← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو تكون في رجلها خلاخل، فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك، لأنه من عمل الشيطان. وسماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلى وسواساً فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه به ما عليهن من الحلي وغيره. وفي القرطبي من فعل ذلك منهن فرحاً بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجاً وتعرضاً للرجال فهو حرام مذموم وكذلك من ضرب بنعله الأرض من الرجال فعل ذلك عجباً حرم فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجاً لم يحرم انتهى. ثم أرشد سبحانه عباده إلى التوبة عن المعاصي فقال: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون) مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره وفيه الأمر بالتوبة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها وأنها فرض من فرائض الدين. قيل العبد لا يخلو عن سهو ويقصر في أوامره ونواهيه، وإن اجتهد فلذا وصاهم جميعاً بالتوبة، وقد تقدم الكلام على التوبة في سورة النساء. وقيل إن المراد بالتوبة هنا هي عما كانوا يعملونه في الجاهلية، والأول أولى لما تقرر في السنة أن الإسلام يجبُّ ما قبله، وقد ورد أحاديث في الأمر بالتوبة والاستكثار منها قيل وأحوج الناس إلى التوبة من توهّم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان ثم ذكر ما يرغبهم في التوبة فقال (لعلكم تفلحون) أي تفوزون بسعادة الدنيا والآخرة أو تنجون من ذلك لقبول التوبة منه وفي الآية تغليب المذكور على الإناث. ولما أمر سبحانه بغض الأبصار وحفظ الفروج أرشد بعد ذلك إلى ما يحل للعباد من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة وسكون دواعي الزنا، ويسهل بعده غض البصر عن جميع المحرمات. وحفظ الفرج عما لا يحل فقال:

стр. 6127

وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)

стр. 6128

(وأنكحوا الأيامى منكم) الأيّم بالتشديد التي لا زوج لها ومن ليس له زوجة فيشمل الرجل والمرأة غير المتزوجين والجمع أيامى والأصل أيايم قال أبو عمرو والكسائي: اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً قال أبو عبيدة: يقال رجل أيم وامرأة أيم وأكثر ما يكون في النساء وهو كالمستعار في الرجال والخطاب في الآية للأولياء والسادة. وقيل للأزواج والأول أرجح وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها. وعن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً " (١) أخرجه أبو داود والترمذي وعندهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي " (٢) وقد خالف في ذلك أبو حنيفة فجوز للمرأة تزويج نفسها واختلف أهل العلم في هذا النكاح هل هو مباح؟ أو مستحب؟ أو واجب؟ فذهب إلى الأول الشافعي وغيره وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة وإلى الثالث بعض أهل

стр. 6129

العلم على تفصيل لهم في ذلك فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه، وإلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع الخشية وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله ﷺ في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح ومن رغب عن سنتي فليس مني ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أخرجه البخاري ومسلم (١). قال ابن عباس: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى كما سيأتي. وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، وعن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة وقد وعد الله فيها ما وعد فقال (إن يكونوا فقراء) الآية وعن ابن مسعود نحوه. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ " أنكحوا النساء يأتينكم بالمال " أخرجه البزار والدارقطني وأخرجه أبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعاً. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله " (٢). وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها والمراد بالأيامى هاهنا الأحرار والحرائر وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) وقرئ عبيدكم والصلاح هو

стр. 6130

الإيمان وقيل القيام بحقوق النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم بها وتقوم الأمة بما يلزم للزوج، أو المراد بالصلاح أن لا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح، وخص الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في المودة، وكانوا مظنة التوصية والاهتمام بهم، ومن ليس بصالح فحاله على العكس من ذلك، وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك. وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه ويتولى تزويجه مالكه وسيده، وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح وقال مالك لا يجوز، ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما مالاً فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك، فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح، قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن يكون هذا حاصلاً لكل فقير إذا تزوج فإن ذلك مقيد بالمشيئة، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا، وقيل المعنى أنه يغنيهم بغنى النفس أي القناعة، وقيل المعنى أن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا، والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك. وقيل هو اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة، وقيل إنَّ الله وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق وهو قوله: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته) وجملة (والله واسع عليم) مقررة لما قبلها ومؤكدة والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده، عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء ثم

стр. 6131

ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشاداً لهم إلى ما هو الأولى فقال:

стр. 6132

(وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً) يقال استعف إذا طلب أن يكون عفيفاً أي ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد سبب نكاح وهو المال، وقيل النكاح هنا ما ينكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به واللباس اسم لما يلبس قال ابن عباس: ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية وهي: (حتى يغنيهم الله من فضله) أي يرزقهم رزقاً يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد الجملة الأولى وهي (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان وعداً -حتماً لا محالة في حصوله- لكان الغنى والزواج متلازمين، وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة فإنه يستغني عند تزوجه لا محالة فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى، إلا أن يقال إن الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحاً إذا كان غير واجد لأسبابه، التي يتحصل بها وأعظمها المال. وانظر كيف رتب هذه الأوامر فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصر، ثم بالنكاح المحصن المغني عن الحرام، ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يقدر عليه، ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت إيمانكم) من العبيد والإماء، والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة، يقال كاتب يكاتب كتاباً، ومكاتبة، كما يقال: قاتل يقاتل قتالاً، ومقاتلة، وقيل: الكتاب هاهنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه

стр. 6133

الشيء، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتاباً، فيكون المعنى: الذين يطلبون كتاب المكاتبة ومعناها في الشرع أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجماً، فإذا أداه فهو حر. عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلت هذه الآية. وظاهر قوله (فكاتبوهم) أن العبد إذا طلب المكاتبة من سيده، وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو (إن علمتم فيهم خيراً) الخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل هو المال فقط كما ذهب إليه مجاهد والحسن، وعطاء، والضحاك، وطاووس، ومقاتل وروي عن علي، وابن عباس، وعنه أيضاً أمانة ووفاء، وعنه قال: إن علمت مكاتبك يقضيك، وعنه قال: حيلة ولا تلقوا مؤونتهم على المسلمين، وذهب إلى الأول ابن عمر، وابن زيد، واختاره مالك، والشافعي والفراء والزجاج. قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء، وتأدية للمال وقال الزجاج: لما قال: (فيهم) كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة وقال النخعي: إن الخير الدين، والأمانة، وروي مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة قال الطحاوي: وأقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال، قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق. قال أبو عمرو بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالاً، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال علمت فيه المال، هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم، في الخير المذكور في هذه الآية وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق، وعمرو

стр. 6134

ابن دينار، والضحاك، وأهل الظاهر، فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك، وعلم فيه خيراً، وقال الجمهور من أهل العلم، لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة لأنها معاوضة. ولا يخفاك أنه حجة واهية، وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون وبه قال عمر وابن عباس واختاره ابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب فأقبل علي بالدرة وقال: كاتبه وتلا (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) فكاتبته قال ابن كثير إن إسناده صحيح. وعن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله ﵌: " إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاًّ على الناس ". أخرجه أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي، وجوزها أبو حنيفة إلى نجم واحد، وقيل: إن الأمر مطلق، فيجوز حالاً، ومؤجلاً، ومنجماً، وغير منجم. ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئاً من المال أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه. وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار، وقيل: الثلث، وقيل الربع، وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم، وسياق الكلام معهم، فإنهم هم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: (وآتوهم) لجميع الناس. وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، كما في قوله سبحانه: (وفي الرقاب)، وللمكاتب

стр. 6135

أحكام معروفة إدا وفى ببعض مال الكتابة. قال ابن عباس: أي: ضعوا عنهم من مكاتبتهم، وعن نافع قال: كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: تطعمني من أوساخ الناس وعن ابن عباس في الآية قال: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وعن علي ابن أبي طالب: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه، وهذا تعليم من الله ليس بفريضة، ولكن فيه أجراً. وقال صاحب الجمل: إن الأمر للوجوب. وعن بريدة في الآية قال: حث الناس على أن يعطوه، ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) المراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر، والفتى: الشاب، والفتاة: الشابة، والبِغاء بالكسر والمد، مصدر بغت المرأة تبغي بغاء، إذا زنت، وفجرت، وهذا مختص بزنا النساء، فلا يقال: للرجل إذا زنى: إنه بغى. قاله الأزهري. والجمع: البغايا، والبغيّ القينة، وإن كانت عفيفة، لثبوت الفجور لها في الأصل، قاله الجوهري، ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب. والأمة تباغي، أي: تزاني، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: (إن أردن تحصناً) لأن الإكراه لا يتصور، ولا يكون إلا عند إرادتهن للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا، والمراد بالتحصن هنا التعفف والتزوج، وقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى. قال الزجاج، والحسن بن الفضل: في الكلام تقديم، وتأخير، أي: وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن أردن تحصناً. وقيل: إن هذا الشرط ملغى، وقيل: إن هذا الشرط باعتبار ما

стр. 6136

عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن، وهن يردن التعفف، وليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا، وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه. فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وإنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن، وهو بعيد. فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن: التعفف، والتزوج، وتابعه على ذلك غيره. أخرج مسلم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أُبيّ يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، وكانت كارهة، فأنزل الله هذه الآية. وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها. مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، وكان يريدهما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبي ﵌، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج البزار، وغيره، عن أنس نحو حديث جابر الأول، وعن علي ابن أبي طالب قال: كان أهل الجاهلية يبغين (١) إماؤهم فنهوا عن ذلك في الإسلام، وعن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنزلت الآية، وقد ورد النهي منه ﵌ عن مهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله:

стр. 6137

(لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) وهو ما تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب، والمعنى: إن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء، لا لفائدة له أصلاً، لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها، إذا لم يكن مبتغياً بإكراهها عرض الحياة الدنيا، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن، وهذا يلاقي المعنى الأول، ولا يخالف. (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) هذا مقرر لما قبله، ومؤكد له، والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرِهين لا إلى المكرهات، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وغيره، فإن الله غفور رحيم لهن. قيل وفي هذا التفسير بعد، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة، وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة، إما بحكم الجبلة البشرية، أو بكون الإكراه قاصراً عن حد الإلجاء المزيل للاختيار بالمرة، وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة، لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة مع قيام العذر في حقهن، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب، وقيل: إن المعنى غفور رحيم لهم، إما مطلقاً أو بشرط التوبة، ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث فقال:

стр. 6138

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)

стр. 6139

(ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) فالأولى أنه آيات بينات أي واضحات في أنفسهن تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة، أو موضحات ومبينات فيدخل فيها الآيات المذكورة في هذه السورة دخولاً أولياً، والصفة الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا من قبل هؤلاء. أي خبراً عجيباً كائناً من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة. فإن العجب من قصة عائشة هو كالعجب من قصة يوسف ومريم، وما اتهما به ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام الله عليهما، والصفة الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة، فإن الله قد ختم على قلوب غيرهم، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات، ثم أردف الله وصف القرآن بكونه سبحانه في غاية الكمال ونهاية الجمال، فقال:

стр. 6140

(الله نور السماوات والأرض) مستأنفة لتقرير ما قبلها، قال البيضاوي: النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية

стр. 6141

لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى، إلا بتقدير مضاف أي ذو نور السماوات كقولك زيد عدل. أو يكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله وظهور عدله وبسطة أحكامه، كما يقال فلان نور البلد، وقمر الزمن، وشمس العصر، قيل ومعنى النور في اللغة الضياء. وهو الذي يبين الأشياء وُيري الأبصار حقيقة ما تراه فيجوز إطلاق النور على الله على طريقة المدح. ولكونه أوجد الأشياء المنورة، وأوجد أنوراها. ويدل عليه قراءة زيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي: الله نَوَّرَ السماوات والأرض على صيغة الفعل الماضي. وفاعله ضمير يرجع إلى الله والسماوات مفعوله فمعنى الله نورهما أنه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره لمن فيهما كما يقال الملك نور البلد، وهكذا قال الحسن ومجاهد والأزهري والضحاك والقرظي وابن عرفة، وابن جرير وغيرهم. وقال هشام الجواليقي وطائفة من المجسمة: إنه سبحانه نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام. وقال ابن عباس وأنس في الآية: الله هادي السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون، وقيل نور السماء بالملائكة ونَوَّرَ الأرض بالأنبياء، وقيل مزين السماء والأرض زين السماء بالشمس والقمر والنجوم وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين ويقال زين الأرض بالنبات والأشجار، وقيل معناه أن الأنوار كلها منه وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح كما قال الشاعر. إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار عنها نورها وجمالها وعن ابن عباس يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما، (مثل نوره) مبتدأ، وخبره (كمشكاة) أي صفة نوره الفائض عنه الظاهر على الأشياء كمشكاة، وهذه الجملة إيضاح لما قبلها وتفسير فلا محل لها، وثم مضاف محذوف أي كمثل مشكاة وهي الكوة في الحائط التي لا منفذ لها كذا حكاه الواحدي عن جميع المفسرين وحكاه القرطبي عن جمهورهم.

стр. 6142

قيل هي لغة حبشية، وقيل عربية ورسمت بالواو كالصلاة والزكاة، وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشيء، وقيل هي عمود القنديل الذي يجعل فيه الفتيلة، وقيل هي الانبوبة وسط الفتيل، وقيل هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت، وقيل هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح، وقيل ما يعلق فيه القنديل من الحديدة وقال مجاهد: هي القنديل والأول أولى. ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون من مصباح أو غيره، وعن ابن عباس قال في الآية: مثل نوره أي هداه في قلب المؤمن كمشكاة يقول موضع الفتيلة، وفي إسناده مقال وعن أبيّ بن كعب قال: هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان، والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره) وبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فصدر المؤمن المشكاة وعن ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن كمشكاة، وفي قراءة أبيّ مثل نور المؤمن وفي لفظ نور من آمن به كمشكاة، وعن ابن عباس أيضاً: مثل نور من آمن بالله كمشكاة وهي الكوة وعنه قال: هي خطأ من الكاتب هي أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة بل مثل نور المؤمن كالمشكاة وقيل المعنى مثل نور الله في قلب المؤمن وهي النور الذي يهتدى به وقيل أراد بالنور القرآن، وقيل أراد محمداً ﷺ ، وقيل هو الطاعة سمى الله طاعته نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفاً وتفضيلاً، وقيل مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نوراً قاله القرطبي. واختلفوا في هذا التشبيه هل هو مركب؟ أو غير مركب؟ وقيل ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به بل وقع التشبيه فيه لجملة بجملة. (فيها مصباح) هو السراج الضخم، وأصله من الضوء (المصباح في زجاجة) واحدة الزجاج يعني القنديل قال الزجاج: النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج، ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفاف. يظهر فيه النور أكمل ظهور ثم وصف الزجاجة فقال:

стр. 6143

(الزجاجة كأنها) والنور فيها (كوكب دري) منسوب إلى الدر لكون الصفاء والحسن والإشراق فيه ما يشابه الدر، وقال الضحاك: الكوكب الدري الزهرة، وقرئ درىء بكسر الدال أخذوه من درات النجوم تدرأ إذا اندفعت، قاله أبو عمرو، وقرئ بضم الدال مهموزاً، وأنكره الفراء والزجاج والمبرد. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا يهمز، لأنه ليس في كلام العرب. والدراري هي المشهورة من الكواكب، كالمشتري والزهرة والمريخ، وما يضاهيها من الثوابت. وقال أُبيّ: دري أي مضيء من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام. ثم وصف المصباح بقوله: (يوقد) وقد قرئ بالتاء على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون المصباح. وقرئ بالتحتية وتخفيف القاف. وضم الدال. وقرئ توقد على أنه فعل ماض. من التفعل. والضمير في هاتين راجع إلى المصباح. قال النحاس: وهاتان متقاربتان لأنهما جميعاً للمصباح. وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء وإنما الزجاجة وعاء له وقرئ على أنه فعل مضارع وأصله تتوقد. (من شجرة) أي ابتداء إيقاد المصباح منها، وقيل يوقد من زيت شجرة (مباركة) أي كثيرة المنافع والبركة، وقيل المنماة. قال أُبَيّ: أصل المبارك الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له (زيتونة) الزيتون من أعظم الثمار نماء. قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها. وهي إدام ودهان. ودباغ ووقود وليس فيها شيء إلا وفيه منفعة. وهي أصفى الأدهان وأضوءها. وقيل إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ونبتت في منازل الأنبياء. ودعا لها سبعون نبياً بالبركة، منهم إبراهيم، ومحمد ﵌، وهي شجرة (١) لا يسقط ورقها. وعن أسيد بن ثابت. أو أبي أسيد الأنصاري

стр. 6144

قال: قال رسول الله ﵌: " كلوا الزيت، وادهنوا به. فإنه من شجرة مباركة " أخرجه الترمذي (١). (لا شرقية ولا غربية) صفة لشجرة ودخلت (لا) لتفيد النفي، وقرئ بالرفع أي لا هي شرقية ولا هي غربية، وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف فقال عكرمة، وقتادة، وغيرهما: إن الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها إذا غربت، لأن لها ستراً، والغربية هي التي تصيبها إذا غربت، ولا تصيبها إذا شرقت، وهذه الزيتونة هي في صحراء، أو في منكشف من الأرض بحيث لا يسترها، ولا يواريها عن الشمس شيء لا في حال شروقها، ولا في حال غروبها، وما كانت من الزيتون هكذا فثمرها أجود، وأنضج، وزيتها أصفى. وقيل: إن المعنى أنها شجرة في دوحة، قد أحاطت بها، فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس قال ابن عطية: وهذا لا يصح عنه، لأن الشجرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. ورجح القول الأول الفراء، والزجاج. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية. قال الثعلبي: فقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، لأن قوله زيتونة بدل من قوله: شجرة. قال ابن زيد: إنها من شجر الشام. فإن الشام لا شرقي. ولا غربي. والشام هي الأرض المباركة، وشجرها أفضل، وقيل: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس، ولا في مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل، وقيل: معناها أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. قال أُبي. فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال

стр. 6145

كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك هذا المؤمن، قد أجير من أن يظله شيء من الفتن، ثم وصف الزيتونة بوصف آخر فقال: (يكاد) أي: يقرب (زيتها يضيء) من صفائه (ولو لم تمسسه نار) قرئ بالفوقية لأن النار مؤنثة، قال أبو عبيد: إنه لا يعرف إلا هذه القراءة، وقرأ ابن عباس بالتحتية، لكون تأنيثها غير حقيقي. والمعنى أن هذا الزيت في صفائه وإنارته يكاد يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلاً. (نور) أي هو نور كائن (على نور) صفة لنور مؤكدة له، وقيل نور الله أي هداه للمؤمنين نور على نور الإيمان. وقال مجاهد: والمراد النار على الزيت، وقال الكلبي: المصباح نور، والزجاجة نور، وقيل نور بالزيت مع نور بالنار. وقال السدي: نور الإيمان، ونور القرآن. وقيل نور متضاعف من غير تحديد، لتضاعفه بحد معين، وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر، لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة. وعن ابن عباس أن اليهود قالوا لمحمد ﵌: كيف يخلص نور الله من السماء، فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة)، وهي كوة البيت، (فيها مصباح)، وهو السراج، يكون في الزجاجة وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى، (لا شرقية ولا غربية). قال: وهي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، وذلك أجود الزيت يكاد زيتها يضيء بغير نار (نور على نور) يعني بذلك إيمان العبد وعمله، (يهدي الله لنوره من يشاء)، وهو مثل المؤمن. وعن ابن عمر قال: المشكاة جوف محمد ﵌، والزجاجة قلبه، والمصباح الذي في قلبه، والشجرة إبراهيم، لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً) الآية. وعن شمر بن عطية قال: جاء

стр. 6146

ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله يعني هذه الآية قال: مثل نور محمد ﵌ ككوة ضربها الله مثلاً لفمه، فيها مصباح والمصباح قلبه، والزجاجة صدره، كأنها كوكب دري، شبه صدر محمد ﵌ بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه؛ فقال يوقد من شجرة إلى قوله يكاد قال: يكاد محمد ﵌ يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار. قال ابن العربي: قال ابن عباس: هذا مثل نور الله، وهداه، في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسسه النار، فإن مسته النار زاد ضوؤه، كذلك قلب المؤمن، يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم؛ فإذا جاء العلم زاد هدى على هدى، ونوراً على نور، كقلب إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة، قال: هذا ربي من قبل أن يخبره أحد بأن له رباً، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى، إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين. وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا، ونحوه، مما تقدم عن أُبيّ ابن كعب، وابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ليس على ما يقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله ﵌ ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني، التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس: هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. كما قدمنا عنه. ولا وجه لهذا الاستبعاد، فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب. ولا من سنة، ولا من لغة. وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا فإن كان هو سبب

стр. 6147

عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب ﵀، ممن يقتدي به في مثل ذلك، وقد نبهناك -فيما سبق- أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب -كما يقع ذلك كثيراً- فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم، إن صحت قراءة أُبيّ بن كعب، كانت هي المستندة لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح، فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة، وغيرهم، ممن قبلهم، وممن بعدهم هو المتعين. (يهدي الله لنوره) هداية خاصة، موصلة إلى المطلوب، وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة قال ابن عباس: لنوره لدين الإسلام، وهو نور البصيرة (من يشاء) من عباده لأن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها (ويضرب الله الأمثال للناس) أي يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها، تقريباً لها إلى الأفهام، وتسهيلاً لإدراكها، لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحاً وبياناً. (والله بكل شيء عليم) لا يغيب عنه شيء من الأشياء معقولاً، كان أو محسوساً، ظاهراً كان، أو باطناً. ومنه ضرب الأمثال.

стр. 6148

(في بيوت) أي: ذلك المصباح يوقد في بيوت، وقيل: متعلق بما قبله، أي كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة من صفتها كيت وكيت، وقيل: صفة لزجاجة. وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قيل: وهي في بيوت، وعلى هذه الأقوال لا يوقف على (عليم) وقيل: متعلق بما بعده، وهو يسبح الآتي، أي: يسبح رجال في بيوت، وعلى هذا يكون قولها فيها؛ تكريراً للتوكيد، والتذكير، والإيذان بأن التقديم للاهتمام، لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط.

стр. 6149

وقيل: متعلق بمحذوف، أي: سبّحوه في بيوت، وعلى هذين القولين يوقف على (عليم) فهذه ستة أوجه ذكرها السمين، وغيره. وقيل: إنه منفصل عما قبله، كأنه قال تعالى: الله في بيوت أذن الله أن ترفع. قال الحكيم الترمذي: وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح، أو بيوقد، ما الوجه في توحيد المصباح، والمشكاة، وجمع البيوت، ولا تكون المشكاة الواحدة، ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد. وأجيب بأن هذا من الخطاب، الذي يفتح أوله بالتوحيد. ويختم بالجمع، كقوله سبحانه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) ونحوه. وقيل معنى في بيوت في كل واحد من البيوت فكأنه قال: في كل بيت، أو في كل واحد من البيوت، واختلف الناس في البيوت على أقوال الأول أنها جميع المساجد، وهو قول مجاهد، والحسن وغيرهما. قال ابن عباس: بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. الثاني أن المراد بها بيوت بيت المقدس، روي ذلك عن الحسن، الثالث أنها بيوت النبي ﷺ روي هذا عن مجاهد، الرابع: هي البيوت كلها قاله عكرمة. الخامس: أنها المساجد الأربعة الكعبة، ومسجد قبا، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، قاله ابن زيد والقول الأول أظهر لقوله: (يسبح له فيها بالغدو والآصال) والباء من بيوت تضم وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة، ومعنى: (أذن الله) أمر وقضى ومعنى (أن ترفع) تبنى قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما ومنه قوله سبحانه، (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت). وقال الحسن البصري: وغيره معنى ترفع تعظم فلا يذكر فيها الخنا من القول، ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار، ورجحه الزجاج، وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين. (و) معنى (يذكر فيها اسمه) كل ذكر لله ، وقيل هو التوحيد، وقيل المراد تلاوة القرآن، والأول أولى، وفي القرطبي قد كره بعض

стр. 6150

أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، لأنهم لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد. وقد ورد في تعظيم المساجد وتنزيهها عن القذر واللغو وتنظيفها وتطييبها أحاديث ليس هذا موضوع ذكرها. (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) قرئ يسبح مبنياً للفاعل وللمفعول، فعلى الثانية يكون رجال مرفوعاً بفعل مقدر كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل يسبحه رجال وعلى الأولى يكون رجال فاعل يسبح وقرئ تسبح بالفوقية وكسر الموحدة وعلى هذا يكون الفاعل أيضاً رجال، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال. واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة قالوا: الغدوة صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الآصال يشملها، والمعنى يصلي له فيها بالغداة صلاة الصبح. وبالآصال صلاة الظهر والعصر، والعشائين، وإنما وحد الغدو، لأن صلاته واحدة، وفي الآصال صلوات، والآصال جمع أصل جمع أصيل، وهو العشي، وقيل صلاة الصبح والعصر. وقيل المراد صلاة الضحى، قاله ابن عباس وعنه في الآية قال: هي المساجد تكرم، وينهى عن اللغو فيها، ويذكر فيها اسم الله، يتلى فيها كتابه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، صلاة الغداة، وصلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما ويذكر بهما عباده، وعنه قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها إلا غواص في هذه الآية، وقيل المراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة، بعده وهذا أرجح مما قبله، لكونه المعنى الحقيقي مع وجود دليل، يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون وهو ما ذكرناه، قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأن النساء ليس عليهن حضور المساجد لجمعة ولا لجماعة.

стр. 6151

رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)

стр. 6152

(لا تلهيهم تجارة ولا بيع) هذه صفة لرجال، أي لا يشغلهم التجارة في السفر، والبيع في الحضر، وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان، وقال الفراء، التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يديه، وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها، وبمثل قول الفراء، قال الواقدي فقال التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون. ومعنى (عن ذكر الله) هو ما تقدم في قوله: (يذكر فيها اسمه)، أي باللسان والقلب، وقيل المراد الأذان، وقيل ذكره بأسمائه الحسنى، أي يوحدونه ويمجدونه، وقيل المراد الصلاة، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في الآية قال: " هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵌ قال: " الذين يبتغون من فضل الله ". وعن ابن عباس قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم، وقاموا إلى المسجد فصلوا، وعنه في الآية قال: ضرب الله هذا المثل قوله: (كمشكاة) لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم ولكن لم تكن تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعنه قال: عن ذكر الله عن شهود الصلاة، وعن ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة

стр. 6153

فأغلقوا حوانيتهم ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). وعن ابن مسعود أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) وأخرج البيهقي، وابن أبي حاتم وغيرهما، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم مناد فينادي أين الذين كانوا يحمدون الله في السرّاء والضرّاء؟ فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادي أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يقوم سائر الناس فيحاسبون " (١) وأخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه عن جمقبة بن عامر مرفوعاً نحوه. (وإقام الصلاة) أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وأدائها في وقتها جماعة لأن مؤخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله: ثلاثة تحذف تاآتها ... مضافة عند جميع النحاة وهي إذا شئت أبو عذرها ... وليت شعري وإقام الصلاة وقيل الرابع عد الأمر، أي عدة الأمر، وقيل في توجيه حذفها غير ذلك وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة أن يحمل إقام الصلاة على تأديتها في أوقاتها فراراً من التكرار ولا ملجئ إلى ذلك؛ بل يحمل الذكر على معناه الحقيقي كما قدمنا. (وإيتاء الزكاة) المفروضة؛ وقيل المراد طاعة الله والإخلاص إذ ليس لكل مؤمن مال (يخافون يوماً) أي يوم القيامة والنصب على أنه مفعول

стр. 6154

للفعل لا ظرف له يعني أن هؤلاء الرجال -وإن بالغوا في ذكر الله تعالى والطاعات- فإنهم مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته، ثم وصف هذا اليوم بقوله: (تتقلب فيه القلوب) أي تضطرب وتتحول من الهول والفزع. وقيل المراد انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج (و) تشخص (الأبصار) من هول ذلك اليوم، وقيل المراد بتقلبها هو أن تصير عمياً بعد أن كانت مبصرة، وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك؛ وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون وإلى أي ناحية يصيرون، وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين ومثله قوله: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) فما كان يراه في الدنيا غياً يراه في الآخرة رشداً؛ وقيل المراد التقلب على جمر جهنم وقيل غير ذلك.

стр. 6155

(ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) اللام لام العاقبة والصيرورة لا لام العلة الباعثة أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح، والذكر وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم، من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف، وقيل: المراد بما في هذه الآية ما يتفضل به سبحانه عليهم، زيادة على ما يستحقونه، والأول أولى لقوله: (ويزيدهم من فضله) فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به، أي يتفضل بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو بمقاديرها، ولم يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، وقوله ﵇ حكاية عنه : " أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " (١) غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله تعالى:

стр. 6156

(والله يرزق من يشاء بغير حساب) فإنه تذييل مقرر للزيادة، ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجور أعمالهم، من الخيرات بما لا يفي به الحساب والمعنى من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن إعطاءه سبحانه لا نهاية له. قال الكرخي: وضع الموصول موضع ضمير (هم) للتنبيه بما في حيز الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية وذلك تنبيه على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين، وما يؤول إليه أمرهم ذكر مثلاً للكافرين فقال:

стр. 6157

(والذين كفروا أعمالهم) التي هي من أعمال الخير، كالصدقة، والعتق والوقف، والصلاة، وفك العاني، وعمارة البيت، وسقاية الحاج (كسراب) هو ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار، على صورة الماء في ظن ما يراه، وسمي سراباً لأنه يسرب، أي: يجري كالماء؛ يقال: سرب الفحل، أي مضى، وسار في الأرض ويسمى الآل وقيل الآل هو الذي يكون ضحى، كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض. حتى يصير كأنه بين السماء والأرض (بقيعة) أي فيها فالباء بمعنى في، وهو جمع قاع وهو الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء مثل جيرة وجار قاله الهروي. وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، حكاه النحاس قال الجوهري: القاع المستوى من الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل القاع قال: وبعضهم يقول هو جمع والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت وفيه يكون السراب، وقرئ بقيعاه بهاء مدورة كما يقال رجل عزهاه، وقيعات بتاء مبسوطة وقيل الألف متولدة من إشباع العين على الأولى وجمع قيعة على الثاني. (يحسبه الظمآن ماء) الظمآن العطشان، وقرئ الظمآن بغير همز، والمشهور عنهم الهمز، وتخصيص الظمآن بالحسبان مع كون الريان يراه كذلك. لتحقيق التشبيه، المبني على الطمع، ولأنه أحوج إليه من غيره، فالتشبيه به أتم.

стр. 6158

(حتى إذا جاءه) أي: إذا جاء العطشان ذلك الذي حسبه ماء، أو جاء موضعه (لم يجده شيئاً) مما قدره، وحسبه، وظنه، ولا من غيره. والمعنى أن الكفار يعولون على أعمالهم، التي يظنونها من الخير، ويطمعون في ثوابها، فإذا قدموا على الله سبحانه، لم يجدوا منها شيئاً، لأن الكفر أحبطها، ومحا أثرها. عن ابن عباس قال: هو مثل ضربه الله، كرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فطلبه، فظن أنه قدر عليه، حتى أتى، فلما أتاه، لم يجده شيئاً، وقبض عند ذلك، يقول الكافر كذلك، إذا أتاه الموت، لم يجد عمله، يغني عنه شيئاً، ولا ينفعه، إلا كما نفع السراب العطشان. (ووجد الله عنده) بالمرصاد، وقيل وجد وعد الله بالجزاء، على عمله. وقيل وجد أمر الله عند حشره، وقيل حكمه، وقضاءه، عند المجيء. وقيل قدم على الله. وقيل عند العمل، والمعنى متقارب (فوفاه حسابه) أي أعطاه، وافياً، كاملاً، حساب عمله المذكور، وجزاءه. فإن اعتقاده لنفعه بغير إيمان، وعمله بموجبه، كفر على كفر، موجب للعقاب قطعاً. وإفراد الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا، إمّا لإرادة الجنس، كالظمآن الواقع في التمثيل، وإما للحمل على كل واحد منهم، وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم. (والله سريع الحساب) لعباده من آمن منهم، ومن كفر. عن السدي، عن أبيه، عن أصحاب النبي ﵌ قال: إن الكفار يبعثون يوم القيامة ورداً عطاشاً، فيقولون أين الماء؟ فيمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابهم، والله سريع الحساب. أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وفي إسناده السدي عن أبيه، وفيه مقال. معروف.

стр. 6159

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)

стр. 6160

(أو كظلمات) معطوف على (كسراب) ضرب الله سبحانه مثلاً آخر، لأعمال الكفار أي: كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات، فهي أيضاً تشبه الظلمات. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد، فمثلها كمثل السراب، وإن مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصفت. وقال أيضاً: إن شئت مثلت بالسراب، وإن شئت مثلت بهذه الظلمات، فـ (أو) للإباحة والتخيير، حسبما تقدم من القول في (أو كصيّب). قال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم، لأنه أيضاً من أعمالهم. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكفار، وقيل (أو) للتقسيم باعتبار وقتين، فإنها كالسراب في الدنيا، وكالظلمات في الآخرة. وقيل: أو للتنويع، يعني أن أعمالهم إن كانت حسنة فهي كسراب، وإن كانت سيئة فهي كظلمات. (في بحر لجيّ) معظم الماء، والجمع: لجج، وهو الذي لا يدرك

стр. 6161

عمقه، ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى فقال: (يغشاه) أي: يعلو هذا البحر (موج) فيستره، ويغطيه بالكلية، والموج: ما ارتفع من الماء، ثم وصف هذا الموج بقوله: (من فوقه) أي من فوق هذا الموج (موج) ثان متراكم فيه إشارة إلى كثرة الأمواج، وتراكم بعضها فوق بعض، ثم وصف الموج الثاني فقال: (من فوقه سحاب) فيجتمع حينئذ جوف البحر وأمواجه والسحاب المرتفعة فوقه، وقيل: إن المعنى، يغشاه موج، من بعده موج، فيكون الموج يتبع بعضه بعضاً، حتى كأن بعضه فوق بعض، والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه، زاد الخوف شدة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، ثم إذا أمطرت تلك السحاب. وهبت الريح المعتادة، في الغالب عند نزول المطر، تكاثفت الهموم، وترادفت الغموم، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية، ولهذا قال سبحانه: (ظلمات بعضها فوق بعض) أي هي ظلمات أو هذه ظلمات، متكاثفة، مترادفة. ففي هذه الجملة بيان لشدة الأمر، وتعاظمه، وبلوغه النهاية القصوى. ووجه الشبه أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات؛ ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب. وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات؛ ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول؛ وظلمة العمل. وقال أبي ابن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات؛ كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى ظلمات يوم القيامة في النار. قرئ سحابُ ظلماتٍ بالإضافة ووجهها أن السحاب ترتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها لهذه الملابسة، وقرئ بالقطع والتنوين، ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشي قلبه، من الجهل، والشك، والحيرة، وبالسحاب الرين، والختم، والطبع، على قلبه. وهذا تفسير هو عن لغة

стр. 6162

العرب بمكان بعيد وعن ابن عباس قال: يعني بالظلمات الأعمال. وبالبحر اللجى قلب الإنسان؛ يغشاه موج؛ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب؛ والسمع، والبصر، ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله: (إذا أخرج) أي الناظر، أو الحاضر في هذه الظلمات، أو من ابتلى بها (يده) مع أنها أقرب شيء إليه (لم يكد يراها) أي لم يقرب من رؤيتها، قال الزجاج، وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يكد. وقال الفراء: إن كاد زائدة، والمعنى إذا أخرج يده لم يرها، كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرد: يعني لم يرها إلا من بعد الجهد لشدة الظلمة. قال النحاس؛ أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذن لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة. (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة. قال الزجاج: ذلك في الدنيا، والمعنى من لم يهده الله لم يهتد. وقيل: إن المعنى من لم يجعل له نوراً، يمشي به يوم القيامة، فما له من نور، يهتدي به إلى الجنة. وقيل: من لم يجعل له ديناً، وإيماناً فلا دين له. وقيل: المعنى من لم يقدر له الهداية، ولم يوفقه لأسبابها فما له من نور، خلاف الموفق، الذي له نور على نور. والآية عامة في حق جميع الكفار، وقيل خاصة فيمن نزلت فيه، وهو عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين في الجاهلية، ويلبس المسوح، فلما جاء الإسلام كفر، وعاند والأول أولى.

стр. 6163

(ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)؟ قد تقدم تفسير مثل هذه الآية في تفسير سورة سبحان، والخطاب لكل من له أهلية النظر، أو للرسول ﷺ ، وقد علمه من جهة الاستدلال، ومعنى (ألم تر) ألم تعلم؟ والهمزة للتقرير، أي قد علمت علماً يقيناً، شبيهاً بالمشاهدة، والوثاقة بالوحي، وظاهره أنه استعارة، ومقتضى كلام النحويين أن رأى العلمية

стр. 6164

حقيقة، قاله الشهاب والتسبيح التنزيه في ذاته، وأفعاله، وصفاته، عن كل ما لا يليق به. ومعنى (من في السماوات والأرض) من هو مستقر فيهما من العقلاء وغيرهم، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها، ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها، وقيل إن التسبيح هنا هو الصلاة من العقلاء، والتنزيه من غيرهم، وقد قيل أن هذه الآية تشكل الحيوانات، والجمادات، وأن آثار الصنعة البديعة الإلهية في الجمادات ناطقة، ومخبرة باتصافه سبحانه، بصفات الجلال، والكمال وتنزهه عن سمات النقص والزوال. وفي ذلك تقريع للكفار وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها، كعبادته ، وبالجملة فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق، بكل نوع من أنواع المخلوقات، على طريقة عموم المجاز. (والطير صافّات) أي باسطات أجنحتها في الهواء، وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض، لعدم استمرار استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء، ولا من الأرض، ولما فيها من الصنعة البديعة، التي يقدر بها تارة على الطيران، وتارة على المشي، بخلاف غيرها من الحيوانات. وذكر حالة من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح منها، حال كونها صافات لأجنحتها، لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة، من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شيء، ثم زاد في البيان فقال: (كل قد علم صلاته وتسبيحه) أي كل واحد من هذه المسبحات لله، قد علم صلاة المصلي، وتسبيح المسبح. وقيل إن المجنى أن كل مصل، ومسبح؛ قد علم صلاة نفسه، وتسبيح نفسه. قال السمين: وهذا أولى لتوافق الضمائر. قيل والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة

стр. 6165

قد تسمى تسبيحاً. وقيل المراد بها هنا الدعاء، أي علم دعاءه. وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علّمها الله ذلك؛ وألهمها إليه لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه؛ وعظم شأنه من كونه جعلها مسبحة له، عالمة بما يصدر منها، غير جاهلة له وقال السدي: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه، وقيل إن ضرب أجنحة الطير صلاته، وصوته تسبيحه؛ أو المعنى كل واحد من هذه المسبحة؛ قد علم الله صلاته له؛ وتسبيحه إياه؛ والأول أرجح؛ لاتفاق القراء على رفع (كل) ولو كان الضمير لله لكان نصب كل أولى، وقيل المعنى علم كل صلاة الله وتسبيحه؛ أي اللذين أمر بهما وبأن يفعلا، كإضافة الخلق إلى الخالق، والأول أولى. وقرئ عُلِم على البناء للمفعول. (والله عليم بما يفعلون) مقررة لما قبلها، أي لا يخفى عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم، ولا يعزب عن علمه شيء. ثم بين سبحانه أن المبدأ منه، والمعاد إليه فقال
следующие страницы →