الطفل إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري.
وقيل وارث المرضعة يجب عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع والخدمة والتربية.
وقيل: إن معنى الآية أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا: وهذا هو الأصل فمن ادعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل.
قال القرطبي: وهو الصحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو الرضاع والإنفاق. وعدم الضرر لقال وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من الضارة وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب.
قال ابن عطية وقال مالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك وجماعة من العلماء المراد بقوله (مثل ذلك) أن لا يضار، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منهما، وحكى ابن القاسم عن مالك مثل ما قدمنا عنه في تفسير هذه الآية ودعوى النسخ.
ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة فإن ما خصصوا به معنى قوله (وعلى الوارث مثل ذلك) من ذلك المعنى أي عدم الإضرار بالمرضعة قد أفاده قوله (لا تضار والدة بولدها) لصدق ذلك على كل مضارة ترد عليها من المولود له أو غيره.
وأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه.
وأما ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن المراد بالوارث وارث الصبي
стр. 667
فيقال عليه إنه لم يكن وارثاً حقيقة مع وجود الصبي حياً، بل هو وارث مجازاً باعتبار ما يؤول إليه.
وأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي لكن إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبي فيه ما فيه، ولهذا قيده القائل به بأن يكون الصبي فقيراً، ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدم من ذكر الوالدات والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم.
(فإن أرادا فصالاً) الضمير للوالدين، والفصال الفطام عن الرضاع أي التفريق بين الصبي والثدي، ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه.
(عن تراض منهما) أي صادراً عن تراض من الأبوين وعلى اتفاق من الوالدين إذا كان الفصال وفطام الولد قبل الحولين (وتشاور) أي يشاورون أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد (فلا جناح عليهما) في ذلك الفصال.
لما بين الله سبحانه أن مدة الرضاع حولان كاملان قيد ذلك بقوله (لمن أراد أن يتم الرضاعة) وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبي قبل الحولين كان ذلك جائزاً له، وهنا اعتبر سبحانه تراضي الأبوين وتشاورهما فلا بد من الجمع بين الأمرين بأن يقال إن الإرادة المذكورة في قوله (لمن أراد أن يتم الرضاعة) لابد أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبي حيين بأن كان الموجود أحدهما أو كانت المرضعة للصبي ظئراً غير أمه.
والتشاور استخراج الرأي يقال شرت العسل استخرجته فلابد لأحد الأبوين إذا أراد فصال الرضيع أن يراضي الآخر ويشاوره حتى يحصل الاتفاق بينهما على ذلك.
(وإن أردتم) خطاب للآباء، وزاد بعضهم الأمهات وفيه خروج من
стр. 668
الغيبة إلى الخطاب (أن تسترضعوا أولادكم) قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة، وعن سيبويه المعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم (فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم) بالمد أي أعطيتم وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير فإنه قرأ بالقصر أي فعلتم.
والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتكم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما قد أرضعن لكم أي وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان الثوري ومجاهد.
وقال قتادة والزهري: إن معنى الآية إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي كان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير، وإرادة معروف من الأمر، وعلى هذا فيكون قوله (سلّمتم) عاماً للرجال والنساء تغليباً، وعلى القول الأول الخطاب للرجال فقط.
وقيل المعنى إذا سلمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها فيكون المعنى إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه أي إعطاءه إلى المرضعات، وليس هذا قيداً لصحة الإجارة فإن تعجيل الأجرة لا يشترط، وإنما هو قيدُ كمال لأنه أطيب لنفوسهن.
(بالمعروف) أي بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن أو حط بعض ما هو لهن من ذلك، فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر الصبي والتفريط في شأنه، والمعنى أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيّبين لأنفس المراضع بما أمكن.
(واتقوا الله) أي خافوه فيما فرض عليكم من الحقوق وفيما أوجب عليكم للمراضع ولأولادكم (واعلموا أن الله بما تعملون بصير) لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرها وعلانيتها فإنه تعالى يراها ويعلمها.
стр. 669
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً).
لما ذكر سبحانه عدة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع، عقب ذلك بذكر عدة الوفاة لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق.
قال الزجاج: ومعنى الآية والرجال الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً أي ولهم زوجات فالزوجات يتربصن، وقال أبو علي الفارسي: تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم وهو كقولك السمن منوان بدرهم أي منه.
وحكى عن سيبويه أن المعنى وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون، وقيل التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، ذكره صاحب الكشاف.
وفيه أن قوله ويذرون أزواجاً لا يلائم ذلك التقدير لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة، وقال بعض النحاة من الكوفيين: إن الخبر عن الذين متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن.
وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً فمن مات فقد استوفى عمره كاملاً، يقال توفي فلان يعني قبض وأخذ، والخطاب لكافة الناس بطريق التلوين والمراد بالأزواج هنا النساء لأن العرب تطلق اسم الزوج على الرجل والمرأة.
والمعنى الذين يموتون ويتركون النساء ينتظرن بأنفسهن قدر هذه المدة.
ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك
стр. 670
في الغالب لثلاثة أشهر والأنثى لأربعة فزاد الله سبحانه على ذلك عشراً لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلاً، ولا يتأخر عن هذا الأجل.
وظاهر هذه الآية العموم وإن كان من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العدة ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وإلى هذا ذهب الجمهور، وروي عن بعض الصحابة وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتد بآخر الأجلين جمعاً بين العام والخاص وإعمالاً لهما.
والحق ما قاله الجمهور، والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة ولا قوانين الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بإن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف له.
وقد صح عنه ﷺ أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع.
والتربُّص التأني والتصبُّر عن النكاح، وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة والحرة والأمة وذات الحيض والآيِسة وأن عدتهن جميعاً للوفاة أربعة أشهر وعشر، وقيل إن عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام قال ابن العربي: إجماعاً إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوّى بين الحرة والأمة، وقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال: عدتها عدة الحرة وليس بالثابت عنه.
ووجه ما ذهب إليه الأصم وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم.
ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدة الوفاة على الحد فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وقد تقدم حديث " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " (١) وهو صالح للاحتجاج
стр. 671
به، وليس المراد منه إلا جعل طلاقها على النصف من طلاق الحرة وعدتها على النصف من عدتها، ولكنه لما لم يمكن أن يقال طلاقها تطليقة ونصف، وعدتها حيضة ونصف لكون ذلك لا يعقل، كانت عدتها وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبراً للكسر.
ولكن ههنا أمر يمنع من هذا القياس الذي عمل به الجمهور وهو أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً هو ما قدمناه من معرفة خلوّها من الحمل ولا يعرف إلا بتلك المدة ولا فرق بين الحرة والأمة في مثل ذلك بخلاف كون عدتها في غير الوفاة حيضتين فإن ذلك يعرف به خلو الرحم، ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدة أم الولد.
واختلف أهل العلم في عدة أم الولد بموت سيدها، فقال سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وإسحق بن راهوية وأحمد بن حنبل في رواية عنه إنها تعتد بأربعة أشهر وعشر لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا ﷺ عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر (١)، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه، وضعفه أحمد وأبو عبيد، وقال الدارقطني الصواب أنه موقوف.
وقال طاوس وقتادة عدتها شهران وخمس ليال، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه عدتها حيضة وغير الحائض شهر، وبه يقوله ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور.
وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت هذه الآية متقدمة في التلاوة (٢).
стр. 672
(فإذا بلغن أجلهن) المراد بالبلوغ هنا انقضاء العدة (فلا جناح عليكم) الخطاب للأولياء لأنهم هم الذين يتولون العقد وقيل المخاطب جميع المسلمين (فيما فعلن في أنفسهن) من التزين والتعرض للخطاب، والنقلة من المسكن الذي كانت معتدة فيه، وقيل عنى بذلك النكاح خاصة والأول أولى (بالمعروف) الذي لا يخالف شرعاً ولا عادة مستحسنة.
وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة عدة الوفاة، وقد ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أن النبي ﷺ قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " (١).
وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة، والإحداد ترك الزينة من الطيب ولبس الثياب الجيدة، والحلي وغير ذلك ولا خلاف في وجوب ذلك في عدة الوفاة ولا خلاف في عدة الرجعية واختلفوا في عدة البائنة على قولين، ومحل ذلك كتب علم الفروع.
واحتج أصحاب أبي حنيفة على جواز النكاح بغير ولي بهذه الآية لأن إضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، وأجيب بأنه خطاب للأولياء ولو صح العقد بغير ولي لما كان مخاطباً (والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه خافية.
стр. 673
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)
(ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء) المتوفَّى عنهن أزواجهن في العدة وكذا المطلقات طلاقاً بائناً، وأما الرجعيات فيحرم التعريض والتصريح بخطبتهن ففي المفهوم تفصيل.
والجناح الإثم أي لا إثم عليكم والتعريض ضد التصريح وهو من عرض الشيء أي جانبه كأنه يحوم به حول الشيء ولا يظهره، وقيل هو من قولك عرضت الرجل أي أهديت له، ومنه إن ركباً من المسلمين عرضوا رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياباً بيضاً أي أهدوا لهما، فالمعرِّض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاماً يفهم معناه.
وقال في الكشاف: الفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع، والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا، وحسبك بالتسليم مني تقاضيا وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده انتهى.
والمعنى لوحتم وأشرتم، والخطبة بالكسر ما يفعله الطالب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، يقال خطبها بخطبها خطبة وخطباً، والخطبة بالضم هي الكلام الذي يقوم به الرجل خاطباً.
(أو أكننتم) معناه سترتم وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة، والإكنان التستر والإخفاء يقال أكننته وكننته وهما بمعنى واحد، ومنه بيض
стр. 674
مكنون، ودر مكنون، وأو هنا للإباحة أو التخيير أو التفصيل أو الإبهام على المخاطب (في أنفسكم) يعني من قصد نكاحهن، وقيل هو أن يدخل ويسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء.
(علم الله أنكم ستذكرونهن) أي لا تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح، وقال في الكشاف أن فيه طرفاً من التوبيخ كقوله (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم).
(ولكن لا تواعدوهن سراً) قد اختلف العلماء في معنى السر فقيل معناه نكاحاً أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض تعريضاً، وقد ذهب إلى أن هذا معنى الآية جمهور العلماء، وقيل السر الزنا أي لا يكون منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزويج بعدها قاله جابر بن زيد وأبو مجلز والحسن وقتادة والضحاك والنخعي واختاره ابن جرير الطبري.
وقيل السر الجماع أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيباً لهن في النكاح وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية.
والاستدراك بقوله " لكن " من مقدر دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سراً، ولا تصرحوا بالخطبة بأن تذكروا صريح النكاح.
وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وقال أيضاً: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته، وقال ابن عباس: المواعدة سراً أن يقول لها إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري ونحو هذا.
(إلا أن تقولوا) قيل هو استثناء منقطع بمعنى لكن لأن القول هو التعريض والمستثنى منه المراد به التصريح وهذا هو شأن المنقطع يفسر بلكن وبه قال السيوطي، ومنع صاحب الكشاف أن يكون منقطعاً، وقال هو مستثنى من
стр. 675
قوله لا تواعدوهن أي مواعدة مّا قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعاً، وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح، فجعله على هذا استثناء متصلاً مفرغاً.
ووجه كونه منقطعاً أنه يؤدي إلى جعل التعريض موعوداً وليس كذلك لأن التعريض طريق المواعدة لا أنه الموعود في نفسه، وعن ابن عباس قال: التعريض أن يقول أني أريد التزويج وإني لأحب المرأة من أمرها وإن من شأني النساء ولوددت أن الله يسر لي امرأة صالحة رواه البخاري وجماعة.
(قولاً معروفاً) أي تعريضاً، وقال ابن عباس: هو قوله إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، أو يقول إنك لجميلة وإنك إلى خير وإن النساء من حاجتي.
(ولا تعزموا عقدة النكاح) قد تقدم الكلام في معنى العزم يقال عزم الشيء وعزم عليه والمعنى هنا لا تعزموا على عقدة النكاح في العدة لأن العزم عليه بعدها لا بأس به ثم حذف على، قال سيبويه: والحذف في هذه الآية لا يقاس عليه.
قال النحاس: يجوز أن يكون المعنى ولا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد قيل: إن العزم على الفعل يتقدمه فيكون في هذا النهي مبالغة لأنه إذا نهى عن المتقدم على الشيء كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى.
(حتى) غاية للنهي (يبلغ الكتاب أجله) أي تنقضي العدة، والكتاب هنا هو الحد والقدر الذي رسم من المدة سماه كتاباً لكونه محدوداً ومفروضاً كقوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) وهذا الحكم أعني تحريم عقد النكاح في العدة مجمع عليه، والمراد بالأجل آخر مدة العدة.
(واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) من العزم على ما لا يجوز (فاحذروه) أي عقابه إذا عزمتم على عقدة النكاح في العدة وألا تعزموا عليه، فإن العزم على المعصية معصية (واعلموا أن الله غفور حليم) لا يعاجلكم بالعقوبة على الجهر بالمعصية بل يسترها.
стр. 676
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)
(ولا جناح عليكم) المراد بالجناح هنا التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك أي لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه (إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) أي مدة عدم مسيسكم، وقال أبو البقاء: والمعنى إن اطلقتموهن غير ماسّين لهن، فعلى الأولى " ما " مصدرية ظرفية، وعلى الثاني شرطية، وقيل إنها موصولة أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن أي ما لم تجامعوهن، وقرأ ابن مسعود: من قبل أن تجامعوهن، وقرأ غيره تماسّوهن من المفاعلة.
وهكذا اختلفوا في قوله (أو تفرضوا لهن فريضة) فقيل أو بمعنى إلا، أي إلا أن تفرضوا، وقيل بمعنى حتى أي حتى تفرضوا وقيل بمعنى الواو أي وتفرضوا.
ولست أرى لهذا التطويل وجهاً، ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين، أي مدة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منها جناح أي المسمى أو مهر المثل أو نصفه.
واعلم أن المطلقات أربع:
مطلقة مدخول بها مفروض لها وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها نهي الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئاً وأن عدتهن ثلاثة قروء.
ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا فلا مهر لها
стр. 677
بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها.
ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه
стр. 678
(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة).
ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها وهي المذكورة في قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر، وفيها وجهان أظهرهما أنها مفعول به والتقدير شيئاً مفروضاً، والثاني أن تكون منصوبة على المصدر بمعنى فرضاً، واستجود أبو البقاء الوجه الأول.
(ومتعوهن) أي أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهن، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك.
ومن أدلة الوجوب قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهم من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً).
وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى (حقاً على المحسنين) ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له كما في قوله في الآية الأخرى (حقاً على المتقين) أي أن الوفاء بذلك والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه.
وقد وقع الخلاف أيضاً هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط، فقيل: إنها مشروعة لكل مطلقة، وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبو العالية
стр. 679
والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحق، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم مندوبة فقط.
واستدلّوا بقوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين) وبقوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً) والآية الأولى عامة لكل مطلقة والثانية في أزواج النبي ﷺ وقد كنّ مفروضاً لهن مدخولاً بهن.
وقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنأت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن) قال هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء والتسمية لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى أو مهر المثل، وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة أي سمى لها مهراً وطلقها قبل الدخول تستحق نصف المسمى، ومن القائلين بهذا ابن عمر ومجاهد.
وقد وقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول أو الفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة، وأما إذا كانت أمة فذهب الجمهور إلى أنها لها المتعة، وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها لأنها تكون لسيدها ولا تستحق مالاً في مقابل تأذي مملوكته لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك.
وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدرة بقدر أم لا، فقال مالك والشافعي في الجديد: لا حد لها معروف بل ما يقع عليه اسم المتعة، وقال أبو حنيفة: أنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر مثلها ولا
стр. 680
ينقص من خمسة دراهم، لأن أقل المهر عشرة دراهم، وللسلف فيها أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وقوله (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير، والموسع هو الذي اتسعت حاله، وقرىء الموسّع بالتشديد، وقرىء قدره بسكون الدال فيهما، وبفتح الدال فيهما، قال الأخفش وغيره: هما لغتان فصيحتان، وهكذا في قوله تعالى (فسالت أودية بقدرها) وقوله (وما قدروا الله حق قدره).
والمقتر المقل، والتقدير على الموسع منكم أو على موسعكم قدره أي قدر إمكانه وطاقته، وكذا يقال في الثاني، والآية تفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة، وقيل هذا ضعيف في مذهب الشافعي، بل ينظر الحاكم باجتهاد إلى حالهما جميعاً على أظهر الوجوه.
(متاعاً) مصدر مؤكد أي متعوهن متاعاً (بالمعروف) ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له.
وقوله (حقاً على المحسنين) وصف لقوله متاعاً أو مصدر لفعل محذوف أي حق ذلك حقاً، يقال حققت عليه القضاء وأحققت أي أوجبت، قال ابن عباس: المس النكاح والفريضة الصداق، وأمر الله أن يمتعها على قدر عسره وشره، فإن كان موسراً متعها بخادم وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب ونحو ذلك، وعنه قال متعة الطلاق أعلاها الخادم ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسوة، وعن ابن عمر: أدق ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً، وعن الحسن بن علي أنه متع بعشرين ألفاً وزقاق من عسل، وعن شريح أنه متع بخمسمائة درهم، وعن الحسن بن علي أيضاً أنه متع بعشرة آلاف وعن ابن سيرين أنه كان يمتع بالخادم والنفقة والكسوة.
стр. 681
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة، أي فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهنّ من المهر، وهذا مجمع عليه.
وقد وقع الاتفاق أيضاً على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها ومات وقد فرض لها مهراً تستحقه كاملاً بالموت ولها الميراث وعليها العدة.
واختلفوا في الخلوة هل تقوم مقام الدخول وتستحق المرأة بها كمال المهر كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك والشافعي في القديم والكوفيون والخلفاء الراشدون وجمهور أهل العلم وتجب أيضاً عندهم العدة، وقال الشافعي في الجديد: لا يجب إلا نصف المهر، وهو ظاهر الآية لما تقدم من أن المسيس هو الجماع، ولا يجب عنده العدة وإليه ذهب جماعة من السلف.
(إلا أن يعفون) أي المطلقات ومعناه يتركن ويصفحن وهو استثناء مفرغ من أعم العام، وقيل منقطع ومعناه يتركن النصف الذي يجب لهنّ على الأزواج، وروى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (إلا أن يعفون) يعني الرجال وهو ضعيف لفظاً ومعنى.
(أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) معطوف على محل قوله (إلا أن يعفون) لأن الأول مبني وهذا معرب قيل هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم
стр. 682
وسعيد بن المسيب وشريح وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع وابن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبو مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، وهو الجديد من قولي الشافعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، ورجحه ابن جرير.
وفي هذا القول قوة وضعف.
أما قوته فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج لأنه الذي إليه رفعه بالطلاق، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملاً غير ظاهر، لأن العفو لا يطلق على الزيادة، وقيل المراد بقوله (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي، وبه قال النخعي وعلقمة والحسن وطاوس وعطاء وأبو الزناد وزيد بن أسلم وربيعة والزهري والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في قوله القديم.
وفيه قوة وضعف.
أما قوته فلكون معنى العفو فيه معقولاً، وأما ضعفه فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده.
ومما يزيد هذا القول ضعفاً أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه.
وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الولي لا يملك شيئاً من مالها، والمهر مالها، فالراجح ما قاله الأولون لوجهين:
الأول أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة.
الثاني: أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن المالك المطلق التصرف
стр. 683
بخلاف الولي، وتسمية الزيادة عفواً وإن كان خلاف الظاهر لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملاً عند العقد كان العفو معقولاً، لأنه تركه لها ولم يسترجع النصف منه.
ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال: إنه من باب المشاكلة كما في الكشاف لأنه عفو حقيقي أي ترك لما يستحق المطالبة به إلا أن يقال إنه مشاكلة أو تغليب في توفية المهر قبل أن يسوقه الزوج.
(وأن تَعْفُوَآ أقرب للتقوى) قيل هو خطاب للرجال والنساء تغليباً أي وعفو بعضكم أيها الرجال والنساء أقرب للتقوى أي من عدم العفو الذي فيه التنصيف، والمراد بالتقوى الألفة وطيب النفس من الجانبين، وعليه قراءة الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ الشعبي وأبو نهيك بالياء التحتية فيكون الخطاب مع الرجال فقط، وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، لأن عفو الولي عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب للتقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور، والمعنى وليعف الزوج فيترك حقه الذي ساق من المهر إليها قبل الطلاق فهو أقرب للتقوى.
(ولا تنسوا الفضل بينكم) المعنى أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف ويتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد للرجال والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي على بعضهم بعضاً والمسامحة فيما يستغرقه أحدهما على الآخر للوصلة التي قد وقعت بينهما من إفضاء البعض إلى البعض، وهي صلة لا تشبهها وصلة، فمن رعاية حقها ومعرفتها حق معرفتها الحرص منهما على التسامح.
(إن الله بما تعملون بصير) فيه من ترغيب المحسن وترهيب غيره ما لا يخفى.
стр. 684
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)
(حافظوا على الصلوات) المحافظة على الشيء المداومة والمواظبة عليه أي داوموا وواظبوا على الخمس المكتوبات بجميع شرائطها وحدودها وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها، ولعل الأمر بالصلوات وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها (والصلاة الوسطى) الوسطى تأنيث الأوسط وأوسط الشيء ووسطه خياره، ومنه قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) ووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم، وليست من الوسط الذي معناه متوسط بين شيئين لأن فعلى معناها التفضيل ولا يبنى للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف التوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل للتفضيل.
وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر بعد دخولها في عموم الصلوات تشريفاً لها وقد اختلف أهل العلم في تعيينها على ثمانية عشر قولاً أوردها الشوكاني في شرحه للمنتقى وذكر ما تمسك به كل طائفة، وأرجح الأقوال وأصحها ما ذهب إليه الجمهور من أنها العصر لما ثبت عند البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث علي قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً (١).
وأْخرج مسلم والترمذي وابن ماجه وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعاً مثله.
стр. 685
وأخرجه ابن جرير وابن المنذر والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً وأخرجه البزار بإسناد صحيح من حديث جابر مرفوعاً وأخرجه أيضاً البزار بسند صحيح من حديث حذيفة مرفوعاً.
وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث أم سلمة مرفوعاً.
وورد في تعيين أنها العصر من غير ذكر يوم الأحزاب أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ وهذه أحاديث مصرحة بأنها العصر.
وقد روى عن الصحابة في تعيين أنها العصر آثار كثيرة وفي الثابت عن النبي ﷺ ما لا يحتاج معه إلى غيره.
وأما ما روي عن علي وابن عباس أنهما قالا إنها صلاة الصبح كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وكذلك غيره عن ابن عمر وأبي أمامة فكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما ثبت عن النبي ﷺ ثبوتاً يمكن أن يدعى فيه التواتر، وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعد من التابعين وتابعيهم بالأولى.
وهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال صلاة الوسطى المغرب.
وهكذا لا اعتبار بما ورد من قول جماعة من الصحابة أنها الظهر وغيرها من الصلوات.
ولكن المحتاج إلى إمعان نظر وفكر ما ورد مرفوعاً إلى النبي ﷺ مما فيه دلالة على أنها الظهر كما أخرجه ابن جرير عن زيد بن ثابت مرفوعاً أن
стр. 686
الصلاة الوسطى صلاة الظهر، ولا يصح رفعه بل المروي عن زيد ذلك من قوله، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه، وأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ .
وهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر من قوله: إنها الظهر، وكذلك ما روي عن عائشة وأبي سعيد الخدري وغيرهم فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله ﷺ .
وأما ما رواه عبد الرزاق وابن جرير وغيرهما أن حفصة قالت لأبي رافع مولاها وقد أمرته أن يكتب لها مصحفاً: إذا أتيت على هذه الآية حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فتعال حتى أمليها عليك، فلما بلغ ذلك أمرته أن يكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر.
وأخرجه أيضاً عنها مالك وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه وزادوا وقالت: أشهد أني سمعتها من رسول الله ﷺ .
وأخرج مالك ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي يونس مولى عائشة وفيه قالت: سمعتها من رسول الله ﵌، وكذا روي عن أم سلمة أنها قالت كما قالت حفصة وعائشة (١).
فغاية ما في هذه الروايات عن أمهات المؤمنين الثلاث أنهن يروين هذا الحرف هكذا عن رسول الله ﵌، وليس فيه ما يدل على تعيين الصلاة الوسطى أنها الظهر أو غيرها، بل غاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى أنها غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه.
стр. 687
وهذا الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه ﵌ ثبوتاً لا يدفع أنها العصر كما قدمنا بيانه.
فالحاصل أن هذه القراءة التي نقلها أمهات المؤمنين الثلاث بإثبات قوله " وصلاة العصر " معارضة بما أخرجه ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر.
وأخرج وكيع عن حميدة قالت قرأت في مصحف عائشة والصلاة الوسطى صلاة العصر، وفي الباب روايات.
فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة ونقل القراءة، ويبقى ما صح عن النبي ﵌ من التعيين صافياً عن شوب كدر المعارضة.
على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي نقلتها حفصة وعائشة وأم سلمة فأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن البراء بن عازب قال: نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم نسخها الله فأنزل (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فقيل له هي إذاً صلاة العصر قال: قد حدثتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم (١).
إذا تقرر لك هذا وعرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر.
وأما حجج بقية الأقوال فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به، لأنه لم
стр. 688
يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، وبعض القائلين عوَّل على أمر لا يعوَّل عليه فقال: إنها صلاة كذا لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات وبعدها كذا من الصلوات.
وهذا الرأي المحض والتخمين لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن رسول الله ﷺ ، فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة والقوة والثبوت عن رسول الله ﷺ .
ويالله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة وإعراضهم عن خير العلوم وأنفعها حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله والتجرؤ على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى. فجاؤا بما يُضحَكُ منه تارة وُيبَكى منه أخرى، قال الخازن: وأصح الأقوال كلها أنها العصر للأحاديث الصحيحة الواردة فيها والله أعلم انتهى، وقيل صلاة الجنازة وقيل صلاة الجمعة وكلها أقوال ضعيفة ليس عليها أثارة من علم.
(وقوموا لله قانتين) القنوت قيل هو الطاعة أي قوموا في صلاتكم طائعين قاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشافعي، وقيل هو الخشوع قاله ابن عمر ومجاهد وقيل هو الدعاء، وبه قال ابن عباس.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وقال قوم إن القنوت طول القيام، وقيل معناه ساكتين قاله السدى، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت.
وقيل أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء فكل معنى يناسب الدوام
стр. 689
يصح إطلاق القنوت عليه.
وقد ذكر أهل العلم أن للقنوت ثلاثة عشر معنى، وقد ذكرها الشوكاني في شرح المنتقى، وذكرناها في شرح بلوغ المرام، والمتعين ههنا حمل القنوت على السكوت للحديث المذكور.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵌ أنه قال: إنَّ في الصلاة لشغلاً (١).
وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي ﵌ قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (١).
وقد اختلفت الأحاديث في القنوت المصطلح عليه هو قبل الركوع أو بعده وهل هو في جميع الصلوات أو بعضها، وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ والراجح اختصاصه بالنوازل وقد أوضح الشوكاني ذلك في شرحه للمنتقى فليرجع إليه.
стр. 690
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
(فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) الخوف هو الفزع، والرجال جمع رجل أو راجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلاً إذا عدم المركوب ومشى على قدميه فهو رَجِل وراجل، يقول أهل الحجاز مشى فلان إلى بيت الله حافياً رَجِلاً حكاه ابن جرير الطبري وغيره، ويجمع على رَجْل ورجَّالة (١)، فالراجل بمعنى الماشي له ثلاثة جموع، والركبان جمع راكب قيل لا يطلق إلا على راكب الإبل، ويقال لمن ركب الحمار والبغل حمار وبغال والأجود صاحب حمار وبغل، وهذا بحسب اللغة، والمراد بها هنا ما يعمّ الكل.
لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات، ذكر حالة الخوف أنهم يصنعون فيها ما يمكنهم ويدخل تحت طوقهم من المحافظة على الصلاة بفعلها حال الترجل وحال الركوب، وأبان لهم أن هذه العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان.
وقد اختلف أهل العلم في حد الخوف المبيح لذلك، والبحث مستوفى في كتب الفروع، قال ابن عباس: يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه، وعن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومىء برأسه حيث كان وجهه فذلك قوله (فرجالاً أو ركباناً).
والمعنى إن لم يمكنكم أن تُصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة من إتمام الركوع والسجود والخضوع والخشوع لخوف عدو أو غيره فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركباناً على دوابكم، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وهذا في حال
стр. 691
المقاتلة والمسايفة في وقت الحرب.
وصلاة الخوف قسمان (أحدهما) أن يكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية، وقسم في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وسيأتي الكلام عليه في موضعه (١).
وفي إيراد هذه الشرطية بكلمة " إن " المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف وقلته، وفي إيراد الشرطية الثانية بكلمة " إذا " المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في " جواب " الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولى الأبصار.
(فإذا أمنتم) أي إذا زال خوفكم بعد وجوده أو لم يكن أصلاً فارجعوا إلى ما أمرتم به إتمام الصلاة مستقبلين القبلة، قائمين بجميع شروطها وأركانها وهو قوله (فاذكروا الله) وقيل معنى الآية خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة وهو خلاف معنى الآية (كما علمكم) أي ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه، والكاف صفة لمصدر محذوف
стр. 692
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)
أي ذكراً كائناً كتعليمه إياكم أو مثل تعليمه إياكم (ما لم تكونوا تعلمون) فيه إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم، ولولا تعليمه إيانا لم نعلم شيئاً ولم نصل إلى معرفة شيء فله الحمد على ذلك.
стр. 693
(والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً) أي يقربون من الوفاة إذ المتوفى بالفعل لا يتصوّر منه وصية، وهذا عود إلى بقية الأحكام المفصلة فيما سلف.
وقد اختلف السلف ومن تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، فذهب الجمهور إلى أنها منسوخة بالأربعة الأشهر والعشر كما تقدم، وأن الوصية المذكورة فيها منسوخة بما فرض الله لهنّ من الميراث.
وحكى ابن جرير عن مجاهد أن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، وأن العدة أربعة أشهر وعشر، ثم جعل الله لهن وصية منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وقد حكى ابن عطية والقاضي عياض أن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر.
(وصيّة لأزواجهم) قرىء بالنصب على تقدير فعل محذوف أي فليوصوا وصية أو أوصى الله وصية أو كتب الله عليهم وصية، وقرىء بالرفع ومعناه وصية الذين يتوفون وصية أو حكم الذين يتوفون وصية، والمعنى فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم بثلاثة أشياء النفقة والكسوة والسكنى، وهذه الثلاثة تستمر سنة وحينئذ يجب على الزوجة ملازمة المسكن وترك التزين والإحداد هذه السنة.
стр. 694
(متاعاً إلى) تمام (الحول) أي متعوهن متاعاً أو جعل الله لهن ذلك متاعاً والمتاع هنا نفقة السنة، والمعنى أنه يجب على الذين يتوفّون أن يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولاً كاملاً بالنفقة والسكنى من تركتهم (غير إخراج) أي لا يخرجن من مساكنهن (١).
(فإن خرجن) باختيارهن قبل الحول (فلا جناح) ولا حرج (عليكم) أي على الولي والحاكم (فيما فعلن في أنفسهن) من التعرض للخطاب والتزين لهم وترك الإحداد (من معروف) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول وليس ذلك بحتم عليهن، وقيل المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن وهو ضعيف لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله فيما فعلن.
(والله عزيز) أي غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده (حكيم) فيما شرعه من الشرائع وبين من الأحكام.
стр. 695
(وللمطلقات متاع بالمعروف) قد اختلف المفسرون في هذه الآية فقيل هي المتعة وأنها واجبة لكل مطلقة، وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيّبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية المتعة واللواتي لم يدخل بهن الأزواج، وقد قدمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض، أو عامة المطلقات، وقيل إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط، وقيل المراد بالمتعة هنا النفقة (حقاً على المتقين) يعني الذين يتقون الشرك.
(كذلك يبين الله لكم آياته) أي ما يلزمكم ويلزم أزواجكم والذي يجب لبعضكم على بعض (لعلكم تعقلون) أي لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاح دينكم ودنياكم.
стр. 698
(ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) الاستفهام هنا للتقرير، والرؤية المذكورة هي رؤية القلب لا رؤية البصر، والمعنى عند سيبويه تنبَّه إلى أمر الذين خرجوا، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين كذا قيل.
وحاصله أن الرؤية هنا التي بمعنى الإدراك مضمّنة معنى التنبيه. ويجوز أن تكون مضمنة معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إليهم، أو معنى الوصول أي الم يصل علمك إليهم، ويجوز أن تكون بمعنى الرؤية البصرية أي ألم تنظر إلى الذين خرجوا، وهم قوم من بني إسرائيل.
جعل الله سبحانه قصة هؤلاء لما كانت بمكان من الشيوع والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة المعلومة لكل فرد أو المبصَرة لكل مبصر، لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ودوّنوها وأشهروا أمرها، والخطاب هنا لكل من يصلح له، والكلام جار مجرى المثل في مقام التعجب ادعاء لظهوره وجلائه بحيث يستوي في إدراكه الشاهد والغائب، قاله السعد التفتازاني وقيل الخطاب للنبي ﷺ خاصة والعموم أولى.
(وهم ألوف) قيل ثلاثة آلاف أو أربعة وقيل عشرة آلاف، وقيل بضع وثلاثون ألفاً، وقيل أربعون ألفاً، وقيل سبعون ألفاً، وأصح الأقوال قول من
стр. 699
قال إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن الألوف من جموع الكثرة وحقيقته ما فوق العشرة، قاله القرطبي فدل على أنها ألوف كثيرة وجمع القليل آلاف، وقيل جمع ألف أو آلف كقاعد وقعود، والمعنى مؤتلفون والأول أولى والواو للحال.
(حذر الموت) أي مخافة الطاعون، وكان قد نزل بهم، وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت (فقال لهم الله موتوا) أمر تكوين وتحويل وهو عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة، أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا فماتوا (ثم أحياهم) يعني بعد موتهم بدعاء نبيهم حزقيل بعد ثمانية أيام أو أكثر فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن واستمرّ في أسباطهم.
(إن الله لذو فضل) التنكير للتعظيم أي لذو فضل عظيم (على الناس) جميعاً فيجب عليهم شكره، أما هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء.
قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراًْ من الطاعون وقالوا نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال لهم الله موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم، وإن القرية التي خرجوا منها داوردان، قيل هو حزقيل، ويقال له ابن العجوز، ويقال له ذو الكفل وهو ثالث خليفة في بني إسرائيل، لأن موسى بعده يوشع ثم كالب ثم حزقيل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم هذه القصة مطوّلة عن أبي مالك وفيها أنهم بضعة وثلاثون ألفاً، وقال سعيد بن عبد العزيز: إن ديارهم
стр. 700
هي أذرعات، وعن أبي صالح قال كانوا تسعة آلاف، وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على أنحاء ولا يأتي الاستكثار من طرقها بفائدة.
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵌ النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول الأرض التي هو بها من حديث عبد الرحمن بن عوف (١).
(ولكن أكثر الناس لا يشكرون) يعنى أن أكثر من أنعم الله عليه لا يشكر.
(وقاتِلوا في سبيل الله) هو معطوف على مقدر كأنه قيل اشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم، وقاتلوا، هذا إذا كان الخطاب بقوله (وقاتلوا) راجعاً إلى المخاطبين بقوله (ألم تر إلى الذين خرجوا) كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه القصة لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل إن الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل فيكون عطفاً على قوله: (موتوا) وفي الكلام محذوف تقديره وقال لهم قاتلوا، وقال ابن جرير: لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال للذين أُحيوا، وقيل العطف على حافظوا على الصلوات وفيه بُعد والأول أولى.
(واعلموا أن الله سميع) لما يقوله المتعلل عن القتال (عليم) بما يضمره وفيه وعد لمن بادر بالجهاد ووعيد لمن تخلف عنه.
(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لما أمر سبحانه بالقتال والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، وإقراض الله مَثَلَ لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب، وأصل القرض أنه اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال أقرض فلان فلاناً أي أعطاه ما يتجازاه، وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيء.
وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء، وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض.
واستدعاء القرض في الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه،
стр. 703
والله هو الغني الحميد، شبّه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء.
وقيل كنّى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة كما كنّى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام، ففي الحديث الصحيح إخباراً عن الله " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " وكذا فيما قبله أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنّى عنه ترغيباً لمن خوطب به.
وقوله (حسناً) أي طيبة به نفسه من دون مَنٍّ ولا أذى، وقيل محتسباً، وقيل هو الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر، وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة.
وقد اختلف في تقدير هذا التضعيف على أقوال، وقيل لا يعلمه إلا الله وحده، قاله السدي وهذا هو الأولى، وإنما أبهم الله ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود، وقيل إلى سبعمائة ضعف، وقيل غير ذلك.
وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض؟ قال نعم، قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وله فيه ستمائة نخلة (١).
стр. 704
وقد أخرج هذه القصة جماعة من المحدثين.
وأخرج أحمد وابن المنذر من حديث أبي هريرة وفيه قال: والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " (١).
وأخرج ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر قال لما نزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) إلى آخرها قال رسول الله ﷺ : " رب زد أمتى " فنزلت
стр. 705
(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) قال رب زد أمتي، فنزلت (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب).
وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال لما نزلت (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) قال رسول الله ﷺ : رب زد أمتي، فنزلت (من ذا الذي يقرض الله) قال رب زد أمتي، فنزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم) قال رب زد أمتي فنزلت (إنما يوفي الصابرون) وفي الباب أحاديث هذه أحسنها.
(والله يقبض ويبسط) حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسّع عليكم كيلا تبدل أحوالكم، ولعل تأخير البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء، هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط، والقبض التقتير، والبسط التوسيع، وفيه وعيد بأن بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض، ولهذا قال (وإليه ترجعون) أي هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه، فإن أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم عاقبكم.