← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

(فتلك بيوتهم خاوية) مقررة لما قبلها أي حال كونها خاوية قال الفراء، والنحاس: أي خالية عن أهلها خراباً ليس بها ساكن، من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة متهدمة من خوى النجم إذا سقط. وقيل: الأصل تلك بيوتهم الخاوية كقوله: وله الدين واصباً (بما ظلموا) أي بسبب ظلمهم. (إن في ذلك) التدمير والإهلاك (لآية) أي: لعبرة عظيمة (لقوم يعلمون) أي يتصفون بالعلم بالأشياء

стр. 6757

(وأنجينا الذين آمنوا) وهم صالح ومن آمن به (وكانوا يتقون) الله ويخافون عقابه، وخرج صالح ومن معه من المؤمنين إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح فسمى حضرموت، قال الضحاك: ثم بنى الأربعة آلاف الذين كانوا معه مدينة يقال لها حاضوراء.

стр. 6758

(و) أرسلنا (لوطاً إذ قال لقومه) هم أهل سدوم: (أتأتون الفاحشة) أي: الفعلة المتناهية في القبح والشناعة، وهي إتيان المذكور واللواط (وأنتم تبصرون) أي وأنتم تعلمون علماً يقيناً أنها فاحشة وقبيحة. وذلك أعظم ذنوبكم، على أن تبصرون من بصر القلب وهو العلم أو بمعنى النظر لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة، عتواً وتمرداً، والجملة حالية مفيدة لتأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى.

стр. 6759

(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ)؟ فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح، بأن تلك الفاحشة هي اللواطة التي أبهمها أولا، وفيه إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف، ولا يبلغ كنه قبحها، ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها، ثم علل ذلك بقوله: (شهوة) تنزيلاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد. ولا عفاف، والتقدير للشهوة أو إتياناً شهوة؛ أو مشتهين لهم. (من دون النساء) أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل لذلك، وفيه إشارة إلى أنهم أساءوا من الطرفين في الفعل والترك. (بل أنتم قوم تجهلون) التحريم، أو عاقبة فعلكم، والعقوبة على هذه المعصية، قيل: أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها، أو تفعلون فعل الجاهلين بقبحه، وقد اجتمع الخطاب والغيبة هنا، وفي قوله: بل أنتم قوم تفتنون فغلب الخطاب على الغيبة لأنه أقوى وأرسخ إذ الأصل أن يكون الكلام بين الحاضرين.

стр. 6760

(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) أي: إلا قولهم (أخرجوا آل لوط) أي لوطاً وأهله، والمراد بهم بنتاه وزوجته المؤمنة (١) (من قريتكم) فيه امتنان عليه بإسكانه عندهم، والإضافة للجنس لأن قراهم كانت خمساً أعظمها سدوم (إنهم أناس يتطهرون) أي يتنزهون ويتباعدون عن أدبار الرجال، قالوا ذلك استهزاء منهم بهم.

стр. 6761

(فأنجيناه وأهله) من العذاب الواقع بالقوم، فخرج لوط بأهله من أرضهم وطوى الله له الأرض حتى نجا، ووصل إلى إبراهيم (إلا امرأته قدرناها) قرئ مخففاً ومشدداً، والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى (من الغابرين) أي الباقين في العذاب.

стр. 6762

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)

стр. 6763

(وأمطرنا عليهم) أي: على كل من كان منهم خارج المدائن (مطراً) أي حجارة مكتوباً عليها اسم صاحبها، وهو حجارة السجيل أي: الطين المحرق وهذا التأكيد يدل على شدة المطر، وأنه غير معهود. (فساء مطر المنذرين) أي الذين أنذروا فلم يعقلوا ولم يقبلوا الإنذار والمخصوص بالذم محذوف، أي مطرهم، وقد مضى بيان ذلك كله في الأعراف والشعراء.

стр. 6764

(قل الحمد لله) قال الفراء: قال أهل المعاني: قيل للوط قل الحمد لله على هلاكهم، وخالفه جماعة المفسرين فقالوا: إن هذا خطاب لنبينا ﷺ أي قل: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، قال النحاس: وهذا أولى لأن القرآن منزل على النبي ﷺ ، وكل ما فيه فهو مخاطب به، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره، وكان هذا صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية، والعلم والقدرة الآتي ذكرها بقوله: أمن خلق الخ قيل: والمراد بقوله: (وسلام على عباده الذين اصطفى) أمته ﷺ والأولى حمله على العموم، وهم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين، فيدخل في ذلك الأنبياء وأتباعهم، قال ابن عباس: هم أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم الله لنبيه ﷺ ،

стр. 6765

وروي مثله عن سفيان الثوري؛ والأولى ما قدمناه من التعميم، فيدخل في ذلك أصحابه ﷺ دخولاً أولياً، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يتبرك بهما ويستظهر لمكانهما. (آلله)؟ فيه وجهان يجريان في خمسة مواضع في القرآن غير هذا الموضِع أحدهما تسهيل الهمزة الثانية مقصورة، والثاني إبدالها ألفاً ممدودة مداً لازماً والمعنى الله الذي ذكرت أفعاله، وصفاته الدالة على عظيم قدرته. (خير أما يشركون)؟ به من الأصنام وفيه تبكيت للمشركين: وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار و (أم) هذه متصلة عاطفة لاستكمال شروطها، والتقدير أيهما خير، وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي، بل هي كقول الشاعر: أتهجوه ولست له بكفء؟ ... فشركما لخيركما الفداء فيكون ما في الآية من باب التهكم بهم، إذ لا خير فيهم أصلاً، وقد حكى سيبويه: إن العرب تقول: السعادة أحب إليك أم الشقاوة ولا خير في الشقاوة أصلاً، وقيل: المعنى أثواب الله خير؟ أم عقاب ما تشركون به؟ وقيل: قال لهم ذلك جرياً على اعتقادهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيراً. وقيل: المراد من هذا الاستفهام الخبر، وقرأ الجمهور تشركون بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية.

стр. 6766

(أمن خلق السماوات والأرض)؟ أم هذه هي المنقطعة، وقال أبو حاتم: تقديره أآلهتكم خير؟ أم من خلق السماوات والأرض؟ وقدر على خلقهن، وقيل: المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير؟ أم عبادة من خلق العالم الجسماني؟ فيكون (أم) على هذا متصلة، وفيها معنى التوبيخ والتهكم، كما في الجملة الأولى.

стр. 6767

(وأنزل لكم من السماء ماء) أي نوعاً مد، الماء وهو المطر (فأنبتنا به حدائق) جمع حديقة، قال الفراء: الحديقة البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان، وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل. (ذات بهجة) أي ذات منظر حسن، ورونق، والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من رآه ولم يقل ذوات بهجة على الجمع، لأن المعنى جماعة حدائق، وصرف الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والأشكال، مع سقيها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده، ثم رشح معنى الاختصاص بقوله: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) فضلاً عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة، ومعنى هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا أي ما يصح للبشر، ولا يتهيأ لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدورهم، لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وأن تأتي ذلك محال من غيره، ثم قال سبحانه موبخاً لهم ومقرعاً: (أإله) أي: هل معبود (مع الله)؟ الذي تقدم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به، ويجعل شريكاً له في العبادة، وقرئ إلهاً أي: أتدعون إلهاً مع الله؟ والاستفهام للإنكار أي ليس معه إله، وكذا يقال في المواضع الأربعة الآتية، ثم أضرب عن توبيخهم وتقريعهم بما تقدم، وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة فقال: (بل هم قوم يعدلون) بالله غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل، و (بل هم) بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها فقال:

стр. 6768

أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)

стр. 6769

(أمن جعل الأرض قراراً)؟ القرار هو المستقر أي دحاها وسواها وجعلها بحيث يمكن الاستقرار عليها للإنسان والدواب بإخلاء بعضها من الماء حسبما تدور عليه منافعهم، وقيل: هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله أمن خلق السماوات والأرض؟ ولا ملجئ لذلك، بل هي وما بعدها إضراب، وانتقال من التقريع والتوبيخ بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء آخر. (وجعل) أي خلق أو صير (خلالها) أي فيما بينها (أنهاراً) تطرد بالمياه، والخلال الوسط، وقد تقدم تحقيقه في قوله: وفجرنا خلالهما نهراً. (وجعل لها رواسي) أي جبالاً ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة (وجعل بين البحرين) هما العذب والمالح، أي جعل بينهما من قدرته (حاجزاً) أي مانعاً معنوياً، وهو المنع الإلهي، إذ ليس هناك حاجز حسي كما هو مشاهد فلا يختلط أحدهما بالآخر، فلا هذا يغير ذاك، ولا ذاك يدخل في هذا وقد مر بيانه في سورة الفرقان. (أإله مع الله) أي: إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلا الله فهل إله في

стр. 6770

الوجود يصنع صنعه، ويخلق خلقه فكيف يشركون به ما لا يضر ولا ينفع. (بل أكثرهم لا يعلمون) توحيد ربهم وسلطان قدرته.

стр. 6771

(أمن يجيب المضطر إذا دعاه)؟ هذا الاستدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم والمضطر اسم مفعول من الاضطرار، وهو افتعال من الضرورة، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ، يقال: اضطره إلى كذا، والمضطر هو المكروب المجهود، الذي مسه الضر ولا حول له ولا قوة، وقيل هو المذنب إذا استغفر، وقيل: هو المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد، وهو منه على خطر، وقيل: هو الذي عراه ضر من فقر، أو مرض، أو نازلة من نوازل الدهر، فألجأه إلى التضرع إلى الله. والألف واللام في (المضطر) للجنس لا للاستغراق، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين، لمانع يمنع من ذلك بسبب يحلله العبد، يحول بينه وبين إجابة دعائه، وإلا فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه، والوجه في إجابة دعاء المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الإخلاص، وقطع النظر عما سوى الله. وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين، وإن كانوا كافرين، فقال (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وقال: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم. (ويكشف السوء)؟ الذي يسوء العبد من غير تعيين وقيل: هو الضر وقيل: هو الجور وهذا من عطف العام على الخاص. (ويجعلكم خلفاء الأرض)؟ أي: يحلف كل قرن منكم القرن الذي

стр. 6772

قبله بعد انقراضهم والمعنى يهلك قرناً وينشئ آخرين: وقيل: يجعل أولادكم خلفاً منكم، وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض، وقيل: يجعل المسلمين خلفاً من الكفار ينزلون أرضهم وديارهم. (أإله مع الله)؟ الذي يوليكم هذه النعم الجسام. (قليلاً ما) أي: تذكراً قليلاً (تذكرون) و (ما) زائدة لتقليل القليل هو كناية عن العدم بالكلية فالمراد نفي تذكرهم رأساً، قال الكرخي: المعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي، قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية على الخبر رداً على قوله: بل أكثرهم لا يعلمون.

стр. 6773

(أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) أي يرشدكم في الليالي المظلمة إذا سافرتم في البر والبحر إلى مقاصدكم، وقيل: المراد مفاوز البر التي لا أعلام لها ولجج البحار، وشبهها بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها، وقيل: يهديكم بالنجوم ليلاً وبعلامات الأرض نهاراً. (ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)؟ المراد بالرحمة هنا: المطر أي بين يدي المطر وقبل نزوله. (أإله مع الله)؟ يفعل ذلك ويوجده (تعالى الله عما يشركون) أي تنزه وتقدس عن وجود ما يجعلونه له شريكاً.

стр. 6774

(أمن يبدأ الخلق ثم يعيده)؟ كانوا يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الابتداء قدر على الإعادة (ومن يرزقكم من السماء والأرض)؟ بالمطر والنبات أي: أهو خير أم ما تجعلونه شريكاً له مما لا يقدر على شيء من ذلك؟ (أإله مع الله) حتى تجعلوه شريكاً له. (قل هاتوا برهانكم) أي حجتكم عقلية أو نقلية على أن الله سبحانه شريكاً أو هاتوا حجتكم على أن ثم صانعاً يصنع كصنعه (إن كنتم صادقين) أن مع الله إلهاً فعل شيئاًً مما ذكر. وفي هذا تبكيت لهم وتهكم بهم. وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل:

стр. 6775

قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)

стр. 6776

(قل لا يعلم من) أي لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة الثابتة الساكنة المستقرة (في السماوات والأرض) وهم الملائكة والإنس (الغيب) الذي استأثر الله بعلمه (إلا الله) أي: لكن الله يعلم ذلك فالاستثناء منقطع، ورفع ما بعد (إلا) على اللغة التميمية كما في قوله: إلا اليعافير وإلا العيس وقيل: لا يعلم غيب من فيهما، ولا يعلم الأشياء التي تحدث فيهما إلا الله، وقيل: هو استثناء متصل من (من) والأول أولى، لأن الاتصال يقتضي أن الله من جملة من فيهما. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت: " ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية "، وقالت في آخره: " ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: قل: (لا يعلم) " الآية ". (وما يشعرون) أي الكفار (أيان يبعثون) أي متى ينشرون من القبور، وأيان مركبة من أي وأن، وقد تقدم تحقيقه، وقرئ إيان بكسر

стр. 6777

الهمزة، وهي لغة بني سليم.

стр. 6778

(بل ادارك) أصله تدارك، وقرئ أدرك من الإدراك، وقرئ بل أدرك بفتح لام بل، وتشديد الدال، وأدرك على الاستفهام، وقرئ بل تدارك، بإثبات التاء، ومعنى الآية بل تكامل. (علمهم في الآخرة) لأنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه، وقيل: معناه تتابع وتلاحق، والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في الآخرة مع المعاينة، وذلك حين لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين، وقال الزجاج: إنه على معنى الإنكار. واستدل على ذلك بقوله: فيما بعد: بل هم منها عمون، أي لم يدرك علمهم علم الآخرة، وقيل: المعنى بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. ومعنى الثالثة كالأولى، فافتعل وتفاعل، قد يجيئان لمعنى. والرابعة هي بمعنى الإنكار. قال الفراء: وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي الاشتغال بذكرها وتوجيهها. وعن ابن عباس قال: بل إدراك علمهم في الآخرة حين لا ينفع الندم وعنه قال: لم يدرك علمهم، وعنه: أنه قرأها بالاستفهام، وعنه قال: غاب علمهم. (بل هم في شك منها) أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشر منه فقال: (بل هم منها عمون) فلا يدركون شيئاًً من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك و (عمون) جمع عم، وهو من كان أعمى القلب، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها فمن قال: إن معنى الآية الأولى أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة، فلا بد من حمل قوله بل هم في شك الخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال: إن معنى الآية الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم

стр. 6779

يحتج إلى تقييد قوله بل هم في شك الخ بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الآيات ويظهر ظهوراً بيناً، والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم. ولما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الموتى بعد صيرورتهم تراباً فقال:

стр. 6780

(وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) المعنى أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا تراباً. ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث فقالوا:

стр. 6781

(لقد وعدنا هذا) يعنون البعث (نحن وآباؤنا من قبل) أي من قبل وعد محمد ﷺ لنا وقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير. (إن هذا) " الوعد بالبعث " (إلا أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة التي كتبوها ولا حقيقة لها وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنين ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به وكيف كانت عاقبتهم فقال:

стр. 6782

(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) المكذبين بما جاءت به الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، من الإخبار بالبعث ومعنى النظر هو مشاهدة آثارهم بالبصرت فإن في المشاهدة زيادة اعتبار، وكفاية لأولي الأبصار. وقيل: المعنى فانظروا بقلوبكم وبصائركم، كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم؟ والأول أولى، لأمرهم بالسير في الأرض؛ وفيه تهديد لهم على التكذيب؛ وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم.

стр. 6783

وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)

стр. 6784

(ولا تحزن عليهم) الحزن سببه إما فوت أمر في الماضي، أو توقع مكروه في المستقبل، أي: لا تحزن على عدم إيمان المستهزئين فيما مضى ولا تغتم وتهتم بمكرهم في المستقبل؛ وهو معنى قوله: (ولا تكن في ضيق مما يمكرون) الضيق الحرج، يقال: ضاق الشيء ضيقاً بالفتح، وضيقاً بالكسر، قرئ بهما وهما لغتان، قال ابن السكيت: يقال: في صدر فلان ضيق، وضيق، وهو ما يضيق عنه الصدور، وقرئ لا تكن بثبوت النون هنا على الأصل. وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعاً، تسعة منها مبدوءة بالتاء، وثمانية بالياء، واثنان بالنون، وواحد بالهمزة، وهو قوله: ولم أك بغياً، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل.

стр. 6785

(ويقولون متى هذا الوعد) بالعذاب الذي تعدنا (إن كنتم صادقين) في ذلك، خطاب للنبي ﷺ ومن معه، من المؤمنين.

стр. 6786

(قل عسى أن يكون ردف لكم) يقال ردفت الرجل وأردفته، إذا ركبت خلفه، وردفه إذا اتبعه وجاء في إثره، قال ابن شجرة: معنى ردف لكم تبعكم، قال: ومنه ردف المرأة، لأنه تبع لها من خلفها. قال

стр. 6787

الجوهري: وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه واتبعه. قال الفراء: ردف لكم دنا لكم، ولهذا قيل: لكم، وقرئ ردف بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر. وقرأ ابن عباس (أزف لكم) وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بمدخولها، وإنما يطلقونها إظهاراً للوقار، وإشعاراً بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم، وعلى ذلك يجري الله وعيده، قاله أبو السعود والمعنى قل: يا محمد ﷺ لهؤلاء الكفار: عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم؛ فتكون اللام زائدة للتأكيد، أو بمعنى اقترب لكم ودنا منكم قاله ابن عباس، فتكون غير زائدة. (بعض الذي تستعجلون) من العذاب، أي حلوله، قيل: هو عذابهم بالقتل يوم بدر، وقيل: هو عذاب القبر، ثم ذكر سبحانه فضله فقال:

стр. 6788

(وإن ربك لذو فضل على الناس) في تأخير العقوبة، والأولى أن تحمل الآية على العموم، ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه. (ولكن أكثرهم لا يشكرون) فضله وإنعامه، ولا يعرفون حق إحسانه. ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في صدورهم فقال:

стр. 6789

(وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي ما تخفيه فليس التأخير لخفاء حالهم عليه، قرئ بضم التاء من أكن، وبفتحها وضم الكاف يقال كننته بمعنى سترته وأخفيت أثره (وما يعلنون) من أقوالهم وأفعالهم، ويظهرونها. وقال ابن عباس: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.

стр. 6790

(وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) أي: في اللوح المحفوظ، والغائبة: هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة كراوية وعلامة، وقيل: هي الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية. قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات. قال الحسن:

стр. 6791

الغائبة هنا هي القيامة. وقال مقاتل: علم ما يستعلجون من العذاب هو مبين عند الله، وإن غاب عن الخلق. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه، وغيبه عنهم، مبين في أم الكتاب، فكيف يخفى عليه شيء من ذلك، ومن جملة ذلك ما يستعجلون من العذاب. فإنه مؤقت بوقت مؤجل بأجل، علمه عند الله، فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له؟ وقال ابن عباس: ما من شيء في السماء والأرض سراً ولا علانية إلا يعلمه.

стр. 6792

(إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل) الموجودين في زمان نبينا بالتصريح والتنصيص، ولذا خص الأكثر بالذكر وقال: (أكثر الذي هم فيه يختلفون) من التشبيه والتنزيه، وأحوال الجنة والنار، وعزير ومسيح، وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض، فنزل القرآن مبيناً لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم.

стр. 6793

(وإنه لهدى) من الضلالة (ورحمة) من العذاب (للمؤمنين) أي لمن آمن بالله وتابع رسوله ﷺ ، وخصهم لأنهم هم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل.

стр. 6794

(إن ربك يقضي بينهم) كغيرهم يوم القيامة (بحكمه) أي يقضي بالعدل بين المختلفين من بني إسرائيل، بما يحكم به من الحق، فيجازي المحق ويعاقب المبطل، فلا يمكن أحداً مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه ورسله وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه قرئ بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف، وبكسرها وفتح الكاف؛ جمع حكمة؛ والحكم بمعنى العدل والحق والمحكوم به. (وهو العزيز) الذي لا يغالب (العليم) بما يحكم به، أو الكثير العلم ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة فقال:

стр. 6795

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)
следующие страницы →