(هذان خصمان) أحدهما أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر المسلمون فهما فريقان يختصمان قاله الفراء وغيره، وقيل المراد بالخصمين الجنة والنار، قالت الجنة خلقني لرحمته، وقالت النار: خلقني لعقوبته وهو ضعيف، وقيل المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر فمن المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقد كان أبو ذر يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة والتابعين وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول.
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أيضاً عن علي أنه قال: فينا نزلت هذه الآية، وأنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة: وقال سبحانه.
(اختصموا) ولم يقل اختصما لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، قاله
стр. 5743
الفراء (في) شأن (ربهم) أي في دينه أو في ذاته أو في صفاته أو في شريعته لعباده أو في جميع ذلك.
قال أبو حيان: الظاهر أن الاختصام هو في الآخرة، بدليل التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: فالذين كفروا، وإن قلنا هذا في الدنيا فالجواب أنه لما كان تحقيق مضمونه في ذلك اليوم صح جعل يوم القيامة ظرفاً له بهذا الاعتبار ثم فصّل سبحانه ما أجمله في قوله يفصل بينهم فقال:
(فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) أي قدرت لهم على قدر جثثهم لأن الثياب الجدد تقطع على مقدار بدن من يلبسها، فالتقطيع مجاز عن التقدير بذكر المسبب وهو التقطيع وإرادة السبب وهو التقدير والتخمين، والظاهر أنه بعد ذلك جعل تقطيعها استعارة تمثيلية تهكمية شبه إعداد النار وإحاطتها بهم بتفصيل ثياب لهم وجمع الثياب لأن النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض وهذا أبلغ من جعلها من مقابلة الجمع بالجمع.
قال الأزهري: المعنى سوّيت وجعلت لبوساً لهم، وإنما شبهت النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقق وقوعه.
وقيل إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى، قاله سعيد بن جبير، وزاد ليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حراً منه، وقيل المعنى في الآية أحاطت النار بهم، والحق إجراء النظم القرآني على ظاهره ولا نرتضي تأويله بما يخالف لفظه ومعناه، وقرئ قُطِعَت بالتخفيف.
(يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم) هو الماء الحار المغلي بنار جهنم انتهت حرارته، والجملة مستأنفة، قال النحاس: يذاب على رؤوسهم
стр. 5744
(يصهر به) أي يذاب بالحميم (ما في بطونهم).
قال ابن عباس: تسيل أمعاؤهم (والجلود) قال ابن عباس: يتناثر
стр. 5745
جلودهم، وعن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول ﷺ يقول: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفة فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " أخرجه الترمذي (١) والحاكم وصححاه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم.
وعن ابن عباس قال: يمشون وأمعاؤهم تتساقط وجلودهم، وعنه قال: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون، والصهر الإذابة والصهارة ما ذاب منه، يقال صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب فهو صهير، والمعنى أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء ويصهر به الجلود.
وقيل إنّ الجلود لا تذاب بل تحرق فيقدر فعل يناسب ذلك. ويقال وتحرق به الجلود ولا يخفى أنه لا ملجئ لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذابته للجلد الظاهر بالأولى.
стр. 5746
(ولهم) يجوز في الضمير وجهان أظهرهما أنه يعود على الذين كفروا وفي اللام حينئذ قولان:
أحدهما: أنها للاستحقاق.
والثاني: أنها بمعنى على، كقوله. ولهم اللعنة وليس بشيء. الوجه الثاني: إن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم ويدل عليه سياق الكلام وفيه بعد.
وقوله (مقامع) جمع مقمعة ومقمع، يقال قمعته ضربته بالمقمعة وهي قطعة من حديد، يقال: قمعه يقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره به ويذله والمقمعة المطرقة، وقيل السوط وسميت المقامع مقامع لأنها تقمع
стр. 5747
المضروب أي تذلُله، قال ابن السكيت: يقال: أقمعت الرجل عني إقماعاً إذا طلع عليك فرددته عنك، والمعنى لهم مقامع كائنة.
(من حديد) يضربون بها، أخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: " لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان " (١).
стр. 5748
(كلما أرادوا) الإرادة هنا مجاز عن القرب (إن يخرجوا منها) أي من النار (من) أجل (غم) شديد من ضموم النار يأخذ بأنفاسهم وهو بدل اشتمال من منها بإعادة الجار أو الأولى لابتداء الغاية، والثانية بمعنى من أجل أي من أجل غم يلحقهم فخرجوا.
(أعيدوا فيها) أي ردوا إليها بالضرب بالمقامع، وهي الجرز من الحديد؛ والمراد إعادتهم إلى معظم النار لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم يعودون إليها، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ. كلما أرادوا الآية (و) قيل لهم (ذوقوا عذاب الحريق) أي المحرق الغليظ المنتشر العظيم الإهلاك البالغ نهاية الإحراق وأصل الحريق الاسم من الاحتراق تحرق الشيء بالنار واحترق حرقة واحتراقاً، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراك الألم، قال الزجاج: وهذا لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون.
стр. 5749
(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم بين بعض ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال: (يُحَلَّوْنَ فيها) بالتشديد والبناء للمفعول، وقرئ مخففاً أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره (من) للتبعيض أي يحلون بعض (أساور) للبيان أو زائدة، وهي جمع أسورة، والأسورة جمع سوار، وفيه لغتان كسر السين وضمها، وفيه لغة ثالثة وهي أسوار.
стр. 5750
(من ذهب) من للبيان (ولؤلؤاً) بالنصب أي ويحلون لؤلؤاً وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب، قال القرطبي: يسور المؤمن في الجنة بثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ.
(ولباسهم) أي جميع ما يلبسونه (فيها حرير) كما تفيده هذه الإضافة، ويجوز أن يراد أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرماً عليهم في الدنيا حلال لهم في الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه الأنفس؛ وكل واحد منهم يعطى ما تشتهيه نفسه، وينال ما يريده.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " (١) وفي الباب أحاديث. وغيّر الأسلوب حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريراً، للمحافظة على الفواصل، وللدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الدوام.
стр. 5751
(وهُدوا) أي: أرشدوا (إلى الطيب من القول) قيل هو لا إله إلا الله، وقيل الحمد لله، وقيل القرآن؛ وقيل هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وقل ابن عباس: هدوا أُلهموا، وعن أبي العالية قال: في الخصومة إذا قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم، وعن ابن زيد قال: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله الذي صدقنا وعده.
(و) معنى (هدوا إلى صراط الحميد) أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود، وهو الطريق الموصلة إلى الجنة أو صراط الله الذي هو دينه القويم وهو الإسلام قاله الضحاك.
(إن الذين كفروا ويصدون) أي يمنعون (عن سبيل الله) ودينه من أراد الدخول فيه، وعطف المضارع على الماضي لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصد ومثل هذا قوله: (إنّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، والمسجد الحرام)؛ أو المراد بالصد هنا الاستمرار لا مجرد الاستقبال؛ فصح عطفه بذلك على الماضي أي كفروا، والحال أنهم يَصدون، وقيل الواو زائدة، والمضارع خبر إنَّ، والأولى أن يقدر خبر إن بعد قوله الآتي (والباد) وذلك نحو خسروا أو هلكوا والمراد بالصد المنع.
(والسجد الحرام) قيل: المراد به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني؛ وقيل: الحرم كله، لأن المشركين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه عنه يوم الحديبية، وقيل المراد به مكة بدليل قوله:
(الذي جعلناه للناس) على العموم يصلّون فيه، ويطوفون به (سواء) مستويان (العاكف) المقيم (فيه) الملازم له، ويدخل فيه الغريب إذا جاور وأقام به ولزم التعبد فيه (والباد) أي الواصل من البادية، والمراد به الطارئ عليه المنتاب إليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم، وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادين عنه، وقيل جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومتعبداً للعاكف والبادي، سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك به. وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة
стр. 5754
من أهل العلم. ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة وقضاء النسك فيه وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي (١).
قال القرطبي: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه، واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبي.
وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها.
والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: الأول ما في هذه الآية، هل المراد بالمسجد الحرام نفسه أو جميع الحرم أو مكة على الخصوص. والثاني هل كان فتح مكة صلحاً أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة. وهل أقرها النبي ﷺ في أيدي أهلها على الخصوص أو جعلها لمن نزل بها على العموم، وقد أوضح الشوكاني هذا في شرحه على المنتقي بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة. ثم قال فيه بعد ذكر حجج الفريقين.
ومن أوضح الأدلة على أنها فتحت عنوة قوله ﷺ ، " وإنما أحلَّت لي ساعة من نهار " (٢)، فإن هذا تصريح بأنها أحلت له في ذلك بسفك الدماء بها وأن حرمتها ذهبت فيه وعادت بعده، ولو كانت مفتوحة صلحاً لما كان لذلك معنى، وقد ذكر المقبلي في الاتحاف أدلة قوية على أن المراد به نفس المسجد. وعن ابن عباس: المسجد الحرام الحرم كله خلق الله فيه سواء. وعن سعيد بن جبير مثله. وأيضاً قال: هم في منازل مكة سواء
стр. 5755
فينبغي لأهل مكة أن يتوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم. والبادي وأهل مكة سواء -يعني في المنزل والحرم. وعن ابن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه ناراً.
وعن عمر بن الخطاب أن رجلاً قال له عند المروة: أقطعني مكاناً لي ولعقبي فأعرض عنه وقال: هو حرم الله، سواء العاكف فيه والباد. وكان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله " ﷺ " في الآية: " سواء المقيم والذي يدخل " أخرجه الطبراني وغيره، قال السيوطي: بإسناد صحيح.
وعن ابن عمر مرفوعاً قال: " مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها " أخرجه ابن مردويه.
وعن علقمة بن نضلة قال: " توفي رسول الله " ﷺ " وأبو بكر وعمر وما يدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى سكن. رواه ابن ماجة. وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً " من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها لأنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي، وإليه ذهب أبو حنيفة وعلى القول الأول يجوز ذلك، وإليه ذهب الشافعي مستدلاً بقوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم) فنسب الديار إليهم نسبة ملك واشتراء.
وقال رسول الله " ﷺ " يوم الفتح: " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " (١) والأول أقوى والله أعلم.
(ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) مفعول (يرد) محذوف لقصد التعميم، أي من يرد فيه مراداً، أي مراداً بعدول عن القصد والاعتدال. والإلحاد في اللغة الميل، إلا أنه سبحانه بين هنا أنه الميل بظلم. وقد اختلف في هذا
стр. 5756
الظلم ماذا هو، فقيل هو الشرك، وقيل الشرك والقتل، وقيل صيد حيواناته وقطع أشجاره. وقيل هو الحلف فيه بالأيمان الفاجرة.
وقيل المراد المعاصي فيه على العموم حتى شتم الخادم، وقيل هو دخول الحرم بغير احرام أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم؛ وقيل احتكار الطعام، لما روى يعلى بن أمية أن رسول الله " ﷺ " قال: " إن احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه " أخرجه أبو داود (١).
وعن ابن عمر " بيع الطعام بمكة الحاد " وعنه سمعت رسول الله " ﷺ " يقول: " احتكار الطعام بمكة إلحاد " (٢) أخرجه البيهقي في الشعب، والباء في بإلحاد قيل ليست بزائدة إنْ كان مفعول (يرد) محذوفاً كما ذكرنا. وقيل زائدة، وبه قال الأخفش، والمعنى عنده ومن يرد فيه إلحاداً بظلم، وقال أهل الكوفة: المعنى بأن يلحد، وقيل من يرد الناس بإلحاد، وقيل إن يرد مضمناً معنى يهم، والمعنى من يهم فيه بإلحاد، والباء في بظلم للسببية وقيل غير ذلك.
(نذقه من عذاب أليم) في الآخرة إلا أن يتوب. قاله السدي، قيل المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان، وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا: لو همّ الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذبه الله.
وعن ابن مسعود رفعه قال: لو أن رجلاً همّ بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً. قال ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري وقفه أشبه من رفعه. وعنه قال: من همّ بخطيئة فلم يعملها في
стр. 5757
سوى البيت لم يكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم.
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنَيْس أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب ابن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)؛ يعني من لجأ إلى الحرام بإلحاد بميل عن الإسلام.
والحاصل أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرد الإرادة للظلم فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها إلا أن يقال إن الإرادة فيها زيادة على مجرد حديث النفس، وبالجملة فالبحث عن هذا تقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جداً، ومثل هذه الآية حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار "، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (١)، فدخل النار هنا بمجرد حرصه على قتل صاحبه، وقد أفرد الشوكاني هذا البحث برسالة مستقلة.
стр. 5758
(و) اذكر (إذ بوأنا لإبراهيم) يقال بوأته منزلاً وبوأت له، كما يقال مكنتك ومكنت لك، قال الزجاج: معناه جعلنا (مكان البيت) مبوأ لإبراهيم، وقيل معنى بوأنا بينا له، وقيل وطأنا، وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أسه القديم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعاً بذراعهم؛ وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفاً، وجعل له باباً وحفر له بئراً يلقى فيها ما يهدى للبيت وبناه قبله شيث وقبل شيث آدم وقبل آدم الملائكة وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة.
стр. 5759
(إن لا تشرك بي شيئاً) أي أوحينا إليه أن لا تعبد غيري، قال المبرد: كأنه قيل له وحّدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك بي وحّدني. وقالت فرقة: الخطاب بقوله: (أن لا تشرك) لمحمد ﷺ ، وهذا ضعيف جداً.
(وطهر بيتي) من الشرك والأقذار وعبادة الأوثان، وفي الآية طعن على أن من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده، وأنتم فلم تفوا بل أشركتم. والمعنى تطهيره من الكفر والأوثان والدماء والبدع وسائر النجاسات.
وقيل: عنى به التطهير عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهماً والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم، وقيل المعنى نزهه أن يعبد فيه صنم، وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مر في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى.
(للطائفين) الذين يطوفون بالبيت (والقائمين) هم المصلون (و) ذكر قوله: (الركع السجود) بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا في البيت، كالطواف عنده والصلاة إليه.
стр. 5760
(وأذّن) أي ناد (في الناس بالحج) أي بدعوته والأمر به، وقرئ آذن بالمد والأذان الاعلام. وعن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فرغت، قال: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: رب كيف أقول؟ قال: " قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق " فسمعه من في السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون، وفي الباب آثار عن جماعة من
стр. 5761
الصحابة؛ وبه قال جماعة من المفسرين، وزادوا: فعلا على المقام، فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال.
وقيل: علا على جبل أبي قبيس فلما صعده للنداء خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، ونادى في الناس بالحج قال: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتاً وكتب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من كتب له أن يحج ممن كان في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات، لبيك اللهم لبيك. قال القسطلاني: فمن لبى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته. انتهى، قيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجاً.
وقيل إن الخطاب لنبينا محمد ﷺ ، والمعنى أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله: (والركع السجود) وقيل إن خطابه انتهى عند قوله (مكان البيت)، وما بعده خطاب لنبينا محمد ﷺ أمره أن يقول ذلك في حجة الوداع.
عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله " ﷺ " فقال: " يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " أخرجه مسلم (١)، قال في المدارك: والأول أظهر وقرأ الجمهور بالحج بفتح الحاء، وابن إسحاق في كل القرآن بكسرها.
(يأتوك رجالاً) هذا جواب الأمر وعده الله إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى رجالاً مشاة جمع راجل وقيل: جمع رجل، وقرئ بضم الراء رُجالاً، وقرئ على وزن كسالى، وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، قال الكرخي: إذ للراكب بكل خطوة سبعون حسنة وللراجل سبعمائة من حسنات الحرم، كل حسنة مائة
стр. 5762
ألف حسنة، وإبراهيم وإسماعيل ﵉ حجا ماشيين، انتهى.
أقول: المعتمد في الباب أن الركوب أفضل من المشي لأن رسول الله " ﷺ " حج راكباً كما في الروايات الصحيحة المشهورة، وفضيلة الاتباع تربو على غيره، وإن كان المشي فضيلة في نفسه سواء قدر على المشي أم لا قبل الإحرام وبعده، والحديث الذي ذكره الكرخي تبعاً للغزالي، والرافعي ضعيف على ما فيه، قاله ابن علان في مثير شوق الأنام إلى بيت الله الحرام، وممن ضعّفه ابن حجر المكي في شرح العباب وشرح المنهاج. والجواب عن التقديم أنه قد لا يفيد التفضيل قطعاً أو على الأصح، وقد يتقدم المفضول ويتأخر الأفضل، قال تعالى: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وقال: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) وقال: (إن مع العسر يسراً) إلى غير ذلك من الآيات فليعلم، وقال: (يأتوك) وإن كانوا يأتون البيت لأن من أتى الكعبة حاجاً فقد أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه.
(وعلى كل ضامر) أي وركباناً على كل بعير، والضامر: البعير المهزول، الذي أتعبه السفر، يقال ضمر يضمر ضموراً؛ وضَمَر الفرس من باب دخل وضمُر أيضاً بالضم فهو ضامر فيهما، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضاً أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوماً، ووصف الضامر بقوله: (يأتين) باعتبار المعنى لأن ضامر في معنى ضوامر.
(من كل فج عميق) الفج الطريق الواسع، الجمع فجاج والعميق البعيد، قال النسفي: قدم الرجال على الركبان إظهاراً لفضيلة المشاة انتهى، وليس بشيء لأن الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة في الحديث الصحيح شرط في فريضة الحج واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجب الحج على راكب البحر، وهو استدلال ضعيف، لأن مكة ليست على بحر، وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين بمشي أو ركوب، فذكر تعالى ما يتوصل به إليها.
(ليشهدوا) أي ليحضروا (منافع لهم) وهي تعمّ منافع الدنيا والآخرة وقيل المراد بها المناسك، وقيل المغفرة، وقيل التجارة كما في قوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم).
قال ابن عباس: أسواقاً كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا الدنيا، وعنه قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، فأما منافع الآخرة فرضوان الله؛ وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم، والذبائح والتجارات، ونكر منافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات، وللنسفي في هذا المقام كلام حسن من باب الاعتبار تركنا ذكره روما للاختصار فمن شاء إدراكه فليرجع إلى المدارك.
(ويذكروا اسم الله) عند ذبح الهدايا والضحايا، وقيل إن هذا الذكر كناية عن الذبح لأنه لا ينفك عنه تنبيهاً على أن المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسمه (في أيام معلومات) هي أيام النحر كما يفيد ذلك قوله الآتي (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وبه قال ابن عمر والصاحبان، وقيل عشر ذي الحجة وهو قول أكثر المفسرين والشافعي وأبي حنيفة.
قال ابن عباس: الأيام المعلومات أيام العشر، وعنه قال: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وعنه قال: أيام التشريق؛ وعنه قال: قبل يوم التروية
стр. 5765
بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، وقد تقدم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده؛ والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث.
(على) ذبح (ما رزقهم من بهيمة الأنعام) هي الأنعام فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم مسجد الجامع وصلاة الأولى والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا (فكلوا منها) أي من لحومها والأمر هنا للندب عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب.
(وأطعموا البائس الفقير) البائس ذو البؤس، وهو شدة الفقر فذكر الفقير بعده لمزيد من الإيضاح، وقال ابن عباس: البائس، الزّمِن (١) الذي لا شيء له والأمر هنا للوجوب؛ وقيل للندب.
стр. 5766
(ثم) أي بعد حلهم خروجهم من الإحرام وبعد الإتيان بما عليهم من النسك (ليقضوا تفثهم) المراد بالقضاء هنا هو التأدية أي ليؤدوا إزالة وسخهم لأن التفث هو الوسخ والدرن، والشعث والقذارة من طول الشعر والأظفار، وقد أجمع المفسرون كما حكاه النيسابوري على هذا.
قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث، وقال أبو عبيدة: لم يأت في الشعر ما يحتج به في معنى. التفث، وقال المبرد: أصل التفث في اللغة كل قاذورة تلحق الإنسان، وقيل قضاؤه ادهانه لأن الحاج مغبر شعث لم يدهن، ولم يستحد فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ولبس ثيابه فهذا هو قضاء التفث قال الزجاج: كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال.
وعن ابن عمر قال: التَفثُ المناسك كلها، وعن ابن عباس نحوه،
стр. 5767
وعنه قال: التفث حلق الرأس والأخذ من العارضين ونتف الابط وحلق العانة والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، وقص الأظفار، وقص الشوارب والذبح.
(وليوفوا) بالتخفيف والتشديد (نذورهم) أي ما ينذرون به من البر في حجهم، والأمر للوجوب، وقيل المراد بالنذر هنا أعمال الحج، أو الهدايا والضحايا (وليطوفوا بالبيت العتيق) هذا الطواف هو طواف الإفاضة الواجب ووقته يوم النحر بعد الرمي والحلق.
قال ابن جرير: لا خلاف في ذلك بين المتأولين والعتيق القديم كما يفيده قوله سبحانه: (إنّ أول بيت وضع للناس) الآية، وقد سمي العتيق لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله منه، وقيل لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب.
وقيل لأنه أعتق من غرق الطوفان فإنه رفع في أيامه، وقيل لأنه لم يملك قط وقيل العتيق الكريم، وقد ورد في وجه تسمية البيت بالعتيق آثار عن جماعة من الصحابة، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن العرش مطاف أهل السماء، فإن الطالب إذا هاجته معية الطرب، وجذبته جواذب الطلب، جعل يقطع مناكب الأرض مراحل، ويتخذ مسالك المهالك منازل فإذا عاين البيت لم يزده التسلي به إلا اشتياقاً، ولم يفده باستلام الحجر إلا احتراقاً فيرده الأسف لهفان ويردده الكهف حوله في الدوران.
وورد في فضل الطواف أحاديث ليس هذا موضع ذكرها.
стр. 5768
(ذلك) أي الأمر ذلك، وهذا وأمثاله يطلق ويذكر للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا، وقد كان كذا، قاله أبو حيان في البحر، أو المعنى. افعلوا ذلك، والمشار إليه هو ما سبق من أعمال الحج (ومن يعظم حرمات الله) جمع حرمة، وهي ما لا يحل انتهاكه.
стр. 5769
قال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه وهي في هذه الآية ما نهى عنها، ومنع من الوقوع فيها كالجدال والجماع والصيد، والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره، كما يفيده اللفظ، وإن كان السبب خاصاً وتعظيمها ترك ملابستها.
قال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وقيل هي البيت الحرام، والمشعر الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام، والشهر الحرام، وتعظيمها القيام بمراعاتها وحفظ حرمتها، وقيل هي مناسك الحج، وتعظيمها إقامتها وإتمامها.
(فهو) أي فالتعظيم (خير له) من التهاون بشيء منها (عند ربه) يعني في الآخرة، وقيل إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد أن ذلك التعظيم خير ينتفع به أي قربة وطاعة يثاب عليها عند الله فهو عدة بخير.
(وأحلت لكم الأنعام) أن تأكلوها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم كما تقدم (إلا ما يتلى عليكم) تحريمه في الكتاب العزيز من المحرمات وهي الميتة وما ذكر معها في آية المائدة فالاستثناء منقطع لما ذكر في آية المائدة بما ليس من جنس الأنعام كالدم ولحم الخنزير، ويجوز أن يكون متصلاً بأن يصرف إلى ما يحرم من بهيمة الأنعام بسبب عارض كالموت ونحوه، وقيل وجه الانقطاع أنه ليس في الأنعام محرم، قاله الشهاب والسمين، وقيل في قوله: (إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم).
(فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الرجس: القذر والوسخ وعبادة الأوثان قذر معنوي والوثن التمثال وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه وسمى الصليب وثناً لأنه ينصب ويركز في مقامه فلا يبرح عنه، والمراد اجتناب عبادة الأوثان وسماها رجساً لأنها سبب الرجس، وهو العذاب، وقيل جعلها سبحانه رجساً حكماً والرجس النجس وليست النجاسة وصفاً ذاتياً لها، ولكنها
стр. 5770
وصف شرعي فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء، قال الزجاج: (مِن) هنا لتخليص جنس من أجناس أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
وقال ابن عباس: يقول اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان (واجتنبوا قول الزور) الذي هو الباطل وسمي زوراً لأنه مائل عن الحق، ومنه قوله تعالى: (تزاور عن كهفهم) وقوله: (مدينة زوراء) أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على العموم فهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، والمشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فأعظمه الشرك بالله بأي لفظ كان.
وقال الزجاج: المراد هنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها، وقولهم: هذا حلال وهذا حرام، وقيل المراد به شهادة الزور، وقال ابن عباس: يعني الافتراء على الله والتكذيب به وقيل هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك
أخرج أحمد والترمذي وابن المنذر وغيرهم عن أيمن بن حريم قال: قام رسول الله ﷺ خطيباً فقال: " يا أيها الناس عدلت شهادة الزور شركاً بالله ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية (١)، قال أحمد: غريب ولا نعرف لأيمن بن حريم سماعاً من النبي ﷺ ، وقد ثبت في الصحيحن وغيرهما من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً، قلنا بلى يا رسول الله، قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال وقول الزور ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " (٢).
(حنفاء لله) أي مستقيمين على الحق أو مائلين إلى الحق مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه، ولفظ حنفاء من الأضداد يقع على الاستقامة، ويقع على الميل، وقيل معناه حجاجاً قاله ابن عباس.
وعن أبي بكر الصديق نحوه ولا وجه لهذا (غير مشركين به) شيئاً من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم تأكيد لما قبله، وهما حالان من الواو في اجتنبوا، والأولى مؤسسة، والثانية مؤكدة، قيل أن أهل الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام قال الله للمسلمين: حجوا الآن غير مشركين به.
(ومن يشرك بالله) مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر بالاجتناب، والغرض بهذا ضرب المثل لمن يشرك بالله، والمعنى أن بعد من أشرك به عن الحق والإيمان (فكأنما خر) أي كبعد من سقط (من السماء) إلى الأرض، أي انحط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر.
(فتخطفه الطير) يقال خطفه يخطفه إذا سلبه، ومنه قوله: (يخطف أبصارهم) أي تخطف لحمه وتسلبه وتقطعه بمخالبها وتذهب به، وقرئ بتشديد الطاء وفتحها وبكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما.
(أو تهوي به الريح) أي تقذفه وترمي به (في مكان سحيق) يقال
стр. 5773
سحق يسحق سحقاً فهو سحيق إذا بعد، أي بعيد فلا يصل إليه أحد بحال، قاله الزجاج وقيل شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة، إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق.
قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده هلاك، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير متفرقاً موزعاً في حواصلها، وعصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة وإن كان مفرقاً، فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء المردية بالطير المختطفة، والشيطان الموقع في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة.
стр. 5774
(ذلك ومن يعظم شعائر الله) جمع شعيرة أو شعارة بالكسر بوزن قلادة وهي كل شيء فيه لله شعار، ومنه شعار القوم في الحرب وهو علامتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البُدُن وهو الطعن في جانبها الأيمن، فشعائر الله أعلام دينه، وتدخل فيها الهدايا في الحج دخولاً أولياً.
وعن ابن عباس في الآية قال: الشعار البدن والاستسمان والاستحسان والاستعظام وينبغي للإنسان أن يترك المشاحة في ثمنها.
روي أن رسول الله ﷺ أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وأن عمر أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار.
(فإنها) الضمير يرجع إلى الشعائر بتقدير مضاف محذوف، أي فإن تعظيم الشعائر (من تقوى القلوب) أي مبتدأ وناشئ من أفعال القلوب التي هي من التقوى، وإنما ذكر القلوب لأنها مراكز التقوى
стр. 5775
(لكم فيها) أي في
стр. 5776
الشعائر على العموم أو على الخصوص وهي البدن كما يدل عليه السياق واجبة أو مندوبة.
(منافع) ومنها الركوب والدر والنسل والصوف والوبر وغير ذلك مما لا يضرها (إلى أجل مسمى) وهو وقت نحرها، وقيل إلى أن تسمى بدناً، قاله ابن عباس، وعن مجاهد نحوه، وقال: في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها منافع إلى أن تسمى هدياً، فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع.
(ثم محلِها) أي حيث يحل نحرها حين تسمى (إلى البيت العتيق) المعنى أنها تنتهي إلى البيت وما يلية من الحرم، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرة إلى وقت نحرها، ثم تكون منافعها بعد ذلك دينية.
وقيل إن محلها هاهنا مأخوذ من إحلال الحرام، والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت، فالبيت على هذا مراد بنفسه. قال عكرمة: إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها.
стр. 5777
(ولكل أمة) هي الجماعة المجتمعة على مذهب واحد (جعلنا منسكاً) مصدر من نسك ينسك إذا ذبح القربان، والذبيحة نسيكة، قال الأزهري: إن المراد بالمنسك في الآية موضع النحر، ويقال منسِك بكسر السين وفتحها لغتان. قال الفراء المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر، وقال ابن عرفة: منسكاً أي مذهباً من طاعة الله.
وروي عن الفراء أن المنسك العيد، وبه قال ابن عباس وقيل هو الحج. وقال مجاهد في الآية: إهراق الدماء، وعن عكرمة قال: ذبحاً، وعن
стр. 5778
زيد بن أسلم قال: مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها، والأول أولى لقوله:
(ليذكروا اسم الله) والمعنى جعلنا لكل أهل دين من الأديان أو لجماعة مسلمة سلفت قبلكم ذبحاً يذبحونه ودماً يريقونه أو متعبداً أو طاعة أو عيداً أو حجاً يحجونه ليذكروا اسم الله وحده ويجعلوا نسكهم خاصاً به (على) ذبح (ما رزقهم من بهيمة الأنعام) سماها بهيمة لأنها لا تتكلم، وقيد بالأنعام لأن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها وإن أجاز أكله، وفي القاموس البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يميز، والجمع بهائم، والأبهم الأعجم، واستبهم استعجم فلم يقدر على الكلام.
وفي الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ذكر اسم الله عليه، وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا موضع ذكرها. ثم أخبرهم سبحانه بتفرده بالإلهية وأنه لا شريك له فقال:
(فإلهكم إله واحد) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ثم أمرهم بالإسلام والانقياد لطاعته وعبادته فقال: (فله أسلموا) أي انقادوا وأخلصوا وأطيعوا وتقديم الظرف على الفعل للقصر، والفاء كالفاء التي قبلها.
(وبشر المخبتين) من عباده، أي المتواضعين الخاشعين المخلصين. وقال مجاهد: أي المطمئنين، وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا، وهو مأخوذ من الخبت وهو المنخفض من الأرض، والمعنى بشّرهم يا محمد بما أعد الله لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه، ولا يخفى حسن التعبير بالمخبتين هنا من حيث إن نزول الخبت مناسب للحجاج لما فيهم من صفات المتواضعين، كالتجرد عن اللباس وكشف الرأس والغربة عن الأوطان، ولذا وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله:
(الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) أي خافت وحذرت مخالفته وحصول الوجل منهم عند الذكر له سبحانه دليل على كمال يقينهم وقوة إيمانهم (والصابرين على ما أصابهم) من البلايا والمصائب والمحن في طاعة الله (والمقيمي الصلاة) وصفهم بإقامة الصلاة، أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه الكمال لأن السفر مظنة التقصير فيها، ثم وصفهم سبحانه بقوله:
(ومما رزقناهم ينفقون) أي يتصدقون به وينفقونه في وجوه البر ويضعونه في مواضع الخير، والمراد صدقة التطوع، ويعلم منه أنهم كانوا يتصدقون الصدقة الواجبة بالأولى.