(طسم) الله أعلم بمراده بذلك، والكلام في فاتحة هذه السورة قد مر
في فاتحة الشعراء وغيرها، فلا نعيده.
وكذلك مر الكلام على قوله:
стр. 6828
(تلك آيات الكتاب المبين) قال الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وهو من أبان بمعنى أظهر، ويقال: ابنته فأبان لازم ومتعد، أي مبين خيره وبركته.
стр. 6829
(نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون) أي: نوحي إليك بواسطة جبريل من أمرهما متلبساً بالحق، وخص المؤمنين لأن التلاوة إنما ينتفع بها المؤمن، وقيل: نتلو عليك شيئاً من نبئهما. و (من) مزيدة على رأي الأخفش، والأولى أن تكون للبيان أو للتبعيض، ولا ملجئ إلى الحكم بزيادتها، والحق: الصدق.
стр. 6830
(إن فرعون علا في الأرض) مستأنفة مسوقة لبيان ما أجمله من النبأ. قال المفسرون: معنى علا تكبر وتعظم وتجبر بسلطانه، والمراد بالأرض أرض مصر، وقيل: معنى (علا) ادعى الربوبية، وقيل: علا عن عبادة ربه (وجعل أهلها شيعاً) أي: فرقاً وأصنافاً في خدمته يشايعونه على ما يريد
стр. 6831
ويطيعونه، قال مجاهد: فرق بينهم، وقال قتادة: يستعبد طائفة منهم، ويدع طائفة ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة، أو فرقاً متفرقة، قد أغرى بينهم العداوة والبغضاء لئلا تتفق كلمتهم.
(يستضعف طائفة منهم) مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً، ويجوز أن تكون حالاً من فاعل.
(جعل) أي: جعلهم شيعاً، حال كونه مستضعفاً طائفة منهم، ويجوز أن تكون صفة لطائفة. والطائفة هم بنو إسرائيل، فإنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، وذلك أن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا المعاصي، ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم؛ إلى أن أنجاهم الله على يد موسى ﵇.
(يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) بدل من الجملة الأولى، أو مستأنفة للبيان، أو حال، أو صفة كالتي قبلها، وإنما كان فرعون يذبح أبناءهم ويترك نساءهم ويستبقيهن لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل.
قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقاً عنده فما ينفع القتل؟ وإن كان كاذباً فلا معنى للقتل، وقد قيل: إنه ذبح سبعين ألفاً.
(إنه كان من المفسدين) الراسخين في الإفساد في الأرض بالمعاصي والتجبر، ولذلك اجترأ على مثل تلك الجريمة العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء ﵈، وفيه بيان أن القتل من فعل أهل الفساد.
стр. 6832
(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) جاء بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية، واستحضار صورتها، أي: نريد أن نتفضل عليهم بإنجائهم من بأسه، بعد استضعافهم، وقال النسفي: وهو دليل لنا على مسألة الأصلح انتهى والمراد بهؤلاء بنو إسرائيل، والواو للعطف على جملة: إن
стр. 6833
فرعون علا. وهذا أولى.
(ونجعلهم أئمة) أي: قادة في الخير، ودعاة إليه، يقتدى بهم، وولاة على الناس، وملوكاً فيهم، بعد أن كانوا أتباعاً مسخرين مهانين، قال علي بن أبي طالب: يعني يوسف وولده، وقال قتادة: أي ولاة الأمر، وهم بنو إسرائيل.
(ونجعلهم الوارثين) أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه، لا الوراثة المعهودة في شرعنا، قاله قتادة، أي: نجعلهم الوارثين لملك فرعون ومساكن القبط وأملاكهم، فيكون ملك فرعون فيهم، ويسكنون مساكن قومه، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم.
стр. 6834
(ونمكن لهم في الأرض) أي نجعلهم مقتدرين عليها، وعلى أهلها، مسلطين على ذلك، يتصرفون فيها كيف شاءوا، يقال: مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه، ويتمكن فيه، أو يرقد، ثم استعير للتسلط وإطلاق الأمر، و (الأرض) أرض مصر والشام.
(وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا) الفاعل هو الله سبحانه، وقرئ (يرى) بالتحتية والفاعل فرعون، والأولى ألصق بالسياق، لأن قبلها (نريد) و (نمكن) بالنون، وأجاز الفراء: ويرى فرعون، أي ويرى الله فرعون، والرؤية بصرية، والإضافة إليهما إما للتغليب، أو أنه كان لهامان جنود مخصوصة به، وإن كان وزيراً، أو لأن جند السلطان جند وزيره، والإبصار لا يتوقف على الحياة عند أهل الحق، ولذلك قال ﷺ في أهل القليب: ما أنتم بأسمع منهم أو المراد رؤية طلائعه وأسبابه، وذلك حين أدركهم الغرق.
(منهم) أي: من أولئك المستضعفين (ما كانوا يحذرون) والمعنى أن الله يريهم، أو يرون هم الذي كانوا يخافون منه، ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين والحذر التوقي من الضرر.
(وأوحينا إلى أم موسى) أي: ألهمناها الذي صنعت بموسى، قاله ابن عباس: وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، وقيل: كان ذلك رؤيا في منامها، وقيل: كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام، وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال به نحو تكلم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما. وقد سلمت على عمران ابن حصين الملائكة، كما في الحديث الثابت في الصحيح، فلم يكن بذلك نبياً، وكان اسمها يوحانذ، وقيل: لوخا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب، نقله القرطبي عن الثعلبي.
(أن أرضعيه) أن هي المفسرة، لأن في الوحي معنى القول، أو بأن أرضعيه قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وكانت ترضعه وهو لا يبكي ولا يتحرك في حجرها، وكان الوحي برضاعه قبل ولادتها، وقيل: بعدها، وأمرها بإرضاعه مع أنها ترضعه طبعاً ليألف لبنها فلا يقبل ثدي غيرها، بعد وقوعه في يد فرعون.
(فإذا خفت عليه) من فرعون بأن يبلغ خبره إليه فيذبحه، قال ابن عباس: أن يسمع جيرانك صوته (فألقيه في اليم) وهو بحر النيل، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه (ولا تخافي) عليه الغرق والضيعة.
стр. 6837
(ولا تحزني) لفراقه والخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأمر وقع ومضى، فلا يقال ما الفرق بينهما، حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية.
(إنا رادوه إليك) عن قريب على وجه تكون به نجاته، وتأمنين عليه، والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن.
(وجاعلوه من المرسلين) الذين نرسلهم إلى العباد، وقد اشتملت هذه الآية على أمرين: أرضعيه، وألقيه، ونهيين: لا تخافي، ولا تحزني، وخبرين: إنا رادوه، وجاعلوه، وبشارتين في ضمن الخبرين، وهما الرد، والجعل المذكوران.
стр. 6838
(فالتقطه آل فرعون) الفاء هي الفصيحة، والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر، والتقدير فألقته في اليم بعد ما جعلته في التابوت، فالتقطه من وجده من آل فرعون، أي أعوانه، قال الزجاج: كان فرعون من أهل فارس من اصطخر.
(ليكون لهم عدواً وحزناً) اللام لام العاقبة، ووجه ذلك أنهم إنما أخذوه ليكون لهم ولداً وقرة عين؛ لا ليكون عدواً، فكان عاقبة ذلك أنه كان لهم عدواً يقتل رجالهم، وحزناً يستعبد نساءهم، قاله المحلي وقال صاحب الكشاف: هي لام كي التي معناها التعليل، ولكن هذا المعنى وارد على طريق المجاز، لأنه لما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم، وثمرة له، شبهت بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، قرئ حزناً بفتح الحاء والزاي، وحزناً بضم الحاء وسكون الزاي، وهما لغتان كالعدم والعدم، والرشد والرشد والسقم والسقم.
(إن فرعون وهامان وجنودهما) تعليل لما قبله، أو اعتراض لقصد التأكيد (كانوا خاطئين) أي: عاصين آثمين في كل أفعالهم، وأقوالهم
стр. 6839
فعوقبوا على يديه مع أنه تربى على أيديهم، فهذا أبلغ في إذلالهم، وهو مأخوذ من (١) الخطأ المقابل للصواب لأنهم لم يشعروا أنه الذي يذهب بملكهم، أو من خطا يخطو أي تجاوز الصواب.
стр. 6840
(وقالت امرأة فرعون) وقد هم مع أعوانه لقتله. وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، وبنات الأنبياء، وقيل: كانت من بني إسرائيل، وقيل: كانت عمة موسى، حكاه السهيلي.
(قرة عين لي ولك) وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له، لما وصل إليها وأخرجته من التابوت، وخاطبت بقولها: (لا تقتلوه) فرعون ومن عنده من قومه، أو فرعون وجده على طريقة التعظيم له. وقرأ ابن مسعود (قالت امرأة فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك) قيل: إنها قالت: هذا الولد أكبر من سنه، وأنت تذبح ولدان هذه السنة فدعه يكون عندي.
وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إن قوله لا تقتلوه من كلام فرعون، واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ، ويكفي في رده ضعف إسناده، وقيل: إنها قالت لا تقتلوه، فإن الله أتى به من أرض بعيدة وليس من بني إسرائيل، ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم والتبني له، فقالت:
(عسى أن ينفعنا) فنُصيب منه خيراً لأن فيه مخايل اليمن، ودلائل النفع لأهله (أو نتخذه ولداً) وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون، فوهبه لها (وهم لا يشعرون) أنهم على خطأ في التقاطه، وأن هلاكهم على يده فيكون حالاً من آل فرعون، وهي من كلام الله سبحانه، وقيل: هي من كلام المرأة أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه وهم لا يشعرون قاله الكلبي، وهو بعيد جداً وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان.
(وأصبح) أي صار (فؤاد أم موسى فارغاً) من كل شيء إلا من أمر موسى؛ كأنها لم تهتم بشيء سواه، قاله المفسرون. وقال أبو عبيدة: خالياً من ذكر كل من في الدنيا إلا من ذكر موسى، وقال الحسن، وابن إسحاق وابن زيد: فارغاً مما أوحى الله إليها من قوله: ولا تخافي ولا تحزني، وذلك لما سول الشيطان لها من غرقه وهلاكه، وقال الأخفش: فارغاً من الخوف والغم لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدم من الوحي إليها، وروي مثله عن أبي عبيدة أيضاً، وقال الكسائي: ناسياً ذاهلاً، وقيل صفراً من العقل، وقال العلاء ابن زياد: نافراً.
وقال سعيد ابن جبير: والهاً، كادت تقول واابناه من شدة الجزع.
وقال مقاتل: كادت تصيح شفقة عليه من الغرق.
وقيل: المعنى أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش.
قال النحاس: وأصح هذه الأقوال الأول والذين قالوه أعلم بكتاب الله فإذا كان فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، فهو فارغ من الوحي. وقول من قال فارغاً من الغم غلط قبيح. لأن بعده إن كادت لتبدي به، لولا أن ربطنا على قلبها، وقرئ فزعاً مكان فارغاً، من الفزع، أي خائفاً وجلاً وقرأ ابن عباس: قرعاً من قرع رأسه إذا انحسر شعره.
стр. 6843
(إن كادت لتبدي به) من بدا يبدو إذا ظهر، وأبدى يبدي أي أظهر والمعنى لتظهر أمر موسى، وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش، والخوف والحزن وقيل: الضمير في (به) عائد إلى الوحي الذي أوحي إليها، والأول أولى وقال الفراء: لتبدي باسمه لضيق صدرها، وقال ابن عباس: تقول يا ابناه وقيل الباء زائدة للتأكيد، والمعنى لتبديه، كما تقول أخذت الحيل وبالحبل، وقيل المعنى لتبدي القول به.
(لولا أن ربطنا على قلبها) بالعصمة والصبر والتثبت، قال الزجاج: معنى الربط على القلب إلهام الصبر وتقويته، وجواب لولا محذوف أي لأبدت.
(لتكون من المؤمنين) أي ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله وهو قوله إنا رادوه إليك قال يوسف بن الحسين: أمرت أم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين وبشرت بشيئين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط على قلبها.
стр. 6844
(وقالت) أم موسى (لأخته) وهي مريم، وقال الضحاك إن اسمها كاتمة وقال السهيلي كلثوم، ذكره الماوردي (قصيه) أي تتبعي أثره واعرفي خبره وانظري أين وقع؟ وإلى من صار؟ يقال قصصت الشيء إذا اتبعت أثره متعرفاً لحاله.
(فبصرت به) أي أبصرته. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، قرئ (بصرت) بفتح الباء وضم الصاد وقرئ بفتحها وبكسرها (عن جنب) أصله عن مكان جنب ومنه الأجنبي وقيل: المراد بقوله عن جنب عن جانب قاله ابن عباس، والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة، وقرئ عن جانب أي بصرت به مستخفية، كائنة عن جنب، أو بعيداً منها وقرئ بضمتين وبضم الجيم وسكون النون، وقال أبو عمرو بن العلاء: إن معنى عن جنب عن شوق
стр. 6845
قال: وهي لغة جذام، يقولون: جنبت إليك أي اشتقت إليك.
(وهم لا يشعرون) أنها أخته؛ وأنها تقصه، وتتبع أثره، أخرج الطبراني، وابن عساكر عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: " أما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران؛ وكلثوم أخت موسى، وامرأة فرعون؟ " قالت: هنيئاً لك يا رسول الله، وأخرجه ابن عساكر عن ابن رداد مرفوعاً بأطول من هذا وفي آخره أنها قالت: بالرفاء والبنين.
стр. 6846
(وحرمنا عليه المراضع) جمع مرضع، وقيل: جمع مرضع، بفتح الضاد: هو الرضاع، أو موضعه وهو الثدي، أي: منعناه أن يرضع من المرضعات جعله مجازاً إما استعارة أو مرسلاً، لأن من حرم عليه شيء فقد منعه لأن الصبي ليس من أهل التكليف.
(من قبل) أي: من قبل أن نرده إلى أمه أو من قبل أن تأتيه أمه، أو من قبل قصها لأثره، قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضع فيقبلها، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه فلم يرضع من واحدة منهن.
(فقالت) أخته لما رأت امتناعه من الرضاع وحنوهم عليه (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم)؟ أي يضمنون لكم القيام به وإرضاعه، وهي امرأة قتل ولدها، وأحب شيء إليها أن تجد ولداً ترضعه.
(وهم له ناصحون) أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته، والنصح: إخلاص العمل من شائبة الفساد، وفي الكلام حذف أي: قالوا لها: من هم؟ فقالت: أمي فقيل: وهل لأمك ابن؟ قالت: نعم ابن أخي هارون، وكان ولد في السنة التي لا يقتل فيها فدلتهم على أم موسى فدفعوه إليها فقبل ثديها ورضع منه، قيل: كانوا يعطونها كل يوم ديناراً، وإنما حل لها ما تأخذه لأنه مال حربى لا أنه أجرة على إرضاع ولدها.
(فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) بولدها (ولا تحزن) حينئذ على فراقه (ولتعلم أن وعد الله) أي: جميع وعده ومن جملة ما وعدها بقوله إنا رادوه إليك (حق) لا خلف فيه واقع لا محالة.
(ولكن أكثرهم) أي: أكثر آل فرعون (لا يعلمون) بذلك بل كانوا في غفلة عن القدر، وسر القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن الله وعدها بأن يرده إليها وهذه أخته وهذه أمه.
стр. 6849
(ولما بلغ أشده) أي: نهاية القوة، وتمام العقل، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم عند سيبويه، وقد قال ربيعة ومالك: هو الحلم لقوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً) الآية وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري وغيرهما. وقيل الأشد ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين وقال ابن عباس: ثلاثاً وثلاثين سنة، وقد تقذم الكلام في بلوغ الأشد في الأنعام.
(واستوى) أي اعتدل وتم استحكامه، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان، قاله ابن عباس وقيل: الاستواء هو بلوغ الأربعين، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين
стр. 6850
سنة، وقيل: الاستواء إشارة إلى كمال الخلقة، وقيل الأشد والاستواء بمعنى واحد، وهو ضعيف، لأن العطف يشعر بالمغايرة.
(أتيناه حكماً وعلماً) الحكم الحكمة على العموم، وقيل: النبوة وقيل: الفقه في الدين؛ والعلم الفهم قاله السدي. وقال مجاهد: الفقه، وقال ابن إسحاق: العلم بدينه ودين آبائه وقيل: كان هذا قبل النبوة، وقد تقدم بيان معنى ذلك في البقرة.
(وكذلك) أي مثل ذلك الجزاء. الذي جزينا أم موسى لما استسلمت
لأمر الله؛ وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله (نجزي المحسنين)
على إحسانهم، والمراد العموم.
стр. 6851
(ودخل المدينة) أي دخل موسى مدينة مصر الكبرى، وقيل: مدينة غيرها من مدائن مصر، وهي منف من أعمال مصر وقيل: أم خنان أو حابين على رأس فرسخين من مصر، وقيل مدينة عين شمس.
(على حين غفلة من أهلها) أي مستخفياً، قيل: لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفياً، قيل: كان دخوله بين العشاء والعتمة، قاله ابن عباس، وقيل: وقت القائلة أي نصف النهار، قاله ابن عباس أيضاً. وقيل: يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم قال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم فكان منه ما حكى الله سبحانه بقوله:
(فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يختصمان ويتنازعان (هذا من شيعته) أي ممن شايعه على دينه، وهم بنو إسرائيل، أي إسرائيلي، وقيل هو السامري.
(وهذا من عدوه) أي من المعادين له على دينه، وهم قوم فرعون أي قبطي وهو طباخ فرعون، واسمه فاتون أو فليثون، وكان كافراً اتفاقاً. وأما
стр. 6852
الإسرائيلي فقيل: كان مؤمناً وقيل: كان كافراً.
(فاستغاثه الذي من شيعته) أي طلب منه الإسرائيلي أن ينصره ويعينه على خصمه، والاستغاثة طلب الغوث (على الذي من عدوه) أي القبطي فأغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل، قيل: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه، واستغاث موسى.
(فوكزه موسى) الوكز الضرب والدفع بجميع الكف، وهكذا اللكز واللهز، وقيل اللكز على اللحى والوكز على القلب. وقيل اللكز بأطراف الأصابع، والوكز بجميع الكف. وقيل بالعكس والنكز كاللكز، وقيل ضربه بعصاه، وقرأ ابن مسعود فلكزه، وحكى الثعلبي أن في مصحف عثمان فنكزه بالنون، قال الأصمعي: نكزه بالنون ضربه ودفعه. قال الجوهري: اللكز الضرب على الصدر، وقال أبو زيد: في جميع الجسد يعني أنه يقال له لكز واللهز: الضرب بجميع اليدين في الصدر ومثله عن أبي عبيدة.
(فقضى عليه) الضمير المرفوع لله، أو للوكز أو لموسى، وهو الظاهر أي قتله وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه فقد قضيت عليه، قيل لم يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه، فأتى ذلك على نفسه خطأ، فندم ودفنه في الرمل، والوكزة لا تقتل غالباً، وإنما وافقت، أجله، ولهذا:
(قال هذا من عمل الشيطان) وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك مأموراً بقتل الكفار، وقيل: إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأموناً عندهم. فلم يكن له أن يغتالهم فكبر ذلك على موسى، وقيل إن الإشارة بقوله هذا إلى عمل المقتول لكونه كافراً مخالفاً لما يريده الله، وقيل: إنه إشارة إلى المقتول نفسه، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، ثم وصف الشيطان بقوله:
(إنه عدو مضل مبين) أي: عدو للإنسان يسعى في إضلاله ظاهر العداوة والإضلال، ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه.
(قال رب إني ظلمت نفسي) بقتل القبطي من غير أمر (فاغفر لي فغفر) الله (له) ذلك؛ وعلم أنه غفر له بإلهام أو بغيره، ولا يلزم من هذا نبوته في هذا الوقت (إنه هو الغفور) بإقالة الزلل (الرحيم) بإزالة الخلل المتصف بهما في الأبد والأزل.
ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وقيل: إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين، أو أراد أني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر، لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به؛ وقيل: معنى فاغفر لي استر ذلك علي لا يطلع عليه فرعون، وهذا خلاف الظاهر، فإن موسى ﵇ ما زال نادماً على ذلك خائفاً من العقوبة بسببه حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح.
وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة، وقيل كان قبل بلوغه سن التكليف، وأنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة: وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم معصومون عن الكبائر
стр. 6855
والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل. وقيل: بل كان من قبيل دفع الصائل. وهو لا إثم فيه وأشار له القرطبي بقوله: وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها وفرض في جميع الشرائع وقيل: هو على سبيل الاتضاع لله تعالى، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه. وإن لم يكن هناك ذنب فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ثم لما أجاب الله سؤاله وغفر له ما طلب منه مغفرته.
стр. 6856
(قال رب بما أنعمت عليَّ) الباء للقسم وما موصولة أو مصدرية أي: أقسم بإنعامك عليَّ بالمغفرة لأتوبن قاله الزمخشري والمهدوي والماوردي. وقيل: المراد بما أنعم به عليه هو ما آتاه من الحكم والمعرفة والعلم والتوحيد، قاله القرطبي. وقال الثعلبي: أي بالمغفرة فلم تعاقبني.
وجملة (فلن أكون ظهيراً للمجرمين) كالتفسير للجواب، وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، ويجوز أن تكون الباء هي باء السببية؛ متعلقة بمحذوف أي: اعصمني بسبب ما أنعمت به عليَّ. ويكون قوله: فلن أكون ظهيراً مترتباً عليه، ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى، وتوصل إلى إنعامه بإنعامه وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر أو مظاهرته على ما فيه إثم أو تكثير سواده.
قال الكسائي والفراء: ليس قوله هذا خبراً، بل هو دعاء، أي: فلا تجعلني يا رب ظهيراً لهم، وبها قرأ عبد الله. وقال الفراء: المعنى اللهم فلن أكون الخ، وقال النحاس: إن جعله من باب الخبر أوفى، وأشبه بنسق الكلام وفيه دليل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أؤمر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمناً؛ ونصرة المؤمنين واجبة في جميع الأديان وقيل: لم يستثن فابتلي في اليوم الثاني، أي لم يقل فلم أكن إن شاء الله ظهيراً
стр. 6857
للمجرمين، كما قال الله تعالى.
стр. 6858
(فأصبح في المدينة) أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي (خائفاً يترقب) المكروه أو متى يؤخذ به، أو يترقب الفرج، أو الخبر هل وصل إلى فرعون أم لا قال النسفي: وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله، بخلاف ما يقوله بعض الناس أنه لا يسوغ الخوف من دون الله سبحانه، زاد القرطبي وأن الخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه.
(فإذا الذي استنصره) إذا هي الفجائية أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه (بالأمس) يقاتل قبطياً آخر أراد أن يسخره ويظلمه، كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس (يستصرخه) أي يستغيث به، والاستصراخ الاستغاثة، وهو من الصراخ، وذلك أن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث.
(قال له) أي للإسرائيلي (موسى) وإليه ذهب الخازن والمحلي، أو للقبطي؛ وإليه ذهب القرطبي (إنك لغوي مبين) أي بين الغواية، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته ولا تطيقه، وقيل إنما قال له هذه المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل، ويريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر.
стр. 6859
(فلما أن أراد) موسى (أن يبطش بالذي) أي القبطي الذي (هو عدو لهما) أي لموسى وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما.
(قال) الإسرائيلي (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس)؟ قال ذلك، لما سمع موسى يقول له إنك لغوي مبين، ورآه يريد أن يبطش بالقبطي، ظن أنه يريد أن يبطش به، فلما سمع القبطي ذلك أفشاه، ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي هكذا قال جمهور المفسرين وقيل: إن القائل هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي، وهذا هو الظاهر؛ وقد سبق ذكر
стр. 6860
القبطي قبل هذا بلا فصل، لأنه هو المراد بقوله عدو لهما، ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم منه أن المؤمن بموسى المستغيث به المرة الأولى، والمرة الأخرى هو الذي أفشى عليه.
وأيضاً أن قوله (إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض) لا يليق صدور مثله إلا من كافر، و (إن) هي النافية أي ما تريد، قال الزجاج: الجبار في اللغة الذي يتعاظم، ولا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار. وقيل: الجبار الذي يفعل ما يريد، من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقال عكرمة: لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين. وهو بعيد، ولا دلالة في الآية على ذلك، والراجح هو الأول الموافق باللغة.
(وما تريد أن تكون من المصلحين) بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن.
стр. 6861
(وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) قيل: المراد بهذا الرجل حزقيل وهو مؤمن آل فرعون وكان ابن عم موسى، وقيل: اسمه شمعون. وقيل طالوت وقيل: سمعان، والمراد بأقصى المدينة آخرها وأبعدها، والمعنى يسرع في مشيه وأخذ طريقاً قريباً حتى سبق إلى موسى وأخبره وأنذره بما سمع.
(قال يا موسى إن الملأ) أي أشراف قوم فرعون (يأتمرون بك ليقتلوك) أي يتشاورون في قتلك ويتآمرون بسببك، وإنما سمي التشاور ائتماراً لأن كُلاًّ من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر به، قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك وهذا أقرب باللفظ والمعنى قاله الحفناوي وقال أبو عبيدة: يتشاورون فيك، قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا أي أمر بعضهم بعضاً ونظيره قوله تعالى: وائتمروا بينكم بمعروف.
(فاخرج) من المدينة (إني لك من الناصحين) في الأمر بالخروج واللام للبيان لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه.
(فخرج) موسى (منها) أي من المدينة (خائفاً يترقب) أي حال كونه خائفاً من الظالمين مترقباً لحوقهم به، وإداركهم له أو راجياً غوث الله إياه، قولان للمفسرين، وعن ابن عباس قال: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج حافياً فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه. وعنه قال: خرج موسى خائفاً جائعا ليس معه زاد، حتى انتهى إلى ماء مدين وهو أول ابتلاء من الله تعالى لموسى، ثم دعا ربه بأن ينجيه ممن خافه.
و (قال رب نجني من القوم الظالمين) قوم فرعون، أي خلصني منهم وادفعهم عني، وحل بيني وبينهم، واحفظني من لحوقهم.
стр. 6864
(ولما توجه) أي قصد بوجهه (تلقاء مدين) أي نحوها، وجهتها قاصداً لها ماضياً إليها. قال الزجاج: أي سلك في الطريق التي تلقاء مدين فيها انتهى والتوجه: الإقبال على الشيء ومدين قرية شعيب، يقال: داره تلقاء دار فلان، وأصله من اللقاء ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون،
стр. 6865
ولهذا خرج إليها ولكن لم يكن يعرف طريقها.
(قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) أي: يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين وهو من إضافة الصفة للموصوف وكان لها ثلاث طرق، فأخذ موسى الوسطى، وجاء الطلاب في أثره فساروا في الآخريين، ذكره أبو السعود.