ذر الغفاري أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة " (١).
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً أنه موضع القدمين وفي سنده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك.
وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها.
(ولا يؤوده حفظهما) معناه لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض، يقال آدَنيِ بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وقال الزجاج: يحتمل أن يكون الضمير في قوله يؤوده لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله.
(وهو العلي العظيم) العلي يراد به علو القدر والمنزلة أي الرفيع فوق خلقه ليس فوقه شيء وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر فلا أعلى منه أحد، وقيل علا من أن يحيط به وصف الواصفين ذو العظمة والجلال الذي كمل في عظمته.
وحكى الطبري عن بعضهم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، قال ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين وكان الواجب أن لا يحكى انتهى.
والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف، والنزاع فيه كائن
стр. 737
بينهم والأدلة من الكتاب والسنة طافحة بها، ولكن الناشىء على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع، ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها الكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض.
ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على القاهر الغالب أيضاً كما في قوله (إن فرعون علا في الأرض) والعظيم بمعنى عظم شأنه وخطره.
قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه والثانية بيان لكونه مالكاً لما يدبره، والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى، والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره انتهى.
وبالجملة فهذه الآية قد اشتملت على أمهات المسائل الإلهية فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الإلوهية متصف بالحياة الأزلية الأبدية، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزّه عن التحيز والحلول، مبرّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح، مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع، وذو البطش الشديد الذي لا يشفع أحد عنده كائناً من كان إلا من أذن له الرحمن، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كُلّيها وجزئيها، واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن، متعال عن الخلق، مباين عن العالم مستو على العرش، عليّ الذات سمي الصفات كبير الشأن جليل القدر رفيع الذكر مطاع الأمر جلي البرهان عليّ عما يدركه القياس والظن والوهم عظيم لا يحيط به عالم الخلائق والفهم.
ولذلك قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث فأخرج أحمد ومسلم واللفظ
стр. 738
له عن أبي بن كعب أن النبي ﵌ سأله: أي آية من كتاب الله أعظم قال: آية الكرسي قال: " ليهنك العلم أبا المنذر ".
وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري أن النبي ﵌ جاءهم في صفّة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم فقال النبي ﵌: (الله لا اله إلا هو الحي القيوم) الآية.
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا وخرج منه، آية الكرسي " قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت سمعت رسول الله ﵌ يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، والم، الله لا إله إلا هو) " إن فيهما اسم الله الأعظم ".
وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه وورد أيضاً في فضل قراءتها دُبر الصلوات وفي غير ذلك، وورد أيضاً مع مشاركة غيرها لها أحاديث في فضلها، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير (١).
стр. 739
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
وقد اختلف أهل العلم في قوله (لا إكراه في الدين) على أقوال:
الأول: أنها منسوخة لأن رسول الله ﵌ قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام، والناسخ لها قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) وقال تعالى (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين.
القول الثاني: أنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وإنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، بل الذين يكرهون هم أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاك.
القول الثالث: أن هذه الآية في الأنصار خاصة.
القول الرابع: أن معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره فلا إكراه في الدين.
القول الخامس: أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام.
وقال ابن كثير في تفسيره أى لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على
стр. 740
الدخول فيه، بل من هداه الله إلى الإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً (١)، وهذا يصلح أن يكون قولاً سادساً.
وقال في الكشاف في تفسير هذه الآية أي لم يُجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على التمكن والإختيار، ونحوه قوله (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) أي لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكن لم يفعل وبنى الأمر على الأختيار، وهذا يصلح أن يكون قولاً سابعاً.
والذي ينبغي اعتماده ويتعين الوقوف عنده أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمه غير منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت يهود بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فنزلت، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس.
وقد وردت هذه القصة من وجوه حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا إنما جعلناهم على دينهم أي دين اليهود ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام فلنكرهنهم، فلما نزلت خيّر الأبناء رسول الله ﵌ ولم يكرههم على الإسلام.
وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية، وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم لأن النكرة في سياق النفي وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خصص هذا العموم بما ورد في الآيات من إكراه
стр. 741
أهل الحرب من الكفار على الإسلام.
وقد قيل هذه الآية إلى (خالدون) من بقية آية الكرسي، والتحقيق أن هذه الآية مستأنفة جيء بها إثر بيان صفات الباري المذكورة إيذاناً بأن من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والإكراه في الدين بل يختار الدين الحق من غير تردد.
(قد تبيّن الرشد من الغيّ) الرشد هنا الإيمان، والغي الكفر أي قد تميز أحدهما من الآخر، وأصل الغي بمعنى الجهل إلا أن الجهل في الاعتقاد والغي في الأعمال، وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله.
(فمن يكفر بالطاغوت) الطاغوت فعلوت من طغى يطغى ويطغو، إذا جاوز الحد، قال سيبويه: هو اسم مذكر مفرد أي اسم جنس يشمل القليل والكثير قاله سيبويه، وقال أبو علي الفارسي إنه مصدر كرهبوت وجبروت يوصف به الواحد والجمع.
وقيل أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من مخير اشتقاق، وقال المبرد هو جمع، قال ابن عطية وذلك مردود.
قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والساحر والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله وقد يكون واحداً، قال تعالى (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) وقد يكون جمعاً، قال تعالى (أولياؤهم الطاغوت) والجمع الطواغيت أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورؤس الضلالة أو بالجميع.
(ويؤمن بالله) بعدما تميز له الرشد من الغي، والحق عن الباطل والهدى عن الضلالة، وإنما قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لأن
стр. 742
الشخص ما لم يخالف الشيطان ويترك عبادة غيره تعالى لم يؤمن بالله كما قالوا إن التخلية مقدمة على التحلية.
(فقد استمسك بالعروة) هو في الأصل شد اليد وأصل المادة يدل على التعلق، ومنه عروته إذا ألمت به متعلقاً به واعتراه الهم تعلق به (الوثقى) أي فقد فاز وتمسّك بالحبل الوثيق المحكم، والوثقى فعلى من الوثاقة تأنيث الأوثق وجمعها وثق مثل الفضلى والفضل.
وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب التشبيه والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة فقيل المراد بالعروة الإيمان، وقيل الإسلام، وقيل لا إله إلا الله، وقيل من باب الاستعارة المفردة حيث استعير العروة الوثقى للاعتقاد الحق ولا مانع من الحمل على الجميع.
(لا انفصام لها) الانفصام الانكسار من غير بينونة، قال الجوهري: فصم الشيء كسره من غير أن يبين، وأما القصم بالقاف فهو الكسر مع البينونة، وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع.
والمعنى أن المتمسك بالدين كالمتمسك بالشيء الذي لا يمكن كسره ولا انقطاعه، والجملة مستأنفة أو حالية (والله سميع عليم) يسمع قول من كفر بالطاغوت وأتى بالشهادتين، والجملة اعتراض تذييلي حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد.
стр. 743
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)
(الله ولي الذين آمنوا) الولي فعيل بمعنى فاعل وهو الناصر (يخرجهم من الظلمات إلى النور) تفسير للولاية أو حال من الضمير في ولي، وهذا يدل على أن المراد بقوله (الذين آمنوا) الذين أرادوا الإيمان لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبهة التي تعرض المؤمنين فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، قيل كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد به الكفر والإيمان غير الذي في سورة الأنعام فالمراد به الليل والنهار، وإفراد النور لوحدة الحق، وجمع الظلمات لتعدد فنون الضلال.
(والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) المراد بالنور ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم منه إلى ظلمة الكفر أي قرّرهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الحق من الأنبياء، وقيل المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج، وقيل ذكر هذا الإخراج مشاكلة للأول أو فيمن آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به، فتلخص أن الجواب الأول بالتسليم والثاني بالمنع.
(أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) يعني الكفار والطاغوت أي هم ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم ماكثون فيها أبداً.
стр. 744
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
(ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه) في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي أي ألم ينته علمك أو نظرك إلى هذا الذي صدرت منه هذه المحاجة، وألم تر: كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ولفظها استفهام، قال الفراء: ألم تر بمعنى هل رأيت أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم وهو النمرود بن كوش ابن كنعان بن سام بن نوح، وقيل إنه النمرود بن فالخ بن شانج بن أرفخشد ابن سام، وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية وكان ابن زنا.
(أن آتاه الله الملك) أي لأن آتاه الله أو من أجل أن آتاه الله على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو، فحاج لذلك أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر، كما يقال عاديتني لأني أحسنت إليك.
قال مجاهد: ملك الأرض أربعة: مؤمنان سليمان وذو القرنين، وكافران نمرود وبخت نصر، واختلفوا في وقت المحاجة فقيل لما كسر إبراهيم الأصنام وقيل بعد إلقائه في النار، وكان مدة ملكه أربعمائة سنة.
(إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت) أراد
стр. 745
إبراهيم ﵇ أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر على أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جواباً أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكافر، فلو قال له ربي الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك لبهت الذي كفر بادىء بدء وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى أوضح منها تنفيساً لخناقه وإرسالاً لعنان المناظرة. (١)
(قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) لكون هذه الحجة لا تجري فيها الغالطة ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة وتمويهاً وتلبيساً على العوام.
(فبهت الذي كفر) بهت الرجل وبهت وبهت إذا انقطع وسكت متحيراً، وقال ابن عطية: وقد تأوّل قوم في قراءة بهت بالفتح أنه بمعنى سب وقذف وأن النمرود هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة انتهى.
وقال سبحانه (فبهت الذي كفر) ولم يقل فبهت الذي حاج إشعاراً بأن تلك المحاجة كفر، وقيل هذا الفعل من جملة الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمفعول، والمعنى فيها على البناء للفاعل، والبهت الانقطاع والحيرة وهو مبهوت لا باهت ولا بهيت.
(والله لا يهدي القوم الظالمين) تذييل مقرر لمضمون الجملة التي قبله.
стр. 746
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)
(أو كالذي مرّ على قرية) أي ألم تر إليه كيف هداه الله وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود.
واختلف في ذلك المار فروى عن مجاهد أنه كان كافراً شكّ في البعث، وهذا ضعيف جداً لقوله (كم لبثت) والله لا يخاطب الكافر، ولقوله (ولنجعلك آية للناس) وهذا لا يستعمل في حق الكافر.
وقال ابن عباس، وعبد الله بن سلام وسليمان وبريدة والضحاك وقتادة وعكرمة والسدي: هو عزيز بن شرخيا، وقال ابن عبيد ووهب بن منبه: هو أرمياء بن حلقياء من سبط هرون وهو الخضر بعينه، وعن رجل من أهل الشام أنه حزقيل.
ومقصود القصة تعريف منكري البعث قدرة الله على إحياء خلقه بعد إماتتهم لا تعريف اسم ذلك المار.
قال وهب وعكرمة والربيع: إن القرية هي بيت المقدس بعد تخريب بخت نصر لها، وقيل المراد بالقرية أهلها، وقيل هي القرية التي خرج أهلها من ديارهم وهم ألوف، وقال الكلبي: هي دير سابر آباد موضع بفارس، وقال السدي: سلما باد محلة أو قرية من نواحي جرجان أو همدان، وقيل دير هرقل
стр. 747
بين بصرة وعسكر مكرم على شط دجلة، والأول هو الأظهر والأشهر.
(وهي خاوية على عروشها) أي ساقطة يعني سقط السقف ثم سقطت الحيطان عليه، قاله السدي واختاره ابن جرير، وقيل معناه خالية من الناس، والبيوت قائمة، وأصل الخوى: الخلو يقال خوت الدار وخويت تخوى خواء ممدود وخوياً أقوت، والخوى أيضاً الجوع لخلو البطن عن الغذاء.
والظاهر القول الأول بدلالة قوله (على عروشها) من خوى البيت إذا سقط وخوت الأرض إذا انهدمت، قال ابن عباس: خاوية أي خراب، وقال قتادة: خاوية أي ليس فيها أحد، وقال الضحاك: العروش السقوف.
(قال) أي ذلك المار (أنىّ يحيى هذه الله بعد موتها) أي متى يحيي أو كيف يحيي، وهو استبعاد لإحيائها وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات المباينة لحالة الأحياء، وتقديم المفعول لكون الإستبعاد ناشئاً من جهته لا من جهة الفاعل، وقيل: قال ذلك استعظاماً لقدرته تعالى، قاله السيوطي.
وعبارة أبي السعود قال: ذلك تلهفاً عليها، وتشوقاً إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها، وعبارة البيضاوي قال: ذلك اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإحياء ..
وسبب توجعه على تلك القرية أنه كان أهلها من جملة من سباهم بخت نصر، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة توجع وتلهف.
ولما قال المار هذه المقالة مستبعداً لإحياء القرية المذكورة بالعمارة لها والسكون فيها ضرب الله له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه فقال (فأماته الله مائة عام) وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء فلذلك ضرب له المثل في نفسه.
стр. 748
قال ابن عطية: ليس يدخل شك في قدرة الله سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصور الشك إذا كان سؤاله عن إحياء موتاها، والعام السنة أصله مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان والعوم هو السباحة سميت السنة عاماً لأن الشمس تعوم في جميع بروجها.
(ثم بعثه) أي أحياه ليريه كيفية ذلك، وإيثار البعث على الإحياء للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على الباري تعالى كأنه بعثه من النوم، وللإيذان بأنه عاد كهيئته يوم موته عاقلاً فاهماً مستعداً للنظر والاستدلال.
قال علي: فأول ما خلق الله عيناه فجعل ينظر إلى عظامه ينضم بعضها إلى بعض ثم كسيت لحماً ثم نفخ فيه الروح، قال علي: فأتى مدينته وقد ترك جاراً له إسكافاً شاباً فجاء وهو شيخ كبير.
(قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم) اختلف في فاعل قال فقيل هو الله وقيل ناداه بذلك ملك من السماء قيل هو جبريل وقيل غيره، وقيل إنه نبي من الأنبياء وقيل رجل من المؤمنين من قومه شاهده عند إن أماته الله وعمر إلى حين بعثه، والأول أولى لقوله فيما بعد (وانظر إلى العظام كيف ننشزها).
وإنما قال (يوماً أو بعض يوم) بناء على ما عنده وفي ظنه فلا يكون كاذباً، ومثل قول أصحاب الكهف (قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) ومثله قوله ﷺ في قصة ذي اليدين " لم تقصر ولم أنس " (١) وهذا مما يؤيد قول من قال: إن الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه.
وقيل إن الله أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس، فقال (لبثت يوماً) وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال (أو بعض يوم) وقيل إن أو بمعنى بل التي للإضراب وهو قول ثابت وقيل هي للشك والأول أولى.
стр. 749
(قال بل لبثت مائة عام) هو استئناف أيضاً كما سلف أي ما لبثت يوماً ْأو بعض يوم بل لبثت مائة عام (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه) الطعام هو التين الذي كان معه والشراب هو العصير، والمعنى لم يتغير ولم ينتن فكان التين كأنه قد قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته.
أمره الله أن ينظر إلى هذا الأثر العظيم من آثار القدرة، وهو عدم تغير طعامه وشرابه مع طول تلك المدة.
والتسنّه مأخوذ من السنة أي لم تمر عليه السنون أي المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره مع طول الزمان، مع أن شأنه التغير سريعاً، وأصله سنهة أو سنعة من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون، ونخلة سنّاء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى.
وقيل هو من أسن الماء إذا تغير، وكان يجب على هذا أن يقال يتأسن من قوله (حمأ مسنون) قاله أبو عمرو الشيباني، وقال الزجاج: ليس كذلك لأن قوله (مسنون) ليس معناه متغير وإنما معناه مصبوب على سنه الأرض.
(وانظر إلى حمارك) اختلف المفسرون في معناه فذهب الأكثر إلى أن معناه أنظر إليه كيف تفرقت أجزاؤه ونخرت عظامه وتقطعت أوصاله، ثم أحياه الله وعاد كما كان لتشاهد كيفية الإحياء، فالنظران مختلفان، وقال الضحاك ووهب بن منبه: أنظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء بعد أن مضت عليه مائة عام.
ويؤيد القول الأول قوله تعالى (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) ويؤيد القول الثاني مناسبته لقوله (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه).
وإنما ذكر سبحانه عدم تغير طعامه وشرابه بعد إخباره أنه لبث مائة عام، مع أن عدم تغير ذلك الطعام والشراب لا يصلح أن يكون دليلاً على تلك المدة الطويلة، بل على ما قاله من لبثه يوماً أو بعض يوم، لزيادة استعظام ذلك الذي أمات تلك المدة، فإنه إذا رأى طعامه وشرابه لم يتغير مع كونه قد ظن
стр. 750
أنه لم يلبث إلا يوماً أو بعض يوم، زادت الحيرة وقويت عليه الشبهة، فإذا نظر إلى حماره عظاماً نخرة تقرر لديه أن ذلك صنع من تأتي قدرته بما لا تحيط به العقول، فإن الطعام والشراب سريع التغير، وقد بقي هذه المدة الطويلة غير متغير، والحمار يعيش المدة الطويلة وقد صار كذلك فتبارك الله أحسن الخالقين.
(ولنجعلك آية للناس) وعبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله الفراء، وقال الأعمش: كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات فوجد الأبناء والحفدة شيوخاً.
(وانظر إلى العظام كيف ننشزها) قرأ الكوفيون بالزاي والباقون بالراء، وقد أخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قرأ كيف ننشزها فمعنى القراءة بالزاي نرفعها ومنه النشز، وهو المرتفع من الأرض أي نرفع بعضها إلى بعض، وأما معنى القراءة بالراء فواضحة من أنشر الله الموتى أي أحياهم.
(ثم نكسوها لحماً) أي نسترها به كما يستر الجسد باللباس، واستعار اللباس لذلك ولعل عدم التعرض لنفخ الروح لما أن الحكمة لا تقتضي بيانه.
(فلما تبين له) ما تقدم ذكره من الآيات التي أراه الله سبحانه وأمره بالنظر إليها والتفكر فيها التي استغربها، قال ابن جرير: لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه من إحياء القرية.
وقال الزمخشري: ما أشكل عليه يعني من أمر الإحياء، والأول أولى لأن قوة الكلام تدل عليه بخلاف الثاني.
(قال أعلم) أي علم مشاهدة بعد العلم اليقيني الحاصل بالفطرة والأدلة العقلية، قال أبو علي الفارسي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته (أن الله على كل شيء قدير) لا يستعصي عليه شيء من الأشياء، ويدخل تحته الإماتة والإحياء دخولاً أولياً.
стр. 751
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) إذ ظرف منصوب بفعل محذوف أي اذكر وقت قول إبراهيم، وإنما كان الأمر بالذكر موجهاً إلى الوقت دون ما وقع فيه مع كونه المقصود لقصد المبالغة لأن طلب وقت الشيء يستلزم طلبه بالأولى، وهكذا يقال في سائر المواضع الواردة في الكتاب العزيز بمثل هذا الظرف.
وقوله " ربّ " آثره على غيره لما فيه من الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء، قال الأخفش: لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين، وكذا قال غيره ولا يصح أن يراد به الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة.
(قال أو لم تؤمن) أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءَته (قال بلى) علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك (ولكن) سألت (ليطمئن قلبي) باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان.
وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم يكن شاكاً في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أُخبرت عنه، ولهذا قال النبي ﷺ : ليس الخبر كالمعاينة (١).
стр. 752
وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله، واستدلوا بما صح عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما من قوله " نحن أحق بالشك من إبراهيم، وبما روى عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن عندي آية أرجى منها. أخرجه عنه الحاكم وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له.
قال ابن عطية وهو عندي مردود يعني قول هذه الطائفة ثم قال: وأما قول النبي ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " فمعناه أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى أن لا يشك ".
فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم.
وأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث أن فيها الإدلال على الله وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك.
ويجوز أن نقول هي أرجى آية لقوله (أو لم تؤمن) أي أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث، قال: فالشك يبعد على من ثبت قدمه بالإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلّة والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً.
وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر الألفاظ للآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول نحو قولك: كيف علم زيد، وكيف نسج الثوب، ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله.
وقد يكون كيف خبراً عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وهي في هذه الآية استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض
стр. 753
المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح.
مثال ذلك أن يقول مدّع أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب له أرني كيف ترفعه، فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدل، كأنه يقول افرض أنك ترفعه.
فلما كان في عبارة الخليل هذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له (أو لم تؤمن قال بلى) فكمل الأمر وتخلص من كل شيء ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة.
قال القرطبي: هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.
وقد أخبر الله سبحانه أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وقال اللعين (إلا عبادك منهم المخلصين) وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها.
فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين.
فقوله (ربِّ أرني كيف) طلب مشاهدة الكيفية، قال الماوردي: وليست الألف في قوله (أو لم تؤمن) ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير، والواو واو الحال، وتؤمن معناه إيماناً مطلقاً دخل فيه فصل إحياء الموتى، والطمأنينة اعتدال وسكون، وقال ابن جرير: ليوقن قلبي.
(قال فخذ أربعة من الطير) أي إن أردت ذلك فخذ، والطير اسم جمع
стр. 754
لطائر كركب لراكب وهو مذهب أبي الحسن أو جمع نحو تاجر وتجر أو مصدر قاله أبو البقاء: وخص الطير بذلك قيل لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان شبهاً في تدوير الرأس والمشي على الرجلين، وقيل إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو.
وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير، وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع وليست إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوهاً لكلام الله وعللاً لما يرد في كلامه.
وهكذا قيل ما وجه تخصيص هذا العدد فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد، فقيل إن الخليل إنما سأل واحداً على عدد العبودية فأعطي أربعاً على قدر الربوبية، وقيل الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي يتركب منها أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان.
قال ابن عباس: والطير الذي أخذ وز ودال وديك وطاوس، وروي نحوه عن قتادة والحسن وعنه قال الغرنوق والطاوس والديك، والحمامة، وقال مجاهد الغراب بدل الغرنوق.
(فصرهن إليك) أي اضممهن إليك وأملهن واجمعهن يقال رجل أصور إذا كان مائل العنق ويقال صار الشيء يصوره يصيره أماله أو قطعه، فاللغتان لفظ مشترك بين هذين العنيين والقراءتان تحتملهما معاً، وقرىء فصرهن بضم الصاد وكسرها وقيل معناه قطعهن، وبه قال ابن عباس، وبالنبطية مزقهن وشققهن، وعنه قال أوثقهن.
(ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً) فيه الأمر بالتجزئة لأن جعل كل جزء على جبل يستلزم تقدم التجزئة، قال الزجاج: المعنى ثم اجعل على كل
стр. 755
جبل من كل واحد منهن جزءاً، والجزء النصيب، واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال وليس في ذكر ذلك كثير فائدة.
(ثم ادعهن) أي قل لهن تعالين بإذن الله تعالى (يأتينك) إتياناً سريعاً (سعياً) أي مشياً سريعاً. والمراد بالسعي الإسراع في الطيران أو المشي وقيل السعي هو الحركة الشديدة، وقيل العدو، وقيل الطيران، وفيه أنه لا يقال للطائر إذا طار سعى، فالحكمة في السعي دون الطيران أن ذلك أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور، أو أن أرجلها غير سليمة فنفى الله تعالى هذه الشبهة (واعلم أن الله عزيز حكيم) في صنعه.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: وضعهن على سبعة أجبل وأخذ الرؤوس بيده فجعل ينظر إلى القطرة تلقى القطرة والريشة تلقى الريشة حتى صرن أحياء ليس لهن رؤوس فجئن إلى رؤوسهن فدخلن فيها، وناهيك بالقصة دليلاً على فضل الخليل وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه ما سأل في الحال، وأرى العُزَيْر ما أراه بعد إماتته مائة عام (١).
стр. 756
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)
(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل المراد به الإنفاق في الجهاد وقيل في جميع وجوه البر فيدخل فيه الواجب والتطوع (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) المراد بالسبع السنابل هي التي تخرج في ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ابن آدم، وقيل المراد بالسنابل هنا سنابل الذرة والدخن فهو الذي يكون منهما في السنبلة هذا العدد.
وقال القرطبي: إن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر على ما شاهدنا، قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر.
وقال الطبري: إن قوله في كل سنبلة مائة حبة معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن يفرضه والذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه الآية وأمثالها أن المقصود بها مجرد تمثيل زيادة الأجر وكثرة الثواب دون وجود ذلك.
(والله يضاعف لمن يشاء) يحتمل أن يكون المراد يضاعف هذه المضاعفة
стр. 757
لمن يشاء أو يضاعف هذا العدد فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء لا لكل الناس، وهذا هو الراجح لما سيأتي.
وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها (١)، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، فيبنى العام على الخاص، وهذا بناء على أن سبيل الله هو الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به وجوه الخير فيخص هذا التضعيف إلى سبعمائة بثواب النفقات ويكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك (والله واسع عليم).
أخرج مسلم وأحمد والنسائي والحاكم والبيهقي: عن ابن مسعود: " أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة " (١).
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله ﷺ : " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " (٢) وأخرجه البخاري في تاريخه من حديث أنس.
وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة وزاد " من أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً فالحسنة بعشر أمثالها ".
وأخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم من حديث عمران بن حصين وعلي وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وابن عمر وجابر كلهم يحدّث عن رسول
стр. 758
الله ﷺ " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم " (١) ثم تلا هذه الآية (والله يضاعف لمن يشاء).
وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " (٢) وأخرجه أيضاً مسلم.
وأخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة منها عشرة أضعاف ".
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في أجر من جهّز غازياً (٣).
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الصلاة والصوم والذكر يضاعف عن النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف " (٤).
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف " (٥).
(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) هذه الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي تقدم أي هو إنفاق الذين ينفقون، قيل نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وأما عبد الرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلا رسول الله ﷺ .
(ثمّ لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى) المن هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، وقيل المن التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه، والمن من الكبائر كما ثبت في صحيح مسلم (١) وغيره أنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم.
والأذى السب والتطاول والتشكي، قال في الكشاف: ومعنى (ثم) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الإستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله (ثم استقاموا) انتهى.
فثم على هذا للتراخي في الرتبة، وقيل هو على بابه للتراخي في الزمان نظراً للغالب من أن وقوع المن والأذى يكون بعد الإنفاق بمدة، وقدَّم المنَّ على الأذى لكثرة وقوعه، ووسط كلمة " لا " للدلالة على شمول النفي لاتباع كل واحد منهما.
(لهم أجرهم) يعني ثوابهم في الآخرة (عند ربهم) فيه تأكيد وتشريف
стр. 761
(ولا خوف عليهم) يعني يوم القيامة (ولا هم يحزنون) يعني على ما خلّفوا من الدنيا، وظاهر الآية نفي الخوف عنهم في الدارين كما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول، وكذلك نفي الحزن يفيد دوام انتفائه عنهم.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في النهي عن المن والأذى وفي فضل الإنفاق في سبيل الله وعلى الأقارب وفي وجوه الخير، ولا حاجة إلى التطويل بذكرها فهي معروفة في مواطنها.
قال عبد الرحمن بن يزيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلاً شيئاً ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه، والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها، والأذى ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل، والمراد هنا أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم.
стр. 762
(قول معروف) قيل الخبر محذوف أي أولى وأمثل، ذكره النحاس، قال: ويجوز أن يكون خبراً عن مبتدأ محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف أي كلام حسن ورد جميل على الفقير السائل، وقيل عِدَة حسنة توعده بها وقيل دعاء صالح تدعو له بظاهر الغيب.
(ومغفرة) له في الحاجة مبتدأ أيضاً وخبره (خير من صدقة) وجاز الإبتداء بالنكرتين لأن الأولى تخصصت بالوصف والثانية بالعطف والمعنى أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو التأنيس والترجية بما عند الله والرد الجميل خير من الصدقة التي (يتبعها أذى) وقد ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ " الكلمة الطيبة صدقة " (١) وأن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق.
стр. 763
والمراد بالمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدّر صدر المسؤول، وقيل إن المراد أن العفو من جهة السائل لأنه إذا رده رداً جميلاً عذره، وقيل المراد فعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة أي غفران الله خير من صدقتكم.
وهذه الجملة مستأنفة مقررة لترك اتباع المن والأذى للصدقة (١)، قال الضحاك: قول معروف رد جميل تقول يرحمك الله ويرزقك الله ولا تنهره ولا تغلظ له القول، وعن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي ﷺ قال: " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق " ألم تسمع قول الله (قول معروف) الآية أخرجه ابن أبي حاتم.
(والله غني) عن صدقة العباد لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤنة المن والأذى ويرزقهم من جهة أخرى (حليم) بتأخير العقوبة عن المانّ والموذي لا يعاجلهم بها لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً.
стр. 764
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)
(يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم) يعني أجورها والإبطال للصدقات إذهاب أثرها وإفساد منفعتها، أي لا تبطلوها (بالمنّ والأذى) أو بأحدهما يعني على السائل الفقير، وقال ابن عباس: بالمن على الله والأذى لصاحبها. قال بعضهم: ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه، وقال بعضهم: له أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن، قال الكرخي: وهذا أوجه وقال بعضهم: لا أجر له في نفقته وعليه وزر فيما مَنَّ على الفقير.
(كالذي) أي كإبطال الذي (ينفق ماله رئاء الناس) أي لأجل الرياء أو مرائياً لا يقصد بذلك وجه الله وثواب الآخرة بل يفعل ذلك رياء للناس وسمعة واستجلاباً لثنائهم عليه ومدحهم له، قيل والمراد به المنافق بدليل قوله (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) قال ابن عباس: لا يدخل الجنة منان، وذلك في كتاب الله يعني هذه الآية.
(فمثله) أي مثل الذي ينفق رئاء الناس أو المان المعطي وقد عدل من خطاب إلى غيبة ومن جمع إلى إفراد (كمثل صفوان) الصفوان الحجر الكبير الأملس الصلب، وفيه لغتان أشهرهما سكون الفاء والثانية فتحها، وبها قرأ ابن المسيب والزهري وهي شاذة، وقال الأخفش: صفوان جمع صفوانة، وقال الكسائي: صفوان واحد وجمعه صفى واصفى وأنكره المبرد، وقال النحاس: يجوز أن يكون جمعاً وأن يكون واحداً وهو أولى لقوله (عليه تراب) أي استقر على الصفوان (فأصابه) أي الصفوان أو التراب (وابل) أي مطر، والوابل
стр. 765
المطر الشديد العظيم القطر، والمطر أوله رشّ ثم طشّ ثم طلّ ثم نضح ثم هطل ثم وبل، يقال وبلت السماء وبلاً، ووبولاً اشتد مطرها، وكان الأصل وبل مطر السماء فحذف للعلم به ولهذا يقال للمطر وابل.
مثل الله سبحانه هذا المنافق بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب (فتركه) أي الصفوان يعني بقي (صلداً) أي أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه، وأملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً، وكذلك حال هذا المرائي يوم القيامة فإن نفقته لا تنفع، قال ابن عباس صلداً أي يابساً جاسياً لا ينبت شيئاً.
(لا يقدرون على شيء مما كسبوا) أي على ثواب شيء مما عملوا في الدنيا، مستأنفة كأنه قيل ماذا يكون حالهم فقيل لا يقدرون الخ (والله لا يهدي القوم الكافرين) يعني الذي سبق في علمه أنهم يموتون على الكفر، وفيه تعريض بأن المن والأذى والرياء من خصال الكفار.
وعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: " إنما أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر، قال: الرياء يقال لهم يوم تجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيراً " رواه البغوي بسنده (١).
وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: " قال الله ﵎ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري وتركته وشركه ".
стр. 766
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)
(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله) ابتغى معناه طلب ومرضاة مصدر رضي يرضى (وتثبيتاً) معناه يثبتون (من أنفسهم) ببذل أموالهم على الإيمان وسائر العبادات رياضة لها وتدريباً وتمريناً أو يكون التثبيت بمعنى التصديق أي تصديقاً للإسلام ناشئاً من جهة أنفسهم.
وقد اختلف السلف في معنى هذا الحرف فقال الحسن ومجاهد معناه أنهم يثبتون أن يضعوا صدقاتهم، وقال بعضهم: معناه تصديقاً ويقيناً، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل معناه احتساباً من أنفسهم؛ قاله قتادة، وقيل معناه أن أنفسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً قاله الشعبي والسدي وابن زيد وأبو صالح، وهذا أرجح مما قبله، يقال ثبت فلاناً في هذا الأمر أثبته تثبيتاً أي صححت عزمه.
(كمثل جنة بربوة) الجنة البستان وهي أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، مأخوذ من لفظ الجن والجنين لاستتارها، وقال أبو السعود الجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاتفة وعلى الأرض المشتملة عليها، والأول أولى، لأجل قوله بربوة، والربوة بالحركات الثلاث المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، وإنما خص الربوة لأن نباتها يكون أحسن من غيره مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب لجودته وكرمه ولطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له.
قال الطبري: وهي أرض الحزن التي تستكثر العرب من ذكرها، واعترضه ابن عطية فقال: إن رياض الحزن منسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن وليست هذه المذكورة هنا من ذلك.
стр. 767
ولفظ الربوة مأخوذ من ربا يربو إذا زاد، وقال الخليل: الربوة أرض مرتفعة طيبة وقيل هي الأرض المستوية الجيدة الطيبة إذا أصابها المطر انتفخت وربت وكثر ريعها وحملت أشجارها.
(أصابها وابل) قال الخليل: الوابل المطر الشديد يقال وبلت السماء تبل والأرض موبولة، قال الأخفش: ومنه قوله تعالى (أخذاً وبيلاً) أي شديداً، وضرب وبيل وعذاب وبيل، قال بعضهم.
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها وابل هطل
أراد بالحزن ما غلظ وارتفع من الأرض (فآتت أكلها) بضم الهمزة الثمرة التي تؤكل كقوله تعالى: (تؤتى أكلها كل حين) وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الفرس وباب الدار (ضعفين) أي مثل ما كانت تثمر بسبب الوابل، فالمراد بالضعف المثل وقيل أربعة أمثال.
(فإن لم يصبها وابل فطل) أي فإن الطل يكفيها وهو الطش أي المطر الضعيف. الخفيف المستدق القطر، قال المبرد وغيره تقديره فطلّ يكفيها، وقال الزجاج: تقديره فالذي يصيبها طل والمراد أن الطل ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وقال قوم: الطل الندى، وفي الصحاح الطل أضعف المطر والجمع أطلال، قال الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر.
والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت متفاوتة ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرة والقليلة، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير والقليل، فكما أن كل واحد من المطرين يضاعف أكلها فكذلك نفقتهم جلّت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم.
(والله بما تعملون) أي عملاً ظاهراً قلبياً (بصير) لا يخفى عليه من شيء، وفي هذا ترغيب لهم بالإخلاص مع ترهيب من الرياء ونحوه فهو وعد ووعيد.
стр. 768
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
(أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب) الود الحب للشيء مع تمنيه والهمزة الداخلة على الفعل لإنكار الوقوع، والجنة تطلق على الشجر الملتف وعلى الأرض التي فيها الشجر، والأول أولى هنا لقوله (تجري من تحتها الأنهار) بإرجاع الضمير إلى الشجر من دون حاجة إلى مضاف محذوف وأما على الوجه الثاني فلا بد من تقديره أي من تحت أشجارها، وهكذا قوله الآتي فاحترقت لا يحتاج إلى تقدير مضاف على الوجه الأول. وأما على الثاني فيحتاج إلى تقديره أي فاحترقت أشجارها.
وخص النخيل والأعناب بالذكر مع قوله: (له فيها من كل الثمرات) لكونهما أكرم الشجر وأشرف الفواكه جامعين لفنون المنافع لما فيهما من الغذاء والتفكه، وهذه الجمل صفات للجنة والنخيل اسم جمع واحده نخلة أو جمع نخل الذي هو اسم جنس، والأعناب جمع عنب الذي هو جنس واحده عنبه.
(وأصابه الكبر) الواو للحال حملاً على المعنى بتقدير قد وقيل غير ذلك وهذا أرجح، وكبر السن هو مظنة شدة الحاجة لما يلحق صاحبه من العجز عن تعاطي الأسباب، والمعنى كثرت جهات حاجاته ولم يكن له كسب غيرها.
(وله ذرية ضعفاء) حال من الضمير في " أصابه " أي والحال أن له أولاداً صغاراً عجزت عن الحركة بسبب الضعف والصغر. فإن من جمع بين كبر السن وضعف الذرية كان تحسّره على تلك الجنة في غاية الشدة (فأصابها إعصار) الإعصار الريح الشديدة المرتفعة التي تهبّ من الأرض إلى السماء
стр. 769
كالعمود، وهي التي يقال لها الزوبعة قاله الزجاج، وقال الجوهري: الزوبعة رئيس من رؤساء الجن، ومنه سمّي الإعصار زوبعة وأم زوبعة وأبا زوبعة يقال فيه شيطان مارد، وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنه عمود، وقيل هي ريح تثير سحاباً ذات رعد وبرق.
وقال ابن عباس: ريح فيها سموم شديدة سميت بذلك لأنها تلتف كما يلتف الثوب المعصور، وقيل لأنها تعصر السحاب، وتجمع على أعاصير، والريح مؤنثة على الأكثر وقد تذكر على معنى الهواء، وقال ابن الأنباري: وكذا سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر.
(فيه نار فاحترقت) عطف على قوله (فأصابها) وهذه الآية تمثيل لمن يعمل خيراً ويضم ما يحبطه فيجده يوم القيامة عند شدة حاجته إليه لا يسمن ولا يغني من جوع بحال من له هذه الجنة الموصوفة وهو متصف بتلك الصفة وقال ابن عباس: ضرب الله مثلاً لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها (١).
(كذلك) أي كما بين ما ذكر من أمر النفقة المقبولة وغيرها (يبين الله لكم الآيات) قال ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وإقبال الآخرة (لعلكم تتفكرون) أي تعتبرون.
стр. 770
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)
(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) أي من جيّد ما كسبتم وخياره كذا قال الجمهور، وقال جماعة إن معنى الطيبات هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين جميعاً لأن جيد الكسب ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع، وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالاً كان أو حراماً، فالحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية.
قال علي ابن أبي طالب: ما كسبتم من الذهب والفضة، وقال مجاهد: من التجارة، وقيل المواشي قيل وفيه دليل على إباحة الكسب، وفي الحديث عن المقدام أن رسول الله ﵌ قال: " ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده " أخرجه البخاري.
واختلف في المراد بالإنفاق فقيل الزكاة المفروضة لأن الأمر للوجوب، وقيل صدقة التطوع وقيل الفرض والنفل جميعاً.
(ومما) أي من طيبات ما (أخرجنا لكم من الأرض) وحذف لدلالة ما قبله عليه وهي النباتات والمعادن والركاز، وقال علي: يعني من الحب والثمر وكل شىء عليه زكاة، وقال مجاهد من الثمار.
وظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض، لكن الجمهور خصصوا هذا العموم، وخصه الشافعي بما يزرعه الآدميون ويقتات اختياراً وقد بلغ نصاباً وبثمر النخل وثمر العنب، وأبقاه أبو حنيفة على عمومه
стр. 771
فأوجبها في كل ما يقصد من نبات الأرض كالفواكه والبقول والخضروات كالبطيخ والقثاء والخيار، وأوجب في ذلك العشر قليلاً كان أو كثيراً، والأول أولى وتفصيل ذلك في كتب الفروع.
(ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون) أي لا تقصدوا المال الرديء، وفي الآية الأمر بأنفاق الطيب والنهي عن إنفاق الخبيث.
وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في الصدقة المفروضة، وذهب آخرون إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع وهو الظاهر، وسيأتي من الأدلة ما يؤيد هذا (١).
وتقديم الظرف يفيد التخصيص أي لا تخصوا الخبيث بالإنفاق أي لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاق به قاصرين له عليه.
أخرج الترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهما عن البراء بن عازب قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفّة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر، والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله هذه الآية، وفي الباب أحاديث.
стр. 772
وعن علي قال: نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله ﵌ يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فأنزل الله هذه الآية. (١)
(ولستم بآخذيه) أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات، هكذا بيّن معناه الجمهور، وقيل معناه ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع (إلا أن) أي بأن (تغمضوا فيه) هو من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ورضي ببعض حقه وتجاوز وغض بصره عنه.
وقرىء بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وقرىء بضم التاء وكسر الميم مشددة، والمعنى على الثانية إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم، وعلى الثالثة إلا أن تأخذوا بنقصان، قال ابن عطية: وقراءة الجمهور وهي الأولى تخرج على التجاوز أو على تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض، أو على أن " إلا " بمعنى حتى أي حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك، والإغماض يطلق على كل من التساهل في الشيء وأطباق جفن العين.
وإذا عرفت هذا عرفت أن لا حاجة لدعوى المجاز والكناية التي قالها بعضهم. والمعنى لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض.
(واعلموا أن الله غني) عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها بل لنفعكم بها واحتياجكم لثوابها فينبغي لكم أن تتحروا فيها الطيب (حميد) محمود في أفعاله على كل حال من التعذيب والإثابة.
(الشيطان يعدكم الفقر) قد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه، ويعدكم معناه يخوفكم بالفقر لئلا تنفقوا، فهذه الآية متصلة بما قبلها وقرىء الفقر بضم الفاء وهي غلة، قال الجوهري: والفقر لغة في الفقر مثل الضعف والضعف (ويأمركم بالفحشاء) أي الخصلة الفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات، قال في الكشاف: والفاحش عند العرب البخيل انتهى.
ولكن العرب وإن أطلقته على البخيل فذلك لا ينافي إطلاقهم على غيره من المعاصي، وقد وقع كثيراً في كلامهم، والمعنى يحسن لكم البخل ومنع الزكاة والصدقة، قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فالمراد به الزنا إلا هذا الموضع.
(والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً) بسبب الإنفاق كقوله (إن الحسنات يذهبن السيئآت) وقوله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيد فقد يقيد تارة بالخير وتارة بالشر، ومنه قوله تعالى (النار وعدها الله الذين كفروا) ومنه أيضاً ما في هذه الآية من تقييد وعد الشيطان بالفقر وتقييد وعد الله سبحانه بالمغفرة والفضل.
والمغفرة الستر على عباده في الدنيا والآخرة لذنوبهم وكفارتها، والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا فيوسع لهم في أرزاقهم وينعم عليهم في الآخرة بما هو أفضل وأكثر وأجل وأجمل.
(والله واسع) أي غني قادر على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه (عليم) بإنفاقكم لا تخفى عليه خافية.
стр. 775
عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان لأن يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر أعط ممسكاً تلفاً " أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث.