل) قال سعيد بن جبير: اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ، ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين:
الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير، فكأنه قال للولد اكفل لوالديك بأن تضمهما إلى نفسك لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك وكنت مفتقراً إليهما.
والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية بليغة عن التواضع وترك الارتفاع، وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان.
الأول: أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك حاتم الجود فالأصل فيه الجناح الذليل.
والثاني: سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً والذل من ذل يذل ذلاً وذلة ومذلة فهو ذليل، وقرئ بكسر الذال من قولهم دابة ذلول بينة الذل أي منقادة سهلة لا صعوبة فيها.
وقوله (من الرحمة) فيه معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم لمن كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، قال السمين وفي (من) ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للتعليل.
والثاني: أنها ابتدائية؛ قال ابن عطية: أي أن هذا الخفض يكون ناشئاً من الرحمة المستكنة في النفس.
стр. 4707
الثالث: أنها نصب على الحال من جناح؛ ثم كأنه قال له سبحانه ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها (و) لكن (قل رب ارحمهما) أي وادع الله لهما ولو خمس مرات في اليوم والليلة أن يرحمهما برحمته الباقية الدائمة وأراد به إذا كانا مسلمين (كما ربياني صغيراً) أي رحمة مثل تربيتهما لي قدره الحوفي أومثل رحمتهما اليّ، قدره أبو البقاء وقيل ليس المراد رحمة مثل الرحمة بل الكاف لاقترانهما في الوجود أي فلتقع هذه كما وقعت تلك والتربية التنمية.
ويجوز أن تكون الكاف للتعليل أي لأجل تربيتهما لي كقوله (واذكروه كما هداكم) ولقد بالغ سبحانه في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر لها جلود أهل العقوق وتقف عندها شعورهم حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته ثم شفعه بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من التضجر مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها وأن يذل ويخضع لهما، ثم ختمها بالأمر بالدعاء لهما والترحم عليهما، وهذه خمسة أشياء كلف الإنسان بها في حق الوالدين، وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما وهي معروفة في كتب الحديث.
стр. 4708
(ربكم أعلم بما في نفوسكم) أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ومن التوبة من الذنب الذي فرط منكم أو الإصرار عليه ويتدرج تحت هذا العموم ما في النفس من البر والعقوق اندراجاً أولياً، وقيل أن الآية خاصة بما يجب للوالدين من البر ويحرم على الأولاد من العقوق، والأول أولى اعتباراً بعموم اللفظ فلا تخصصه دلالة السياق ولا تقيده.
(إن تكونوا صالحين) أي أبرار مطيعين قاصدين الصلاح والبر والتوبة من الذنب والإخلاص للطاعة (فإنه كان للأوابين) أي الرجاعين عن الذنوب إلى التوبة ومن السيئات إلى الحسنات ومن العقوق إلى البر ومن عدم الإخلاص إلى محض الإخلاص (غفوراً) لما فرط منكم من قول أو فعل أو اعتقاد فلا يضركم ما
стр. 4709
وقع من الذنب الذي تبتم عنه، فمن تاب تاب الله عليه ومن رجع إلى الله رجع الله إليه.
وقال سعيد بن جبير: يعني البادرة من الولد إلى الوالد أي إن تكن النية صادقة فإنه كان غفوراً للبادرة التي بدرت منه كالفلتة والزلة تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما وهو لا يضمر عقوقاً، ولا يريد بذلك بأساً، قال سعيد بن المسيب هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب.
وقيل الأواب الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، وقال عبد بن عمير: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون الله، وهذه الأقوال متقاربة، قال ابن عباس الأوابين المطيعين المحسنين التوابين، وقيل المسبحين وقيل المصلين قال عون العقيلي هم الذين يصلون صلاة الضحى، وقيل من يصلي بين المغرب والعشاء، والأول أولى.
ثم ذكر سبحانه التوصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال
стр. 4710
(وآت ذا القربى حقه) الخطاب إما لرسول الله ﷺ تهييجاً وإلهاباً لغيره من الأمة أو لكل من هو صالح لذلك من المكلفين كما في قوله وقضى ربك والأمر للوجوب عند أبي حنيفة فعنده يجب على الموسر مواساة أقاربه إذا كانوا محارم كالأخ والأخت وعند غيره للندب فلا يجب عند غيره إلا نفقة الأصول والفروع دون غيرهما من الأقارب.
أقول المراد بذوي القربى أولو القرابة وحقهم هو صلة الرحم التي أمر الله بها والمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء، وكرر الوصية فيها، والخلاف بين أهل العلم في وجوب النفقة للقرابة لبعضهم كالوالدين على الأولاد والأولاد على الوالدين معروف، والذي ينبغي الاعتماد عليه وجوب صلتهم بما تبلغ إليه القدرة وحسبما تقتضيه الحال.
стр. 4711
قال ابن عباس: أمره بأحق الحقوق وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده وكيف يصنع إذا لم يكن عنده.
(و) آت (المسكين وابن السبيل) حقهما من الزكاة وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القربى من الحق هو تعهدهم بالمال، وعن سفيان في الآية قال: هو أن يصل ذا القرابة ويطعم المسكين ويحسن إلى ابن السبيل، وعن السدي قال: القربى قربى بني عبد المطلب وقرابة رسول الله ﷺ .
وأقول ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص ولا دل عليه دليل، ومعنى النظم القرآني واضح إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة لأن معناه أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم وهو الصلة التي أمر الله بها؛ وإن كان الخطاب للنبي ﷺ فإن كان على وجه التعريض لأمته فالأمر فيه كالأول وإن كان خطاباً له من دون تعريض فأمته أسوته فالأمر له ﷺ بإيتاء ذي القربى حقه أمر لكل فرد من أفراد أمته، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصاً بالنبي ﷺ بدليل ما قبل الآية وهي قوله: (وقضى ربك) وما بعدها وهي قوله:
(ولا تبذر تبذيراً) هو تفريق المال كما يفرق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه وهو الإسراف المذموم لمجاوزته للحد المستحسن شرعاً في الإنفاق أو هو الإنفاق في غير الحق وإن كان يسيراً.
قال الشافعي: التبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير، قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، قال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الإسراف وهو حرام لقوله:
стр. 4712
(إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) فإن هذه الجملة تعليل للنهي عن
стр. 4713
التبذير، والمراد بالأخوة المماثلة التامة وتجنب مماثلة الشيطان ولو في خصلة واحدة من خصاله واجب فكيف فيما هو أعم من ذلك كما يدل عليه إطلاق المماثلة، والإسراف في الإنفاق من عمل الشيطان فإذا فعله أحد من بني آدم فقد أطاع الشيطان واقتدى به، وهذا غاية المذمة لأنه لا شر من الشياطين، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنة قوم هو أخوهم.
قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه، وعنه كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث إن التبذير النفقة في غير حقه، وعن ابن عباس قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه، وعن عليّ قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان.
وقيل هو إنفاق المال في العمارة على وجه السرف، وقيل لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق درهما أو مداً في باطل كان مبذرًا، قيل إن بعضهم أنفق نفقة في خير فأكثر، فقال له صاحبه لا خير في السرف، فقال لا سرف في الخير، ولا مانع من حمل الآية على الجميع والعموم أولى.
(وكان الشيطان لربه) أي لنعم ربه (كفوراً) أي كثير الكفران جحود النعمة، عظيم التمرد عن الحق، لأنه مع كفره لا يعمل إلا شراً، ولا يأمر إلا بعمل الشر، ولا يوسوس إلا بما خير فيه، وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المبذر مماثل للشيطان، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور فالمبذر كذلك.
قال الكرخي: وكذلك من رزقه الله جاهاً أو مالاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل.
(وإما تعرضن عنهم) أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل لأمر اضطرك إلى ذلك الإعراض (ابتغاء رحمة) أي لفقد رزق (من ربك) ولكنه أقام المسبب الذي هو ابتغاء رحمة الله مقام السبب الذي هو فقد الرزق، لأن فقد الرزق مبتغ له (ترجوها) أي ترجو أن يفتح الله به عليك (فقل لهم قولاً ميسوراً) أي قولاً سهلاً ليناً كالوعد الجميل أو الاعتذار المقبول قيل هو أن يقول رزقنا الله وإياكم من فضله. قال الكسائي: يسرت له القول أي ليَّنته وقال الفراء: معنى الآية إن تعرض عن السائل إضاقة وإعساراً فعدهم عدة حسنة، ويجوز أن يكون المعنى وإن تعرض عنهم ولم تنفعهم لعدم استطاعتك فقل لهم قولاً ميسوراً، وليس المراد هنا الإعراض بالوجه، وفي هذه الآية تأديب من الله سبحانه لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون وبما يردون، ولقد أحسن من قال:
أن لا يكن ورق يوماً أجود بها ... للسائلين فإني لين العود
لا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوال وإما حسن مردود
ولما ذكر الله سبحانه أدب المنع بعد النهي عن التبذير بيَّن أدب الإنفاق فقال
стр. 4716
(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) هذا النهي يتناول كل مكلف سواء كان الخطاب للنبي ﷺ تعرضاً لأمته وتعليماً لهم، أو الخطاب لكل من يصلح له من المكلفين، والمراد النهي للإنسان بأن يمسك إمساكاً يصير به مضيقاً على نفسه وعلى أهله، ولا يوسع في الإنفاق توسيعاً لا حاجة إليه
стр. 4717
بحيث يكون به مسرفاً، فهو نهي عن جانبي الإفراط والتفريط ويتحصل من ذلك مشروعية التوسط، وهو العدل الذي ندب الله إليه ..
ولا تك فيها مفرطاً أو مفرطاً ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقد مثل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه مضمومة إليه مجموعة معه في الغل بحيث لا يستطيع التصرف بها، ومثل حال من يجاوز الحد في التصرف بحال من يبسط يده بسطاً لا يتعلق بسببه فيها مما يقبض الأيدي عليه ولا يبقى شيئاً في كفه، وفي هذا التصوير مبالغة عظيمة بليغة ثم بين سبحانه غاية الطرفين المنهى عنهما فقال (فتقعد) تصير (ملوماً) مذموماً عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح أو عند الله سبحانه لأن الشح غير مرضي لديه أو عند نفسك وأصحابك أو يلومك سائلوك إذا لم تعطهم.
(محسوراً) بسبب ما فعلته من الإسراف، أي منقطعاً عن المقاصد سبب الفقر والمحسور في الأصل المنقطع عن السير من حسره السفر إذا بلغ منه أي أثر فيه؛ والبعير الحسير هو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به، ومنه قوله تعالى (ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) أي كليل منقطع، وقيل معناه نادماً على ما سلف فجعله هذا القائل من الحسرة التي هي الندامة، وفيه نظر لأن الفاعل من الحسرة حسران ولا يقال محسوراً إلا للملوم.
وفي المختار الحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت، تقول حسر على الشيء من باب طرب، وحسره أيضاً فهو حسير، وحسره غيره تحسيراً. وعن سيار أبي الحكم قال: أتى رسول الله ﷺ بزّ من العراق وكان معطاء كريماً فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوماً من العرب فقالوا: إنا نأتي النبي ﷺ فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله (ولا تجعل يدك) الآية. أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر.
أقول ولا أدري كيف هذا فالآية مكية ولم يكن إذ ذاك عرب يقصدون رسول الله ﷺ ولا يحمل إليه شيء من العراق ولا مما هو أقرب منه، على
стр. 4718
أن فتح العراق لم يكن إلا بعد موته ﷺ .
ثم سلى رسوله والمؤمنين بأن الذي يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على الله سبحانه ولكن لمشيئة الخالق الرزاق فقال
стр. 4719
(إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يوسعه على بعض ويضيقه على بعض لحكمة بالغة، لا يكون من وسع له رزقه مكرماً عنده ومن ضيقه عليه هيناً لديه، ويقدر ويقتر مترادفان. قيل ويجوز أن يراد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي لا تفنى خزائنه فأما عباده فعليهم أن يقتصدوا.
وعن الحسن في الآية قال: ينظر له فإن كان الغنى خيراً له أغناه، وإن كان الفقر خيراً له أفقره. ثم علَّل ما ذكره من البسط للبعض والتضييق على البعض بقوله (إنه كان بعباده خبيراً بصيراً) أي يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى عليه خافية من ذلك، فهو الخبير بأحوالهم البصير بكيفية تدبيرهم في أرزاقهم، وفي هذه الآية دليل على أنه المتكفل بأرزاق عباده فلذلك قال بعدها:
стр. 4720
(ولا تقتلوا أولادكم) خطاب للموسرين بدليل قوله (خشية إملاق) أي فاقة وفقر يقع بكم يقال أملق الرجل إذا لم يبق له إلا الملقات وهي الحجارة العظام الملس، يقال أملق إذا افتقر وسلب الدهر ما بيده، نهاهم الله سبحانه عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، وقد كانوا يفعلون ذلك؛ وقد تقدم في سورة الأنعام نهي المعسرين بقوله (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق).
وفي الكرخي حاصله أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو من سوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم فالأول ضد التعظيم لأمر الله، والثاني ضد الشفقة على خلق الله وكلاهما مذموم.
ثمّ بيّن أن خوفهم من الفقر حتى يبلغوا بسبب ذلك إلى قتل الأولاد لا وجه له فإن الله سبحانه هو الرازق لعباده يرزق الأبناء كما يرزق الآباء فقال (نحن نرزقهم وإياكم) ولستم لهم برازقين حتى تصنعوا بهم هذا الصنع، ثم علل سبحانه النهي عن قتل الأولاد لذلك بقوله (إن قتلهم كان خطأً
стр. 4721
كبيراً) قرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء، وقرئ بفتح الخاء والطاء يقال خطئ في دينه خطأ إذا أثم وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامداً أو غير عامد، قال الأزهري خطئ يخطأ خطأً مثل أثم يأثم إثماً إذا تعمد الخطأ وأخطأ إذا لم يتعمد خطاً والخطأ الإثم يقوم مقام الأخطاء وفيه لغتان القصر وهو الجيد والمد وهو قليل.
وقرأ إبن كثير خطاء بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، قال النحاس ليس لهذه القراءة وجه وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً.
ولما نهى سبحانه عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضى إلى ذلك لما فيه من اختلاط الأنساب فقال
стр. 4722
(ولا تقربوا الزنا) قربت الأمر أقربه من باب تعب وفي لغة من باب قتل قرباناً بالكسر فعلته أو دانيته ومن الأول هذه الآية، ومن الثاني لا تقرب الحمى أي لا تدن منه، وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كان حراماً كان المتوسل إليه حراماً بفحوى الخطاب، والزنافيه لغتان المد والقصر.
ثم علل النهى عن الزنا بقوله (إنه كان فاحشة) أي قبيحاً متبالغاً في القبح مجاوزاً للحد شرعاً وعقلاً (وساء سبيلاً) أي بئس طريقاً طريقه وذلك لأنه يؤدي إلى النار ولا خلاف في كونه من كبائر الذنوب.
وقد ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم وهو يشتمل على أنواع من المفاسد منها المعصية وإيجاب الحد على نفسه ومنها اختلاط الأنساب فلا يعرف الرجل ولد من هو ولا يقوم أحد بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد وانقطاع النسل، وذلك يوجب خراب العالم.
وعن السدي في الآية قال: يوم نزلت هذه لم تكن حدود فجاءت بعد ذلك الحدود في سورة النور، وعن أبىّ بن كعب قال: ساء سبيلاً إلا من تاب فإن الله كان غفوراً رحيماً فذكر لعمر فأتاه فسأله فقال: أخذتها من رسول الله ﵌ وليس لك عمل إلا الصفق بالبقيع.
стр. 4723
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)
ولما فرغ سبحانه من ذكر النهي عن القتل لخصوص الأولاد وعن النهي عن الزنا الذي يفضي إلى ما يفضي إليه قتل الأولاد من اختلاط الأنساب وعدم استقرارها نهى عن قتل الأنفس المعصومة على العموم فقال
стр. 4724
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) أي التي جعلها الله معصومة بعصمة الدين أو عصمة العهد، والأصل في القتل هو الحرمة الغليظة، وحل القتل إنما يثبت بسبب عارض فلما كان كذلك نهى الله عن القتل على حكم الأصل.
ثم استثنى الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهي الأسباب العارضة فقال (إلا بالحق) كالردة والزنا من المحصن وكالقصاص من القاتل عمداً عدواناً وما يلتحق بذلك والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب متلبس بالحق أو إلا متلبسين بالحق، وقد تقدم الكلام في هذا في الأنعام.
وعن الضحاك قال: نزل هذا بمكة ونبي الله ﷺ بها وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل، كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب رسول الله ﷺ فقال الله من قتلكم من المشركين فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أباً أو أخاً أو واحداً من عشيرته وإن كانوا مشركين فلا تقتلوا إلا قاتلكم.
стр. 4725
وهذا قبل أن تنزل براءة وقبل أن يؤمر بقتال المشركين فذلك قوله (فلا يسرف في القتل أنه كان منصوراً) يقول لا تقتل غير قاتلك وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم.
ثم بين حكم بعض المقتولين بغير حق فقال (ومن قتل مظلوماً) أي لا بسبب من الأسباب المسوغة لقتله شرعاً وهو أحد ثلاث كفر بعد إيمان وزناً بعد إحصان وقتل مؤمن معصوم عمداً كما في الحديث (فقد جعلنا لوليه) أي لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين أو لمن له سلطان لم يكونوا موجودين (سلطاناً) أي تسلطاً على القاتل إن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية قال ابن عباس: سلطاناً بينة من الله أنزلها يطلبها ولي المقتول القود أو العقل.
ثم لما بيّنَ إباحة القصاص لمن هو مستحق لدم المقتول أو ما هو عوض عن القصاص نهاه عن مجاوزة الحد فقال (فلا يسرف) أي لا يجاوز الولي إباحة الله له (في القتل) فيقتل بالواحد الاثنين أو جماعة أو يمثل بالقاتل أو يعذبه وقرأ الجمهور بالتحتية وقرئ بالفوقية فهو خطاب للقاتل الأول ونهي له عن القتل أي فلا تسرف أيها القاتل المتعدي بالقتل بغير الحق فإن علمك القصاص مع ما عليك من عقوبة الله وسخطه ولعنته.
وقال ابن جرير الخطاب للنبي ﷺ وللأمة من بعده أي لا تقتل يا محمد غير القاتل ولا تفعل ذلك الأئمة بعدك وفي قراءة أبيّ لا تسرفوا قال مجاهد: معنى لا يسرف لا يكثر ولا يقاتل إلا قاتل رحمه، وعن زيد بن أسلم إن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلاً لم يرضوا بقتل قاتله حتى يقتلوا به رجلاً شريفاً وإذا كان قتيلهم شريفاً لم يقتلوا قاتله وحده بل قتلوا معه غيره فوعظوا في ذلك بقول الله سبحانه فلا يسرف في القتل.
ثم علَّل النهي عن السرف فقال (إنه) يعني ولي المقتول (كان
стр. 4726
منصوراً) أي مؤيداً معاناً فإن الله سبحانه قد نصره بإثبات القصاص له أو الدية بما أبرزه من الحجج وأوضحه من الأدلة وأمر أهل الولايات بمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه، ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى المقتول ظلماً أي أن الله نصره بوليه يعني منصوراً في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله قيل وهذه الآية من أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكيّة كما تقدم.
ولما ذكر سبحانه النهي عن إتلاف النفوس أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال الميتيم فقال
стр. 4727
(ولا تقربوا مال اليتيم) الخطاب لأولياء اليتيم والنهي عن قربانه مبالغة في النهي عن المباشرة وإتلافه، قال قتادة: كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت وإن تخالطوهم فإخوانكم.
ثم بينَّ سبحانه أن النهي عن قربانه ليس المراد منه النهي عن مباشرته فيما يصلحه ويفسده بل يجوز لولي اليتيم أن يفعل في مال اليتيم ما يصلحه وذلك يستلزم مباشرته فقال (إلا بالتي) أي إلا بالخصلة التي (هي أحسن) من جميع الخصال وهي حفظه وطلب الربح فيه والسعي فيما يزيد به والإنفاق عليه بالمعروف ثم ذكر غاية النهي عن قربان مال اليتيم فقال (حتى يبلغ) أي لا تقربوه حتى يبلغ اليتيم (أشده) فإذا بلغ أشده كان لكم أن تدفعوه إليه أو تتصرفوا فيه بإذنه لأن التصرف له حينئذ.
والأشد مفرد بمعنى القوة، وقيل جمع لا واحد له من لفظه، وقيل جمع شدة بكسر الشين، وقيل جمع شد كذلك، وقيل جمع بفتحها وعلى كل فالمراد به القوة وكمال عقله ورشده بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله وإلا لم ينفك عنه الحجر وإن كان الأشد في الأصل عبارة عن بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وقيل هي ثماني عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في الأنعام.
стр. 4728
(وأوفوا بالعهد) قد تقدم الكلام فيه في غير موضع، قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه وما بين العباد بعضهم لبعض والوفاء بالعهد هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضي إلا إذا دلّ دليل خاص على جواز النقض.
(إن العهد كان مسؤولاً) عنه فالمسؤول هنا هو صاحبه، وقيل أن العهد يُسأل تبكيتاً لناقضه فيقال فيهم نقض كالموؤودة تُسأل فيم قتلت وإن كان سؤال العهد تخييلاً وتمثيلاً وسؤال الموؤودة تحقيقاً، قال سعيد بن جبير: أن الله يسأل ناقض العهد عن عهده، وعن ابن جريج قال: يسأل عهده من أعطاه إياه.
стр. 4729
(وأوفوا الكيل) أي أتموه ولا تخسروه خطاب للبائعين (إذا كلتم) أي وقت كيلكم للناس، وأخذ من هذا بعضهم أن أجرة الكيال على البائع لأنها من تمام التسليم وكذلك عليه أجرة النقاد للثمن وهو كذلك كما هو مقرر في الفروع.
(وزنوا بالقسطاس المستقيم) قال الزجاج: هو ميزان العدل، أي ميزان كان صغيراً أو كبيراً من موازين الدراهم وغيرها، وفيه لغتان: ضم القاف وكسرها وقيل هو القبان المسمى بالقرسطون، قاله الضحاك، وقيل هو العدل نفسه، قاله مجاهد وهي لغة الروم قاله ابن جبير، وقيل لغة سريانية ثم عُربت.
ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربياً، والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط وهو العدل والتفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم فوجب الاحتراز عنه، وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان سعياً في إبقاء الأموال على أربابها.
стр. 4730
(ذلك) أي إيفاء الكيل والوزن بالميزان المستوي (خير) لكم عند الله وعند الناس يتأثر عنه حسن الذكر وترغيب الناس في معاملة من كان كذلك (وأحسن تأويلاً) أي عاقبة من آل إذا رجع.
ثم أمر سبحانه بإصلاح اللسان والقلب فقال