Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
(إنما يؤمن بآياتنا) مستأنفة لبيان من يستحق الهداية إلى الإِيمان ومن لا يستحقها، والمعنى: إنما يصدّق بآياتنا وينتفع بها (الذين إذا ذكروا بها) لا غيرهم ممن يذكر بها أي: يوعظ بها، ولا يتذكر، ولا يؤمن بها.
(خروا سجداً) أي: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيماً لآيات الله، وخوفاً من سطوته وعذابه وتواضعاً، وخشوعاً، وشكراً على ما رزقهم من الإسلام.
(وسبحوا بحمد ربهم) أي نزَّهوه عن كل ما لا يليق به متلبسين بحمده على نعمه، التي أجلُّها وأكملها الهداية إلى الإيمان بالآيات، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس، ومعنى الآية قالوا في سجودهم، سبحان الله وبحمده، أو سبحان ربي الأعلى وبحمده.
وقال سفيان: المعنى صلوا حمداً لربهم (وهم لا يستكبرون) عن الإيمان به، والسجود له كما استكبر أهل مكة عن السجود، أي حال كونهم خاضعين لله متذللين له، غير مستكبرين عليه.
وقال ابن عباس: لا يستكبرون عن إتيان الصلاة في الجماعات، قيل: هذه من عزائم سجود القرآن للقارىء والمستمع.
قال سليمان الجمل والمراد بالآيات في هذه الآية إن كان مطلق القرآن - وإن لم تكن فيه آية سجدة- أشكل قوله خروا سجداً فإن السجود لا يشرع لتلاوة القرآن إلا إذا كان فيه آية سجدة من آيات السجود المعروفة، وإن كان المراد بها خصوص آيات السجدات أشكل قوله إذا ذكروا بها، مع تفسير التذكير بالوعظ كما ذكروه ووجه الاشكال أن أكثر آيات السجدات بل كلها ليس فيها وعظ أي تخويف وتذكير بالعواقب، إذ هذا حقيقة الوعظ بل غالبها لمدح الساجدين تصريحاً وذم غيرهم تلويحاً كهذه الآية، وقد يكون بعكس ذلك أي ذم غير الساجدين تصريحاً، ومدح الساجدين تلويحاً، كآية الانشقاق، فليتأمل فلم نر من المفسرين من بيَّن هذا، ولا من تعرض له انتهى.
стр. 7317
(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧))
стр. 7318
(تتجافى جنوبهم عن المضاجع) استئناف، أو حال، أي ترتفع وتنبو وتتنحى يقال جفا الشيء عن الشيء وتجافى عنه إذا لم يلزمه، ونبا عنه وتنحى قال الزجاج، والرماني، التجافي والتجفي إلى جهة فوق؛ وكذلك هو في الصفح عن المخطىء في سب ونحوه، والجنوب جمع جنب، أي متجافية جنوبهم عن مضاجعهم، والمضاجع جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع فيه، وهم المتهجدون في الليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش، وبه قال الحسن ومجاهد وعطاء، والجمهور.
والمراد بالصلاة صلاة التنفل بالليل من غير تقييد، وقال قتادة، وعكرمة هو النفل ما بين المغرب والعشاء وبه قال أبو حازم، ومحمد بن المنكدر، وقيل هي صلاة الأوّابين، وقيل صلاة العشاء فقط وهو رواية عن الحسن وعطاء.
وقال الضحاك صلاة العشاء والصبح في جماعة، وقيل هم الذين يقومون لذكر الله، سواء كان في صلاة أو غيرها.
عن أنس بن مالك أن هذه الآية نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى: العتمة، وعنه قال: نزلت في صلاة العشاء، وعنة قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء، وعنه قال: كنا نجتنب الفراش قبل صلاة العشاء.
وعنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ راقداً قط قبل صلاة العشاء ولا متحدثاً بعدها: فإن هذه الآية نزلت في ذلك.
وعن ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ قال: " هم الذين لا ينامون قبل صلاة العشاء "، فأثنى عليهم، فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه، فوقتها قبل أن ينام الصغير، ويكسل الكبير. أخرجه ابن مردويه.
وعن بلال قال: كنا نجلس في المسجد وناس من أصحاب رسول
стр. 7319
الله ﷺ يصلون بعد المغرب العشاء، تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
وعن أنس نحوه وعنه قال: كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون.
وعن معاذ بن جبل قال: قيام العبد من الليل، وعنه عن النبي ﷺ وذكر حديثاً، وأرشد فيه إلى أنواع من الطاعات- وقال فيه: وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ هذه الآية أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجة. والحاكم وصححه، والبيهقي. وغيرهم.
وعن أبي هريرة مرفوعاً في حديث قال فيه: وصلاة المرء في جوف الليل. ثم تلا هذه الآية أخرجه ابن مردويه.
عن أنس في الآية قال: كان لا تمر عليهم ليلة إلا أخذوا منها. وأشهر الأقاويل أن المراد منه صلاة الليل، وبه قال جماعة من أهل العلم -وقد ورد في فضل قيام الليل- والحث عليه من الأحاديث الصحيحة ما هو مذكور في كتب السنة.
وعن كعب قال: إذا حشر الناس نادى مناد هذا يوم الفصل. أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ الحديث رواه أحمد. وعن ابن عباس يقول: كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في القيام، أو قعوداً أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله.
(يدعون) أي تتجافى جنوبهم حال كونهم داعين (ربهم خوفاً) من عذابه (وطمعاً) في رحمته، قال ابن عباس خوفاً من النار، وطمعاً في الجنة. وفيه دليل على صحة العبادة، والدعاء بالخوف والطمع، وقد حققنا ذلك في هداية السائل، فليرجع إليها.
(ومما رزقناهم) أي من الذي رزقناهم، أو من رزقهم (ينفقون) وذلك الصدقة الواجبة، وقيل صدقة النفل، والأولى الحمل على العموم.
(فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي لا تعلم نفس من النفوس أي نفس كانت ما أخفاه الله
стр. 7320
سبحانه لأولئك الذين تقدم ذكرهم مما تقر به أعينهم، قال أبو السعود: أي لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عما عداهم، وقيل: المراد لا تعلم نفس ما أخفى لهم علماً تفصيلياً، وإلا فنحن نعلم ما أُعدّ للمؤمنين من النعيم إجمالاً من حيث أنه غرف في الجنة، وقصور، وأشجار، وأنهار، وملابس، ومآكل وغير ذلك- قرىء (قرة) بالإفراد، وقرأت بالجمع، وقرىء ما أخفي بسكون الياء على أنه فعل مضارع مسند إلى الله سبحانه، وقرىء بفتحها فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، وما نخفي بالنون مضمومة، ويخفي بالتحتية.
قال ابن عباس: كان عرش الله على الماء فاتخذ جنة لنفسه، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، ثم قال ومن دونهما جنتان، لم يعلم الخلق ما فيهما، وهي التي قال الله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين تأتيهم منها كل يوم تحفة. وعنه قال: هذا مما لا تفسير له: وعن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة: لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإنه لفي القرآن: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : قال الله: [أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر] (١) قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: стр. 7321
(فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين).
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، وهي معروفة فلا نطول بذكرها، وقيل أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم، وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل، ليكون الجزاء وفاقاً، ثم بين سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة، فقال:
(جزاء بما كانوا يعملون) أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من الطاعات أو جوزوا جزاء بذلك.
стр. 7322
(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠))
стр. 7323
(أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً؟) الاستفهام للإنكار أي ليس المؤمن كالفاسق. فقد ظهر ما بينهما من التفاوت والتباين، ولهذا قال (لا يستوون) ففيه زيادة تصريح لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام على أبلغ وجه وآكده ليبني عليه التفصيل الآتي، قال الزجاج جعل الاثنين جماعة حيث قال لا يستوون، لأجل معنى (من) وقيل لكون الاثنين أقل الجمع. وقيل أراد الجنس منهما، ولم يرد مؤمناً واحداً، ولا فاسقاً واحداً، وهذا أولى، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي السمين أنه ﷺ كان يتعمد الوقف على فاسقاً، ويبتدي بقوله لا يستوون. أي في المآل، والمستقر، أو في الشرف والمثوبة، والضمير فيه لمن الواقعة على الفريقين، وفيه مراعاة معناها بعد مراعاة لفظها، والمراد بالفسق الكامل بقرينة المقابلة للمؤمنين، وإلا فالمؤمن قد يكون فاسقاً، ونظيره: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين)؟ وقوله: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) الآية، إذ ليس كل مجرم ومسيء كافراً.
وعن ابن عباس قال: قال الوليد بن عتبة لعلي بن أبي طالب: أنا أحدُّ منك سناناً، وأشجع جناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ حشواً للكتيبة منك فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، يعني بالمؤمن علياً، وبالفاسق الوليد وروى نحو هذا عن عطاء بن يسار، والسدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم بين سبحانه عاقبة حال الطائفتين وبدأ بالمؤمنين
стр. 7324
فقال:
стр. 7325
(أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى) قرىء بالجمع وبالإِفراد، والمأوى هو الذي يأوون إليه، وأضاف الجنات إليه لكونه المأوى الحقيقي. وقيل: المأوى جنة من الجنات تأوى إليها أرواح الشهداء، وقيل: هي عن يمين العرش، وقد تقدم الكلام على هذا.
(نزلاً) أي: إنها معدة لهم عند نزولهم، وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب، إكراماً له كما بيناه في آل عمران، وقرىء نزلاً بسكون الزاي (بما كانوا يعملون) أي بسبب ما كانوا يعملونه، وليس المراد السبب الحقيقي، حتى يخالف حديث (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله). بل ما يفضي إلى الجنة بمقتضى وعد الله تعالى ثم ذكر الفريق الآخر فقال:
стр. 7326
(وأما الذين فسقوا) أي خرجوا عن طاعة الله؛ وتمردوا عليه وعلى رسله بالكفر والتكذيب، واعلم أن العمل الصالح له مع الإيمان تأثير، فلذلك قال آمنوا وعملوا الصالحات، وأما الكفر فلا التفات إلى الأعمال معه، فلهذا لم يقل وعملوا السيئات، لأن المراد من قوله فسقوا كفروا، ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل؛ لظُنَّ أن مجرد الكفر لا عقاب عليه (فمأواهم النار) أي منزلهم الذي يصيرون إليه، ويستقرون فيه هو النار.
(كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) أي إذا أرادوا الخروج منها أعيدوا إليها راغمين مكرهين، وقيل إذا دفعهم اللهب إلى أعلاها رُدّوا إلى مواضعهم، وكلمة (في) للدلالة على أنهم مستقرون فيها، وإنما الإِعادة من بعض طبقاتها إلى بعض.
(وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) والقائل لهم هذه المقالة هم خزنة جهنم من الملائكة أو القائل لهم هو الله وفي هذا القول لهم حال كونهم قد صاروا في النار من الإغاظة لهم ما لا يخفى وهذا دليل على أن المراد بالفاسق الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان.
стр. 7327
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)
стр. 7328
(ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) وهو عذاب الدنيا، قال الحسن، وأبو العالية، والضحاك، والنخعي: هو مصائب الدنيا وأسقامها، وقيل:
الحدود، وقيل: القتل بالسيف يوم بدر، وقيل: سني الجوع بمكة سبع سنين، حتى أكلوا فيها الجيف والعظام، والكلاب. وقيل عذاب القبر. ولا مانع من الحمل على الجميع، والذوق حسي ومعنوي.
(دون العذاب الأكبر) وهو عذاب الآخرة (لعلهم يرجعون) مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب، إلى الإيمان والطاعة ويتوبون عما كانوا فيه، وفي هذا التعليل دليل على ضعف قول من قال: إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر، قال ابن مسعود: العذاب الأدنى يوم بدر، والعذاب الأكبر يوم القيامة، لعل من بقي منهم أن يتوب فيرجع، وعنه قال: العذاب الأدنى سنون أصابتهم لعلهم يتوبون، وقال أُبي بن كعب العذاب الأدنى مصائب الدنيا، والروم والبطشة والدخان، وعنه قال: يوم بدر، وقال ابن عباس: الحدود. قال الكرخي: وفي هذا الترجي وجهان: أحدهما معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين، كقوله: إنا نسيناكم يعني تركناكم كما يترك الناسي، حيث لا يلتفت إليه أصلاً فكذلك ههنا. والثاني نذيقهم العذاب إذاقة -يقول القائل إذا رآهم- لعلهم يرجعون بسببه انتهى.
стр. 7329
(ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) أي: لا أحد أظلم منه لكونه سمع من آيات الله ما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإِعراض مكان ذلك، والمجيء بثم للدلالة على استبعاد ذلك وأنه مما ينبغي أن لا يكون، والاستفهام إنكاري.
(إنا من المجرمين منتقمون) أي: من أهل الإجرام على العموم، فيدخل فيه من أعرض عن آيات الله دخولاً أولياً قال أبو السعود: أي كل من اتفق منه إجرام -وإن هانت جريمته- فكيف بمن هو أظلم من كل ظالم؟ وأشد جرماً من كل مجرم؟.
أخرج ابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني، وغيرهم -قال السيوطي بسند ضعيف- عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عند لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم، يقول الله: إنا من المجرمين منتقمون ".
قال ابن كثير بعد إخراجه: هذا حديث غريب.
стр. 7330
(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي: التوراة، وإنما ذكر موسى لقربه من النبي ﷺ ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم: وإنما لم يختر عيسى ﵇ للذكر والاستدلال، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى ﵇، فتمسك بالمجمع عليه.
(فلا تكن) يا محمد (في مرية) أي شك، وريبة (من لقائه) قال الواحدي: قال المفسرون وعد رسول الله ﷺ أنه سيلقى موسى قبل أن يموت ثم لقيه في السماء أو في بيت المقدس حين أسري به، وهذا قول مجاهد والكلبي والسدي، وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة، وستلقاه فيها وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب، قاله الزجاج وقال الحسن: إن معناه ولقد آتينا موسى الكتاب فكذب وأوذي، فلا تكن في
стр. 7331
شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، فيكون الضمير في لقائه على هذا إلى محذوف والمعنى من لقائه: ما لاقى موسى، قال النحاس: وهذا قول غريب.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى قل: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، فلا تكن في مرية من لقائه، فجاء معترضاً بين ولقد آتينا موسى الكتاب، وبين قوله الآتي، وجعلناه هدى لبني إسرائيل.
وقيل الضمير راجع إلى الكتاب الذي هو الفرقان، كقوله: (وإنك لتلقى القرآن)، والمعنى إنا قد آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وما أبعد هذا؟ ولعل الحامل لقائله عليه قوله: (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) فإن الضمير راجع إلى الكتاب، وقيل: إن الضمير في لقائه عائد إلى الرجوع المفهوم من قوله: (ثم إلى ربكم ترجعون)، أي لا تكن في مرية من لقاء الرجوع وهذا بعيد جداً، قال السمين: وهذه أقوال بعيدة ذكرت للتنبيه على ضعفها، وأظهرها أن الضمير إما لموسى، وإما للكتاب، أي لا تَرْتَبْ في أن موسى لقي الكتاب، وأنزل عليه.
وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث ابن عباس قال قال النبي ﷺ : رأيت ليلة أسرى بي موسى بن عمران رجلاً طويلاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم، والدجال في آيات أراهن الله إياه، قال (فلا تكن في مرية من لقائه)، فكان قتادة يفسرها أن النبي ﷺ قد لقي موسى.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه والضياء في المختارة بسند - قال السيوطي صحيح.
عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فلا تكن في مرية من لقائه قال: من لقاء موسى، قيل أو لقي موسى؟ قال نعم ألا ترى إلى قوله واسأل من أرسلنا من
стр. 7332
قبلك من رسلنا؟.
وروى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ قال أتيت على موسى ليلة المعراج عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره.
وصح في حديث المعراج أيضاًً أنه رآه في السماء السادسة، فلعل رؤيته كانت في قبره قبل صعوده إلى السماء، ثم صعد إليها فوجده هناك قد سبقه لما يريده الله، وهذا وجه الجمع بين هذين الحديثين، على ما ذكره الخازن. واختلف في الضمير في قوله:
(وجعلناه) فقيل راجع إلى الكتاب أي جعلنا التوراة (هدى لبني إسرائيل) قاله الحسن وغيره، وقال قتادة إنه راجع إلى موسى، أي وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل.
стр. 7333
(وجعلنا منهم أئمة) أي قادة يقتدون بهم في دينهم وهم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل، وقيل هم أتباع الأنبياء، وقيل العلماء قاله قتادة وقرىء أأمة.
قال النحاس: وهو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة (يهدون) أي يدعونهم إلى الهداية بما يلقونه إليهم من أحكام التوراة ومواعظها (بأمرنا) لهم بذلك أو لأجل أمرنا.
(لما صبروا) أي حين صبروا والضمير للأئمة، وفي (لما) معنى الجزاء، والتقدير لما صبروا جعلناهم أئمة، أي لصبرهم، وهذا الصبر هو صبرهم على مشاق التكليف والهادية للناس، وقيل صبروا عن الدنيا، وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس.
(وكانوا بآياتنا) التنزيلية التي تضاعيف الكتاب (يوقنون) أي يصدقون بها، ويعلمون أنها حق، وأنها من عند الله، لمزيد تفكرهم، وكثرة تدبرهم.
стр. 7334
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
стр. 7335
(إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة) أي يقضي بينهم، ويحكم بين المؤمنين والكفار. وقيل يقضي بين الأنبياء وأممهم، حكاه النقاش (فيما كانوا فيه يختلفون) فيظهر المحق من المبطل.
стр. 7336
(أو لم يهد لهم) أي أو لم يتبين لأهل مكة؟ والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أغفلوا ولم يتبين لهم. وقرىء: يهد بالتحتية وبالنون، وهي واضحة، والفاعل ما دل عليه قوله (كم أهلكنا) أي كثرة إهلاكنا، وقال المبرد: إن الفاعل الهدى، المدلول عليه بـ (يهدي) أي أو لم يهد لهم الهدى (من قبلهم) حال من قوله (من القرون) كعاد وثمود، وقوم لوط، ونحوهم.
(يمشون في مساكنهم) أي والحال أنهم يمشون في مساكن المهلكين، ويشاهدونها، وينظرون ما فيها من العبر، وآثار العذاب، ولا يعتبرون بذلك.
وقيل الضمير يعود إلى المهلكين، والمعنى أهلكناهم حال كونهم ماشين في مساكنهم، والأول أولى، وقيل جملة مستأنفة بيان لوجه هدايتهم، والمعنى يمرون في أسفارهم إلى التجارة على ديارهم وبلادهم (إن في ذلك) المذكور
стр. 7337
من كثرة إهلاكنا الأمم الخالية (لآيات) عظيمة (أفلا يسمعون) ويتعظون بها.
стр. 7338
(أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) أي: أو لم يعلموا بسوقنا الماء إلى الأرض التي لا تنبت إلا بسوق الماء إليها؟ وقيل هي اليابسة وأصله من الجرز، وهو القطع، أي التي قطع نباتها لعدم الماء، وأزيل بالمرة، ولا يقال للتي لا تنبت أصلاً كالسباخ جرز لقوله الآتي: (نخرج به زرعاً) قال ابن عباس الجرز التي لا تُمطَر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاًً إلا ما يأتيها من السيول وعنه قال هي أرض باليمن.
وقيل: أبين، قال القرطبي في تفسيره والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه، وقيل أرض عدن. قال الضحاك هي الأرض العطشاء، وقال الفراء: هي الأرض التي لا نبات فيها، وقال الأصمعي هي الأرض التي لا تنبت شيئاًً. قال المبرد يبعد أن يكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام. وقيل هي مشتقة من قولهم رجل جروز، إذا كان لا يبقى شيئاًً إلا أكله: وكذلك ناقة جروز، إذا كانت تأكل كل شيء تجده، وقال مجاهد إنها أرض النيل لأن الماء إنما يأتيها في كل عام.
(فنخرج به) أي: بالماء (زرعاً تأكل منه أنعامهم) أي من الزرع، كالتبن والقصل، والورق، وبعض الحبوب المخصوصة بها، ونحوها مما لا يأكله الناس (وأنفسهم) أي: يأكلون من الحبوب، والثمار، والأقوات الخارجة من الزرع مما يقتاتونه، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على النبات، ولأن أكلها منه مقدم، لأنها تأكله قبل أن يثمر، ويخرج سنبله.
(أفلا يبصرون) هذه النعم ويشكرون النعم ويوحِّدونه، لكونه المتفرد بإيجاد ذلك، وجعلت الفاصلة: يبصرون لأن الزرع مرئي، وفيما قبله يسمعون لأن ما قبله مسموع، أو ترقياً إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير، ودفع العذر.
стр. 7339
(ويقولون) بطريق الاستعجال تكذيباً واستهزاء. والقائلون هم الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص (متى هذا الفتح) الذي تعدنا به، يعنون بالفتح القضاء والفصل بين العباد، وهو يوم البعث الذي يقضي الله فيه بين العباد، قاله مجاهد وغيره، قال الفراء، والقتيبي: هو فتح مكة.
قال قتادة: قال أصحاب النبي ﷺ للكفار. إن لنا يوماً نتنعم فيه ونستريح، ويحكم الله بيننا وبينكم، يعنون يوم القيامة، فقال الكفار: متى هذا الفتح؟ وقال السدي: هو يوم بدر، لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون للكفار إن الله ناصرنا، ومظهرنا عليكم، وعن ابن عباس قال: يوم بدر فتح للنبي ﷺ فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت (إن كنتم صادقين) فيما تدعونه من نصر المؤمنين، وإظهارهم على الكفار، ثم أمر الله سبحانه نبيه ﷺ أن يجيب عليهم فقال:
стр. 7340
(قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) وفي هذا دليل على أن يوم الفتح هو يوم القيامة، الذي هو يوم الفصل يين المؤمنين وأعدائهم، لأن يوم فتح مكة؛ ويوم بدر: كليهما مما ينفع الإيمان، وقد أسلم أهل مكة يوم الفتح، وقبل منهم ذلك النبي ﷺ . والمعنى: ولا يقبل منهم الإيمان، والعدول عن تطبيق الجواب على ظاهر سؤالهم؛ للتنبيه على أنه ليس مما ينبغي أن يسأل عنه لكونه أمراً بيناً وإنما المحتاج إلى البيان عدم نفع إيمانهم في ذلك اليوم كأنه قيل. لا تستعجلوا فكأني بكم قد آمنتم فلم ينفعكم واستنظَرتم فلم تُنظَروا، والآية إن عمت غير المستهزئين فهي تعميم بعد تخصيص، وإن خصت بهم فهو إظهار في مقام الإضمار تسجيلاً عليهم بالكفر، وبياناً لعلة عدم النفع وعدم إمهالهم.
(ولا هم ينظرون) أي لا يمهلون ولا يؤخرون بتأخير العذاب عنهم ليتوبوا ويعتذروا، ولما فتحت مكة هرب قوم من بني كنانة فلحقهم خالد بن الوليد؛ فأظهروا الإسلام فلم يقبله منهم خالد وقتلهم.
стр. 7341
(فأعرض عنهم) أي عن سفههم وتكذيبهم، ولا تجبهم إلا بما أمرت به (وانتظر) يوم الفتح، وهو يوم القيامة أو يوم إهلاكهم بالقتل، وموعدي لك بالنصر عليهم (إنهم منتظرون) لإهلاككم، أو انتظر عذابنا إياهم فهم منتظرون ذلك.
والآية منسوخة بآية السيف، وذلك قوله لا ينفع .. الخ قاله ابن عباس، وقيل غير منسوخة إذ يقع الإعراض مع الأمر بالقتال، وقرىء منتظرون بفتح الظاء، مبنياً للمفعول. قال الفراء: لا يصح هذا إلا بإضمار أي إنهم منتظر بهم، قال أبو حاتم: الصحيح الكسر، أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك.
стр. 7342
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأحزاب
(هي ثلاث وسبعون آية)
قال ابن عباس: نزلت بالمدينة وعن ابن الزبير مثله وعن زر قال: قال لي أبيّ بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية فقال: قط؟ لقد رأيتها وأنها لتعادل سورة البقرة: أو أكثر من سورة البقرة: ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم. فرفع فيما رفع. قال ابن كثير: وإسناده حسن.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد يا أيها الناس: إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. ورجم رسول الله ﷺ ، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ". وقد روي عنه نحو هذا من طرق.
стр. 7343
وعن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي ﷺ مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن.
قال النسفي: وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض.
стр. 7344
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)
стр. 7345
(يا أيها النبي) أي: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا، وإنما لم يقل: يا محمد كما قال: يا آدم، يا موسى، تشريفاً له، وتنويهاً بفضله، وتصريحه باسمه في قوله: محمد رسول الله ونحوه، لتعليم الناس بأنه رسول الله ليلقبوه بذلك، ويدعوه به.
(اتق الله) أي: دم على ذلك وازدد منه، فهو باب واسع، وعرض عريض، لا يدرك مداه، ولا ينال منتهاه.
(ولا تطع الكافرين) من أهل مكة، ومن هو على مثل كفرهم (والمنافقين) الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. قال الواحدي: إنه أراد سبحانه بالكافرين: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور السلمي، وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ أرفض ذكر آلهتنا، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها، قال: والمنافقين عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
(إن الله كان عليماً حكيماً) في أي: كثير العلم والحكمة بليغهما، قال النحاس: " ودل بقوله هذا على أنه كان يميل إليهم يعني النبي ﷺ استدعاء لهم إلى الإسلام، والمعنى أن الله لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما
стр. 7346
نهاك عنهم، لأنه حكيم " ولا يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر بالتقوى، والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، والمعنى: أنه لا يأمرك أو ينهاك إلا بما علم فيه صلاحاً أو فساداً لكثرة علمه، وسعة حكمته.
стр. 7347
(واتبع) في جميع أمورك (ما يوحى إليك من ربك) من القرآن ولا تتبع شيئاًً مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين، ولا من الرأي البحت، فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك.
(إن الله كان بما تعلمون خبيراً) تعليل لأمره باتباع ما أوحي إليه، وتأكيد لموجبه، والأمر له ﷺ أمر لأمته، فهم مأمورون باتباع القرآن، كما هو مأمور باتباعه، ولهذا جاء بخطابه وخطابهم في قوله: بما تعلمون على قراءة الجمهور بالفوقية على الخطاب، وقرىء بالتحتية، والواو ضمير الكفرة والمنافقين، أي: إنه خبير بمكايدهم؛ فيدفعها عنك.
стр. 7348
(وتوكل على الله) أي اعتمد عليه وفوض أمورك إليه (وكفى بالله وكيلاً أي حافظاً يحفظ من توكل عليه، وقيل: كفيلاً برزقك، وقال الزجاج: لفظه وإن كان لفظ الخبر فالمعنى اكتف بالله وكيلاً، ثم ذكر سبحانه مثلاً توطئة وتمهيداً لما يتعقبه من الأحكام القرآنية التي هي من الوحي الذي أمره الله باتباعه فقال:
стр. 7349
(ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وقيل: هي مثل ضربه الله للمظاهر، أي: كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان وكذلك لا يكون الدعي ابن الرجل، وقيل كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا، وقلب بكذا فنزلت الآية برد النفاق وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام؛ كما لا يجتمع قلبان، والقلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله وجعلها محلاً للعلم و (من) زائدة وقال: في جوفه لأنه معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني ومنبع القوى بأسرها؛ فيمتنع
стр. 7350
تعدده لأنه يؤدي إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلاً لكل القوى وغير أصل لها.
عن ابن عباس قال: قام النبي ﷺ يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: إلا ترى أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم، فنزل (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).
وعنه بلفظ: صلى النبي ﷺ صلاة، فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فقالوا: إن له قلبين، فنزلت. وعنه أيضاًً قال: كان رجل من قريش يسمى من دهائه: ذا القلبين فأنزل الله هذا في شأنه.
(وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) قرىء اللائي بياء ساكنة بعد همزة وبياء ساكنة بعد ألف محضة قال أبو عمرو بن العلاء: إنها لغة قريش التي أمر الناس أن يقرأوا بها وتظاهرون مضارع ظاهر، وقرىء مضارع تظاهر والأصل تتظاهرون وقرىء تظهرون والأصل تنظهرون، وأخذ ذلك من لفظ الظهر كأخذ لبى من التلبية، وإنما عُدّي بمن لأنه ضُمّن معنى التباعد، كأنه قيل: متباعدين من نسائكم بسبب الظهار، كما تقدم في تعدية الإيلاء بمن في البقرة.
والظهار أصله أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، والمعنى ما جعل الله نساءكم اللاتي تقولون لهن هذا القول كأمهاتكم في التحريم، ولكنه منكر من القول وزور، وإنما تجب به الكفارة بشرطه، وهو العود كما ذكر في سورة المجادلة بقوله: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا أي نفسه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها زمناً يمكنه أن يفارقها فيه أو لا يفارقها، لأنه مقصود المظاهر وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه قاله الكرخي.
(وما جعل أدعياءكم) أي: وكذلك ما جعل الأدعياء الذين تدعون أنهم أبناؤكم (أبناءكم) والأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعى ابناً لغير أبيه
стр. 7351
فهو فعيل بمعنى مفعول ولكن جمعه على أدعياء غير مقيس لأن أفعلاء إنما يكون جمعاً لفعيل، المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل؛ نحو تقي وأتقياء، وغني وأغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام لأن أصله دعيو فأدغم إلا أنه بمعنى مفعول فكان القياس جمعه على فَعلى كقتيل وقتلى وجريح وجرحى، ومريض ومرضى، ونظير هذا في الشذوذ قولهم: أسير وأسارى، والقياس أسرى، وقد سمع فيه الأصل قاله السمين.
(ذلكم) أي ما تقدم من ذكر الظهار والادعاء (قولكم بأفواهكم) أي ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه، ولا تأثير له في الخارج، فلا تصير المرأة به أمه، ولا ابن الغير به إبناً، ولا يترتب على ذلك شيء من أحكام الأمومة والبنوة.
وقيل: الإشارة راجعة إلى الادعاء أي: ادعاؤكم أن أبناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له بل هو مجرد قول بالفم؛ إذ الابن لا يكون إلا بالولادة وفيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل، فيجعله كالابن المولود يدعوه إليه الناس، ويرث ميراثه، وكان النبي ﷺ أعتق زيد بن حارثة الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة، فلما تزوج زينب -وكانت تحت زيد- قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ بها التبني.
قال النحاس: وهذا من نسخ السنة بالقرآن. قال القرطبي: أجمع أهل التفسير على أن هذا القول أنزل في زيد بن حارثة.
(والله يقول الحق) الذي يحق اتباعه لكونه حقاً في نفسه، لا باطلاً، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم (وهو يهدي السبيل) أي يدل على الطريق الموصلة إلى الحق، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق، وتراث قول الباطل والزور، ثم صرح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء للآباء فقال:
стр. 7352
(ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (٦))
стр. 7353
(ادعوهم لآبائهم) للصلب وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم؛ أخرج البخاري، ومسلم وغيرهما، عن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: أدعوهم لآبائهم، فقال رسول الله ﷺ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
(هو أقسط عند الله) تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى مصدر: ادعوهم ومعنى أقسط: أعدل، أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم، كقوله: (الله أكبر، أو أعدل من قولكم: هو ابن فلان، ولم يكن ابنه لصلبه، وأقسط أفعل تفضيل، قصد به الزيادة مطلقاً، من القسط بمعنى العدل، وانظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث وصل الجمل الطلبية. ثم فصل الخبرية عنها، ووصل بينها؛ ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها، ثم فصل بالطلبية ثم تمم الإرشاد للعباد فقال:
(فإن لم تعلموا آباءهم) تنسبونهم إليهم (فإخوانكم) أي فهم إخوانكم (في الدين ومواليكم) فقولوا: أخي ومولاي، ولا تقولوا: ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة، قال الزجاج: مواليكم، أي أولياؤكم في الدين.
وقيل المعنى: فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحراراً فقولوا: موالي فلان
стр. 7354
(وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) أي إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه (ولكن) الإثم.
(ما تعمدت قلوبكم) وهو ما قلتموه على طريقة العمد، من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك، قال قتادة: لو دعوت رجلاً بغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس بخلاف الحال في زيد فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمداً عصى بقوله هذا، عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي ﷺ قال: " من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " أخرجه البخاري ومسلم.
(وكان الله غفوراً رحيماً) يغفر للمخطىء ويرحمه، ويتجاوز عنه. أو غفور للذنوب، رحيماً بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلاً لغير أبيه خطأً، أو قبل النهي عن ذلك، أو على سبق اللسان؛ ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة، وخصوصية جليلة؛ لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال:
стр. 7355
(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي هو أحق بهم، وأرأف، وأشفق في كل ما دعاهم إليه من أمور الدين والدنيا، فإن نفوسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، وهو يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم، وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم. وبالجملة فإذا دعاهم النبي ﷺ لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم.
وقيل: المراد بأنفسهم في الآية بعضهم فيكون المعنى أن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وقيل هي خاصة بالقضاء أي هو أولى بهم من
следующие страницы →