(قالوا ما أخلفنا موعدك) الذي وعدناك (بملكنا) بفتح اليم وقرئ بكسرها؛ واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لأنها على اللغة العالية الفصيحة، وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكاً، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي بملكنا أمورنا، أو بملكنا الصواب، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا، وكنا مضطرين إلى الخطأ، أي سوَّل لنا السامري ما سوّل. وغلب على عقولنا.
قال ابن عباس: بملكنا أي بأمرنا. وقال قتادة، بطاقتنا، وعن السدي مثله، وقيل باختيارنا، وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه، وقرئ بملكنا بضم اليم. والمعنى بسلطاننا، قاله الحسن، أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك وقيل: أن الفتح والكسر والضم كلها لغات سبعية في مصدر ملكت الشيء.
(ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم) قرئ حملنا بضم الحاء وتشديد الميم وقرئ بفتح الحاء واليم مخففة، واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لأنهم حملوا حلية القوم معهم باختيارهم وما حملوها كرهاً، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين أرادوا الخروج مع موسى وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة.
стр. 5427
وقيل هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل. وسميت أوزاراً أي آثاماً لأنه لا يحل لهم أخذها ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم، والأوزار في الأصل الأثقال كما صرح به أهل اللغة، والمراد بالزينة هنا الحلى (فقذفناها) أي طرحناها في النار طلباً للخلاص من إثمها، وقيل المعنى طرحناها إلى السامري لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه.
(فكذلك ألقى السامري) أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامري، قيل إنه قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى. إنما احتبس عنكم لأجل ما عندكم من الحلى فجمعوه ودفعوه إليه فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول، وهو جبريل.
стр. 5428
(فأخرج لهم) السامري من الحفرة، وهذا من كلامه تعالى: (عجلاً) صاغه من الحلى في ثلاثة أيام (جسداً) أي حال كونها جسداً أي صائرة جسداً، أي دماً ولحماً، والجسد جمعه أجساد.
قال في البارع: لا يقال الجسد إلا للحيوان العاقل، وهو الإنسان والملائكة والجن، ولا يقال لغيره جسد إلا للزعفران، وللذم إذا يبس أيضاً جسد وجاسد والمعنى أخرج لهم عجلاً ذا جثة على التشبيه بالعاقل.
(له خوار) صوت يسمع، أي يخور كما يخور الحي من العجول، والخوار صوت البقر؛ وقيل خواره كان بالريح لأنه كان عمل فيه خروقاً فإذا دخلت الريح في جوفه خار، ولم تكن فيه حياة.
(فقالوا) أي السامري ومن وافقه بادئ الرأي (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) أي فضل موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا، وذهب يطلبه في الطور، وهذا يقتضي أنهم جعلوا العجل إلهاً يعبدونه لذاته، لا لتقريبه لهم من الله تعالى. وقيل المعنى فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم. قاله ابن عباس وقيل الناسي هو السامري؛ أي ترك السامري ما أمر به موسى من الإيمان وضل كذا قال ابن الأعرابي.
(أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في هذا العجل لا يرد عليهم جواباً، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتهمون أنه إلهه وهو عاجز عن المكالمة، و (أن) مخففة ويرجع بالرفع في قراءة العامة، وقرئ بالنصب وفيه ضعف، والرؤية على الأول علمية، وعلى الثاني بصرية.
(ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً) أي لا يقدر على أن يدفع عنهم ضراً، ولا أن يجلب إليهم نفعاً.
стр. 5431
(ولقد قال لهم هارون) اللام هي الموطئة للقسم، وجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم والتوبيخ لهم، أي والله لقد نصح لهم هارون (من قبل) أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم (يا قوم إنما فتنتم به) أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل وابتليتم به وضللتم عن طريق
стр. 5432
الحق لأجله. قيل ومعنى القصر المستفاد من إنما هو أن العجل صار سبباً لفتنتهم لا لرشادهم، وليس معناه أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره.
(وإن ربكم الرحمن) لا العجل؛ خص هذا الموضع باسم الرحمن تنبيهاً على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو الرحمن ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون (فاتبعوني) في أمري لكم بعبادة الله، ولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل.
(وأطيعوا أمري) لا أمره
стр. 5433
(قالوا لن نبرح عليه عاكفين) أجابوا هارون عن قوله المتقدم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه وعدم قبول ما دعاهم إليه من الخير، وحذرهم عنه من الشر؛ أي لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل (حتى يرجع إلينا موسى) فينظر هل يقرنا على عبادته أو ينهانا عنها؛ فجعلوا هذا غاية لعكوفهم لكن لا على طريق الوعد بل بطريق التعلل والتسويف فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثنى عشر ألفاً من المنكرين لما فعله السامري.
أخرج الحاكم وصححه عن عليّ قال: لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلى بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فقال لهم هارون: يا قوم الم يعدكم ربكم وعداً حسناً؟ فلما أن رجع موسى أخذ برأس أخيه فقال له هارون مما قال، فقال موسى للسامري ما خطبك؟ قال قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وكذلك سوَّلت لي نفسي، فعمد موسى إلى العجل فوضع موسى عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى ما توبتنا؟ قال يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه ولا يبالي بمن قتل حتى
стр. 5434
قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي، والحكايات لهذه القصة كثيرة جداً.
стр. 5435
(قال يا هارون ما منعك) جملة مستأنفة، والمعنى أن موسى لما وصل إليهم أخذ بشعور رأس أخيه هارون وبلحيته، وقال ما منعك من اتباعي واللحوق بي عند أن وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة؟.
وقيل المعنى ما منعك من اتباعي في الإنكار عليهم؟ وقيل معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم؟ وقيل معناه هلا فارقتهم؟.
(إذ رأيتهم ضلوا
стр. 5436
ألا تتبعن؟) أي أيُّ شيء منعك حين رؤيتك لضلالهم من اتباعي، ومن أن تلحقني وتأتيني في الجبل فتخبرني بما فعلوا، وهذه الياء من ياءات الزوائد فحقها أن تحذف في الرسم كما هي كذلك في مصحف الامام ولا زائدة للتوكيد.
(أفعصيت) الهمزة للإنكار والتوبيخ، والمعنى كيف خالفت (أمري) لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً؟ وقيل: المراد بقوله: (أمري) هو قوله الذي حكى الله عنه. وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، فلما أقام معهم ولم يبالغ في الإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره، وبه قال ابن جرير والقرطبي.
стр. 5437
(قال) هارون (يا ابن أم) بفتح الميم وبكسرها، وعلى كل من القراءتين أراد أمي لكن على الأولى حذفت الألف المنقلبة عن الياء اكتفاء عنها بالفتحة، وعلى الثانية حذفت الياء اكتفاء عنها بالكسرة، ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافاً له وترقيقاً لقلبه؛ فليس ذكرها لكونه أخاه من أمه فقط كما قيل، فإن الحق إنه كان شقيقه.
стр. 5438
(لا تأخذ بلحيتي) وكان أخذها بشماله (ولا برأسي) وكان أخذ شعره بيمينه غضباً، والمعنى ولا بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه، أي لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي فإن لي عذراً هو (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) أي خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يتفرقوا فتقول لي إنك فرقت جماعتهم وتغضب عليّ، وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه جماعة ممن لم يعبد العجل وتخلف مع السامري عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم.
(ولم ترقب قولي) أي تقول لم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها، ومراده بوصية موسى له قوله هو: اخلفني في قومي وأصلح. قال أبو عبيدة: معناه ولم تنتظر عهدي وقدومي لأنك أمرتني أن أكون معهم. وقال ابن جريج: لم تنتظر قولي ما أنا صانع.
وقال ابن عباس: لم تحفظ قومي، والياء في (قولي) وواقعة على موسى، وقيل واقعة على هارون، لَكِنْ المفسرون على الاحتمال الأول كالسمين والبيضاوي والخازن والخطيب فكلهم اقتصروا على ذلك.
والمعنى على الثاني وخشيت عدم تأملك في القول حتى تفهم عذري، فاعتذر هارون إلى موسى هاهنا بهذا، واعتذر إليه في الأعراف بما حكاه الله عنه هنالك حيث قال: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.
ثم ترك موسى الكلام مع أخيه وخاطب السامري
стр. 5439
(قال فما خطبك) أي ما شأنك الداعي؟ وما الذي حملك على ما صنعت (يا سامري،
стр. 5440
قال بصرت بما لم يبصروا به) أي رأيت ما لم يروا وعلمت بما لم يعلموا وفطنت لما لم يفطنوا له وأراد بذلك أنه رأى جبريل على فرس الحياة فألقى في ذهنه أن يقبض قبضة من أثره، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حياً.
стр. 5441
وقرئ لم تبصروا بالفوقية على الخطاب وبالتحتية وهي أولى لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب موسى بذلك ويدير لنفسه أنه علم ما لم يعلم به موسى يقال بَصر بالشيء أي علمه وأبصره أي نظر إليه. كذا قال الزجاج، وقيل هما بمعنى علمه والعامة على ضم الصاد، وقرئ بالكسر وهي لغة.
(فقبضت قبضة) بالضاد المعجمة فيهما، وقرئ بالصاد المهملة فيهما، والفرق بينهما أن ما بالمعجمة هو الأخذ بجميع الكف، وما بالمهملة بأطراف الأصابع والقبضة بضم القاف القدر المقبوض.
قال الجوهري: هي ما قبضت عليه من شيء. قال وربما جاء بالفتح وقد قرئ قبضة بضم القاف وفتحها ومعنى الفتح المرة من القبض ثم أطلقت على المقبوض وهو معنى القبضة بضم القاف.
(من أثر الرسول) أي من المحل الذي وقع عليه حافر فرس جبريل أي الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور للمناجاة وأخذ التوراة ولعل ذكره بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم، وللتنبيه على وقت أخذ القبضة.
(فنبذتها) أي فطرحتها في الحلى المذابة المسبوكة على صورة العجل فَخَارَ (وكذلك) أي ومثل ذلك التسويل (سوّلت) أي زينت (لي نفسي) قاله الأخفش، وقيل حدثتني نفسي أن أفعله ففعلته اتباعاً لهواي، وهو اعتراف بالخطأ واعتذار فلما سمع موسى منه ذلك.
(قال فاذهب) من بيننا (فإن لك في الحياة) أي ما دمت حياً وما عشت (أن تقول) لمن رأيته (لا مساس) أي لا تقربني وهو مأخوذ من المماسة أي لا يَمَسُّك أحد ولا تَمَسُّ أحداً، لكن لا بحسب الاختيار منك بل بموجب الاضطرار الملجئ إلى ذلك، لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينفي السامري عن قومه وأمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له ولا شيء أوحش منها ولا أعظم في الدنيا.
ويقال إن قومه باقية فيهم تلك الحالة إلى اليوم، قيل إنه لما قال له موسى ذلك هرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش ولا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار كمن يقول لا مساس لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، قال الجوهري في الصحاح، وأما قول العرب: لا مساس مثل قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس إهـ.
ولا مساس مصدر ماس (١) كقتال من قاتل فهو يقتضي المشاركة وهو مبني مع لا الجنسية؛ والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسك وحاصل ما قيل في معنى لا مساس ثلاثة أوجه.
стр. 5444
الأول: أنه حرم عليه مماسة الناس وكان إذا مسه أحد حم الماس والممسوس فلذلك كان يصيح إذا رأى أحداً: لا مساس.
والثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته، واعترض بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول هو لا مساس، وإنما يقال له ذلك وأجيب بأن المراد الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت لا مساس.
الثالث: أن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة قاله أبو مسلم وهو ضعيف جداً ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى لا تقتله فإنه سخي نقله القرطبي؛ وهذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وأن لا يخالطوا قاله الكرخي، ثم ذكر حاله في الآخرة فقال:
(وإن لك موعداً لن تخلفه) بفتح اللام وبالفوقية مبنياً للمفعول أي لن يخلفك الله ذلك الموعد وهو يوم القيامة والموعد مصدر أي إن لك وعداً لعذابك وهو كائن لا محالة، قال الزجاج: أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد، وقرئ لن تخلفه بكسر اللام وله معنيان أحدهما ستأتيه ولن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه ولن تجده مخلفاً، كما تقول أحمدته أي وجدته محموداً، والثاني على التهديد أي لا بد لك أن تصير إليه، ولن يخلف الله موعده الذي وعدك بل توافيه وسيصل إليك، ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، وقرئ لن نخلفه بالنون أي لن يخلفه الله.
(وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً) أصله ظللت، وقرئ بكسر الظاء أي دمت وأقمت على عبادته، قاله ابن عباس والعاكف الملازم.
(لنحرقنه) بالنار قرئ بضم النون وتشديد الراء من حرقه يحرقه وقرئ بتخفيف الراء من أحرقه يحرقه، ومن حرقت الشيء أحرقه حرقاً، إذا بردته وحككت بعضه ببعض أي لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق والقراءة الأولى أولى، ومعناها الإحراق بالنار، وكذلك معنى الثانية، وقد جمع بين هذه
стр. 5445
الثلاث القراءات بأنه أحرق؛ ثم برد بالمبرد، وفي قراءة ابن مسعود لنذبحنه ثم لنحرقنه واللام هي الموطئة للقسم.
(ثم لننسفنه في اليم نسفاً) قال ابن عباس. أي لنذرينه في هواء البحر بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتنين به لمن له أدنى نظر، والنسف نقض الشيء لتذهب به الريح، وقرئ بضم السين وبكسرها وهما لغتان، والمِنْسَف ما ينسف به الطعام وهو شيء منصوب الصدر أعلاه مرتفع والنسافة ما يسقط منه، والنسف التفرقة والتذرية، وقيل قلع الشيء من أصله، واليم البحر قاله ابن عباس، وقال عليّ: النهر.
стр. 5446
(إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) لا هذا العجل الذي فتنكم به السامري استئناف مسوق لتحقيق الحق إثر إبطال الباطل (وسع كل شيء علماً) أي وسع علمه كل شيء، وقرئ وسع مشددة، قال قتادة: وسع ملأ، وهذا آخر قصة موسى في هذه السورة المبتدأة بقوله: (وهل أتاك حديث موسى) الخ.
стр. 5447
(كذلك) كلام مستأنف خوطب به النبي ﷺ تسلية له وتبصرة بأحوال من تقدم وتكثيراً لمعجزاته وتذكيراً للمستبصرين من أمته؛ أي كما قصصنا عليك خبر موسى:
(نقص عليك من أنباء ما قد سبق) أي من أخبار الحوادث الماضية في الأمم الخالية لتكون تسلية لك، ودلالة على صدقك ومن للتبعيض أي بعض أخبار ذلك.
(وقد آتيناك من لدنا ذكراً) منطوياً ومشتملاً على هذه القصص والأخبار والمراد بالذكر القرآن قاله ابن زيد، وسمي ذكراً لما فيه من الموجبات للتذكر والاعتبار، وقيل المراد بالذكر الشرف كقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك) ثم توعد سبحانه المعرضين عن هذا الذكر فقال:
стр. 5448
(من أعرض عنه) فلم يؤمن به ولا عمل بما فيه، وقيل عن الله سبحانه (فإنه) أي المعرض عنه (يحمل يوم القيامة وزراً) أي إثماً عظيماً وعقوبة ثقيلة بسبب إعراضه
стр. 5449
(خالدين فيه) أي في عذاب الوزر، والمعنى أنهم مقيمون في جزائه فأقيم السبب مقام المسبب (وساء لهم) اللام للبيان كما في هيت لك (يوم القيامة حملاً) أي بئس الحمل، والمخصوص بالذم محذوف أي ساء لهم حملاً وزرهم.
стр. 5450
(يوم) أي اذكر يوم (ينفخ) قرئ بضم التحتية وبالنون مبنياً للفاعل، وبفتح الياء على أن الفاعل هو الله أو إسرافيل (في الصور) بسكون الواو، وقرئ بفتحها جمع صورة، والأول أولى وهو قرن ينفخ فيه يدعى به الناس للمحشر، والمراد بهذه النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله: (ونحشر المجرمين) المراد بهم المشركون والكافرون والعصاة المأخوذون بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم.
والمراد بقوله: (يومئذ) يوم النفخ في الصور (زرقاً) أي زرق العيون مع سواد الوجوه، والزرقة الخضرة في العين كعين السنور، والعرب تتشاءم بزرقة العين لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق؛ والزراقة أسوأ ألوان العين، وأبغضها إلى العرب ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين.
وقال الفراء: زرقاً أي عمياً، وقال الأزهري: عطاشاً، وهو قول الزجاج لأن سواد العين يتغير بالعطش إلى الزرقة، وقيل: إنه كناية عن الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة، وقيل هو كناية عن شخوص البصر من شدة الحرص، والقول الأول أولى، والجمع بين هذه الآية وبين قوله: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ما قيل من أن ليوم القيامة حالات ومواطن تختلف فيها صفاتهم ويتنوع عندها عذابهم، قال ابن عباس: فيه حالات يكونون في حال زرقاً، وفي حال عمياً.
(يتخافتون بينهم) أي يتشاورون قاله ابن عباس، وقيل يتسارون جملة حالية أو مستأنفة لبيان ما هم فيه في ذلك اليوم، والخَفْتُ في اللغة السكون والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت إسرار المنطق ثم قيل لمن خفض صوته خفته، والمعنى يخفضون أصواتهم ويخفونها ويقول بعضهم لبعض سراً لما لحقهم من هول ذلك اليوم ورعبه.
(إن) أي ما (لبثتم) في الدنيا أو في القبور، أو ما بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة (إلا عشراً) من الليالي بأيامها لأن الشهور غررها بالليالي فتكون الأيام داخلة فيها تبعاً، قاله في الكشاف، والمعنى أنهم يستقصرون ويستقلون مدة مقامهم ولبثهم في الدنيا جداً، وقيل: المراد بالعشر عشر ساعات، ثم لما قالوا هذا قال الله سبحانه
стр. 5453
(نحن أعلم بما يقولون) فيما بينهم.
(إذ يقول أمثلهم طريقة) أي أعدلهم قولاً وأكملهم رأياً وأعلمهم عند نفسه وقال سعيد بن جبير أوفاهم عقلا (إن لبثتم إلا يوماً) واحداً ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لكونه أدل على شدة الهول لا لكونه أقرب إلى الصدق.
стр. 5454
(ويسألونك عن) حال (الجبال) قال ابن جريج: قالت قريش كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة أي على سبيل الاستهزاء فأمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال (فقل) الفاء لجواب شرط محذوف، والتقدير.
стр. 5455
إن سألوك فقل، أو للمسارعة إلى إلزام السائلين (ينسفها ربي نسفاً).
قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعاً من أصولها ثم يصيرها رملاً تسيل سيلاً ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا، ثم كالهباء المنثور، يقال: نَسَفَت الريح التراب نسفاً من باب ضرب اقتلعته وفرقته واسم الآلة مِنْسَف بكسر الميم.
стр. 5456
(فيذرها) أي يترك الجبال باعتبار مواضعها أي فيذر مواضعها وأجزاءها السافلة الباقية بعد النسف وهي مقارُّها ومراكزُها، أي فيذر ما انبسط منها، وساوى مُسَطَّحُه مُسَطَّحَ أجزاء الأرض بعد نسف ما كان عليها من الجبال الشواهق، أو الضمير للأرض المدلول عليها بقرينة الحال أنها الباقية بعد نسف الجبال (قاعاً صفصفاً) قال ابن الأعرابي: هو الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء وقال الفراء: القاع مستنقع الماء، والصفصف القرعاء الملساء التي لا نبات فيها، كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة فـ (صفصفاً) قريب في المعنى من (قاعاً) فهو كالتأكيد له.
قال الجوهري: القاع المستوي الصلب من الأرض والجمع أَقْوُع وَأَقْوَاع وقيعان، والظاهر -من لغة العرب- أن القاع الموضع المنكشف، والصفصف الستوى الأملس.
стр. 5457
(لا ترى فيها) الضمير راجع إلى الجبال بذلك الاعتبار، أو إلى الأرض على ما مر (عوجاً) أي انخفاضاً وهو بكسر العين التَّعَوُّج. قاله ابن الأعرابي (ولا أمتاً) هو التلال الصغار، والَأمْت في اللغة المكان المرتفع، وقيل العِوج اليل والأمت الأثر مثل الشراك، وقيل العوج الوادي والأمت الرابية، وقيل الأمت النتوء اليسير، يقال مد حبله حتى ما فيه أَمْت، وقيل هما الانخفاض والارتفاع. وقيل العوج الصدوع والأمت الأكمة، وقيل الأمت الشقوق في الأرض. وقيل الآكام.
وقيل الأمت أن تغلظ في مكان، وتدق في مكان، ووصف مواضع الجبال
стр. 5458
بالعوج بكسر العين هاهنا يدفع ما يقال إن العوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في الأعيان والمحسوسات؛ إلا أن يقال عبر فيه بمكسور العين لكونه لشدة خفائه، كأنه صار من قبيل المعاني؛ أي لا تدركه فيها، ولو تأملته بالمقاييس الهندسية. قاله أبو السعود.
وقد تكلف لذلك صاحب الكشاف في هذا الموضع بما عنه غِنىً وفي غيره سعة. وعن ابن عباس قال: هي الأرض الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض. قال البيضاوي: هي ثلاثة أحوال مترتبة فالأولان باعتبار الإحساس والثالث باعتبار المقياس، ولذلك ذكر العوج وهو يخص المعاني.
стр. 5459
(يومئذ) أي يوم نسف الجبال (يتبعون الداعي) أي يتبع الناس داعي الله إلى المحشر فيقبلون من كل أوب إلى صوبه. قال الفراء: يعني بالداعي صوت الحشر، وقيل هو إسرافيل إذا نفخ في الصور، والراجح أن الداعي جبريل والنافخ إسرافيل تأمل.
(لا عوج له) أي مَعْدِل لهم عن دعائه فلا يقدرون على أن يزيغوا عنه وينحرفوا منه بل يسرعون إليه، كذا قال أكثر المفسرين، وقيل لا عوج لدعائه ولا يزيغون عنه يميناً ولا شمالاً، بل يتبعونه ويأتونه سراعاً ولا يميلون إلى ناس دون ناس، وقيل لا عوج لذلك الاتباع، والأول أظهر.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر؛ وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يَؤُمّونه، فذلك قول الله يومئذ (يتبعون الداعي لا عوج له).
وعن أبي صالح في الآية قيل: يضع إسرافيل الصور في فيه ويقف على صخرة بيت المقدس وينادي: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة والأوصال المتقطعة، هلمي إلى عرض الرحمن فإن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون عنه ويستوون إليه من غير انحراف، متبعين لصوته.
стр. 5460
(وخشعت الأصوات للرحمن) أي خفضت لهيبته وجلاله؛ وقيل ضعفت لعظمته، وقيل ذلت من شدة الفزع، وقيل سكنت، قاله ابن عباس، والمراد أصحاب الأصوات.
(فلا تسمع إلا همساً) هو الصوت الخفي، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال أكثر المفسرين: هو صوت نقل الأقدام إلى المحشر ووطئها، ومنه همست الإبل إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على الأرض. وعن الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن مثله، وعن سعيد أيضاً قال: سر الحديث والظاهر أن المراد هنا كل صوت خفي، سواء كان بالقدم أو من الفم بتحريك الشفاه أو غير ذلك، ويؤيده قراءة أبي: فلا ينطقون إلا همساً وهو مصدر همست الكلام، من باب ضرب إذا أخفيته والاستثناء مفرغ. وقال الزمخشري: الهمس الذكر الخفي ومنه الحروف المهموسة.
стр. 5461
(يومئذ) أي يوم يقع ما ذكرنا (لا تنفع الشفاعة) من شافع كائناً من كان (إلا) شفاعة (من أذن له الرحمن) في أن يشفع لغيره، وبه بدأ القاضي كالكشاف لما فيه من تعظيم الشافع، واللام للتعليل، أي لأجله.
(ورضي له قولاً) أي رضي قوله في الشفاعة، أو رضي لأجله قول الشافع، والمعنى إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له وكان له قول يرضى، ومثل هذه الآية قوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وقوله (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً). وقوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين). وفيه دلالة على أنه لا يشفع أحد لأحد إلا لمن يأذن الله له فيها، فلا شفاعة إلا بإذن منه سبحانه، وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين، وبه صرح البغوي؛ وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق، لأن قوله ورضي له قولاً، يكفي في صدقه أن يكون الله تعالى قد رضي له قولاً واحداً من أقواله. والفاسق قد رضي الله من أقواله شهادة أن لا إله إلا الله فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له بعد الإذن، لأن الاستثناء من النفي إثبات. والجملة تفسير لمن يؤذن في الشفاعة له.
стр. 5462
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)
وحاصل هذا التفسير أنه كل من قال في الدنيا لا إله إلا الله، أي كان مسلماً ومات على الإسلام وإن عمل السيئات
стр. 5463
(يعلم ما بين أيديهم) من أمور الساعة والآخرة (وما خلفهم) من أمور الدنيا، والمراد جميع الخلق. وقيل المراد بهم الذين يتبعون الداعي. وقيل الضمير للشافعين، وقال ابن جرير: يرجع إلى الملائكة أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها، والعموم أولى (ولا يحيطون به علماً) أي بالله سبحانه لا تحيط علومهم بذاته ولا بصفاته ولا بمعلوماته.
وقيل الضمير راجع إلى ما في الموضعين، فإنهم لا يعلمونّ جميع ذلك
стр. 5464
(وعنت الوجوه للحي القيوم) أي ذلت وخضعت. قاله ابن الأعرابي وعن ابن عباس وقتادة مثله. وقال مجاهد: خشعت. وقال أبو العالية: خضعت، وعن ابن عباس قال: وعنت الوجوه: الركوع والسجود، قال الزجاج: معنى عَنَتْ في اللغة خضعت، يقال عنا يعنو عنواً إذا خضع وذل وأعناه غيره؛ أي أذله، ومنه قيل للأسير عانٍ والجمع عناة؛ وقيل هو من العناء بمعنى التعب، وذكر الوجوه وأراد بها أصحابها، وخص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وأول ما يظهر فيها؛ ثم قسمها إلى قسمين بقوله:
(وقد خاب من حمل ظلماً) أي خسر من حمل شيئاً من الظلم، وقيل هو الشرك، وبه قال ابن جريج وقتادة.
وقوله