سبحانه وعلامات يستدل بها على عظيم شأنه (وإن كنا لمبتلين) أي لمختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه أو لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي من الناس أو الملائكة، وقيل المعنى أنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم تارة بالإرسال وتارة بالعذاب لينظر من يعتبر ويذكر كقوله: (ولقد تركناها آية فهل من مذكر).
стр. 5917
(ثم أنشأنا من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم (قرناً) أي قوماً (آخرين) قال أكثر المفسرين: إن هؤلاء هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع؛ ولقوله في الأعراف (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) وقيل هم ثمود لأنهم الذين أهلكوا بالصيحة، وقد قال سبحانه في هذه القصة (فأخذتهم الصيحة)، وقيل هم أصحاب مدين قوم شعيب، لأنهم ممن أهلك بالصيحة.
стр. 5918
(فأرسلنا فيهم رسولاً منهم) عدّي فعل الإرسال بـ (في) مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم وبين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم، وقيل وجه التعدية بفي أنه ضمن معنى القول، والأول أولى، لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا: لا يستلزم تعديته بفي.
(أن اعبدوا الله) أن مفسرة لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول هذا القول (ما لكم من إله غيره) تعليل للأمر بالعبادة (أفلا تتقون)؟، عذابه الذي يقتضيه شرككم.
стр. 5919
(وقال الملأ من قومه) أي قادتهم وأشرافهم، ثم وصف الملأ بالكفر والتكذيب فقال: (الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة) أي بما في الآخرة من الحساب والعقاب أو بالمصير إليها أو كذبوا بالبعث.
стр. 5920
(وأترفناهم في الحياة الدنيا) أي وسعنا لهم نعم الدنيا فبطروا بسبب ما صاروا فيه من كثرة المال ورفاهة العيش حتى وصفوا رسولهم بمساواتهم في البشرية وفي الأكل والشرب فقالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) منه. قاله الفراء.
وقيل (ما) مصدرية فلا تحتاج إلى عائد، وذلك يستلزم عندهم أنه لا فضل له عليهم، وهذه شبهة أولى تنتهي عند قوله: لخاسرون.
стр. 5921
(ولئن أطعتم بشراً مثلكم) فيما ذكر من الأوصاف (إنكم إذاً) أي إذا أطعتموه (لخاسرون) أي مغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم.
стр. 5922
(أيعدكم أنكم إذا مِتّم) الهمزة للإنكار، والجملة مستأنفة مقررة لما
قبلها من تقبيح اتباعهم له بإنكار وقوع ما يدعوهم إلى الإيمان به واستبعاده،
قرئ بكسر اليم من (مِتم) من مات يمات كخاف يخاف وبضمها من مات يموت كقال يقول (وكنتم) أي كان بعض أجزائكم (تراباً و) بعضها (عظاماً) نخرة لا لحم فيها، ولا أعصاب عليها، قيل وتقديم التراب لكونه أبعد في عقولهم، وقيل المعنى كان متقدموكم تراباً ومتأخروكم عظاماً.
(أنكم مخرجون) أي مبعوثون من قبوركم أحياء كما كنتم للسؤال والحساب والثواب والعقاب وثنى أنكم للتأكيد؛ وحسن ذلك طول الفصل بين الأولى والثاني بالظرف، وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء وقيل بدل من الأولى وإليه ذهب سيبويه.
(هيهات هيهات) أي بعد، وقال ابن عباس: بعيد بعيد، قال ابن الأنباري: وفي هيهات عشر لغات، ثم سردها وهي مبينة في علم النحو، وقد قرئ ببعضها قال سليمان الجمل: فيه لغات كثيرة تزيد على أربعين، ثم ذكر منها مشهورها، وما قرئ به تركناها لقلة الفائدة هنا، هو اسم فعل ماض بمعنى مصدر والغالب في الاستعمال أن تستعمل هذه الكلمة مكررة، والثانية توكيد لفظي للأولى وليست المسئلة من التنازع، واللام في (لما توعدون) لبيان المستبعد كما في قوله (هيت لك)، كأنه قيل لماذا هذا الاستبعاد؟ فقيل لما توعدون.
والمعنى بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون، هذا على أن (هيهات) اسم فعل وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون على قراءة من نوّن، ثم بين سبحانه إترافهم بأنهم قالوا:
стр. 5925
(إنّ هي) أي ما الحياة (إلا حياتنا الدنيا) لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها، حذراً من التكرار وإشعاراً بإغنائها عن التصريح كما في هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت، وحيث كان الضمير بمعنى الحياة الدالة على الجنس كانت (إن) النافية بمنزلة لا النافية للجنس، وجملة:
стр. 5926
(نموت ونحيا) مفسرة لما ادعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا، وقيل يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقيل يموت قوم ويحيا قوم، أو يموت بعض، ويولد بعض، وينقرض قرن، فيأتي آخر وفيه تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وبه قرأ أبيّ وابن مسعود، ثم صرحوا بنفي البعث، وأن الوعد به منه افتراء على الله فقالوا:
(وما نحن بمبعوثين) بعد الموت
стр. 5927
(إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً) أي ما هو فيما يدعيه من النبوة والبعث إلا مفترياً يكذب على الله (وما نحن له بمؤمنين) أي بمصدقين له فيما يقوله.
стр. 5928
(قال) نبيهم لما علم بأنهم لا يصدقون البته (رب انصرني) عليهم وانتقم لي منهم (بما كذبون) أي بسبب تكذيبهم إياي
стр. 5929
(قال) الله سبحانه مجيباً لدعائه واعداً له بالقبول لما دعا به (عما قليل) من الزمان وفي معناه عن قريب و (عن) بمعنى بعد و (ما) مزيدة بين الظرف للتوكيد لقلة الزمان، كما في قوله: (فبما رحمة من الله).
(ليصبحن نادمين) على ما وقع منهم من التكذيب والعناد، والإصرار على الكفر، ثم أخبر سبحانه بأنهم أخذتهم الصيحة، وحاق بهم عذابه، ونزل عليهم سخطه فقال:
стр. 5930
(فأخذتهم الصيحة).
قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله بها فماتوا جميعاً، وقيل الصيحة هي نفس العذاب والهلاك الذي نزل بهم (بالحق) أي كائنة بالعدل من الله فماتوا، يقال: فلان يقضي بالحق أي بالعدل، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم فقال:
(فجعلناهم غثاء) أي كغثاء السيل قيل الغثاء الجفاء، وقال
стр. 5931
الزجاج: هو البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل فخالط زبده، وقيل كل ما يلقيه السيل، والقدر مما لا ينتفع به، وبه يضرب المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غثا الوادي يغثوا غثواً، وكذلك غثت القدر، وقال المحلي: هو نبت يبس، وعنه: هو العشب إذا يبس، والمعنى صيرناهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء، وقال ابن عباس: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.
(فبعداً للقوم الظالمين) أي بعدوا بعداً، أو ألزمنا بعداً فهو إخبار أو دعاء واللام لبيان من قيل له ذلك، كما في سقياً له وجدعاً له، قاله الزمخشري، وقال الحوفي: متعلق ببعداً، وهذا مردود لأنه لا يحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها البتة، ولذلك مَنعوا الاشتغال في قوله: (فتعساً لهم)، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يستعمل إظهارها، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.
стр. 5932
(ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين) أي مع رسلهم بعد إهلاكهم، قيل هم قوم صالح ولوط وشعيب ويونس وأيوب وغيرهم كما وردت قصتهم على هذا الترتيب في الأعراف وهود، وقيل هم بنو إسرائيل وكان فيهم الرسل قبل موسى، والقرون، الأمم، ولعل وجه الجمع هنا للقرون، والإفراد فيما سبق قريباً أنه أراد هاهنا أمماً متعددة، وهناك أمة واحدة، ثم بين سبحانه كمال علمه وقدرته في شأن عباده فقال:
стр. 5933
(ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) أي ما يتقدم كل طائفة مجتمعة في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك ولا يتأخر عنها، ومثل ذلك قوله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية المعنى لأن أمة بمعنى قوم، ثم بين سبحانه أن رسله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأن أممهم كان واحداً في التكذيب لهم فقال:
(ثم أرسلنا رسلنا تترا) يعني إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء القرن الذي أرسل إليه لا على معنى أن إرسال الرسل جميعاً متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعاً ومعنى تترا تتواتر واحداً بعد واحد ويتبع بعضهم بعضاً من الوتر وهو الفرد، قال الأصمعي: واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضاً إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة، وقال غيره: المتواترة المتتابعة بغير مهلة؛ والأول أولى لأن ما كان بدونها، قيل مداركة ومواصلة، كما في القاموس لا تترا، وقرئ تتراً بالتنوين على أنه مصدر، قال النحاس: وعلى هذا يجوز تِترا بكسر التاء لأن معنى ثم أرسلنا واترنا، وقرئ بألف من غير تنوين كشبعى ودعوى فألفه للتأنيث، أو في موضع الحال أي متواترين.
قال ابن عباس: بعضهم على إثر بعض، أي غير متواصلين، لأن بين كل رسولين زمناً طويلاً.
(كلما جاء أمةً رسولُها كذبوه) مستأنفة مبينة لمجيء كل رسول لأمته على أن المراد بالمجيء التبليغ (فاتبعنا) الأمم والقرون (بعضهم بعضاً) أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب (وجعلناهم أحاديث) أي سمراً وقصصاً وأخباراً يسمع بها ويتعجب منها ويتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به الناس، كالأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما
стр. 5936
يتعجب الناس منه، أو جمع حديث على غير قياس، وفي السمين ولكنه شاذ.
وقال الأخفش: إنما يقال ذلك في الشر ولا يقال في الخير، كما يقال صار فلان حديثاً، أي عبرة، وكما قال سبحانه في آية أخرى (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق).
قلت: وهذه الكلية غير مسلمة، فقد يقال صار فلان حديثاً حسناً، وقد شذت العرب في ألفاظ فجمعوها على صيغة أفاعيل كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث تكون اسم جمع للحديث. ومنه أحاديث رسول الله ﷺ ، وأفاعيل ليس من أبنية اسم الجمع، وإنما ذكره أصحابنا فيما شذ من الجموع، كقطيع وأقاطيع، وإذا كان عباديد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد فأحرى أحاديث، وقد لفظ له بواحد وهو حديث، فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا.
(فبعداً لقوم) دعاء عليهم (لا يؤمنون) وصفهم هنا بعدم الإيمان، وفيما سبق قريباً بالظلم لكون كل من الوصفين صادراً عن كل طائفة من الطائفتين، أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرد عدم التصديق، وأولئك ضموا إليه تلك الأقوال الشنيعة التي هي أشد الظلم وأفظعه، ثم حكى سبحانه ما وقع من فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم فقال:
стр. 5937
(ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون) متلبسين (بآياتنا) هي التسع المتقدم ذكرها غير مرة، ولا يصح عد فلق البحر منها هنا، لأن المراد الآيات التي كذبوا بها واستكبروا عنها (وسلطان مبين) المراد به الحجة الواضحة البينة، قيل هي الآيات التسع نفسها، والعطف من باب:
إلى الملك القرم وابن الهمام
وقيل أراد العصا لأنها أم الآيات فيكون من باب عطف جبريل على الملائكة وقيل المراد بالآيات الدلائل التي كانت لهما، وبالسلطان المبين التسع
стр. 5938
الآيات
стр. 5939
(إلى فرعون وملئه) أي الأشراف منهم كما سبق بيانه غير مرة (فاستكبروا) أي طلبوا الكبر وكلفوه، وتعظموا عن الإيمان فلم ينقادوا للحق (وكانوا قوماً عالين) قاهرين للناس أو لبني إسرائيل بالبغي والظلم، مستعلين عليهم متطاولين كبراً وعناداً وتمرداً.
стр. 5940
(فقالوا أنؤمن لبشرين)؟ يعنون بهما موسى وهارون (مثلنا) الاستفهام للإنكار، أي كيف نصدق من كان مثلنا في البشرية، والبشر يطلق على الواحد، كقوله بشراً سوياً، كما يطلق على الجمع، كقوله: (فإما ترينّ من البشر أحداً)، فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى الأول ويطلق على المثنى والمذكر والمؤنث، وأفرد المثل لأنه في حكم المصدر يجري مجراه في الإفراد والتذكير ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية، كقوله: (يرونهم مثليهم رأي العين)، وجمعاً كقوله: (ثم لا يكونوا أمثالكم).
(وقومهما) أي بنو إسرائيل (لنا عابدون) أي أنهم مطيعون لنا، منقادون لما نأمرهم به كانقياد العبيد. قال المبرّد: العابد المطيع الخاضع. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان (١) الملك عابداً له، وقيل يحتمل أنه كان يدعي الإلهية فدعا الناس إلى عبادته فأطاعوه، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل والجملة حالية
стр. 5941
(فكذبوهما) أي فأصروا على تكذيبهما (فكانوا من المهلكين) بالغرق في البحر. ثم حكى سبحانه ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم فقال:
стр. 5942
(ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني التوراة، وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان هارون خليفته في قومه (لعلهم) أي لعل قوم موسى (يهتدون) بها إلى الحق ويعملون بما فيها من الشرائع، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاء لقومه، لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل المعنى آتينا قوم موسى الكتاب.
وقيل ضمير (لعلهم) يرجع إلى فرعون وملته، وهو وَهْمٌ، لأن
стр. 5943
موسى لم يؤت التوراة إلا بعد هلاك فرعون وقومه، كما قال سبحانه: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)، ثم أشار سبحانه إلى قصة عيسى إجمالاً فقال:
стр. 5944
(وجعلنا ابن مريم وأمّه آية) أي علامة تدل على عظيم قدرتنا وبديع صنعنا وقد تقدم الكلام على هذا في آخر سورة الأنبياء في تفسير قوله سبحانه: (وجعلناها وابنها آية للعالمين).
قال قتادة: (آية) أي ولدته من غير أب وفحل، وخلق من غير نطفة. وعن الربيع بن أنس قال: (آية) أي عبرة، ولم يقل آيتين لأن الأعجوبة فيهما واحدة أو المراد ابن مريم آية وأمه آية، فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.
(وآويناهما) أي أسكناهما وأنزلناهما وأوصلناهما وجعلناهما يأويان (إلى ربوة) بفتح الراء وضمها قراءتان سبعيتان، قيل هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. وقيل بيت المقدس، قاله قتادة وكعب. وقيل أرض فلسطين، قاله السدي. قال ابن عباس: الربوة المستوية، وهي المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات، وأنبئنا أنه دمشق. وقيل هو أعلى مكان من الأرض فيزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلاً، فهو أقرب بقاع الأرض إلى السماء. وعن مرة البهزي قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الربوة الرملة " أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم.
وعن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين، وقيل مصر، وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها إليها لأن ملك ذلك الزمان كان أراد أن يقتل عيسى، فهربت به إلى تلك الربوة ومكثت بها اثنتي عشرة سنة، حتى هلك ذلك الملك.
(ذات قرار) أي مستوى مستقر ليستقر عليه ساكنوه. وقال ابن عباس: أي ذات خصب. وقيل ذات ثمار (و) ماء (معين) قال
стр. 5945
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)
الزجاج والفراء: هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في منبع. وقيل هو فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان الأخفش: يقال معن الماء إذا جرى، فهو معين وممعون. وكذا قال ابن الأعرابي. وقيل هو مأخوذ من الماعون وهو النفع.
قال ابن عباس المعين الماء الجاري، وقيل الذي تراه العيون وهو النهر الذي قال الله (قد جعل ربك تحتك سرياً).
стр. 5946
(يا أيها الرسل كلوا) قال الزجاج: هذه مخاطبة لرسول الله ﷺ . وقال ابن جرير: إن الخطاب لعيسى. قال الفراء. هو كما تقول للرجل الواحد كفوا عنا، وقيل إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي في زمانه، لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها. فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل خطاباً لكل واحد على انفراده لاختلاف أزمنتهم. ويدخل تحته عيسى دخولاً أولياً، فهذه حكاية لرسول الله ﷺ على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى وأمه، إلى الربوة إيذاناً بأن ترتيب مبادي التنعم لم يكن من خصائصه ﵇، بل إباحة الطعام شرع قديم جرى عليه جميع الرسل، ووصّوْا به، أي وقلنا لكل رسول من الرسل كلوا (من الطيبات) وهو ما يستطاب
стр. 5947
ويستلذ وقيل هي الحلالات، وقيل هي ما جمع الوصفين المذكورين. ثم بعد أن أمرهم بالأكل من الطيبات أمرهم بالعمل الصالح فقال:
(واعملوا) عملاً (صالحاً) وهو ما كان موافقاً للشرع، فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالاً للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ما لا يخفى، ثم علل هذا الأمر بقوله:
(إني بما تعملون عليم) لا يخفى عليّ شيء منه وإني مجازيكم على حسب أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهو تخويف للرسل، والمقصود أممهم. أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يا أيها الرسل كلوا " الآية. وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر؛ ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، فأنىَّ يستجاب لذلك (١) " وعن حفص الفزاري قال: ذلك عيسى ابن مريم، كان يأكل من غزل أمه وهو مرسل لأن حفصاً تابعي.
стр. 5948
(وإن هذه أمتكم أمة واحدة) هذا من جملة ما خوطب به الأنبياء، والمعنى واعلموا أن هذه ملتكم وشريعتكم -أيها الرسل- ملة واحدة وشريعة متحدة، يجمعها أصل هو أعظم ما بعث الله به أنبياءه وأنزل فيه كتبه، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى عبادة الله وحده لا شريك له. والمراد بها على هذه
стр. 5949
العقائد، إذ هي التي اتحدت في كل الشرائع، أما الأحكام الفرعية فقد اختلفت باختلاف الشرائع، وقيل المعنى أن هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالزموه. على أن المراد بالأمة هنا الدين كما في قوله: (إنا وجدنا آباءنا على أمة).
وقال الخليل: أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. قال الفراء: " واعلموا أن هذه أمتكم " وقال سيبويه " فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة " وإنما أشير إليها بـ (هذه) هذه للتنبيه على كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، والفاء في (وأنا ربكم فاتقون) لترتيب الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختص بالربوبية، أي لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري، أو تخالفوا ما أمرتكم به أو نهيتكم عنه: ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال:
стр. 5950
(فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) الفاء لترتيب عصيانهم على ما سبق من الأمر بالتقوى، والضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ الأمة. والمعنى أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعاً متفرقة وأدياناً مختلفة. قال المبرد: زبراً فرقاً وقطعاً مختلفة، وأحدها زبور؛ وهي الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر بالضم والفتح قيل معنى زبراً كتباً، فوصف سبحانه الأمم بأنهم اختلفوا، فاتبعت فرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل؛ ثم حرفوا وبدلوا، وفرقة مشركة اتبعوا ما رسمه لهم آباؤهم من الضلال، قرئ زبراً بضم الباء؛ وقرئ بفتحها؛ أي قطعاً كقطع الحديد (كل حزب بما لديهم فرحون) أي كل فريق من هؤلاء المختلفين بما عندهم من الدين معجبون مسرورون، لاعتقادهم أنهم على الحق.
стр. 5951
(فذرهم في غمرتهم) أي اتركهم في جهلهم فليسوا بأهل للهداية ولا
стр. 5952
يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء وقت شبه سبحانه ما هم فيه من الجهل بالماء الذي يغمر من دخل فيه، والغمرة في الأصل ما يغمرك ويعلوك، وأصلها الستر، والغمر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض، وغمر الرداء هو الذي يشمل الناس بالعطاء، ويقال للحقد الغمر، والمراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة، والآية خارجة مخرج التهديد لهم، والتسلية لرسول الله ﷺ لا مخرج الأمر له ﷺ بالكف عنهم، بل نهى له عن الاستعجال بعذابهم، والجزع من تأخيره.
ومعنى (حتى حين) حتى يحضر وقت عذابهم بالقتل، أو حتى يموتوا
على الكفر فيعذبون بالنار
стр. 5953
(أيحسبون) الهمزة للإنكار، والجواب عنه
مقدر، يدل عليه قوله الآتي: بل لا يشعرون (أنما نمدهم به من مال
وبنين) أي ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين، ونجعله مدداً
لهم.
стр. 5954
(نسارع لهم في الخيرات) أي فيما فيه خيرهم وإكرامهم، قال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات فحذفت به و (ما) في (أنما) موصولة والرابط هو هذا المحذوف، وقال الكسائي: إن (أنما) هو حرف واحد فلا تحتاج إلى رابط، وقرئ يسارع بالتحتية على أن فاعله هو الإمداد أو يسارع الله لهم، وقرئ بالنون، قال الثعلبي: وهذه هي الصواب لقوله: (نمدهم) وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح، لأنهم يقولون: إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين، وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح.
(بل لا يشعرون) عطف على مقدر ينسحب إليه الكلام أي إضراب انتقالي عن الحسبان المستفهم عنه، استفهام تقريع، والمعنى كلا لا نفعل
стр. 5955
ذلك، بل هم لا يشعرون بشيء أصلاً كالبهائم التي لا تفهم ولا تعقل، فإن ما خوّلناهم من النعم وأمددناهم به من الخيرات، إنما هو استدراج لهم واستجرار إلى زيادة الإثم ليزدادوا إثماً، كما قال سبحانه (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، ولما نفى سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع.
الأولى قوله: