← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)

стр. 6442

(رب موسى وهارون) بدل للتوضيح والإشعار بأن سبب إيمانهم ما أجراه الله تعالى على يدهما، لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر، وأضافوه سبحانه إليهما لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحالة. وفيه تبكيت لفرعون، فإنه ليس برب وإن الرب في الحقيقة هو هذا. فلما سمع فرعون ذلك منهم ورأى سجودهم لله.

стр. 6443

(قال آمنتم له قبل أن آذن لكم)؟ أي بغير إذن مني، قال ذلك لما خاف على قومه أن يتبعوا السحرة، ثم قال مغالطاً للسحرة الذين آمنوا وموهماً للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر. (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وإنما اعترف له بكونه كبيرهم، مع كونه لا يحب الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى، لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة فهو فعل كبيرهم، وهو من أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا

стр. 6444

تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الرب الذي يدعو إليه موسى، ولا تعتقدوا أنّ السحرة آمنوا على بصيرة، وظهور حق، يعني أن غلبته عليكم لم تكن بالعجز الإلهي، بل بما لم يعلمكم من السحر، وأنتم لضعف عقولكم حسبتم أنه غلبكم بغير جنس السحر، فآمنتم. ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله فقال: (فلسوف تعلمون) وبال ما فعلتم وما ينالكم مني. أجمل التهديد أولا للتهويل، ثم فصله فقال: (لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي من أجل خلافٍ ظهر منكم. وقيل: أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى (ولأصلبنّكم أجمعين) كأنه أراد به ترهيب العامة لئلا يتبعونهم في الإيمان. قيل: إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع والتصليب وقيل: لم يفعله بهم ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك، فلما سمعوا ذلك من قوله

стр. 6445

(قالوا لا ضير) أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا، فإن ذلك يزول، ولا بد من الانقلاب بعده إلى ربنا، فيعطينا من النعيم الدائم ما لا يُحَدُّ ولا يوصف. قال الهروي: لا ضير ولا ضرر ولا ضر، بمعنى واحد، قال الجوهري: ضاره يضوره ويضيره ضيراً وضوراً أي ضره، قال الكسائي سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يضورني، قال أبو زيد: لا يضيرنا الذي تقول وإن صنعت بنا وصلبتنا. (إنا إلى ربنا منقلبون) أي راجعون، وهو مجازينا لصبرنا على عقوبتك إيانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر قاله أبو زيد، تعليل لعدم الضير أي لا ضير في ذلك، بل لنا فيه نفع عظيم، لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله تعالى من تكفير الخطايا والثواب العظيم، أو لا ضير علينا فيما

стр. 6446

تتوعدنا به من القتل؛ إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت، والقتل أهونها وأرجاها.

стр. 6447

(إنّا نطمع) أي نرجو (أن يغفر لنا ربنا خطايانا) أي الكفر والسحر، ثم علّلوا هذا بقولهم: (أن كنا) أي بسبب أن كنا (أول المؤمنين) أي: أنهم أول من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية أو من أهل المشهد. وقال الفرّاء أول مؤمني زمانهم، وأنكره الزجاج، وقال: قد روي أنه أمن معهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً، وهم الذين عناهم فرعون بقوله: إن هؤلاء لشرذمة قليلون قاك أبو زيد: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها.

стр. 6448

(وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أمر الله سبحانه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً إلى البحر، أي لا إلى جهة الشام بالبر، وهذا بعد سنين من إيمان السحرة، وسمّاهم عباده لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به. وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الأعراف. (إنكم مُتبعون) تعليل للأمر المتقدم، أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم أي: أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حيث تلجون البحر، فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم وأغرقهم.

стр. 6449

(فأرسل فرعون في المدائن حاشرين) وذلك حين بلغه خروجهم، والمراد بالحاشرين الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون، ثم قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه:

стр. 6450

(إن هؤلاء لشرذمة قليلون) يريد بني إسرائيل والشرذمة الجمع الحقير

стр. 6451

القليل والجمع شراذم. قال الجوهري: الشرذمة الطائفة القليلة من الناس والقطعة من الشيء وثوب شراذم أي قطع، قال الفراء يقال عصبة قليلة وقليلون وكثيرة وكثيرون. قال المبرد: الشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها الشراذم. قال الواحدي: قال المفسرون وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف، وبه قال ابن عباس ولا يحصى عدد أصحاب فرعون وقال ابن مسعود ستمائة ألف وسبعون ألفاً، ومقدمة جيشه سبعمائة ألف، فقللهم بالنظر إلى كثرة جيشه، وجملة جيشه ألف ألف وستمائة ألف. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه قال، قال رسول الله ﵌ كان أصحاب موسى الذين جازوا البحر اثني عشر سبطاً فكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم ولد يعقوب. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً بسند، قال السيوطي واه - قال: قال رسول الله ﵌ " كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله سبحانه هو وأصحابه في سبعين قائداً، مع كل قائد سبعون ألفاً، وكان موسى مع سبعين ألفاً حيث عبروا البحر ". وعنه قال: كان طلائع قوم فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيها أحد إلا على بهيم. وأقول هذه الأقوال والروايات المضطربة قد روي عن كثير من السلف ما يماثلها في الاضطراب والاختلاف، ولا يصح منها شيء عن النبي ﵌.

стр. 6452

(وإنّهم لنا لغائظون) يقال غاظني كذا، والغيظ الغضب، ومنه التغيظ والاغتياظ، أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني.

стр. 6453

(وإنا لجميع حاذرون) أي خائفون من شرّهم، وقرئ (حذرون) قال الفراء الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر المخلوق كذلك، أي مجبولاً على الحذر لا تلقاه إلا حذراً وقال الزجاج الحاذر المستعد، والحذر المتيقظ، وبه قال الكسائي، والمبرد، وذهب أبو عبيدة إلى أن معنى (حاذرون) و (حذرون) واحد. وهو قول سيبويه أي وإنا لجمع من عادتنا الحذر، واستعمال الحزم في الأمور. أشار أولاً إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم، ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عدوانهم ووجوب التيقظ في شأنهم، حثّاً عليه. أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كيلا يظن به ما يكسر سلطانه قاله البيضاوي.

стр. 6454

(فأخرجناهم) أي فرعون وقومه أي خلقنا فيهم داعية الخروج فخرجوا (من جنات وعيون وكنوز) أخرجهم الله من أرض مصر ليلحقوا موسى وقومه. وفيها الجنات والبساتين على جانبي النيل من أسوان إلى رشيد وهي جمع جَنة، وعين، وكنز، والمراد بالكنوز الخزائن، وقيل الدفائن وقيل الأنهار، وفيه نظر؛ لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين عيون الماء، فتدخل تحتها الأنهار.

стр. 6455

والمراد بالكنوز الأموال الظاهرة من الذهب والفضة، وسميت كنوزاً لأنه لم يعط حق الله منها، وفي الشهاب المراد بها إما الأموال التي تحت الأرض، وخصها لأن ما فوقها انطمس، أو مطلق المال الذي لم يؤد منه حق الله لأنه يقال له كنز، والأول أوفق باللغة، والثاني مروي عن السلف فلا وجه للتحكم هنا. (ومقام كريم) أي بهي بهيج واختلف فيه، فقيل المنازل الحسان، وقيل المنابر، قاله ابن عباس، وقيل مجالس الرؤساء والأمراء والوزراء، حكاه ابن عيسى وقيل مرابط الخيل، الأول أظهر، وقال سعيد بن جبير سمعت أن المقام الكريم الفيوم.

стр. 6456

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)

стр. 6457

(كذلك) أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا أو مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم أو الأمر كذلك (وأورثناها بني إسرائيل) أي جعلناها ملكاً لهم بعد إغراق فرعون وقومه. قال الحسن: لما عبروا النهر رجعوا وأخذوا ديارهم وجناتهم وأموالهم وعيونهم وقيل أراد بالوراثة هنا ما استعاروا من حلي آل فرعون بأمر الله تعالى وقيل مساكنهم الحسنة والكنوز (قلت) وكلا الأمرين جعل لهم والحمد لله.

стр. 6458

(فأتبعوهم) بقطع الهمزة وقرئ بوصلها وتشديد التاء أي فلحقوهم حال كونهم (مشرقين) أي داخلين في وقت الشروق، يقال شرقت الشمس شروقاً أذا طلعت كأصبح وأمسى، أي: دخل في هذين الوقتين وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد، واتّهم. وقيل: مضيئين قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت.

стр. 6459

(فلما تراءى الجمعان) أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية. وقرئ (تراءت الفئتان) والمراد بنو إسرائيل والقبط.

стр. 6460

(قال أصحاب موسى إنا لمدكرون) أي سيدركنا جمع فرعون. ولا طاقة لنا بهم، وهذه قراءة الجمهور. يعني اسم مفعول من أدرك، ومنه (حتى إذا أدركه الغرق) وقرئ بفتح الدال المشددة وكسر الراء، قال الفراء هما بمعنى واحد. قال النحاس ليس كذلك يقول النحويون الحذاق إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم. قال: وهذا معنى قول سيبويه. وقال الزمخشري: إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد. قال موسى زجراً لهم وردعاً

стр. 6461

(كلا) يعني أنهم لا يدركونكم، وذكرهم وعد الله بالهداية والخلاص، والظفر بقوله: (إنّ معى ربي) بالنصر (سيهدين) أي سيدلّني على طريق النجاة. عن أبي موسى، عن رسول الله ﵌ قال إنّ موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلّ الطريق فقال لبني إسرائيل ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى فقال: دلينا على قبر يوسف، فقالت لا والله، حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: إن أكون معك في الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: أعطها حكمها فأعطاها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء فقالت لهم؛ انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت: احفروا، فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم به، أمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه وذلك قوله:

стр. 6462

(فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر) وذلك أن الله أراد أن تكون الآية متصلة بموسى، ومتعلقة بفعل يفعله، وإلا فضرب العصا ليس بفارق البحر، ولا معيناً على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله

стр. 6463

تعالى واختراعه، وبه نجا موسى وبنو إسرائيل وهلك عدوهم (فانفلق) الفاء فصيحة، أي: فضرب فصار وانشق اثني عشر فلقاً، بعدد الأسباط، وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم، وهو معنى قوله: (فكان كل فرق) هو القطعة من البحر، وقرئ (فلق) باللام بدل الراء (كالطود) كالجبل أو عظيمه والجمع أطواد، يقال طاد يطود إذا ثبت (العظيم) أي الضخم بينها مسالك سلكوها، لم يبتل منها سرج الراكب ولا لبده قاله ابن عباس، وابن مسعود.

стр. 6464

(وأزلفنا ثَمَّ الآخرين) أي قربناهم إلى البحر قاله ابن عباس، قال أبو عبيدة أزلفنا جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع، وثَمَّ ظرف مكان للبعيد، وقيل: قربنا من النجاة وقرئ (زلفنا) ثلاثياً، وقرئ (أزلقنا) أي أزللنا وأهلكنا، من قولهم، أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها، ويعني بالآخرين فرعون وقومه وقيل، المراد بهم موسى وأصحابه والأول أولى. قيل: كان جبريل بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون. يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط رويداً ليلحق آخركم أولكم فكان بنو إسرائيل يقولون ما رأينا أحسن سياسة من هذا الرجل، وكان القبط يقولون ما رأينا أحسن داع من هذا!.

стр. 6465

(وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) بمرورهم في البحر بعد أن جعله الله طرقاً يمشون فيها

стр. 6466

(ثم أغرقنا الآخرين) يعني فرعون وقومه، أغرقهم الله بإطباق البحر عليهم، بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه، وخرج بنو إسرائيل منه، وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف طوالعهم.

стр. 6467

(إن في ذلك) أي فيما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية (لآية) عبرة عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه لمن بعدهم.

стр. 6468

(وما كان أكثرهم) أي أكثر هؤلاء الذين مع فرعون (مؤمنين) بالله فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته، وآسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت على قبر يوسف وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بوسى، فإنهم هلكوا جميعاً في البحر، بل المراد من كان معه من الأصل، ومن كان متابعاً له، ومنتسباً إليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال. وقال سيبويه وغيره: إنّ (كان) زائدة، وأنّ المراد الإخبار عن المشركين بعد ما سمعوا الموعظة.

стр. 6469

(وإنّ ربك لهو العزيز) أي المنتقم من أعدائه بإغراقهم (الرحيم) بأوليائه بإنجائهم.

стр. 6470

(واتل) أي: أقصص يا محمد (عليهم) أي على كفار مكة (نبأ) خبر (إبراهيم) وحديثه

стр. 6471

(إذ قال) أي وقت قوله (لأبيه وقومه ما) أي أيُّ شيء (تعبدون) وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنه أراد إلزام الحجة وليريهم أنّ ما يعبدونه ليس بمستحق للعبادة، بل بمعزل عنها بالكلية.

стр. 6472

(قالوا نعبد أصناماً) افتخاراً ومباهاة بعبادتها (فنظل لها عاكفين) أي فنقيم وندوم على عبادتها، مستمرين طوال النهار، لا في وقت معين. يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهاراً، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلاً، فظاهره أنهم يستمرون على عبادتهم نهاراً لا ليلاً والمراد من العكوف لها الإقامة على عبادتها وإنما قال (لها) لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها. فلما قالوا هذه المقالة

стр. 6473

(قال) إبراهيم منبهاً على فساد مذهبهم (هل يسمعونكم إذ تدعون)؟ قال الأخفش المعنى هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءكم؟ وقرأ قتادة هل يُسمعونكم؟ بضم الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم وقت دعائكم لهم؟ قال الزمخشري إنه على حكاية الحال الماضية، ومعناه استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها، هل سمعوكم إذا دعوتم؟ وهو أبلغ في التبكيت.

стр. 6474

أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)

стр. 6475

(أو ينفعونكم)؟ بوجه من وجوه النفع إن عبدتموها (أو يضرون) أي يضرونكم إذا تركتم عبادتها؟ وهذا الاستفهام للتقرير، فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، فلا وجه لعبادتها، فإذا قالوا نعم هي كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث والسفه، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة، لم يجدوا لها جواباً إلا رجوعهم إلى التقليد البحت وهو أنهم.

стр. 6476

(قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) هذه العبادة لهذه الأصنام، فقلدناهم مع كونها بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها، وفي أبي السعود هذا الجواب منهم اعتراف بإنها بمعزل عما ذكر من السمع والمنفعة والمضرة بالمرة، واضطروا إلى إظهار أن لا مستند لهم سوى التقليد أي ما علمنا ولا رأينا منهم ما ذكر من الأمور، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فاقتدينا بهم. انتهى. قال الخازن: وفي الآية دليل على إبطال التقليد في الدين وذمّهِ، ومدح الأخذ بالاستدلال انتهى. وهذا الجواب هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز ويمشي بها كل أعرج، ويغتر بها كل مغرور، وينخدع لها كل مخدوع؛ فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التي طبقت الأرض، بطولها والعرض؛ وقلت لهم: ما الحجة لكم على تقليد فرد من أفراد العلماء؟ والأخذ بكل ما يقوله في الدين ويبتدعه من الرأي المخالف للدليل؟ لم يجدوا غير هذا الجواب ولا فاهوا بسواه، وأخذوا يعدون عليك من سبقهم إلى تقليد هذا من سلفهم، واقتدى بقوله وفعله، وهم قد ملأوا صدورهم هيبة، وضاقت آذانهم عن تصورهم وظنوا أنهم خير أهل الأرض، وأعلمهم وأورعهم فلم

стр. 6477

يسمعوا لناصح نصحاً ولا لداع إلى الحق دعاء، ولو فطنوا لرأوا أنفسهم في غرور عظيم، وجهل ثشيع وأنهم كالبهيمة (١) العمياء وأولئك الأسلاف كالعمي الذين يقودون البهائم العمي كما قال الشاعر: كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الحائر فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف؛ أن تورد عليهم حجج الله، وتقيم عليهم براهينه، فإنه ربما انقاد لك منهم من لم يستحكم داء التقليد في قلبه، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء العضال فلو أوردت عليه كل حجة، وأقمت عليه كل برهان، لما أعارك إلا أذناً صماء وعيناً عمياء، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن، والهداية بيد الخلاق العليم، إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة

стр. 6478

(قال) الخليل ﵇: (أفرأيتم ما كنت تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون) أي فهل أبصرتم؟ أو تفكرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر حتى تعلموا أنكم على ضلالة وجهالة والرؤية هنا مستعملة في معناها الأصلي، وإليه نحا أبو السعود، وصنيع الكازروني يقتضي أنها بمعنى أخبروني، أي أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون، هل هو حقيق بالعبادة أولاً؟ وهذا استهزاء بعبدة الأصنام، والفاء فاء السببية تفيد أن ما بعدها وهو العداوة سبب لطلب الإخبار عن حالهم؛ فهي بمعنى اللام، أي: أخبروني عن حالها لأنها عدو لي كما صرح به الرضى في قوله أخرج منها فإنك رجيم ثم أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها فقال:

стр. 6479

(فإنهم عدو لي) ومعنى كونهم عدواً له مع كونهم جماداً أنه إن عبدهم كانوا له عدواً يوم القيامة، قال الفراء: هذا من المقلوب، أي فإني عدو لهم، لأن من عاديته عاداك. وأسند العداوة إلى نفسه تعريضاً بهم، وهو أنفع في النصيحة من التصريح بأن يقول فإنهم عدو لكم.

стр. 6480

والعدو كالصديق يطلق على الواحد، والمثنى، والجماعة، والمذكر والمؤنث كذا قال الفراء قال علي بن سليمان من قال عدوة الله فأثبت الهاء قال هي بمعنى المعادية. ومن قال عدو للمؤنث، والجمع، جعله بمعنى النسب وقيل المراد بقوله (فإنهم عدو لي) آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم للأصنام. ورد بأن الكلام مسوق فيما عبدوه في العابدين. (إلا) أي لكن (رب العالمين) ليس كذلك، بل هو وليي في الدنيا والآخرة، لا يزال متفضلاً عليّ فيهما قال الزجاج قال النحويون هو استثناء ليس من الأول، وأجاز الزجاج أيضاً أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأصنام فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله، فإني أعبده. قال الجرجاني تقديره أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ إلا رب العالمين، فإنهم عدو لي. فجعله من باب التقديم والتأخير، وجعل (إلا) بمعنى دون وسوى، كقوله (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي دون الموتة الأولى، وقال الحسن بن الفضل: إن المعنى إلا من عبد رب العالمين، ثم وصف رب العالمين بقوله:
следующие страницы →